Mag-log inالفصل 4
ناريا
---
لاحظ كاين التغير المفاجئ في ملامحي وانحباس أنفاسي. خطى خطوة واحدة هادئة نحو الطاولة الساكنة بجانبه، ودون أن يتدخل في خصوصيتي أو يسأل عن هوية المتصل ، قال بنبرة رصينة ودافئة تُعيد التوازن إلى الروح: "هل أنتِ بخير، ناريا؟"
نظرتُ إليه، وكان كبرياء نفسي يصارع الارتباك الذي غمرني. بلعتُ غصتي وقلتُ بصوت متقطع: "أنا.. أنا أعتذر جداً، سيد كاين. طرأ أمر عائلي طارئ للغاية ويجب عليّ المغادرة فوراً إلى مانهاتن."
لم تظهر على وجهه أي علامات استياء أو انزعاج، بل انهمرت من عينيه هالة شفقة واحترام شديدين. أومأ رأسه بوقار، وسحب من على الطاولة ورقة عقد الإيجار المستعدة ومحبرة أنيقة، ثم وضعها أمامي بنعومة.
قال بأسلوب يحمل كل النبل والاحتواء: "لا داعي للقلق أو الاعتذار أبداً. العقد جاهز كما اتفقنا، الشروط مبسطة للغاية، ويمكنكِ توقيعه الآن إن كنتِ ما زلتِ ترغبين في المنزل، ثم المغادرة فوراً لتدارك أمركِ العائلي. المفاتيح ستكون معكِ ابتداءً من هذه اللحظة."
نظرتُ إلى العقد بسرعة؛ كان ميسراً للغاية، وقيمة الإيجار تقل بكثير عن القيمة السوقية لمثل هذا المنزل الأنيق في الضواحي، وكأنه كُتب خصيصاً ليتناسب مع إمكانياتي وموقفي الحالي دون أن يشعرني بحرج.
أخذت القلم بيد ترتجف خفية، ووقعتُ اسمي في أسفل الصفحة: *ناريا هاريسون*.
مدّ كاين يده ليقدم لي زوجاً من المفاتيح النحاسية ذات طراز كلاسيكي راقٍ، وما إن لامست أطراف أصابعي أنامله حتى سرت حرارة دافئة وغريبة في جسدي، تشبه الأمان الذي حرمتُ منه لسنوات.
قال وهو ينظر في عيني بثبات يقصم أي شك: "المكان ملككِ الآن، ناريا. خذي المفاتيح، وإذا احتجت لأي شيء، يمكنك الاتصال بي."
أخذتُ المفاتيح وضغطتُ عليها بفيض من الامتنان:
"شكراً لك، سيد كاين، أنت حقاً الأفضل."
أخذت حقيبتي واستدارتُ لأخرج بسرعة متجهة نحو المحطة.
طوال الطريق من الضواحي الهادئة إلى صخب مانهاتن، كانت المفاتيح النحاسية الثقيلة في حقيبتي بمثابة طوق النجاة الوحيد الذي أتمسك به.
كانت حرارة لمسة كاين ونبرته النبيلة لا تزال تتعدى مسامعي، لكن كلما اقتربتُ من البناية السكنية التي جمعتني بجاكسون، كان صدري ينقبض وتتحول أنفاسي إلى طعنات متلاحقة.
وصلتُ إلى الطابق، وما إن فتحتُ باب الشقة بالمفتاح حتى استقبلتني موجة عاتية من التوتر المشحون.
كانت والدتي تجلس على أريكة الصالة المذهبة، تضع يدها على رأسها وتتأوه وهي تتنفس بصعوبة بسبب الضغط المرتفع، بينما يقف والدي بجانب النافذة يمسك بكوب ماء، وملامحه تشي بغضب مكتوم.
ركضت بخوف وأنا أصرخ بقلق "أمي؟ أمي، هل أنتِ بخير؟"
أما جاكسون، فكان يقف في منتصف الغرفة، يرتدي قميصه الأبيض الفاخر، وقد حلّ أزراره الأولى ليعطي انطباع الزوج المنهك والمظلوم الذي يستحق الشفقة!
"الآن تذكرتِ أن لديك أم مريضة؟" قالها جاكسون بسخرية غاضبة.
بمجرد أن خطوتُ إلى أقترب منهم، وقف والدي وصاح بنبرة حادة: "أخيراً أنتِ هنا، ناريا! أين كنتِ وطوال هذا الوقت وزوجكِ يحاول الاتصال بكِ؟ والدتكِ كادت تفقد وعيها من شدة القلق والضغط بسبب تصرفاتكِ الطفولية وغيابكِ غير المبرر!"
مسحت عيني بقلق، ورغم أن قلبي كان ينبض كالطبول، إلا أنني حافظتُ على ثباتي.
نظرتُ إلى والدتي ثم إلى والدي وقلتُ بصوت خفيض قلق: "أمي، أبي.. أهلاً بكما. لم أكن أعلم أنكما قادمان اليوم، ولو علمتُ لما تأخرت."
قفز جاكسون إلى الحديث فوراً بأسلوب متلاعب ومتقن، واضعاً يديه على خصره وهو يهز رأسه بأسف مزيف، وقال لوالديّ: "أرأيتما؟ هذا ما تحدثتُ عنه بالضبط! لا مبالاة تامة، وبرود لا يُطاق! وعندما تسألونها تتظاهر بالبراءة! أنا أعمل أربع عشرة ساعة في اليوم في شركة ويلسون العقارية، وأحمل مسؤوليات جليلة كمدير عام لتأمين مستقبلنا ورَفْع شأن هذه العائلة، وبدلاً من أن أجد زوجة تستقبلني بابتسامة وتعتني بمظهرها وبيتها، أجد امرأة عابسة كئيبة تلاحقني بالشكوك والاتهامات الفارغة!"
" جاكسون! ما اللعنة التي تتحدث بها أمام والداي؟ يكفي، ألا ترى أن أمي مريضة؟"
الفصل 8ناريا---شعرتُ بالعالم يدور بي، وبأن الأرض تتراقص تحت قدمي، لكن اللمسة التي غمرتني كانت ثابتة وصلبة لدرجة أنه كأنما خُلق لتكون لي ملجأً ومرفأ.بعد تلك اللحظة المندفعة التي وضعتُ فيها شفتي فوق شفتيه بلا تردد تحت تأثير الثمالة وسنوات الحرمان ، لم يكن رد فعله كما توقعت. فبدلاً من أن يدفعني أو يبتعد ببرود، تحرك بسرعة برق؛ إذ التفت بذراعيه القويتين وحاصرني فجأة، ساحبًا إياي من منتصف صخب البار المزدوج والموسيقى الصاخبة إلى ممر جانبي مظلم، بعيدًا عن أعيُن السهارى وفضول الفضوليين.اصطدم ظهري بجدار الممر الناعم، وكان كاين يقف أمامي مباشرة، محاصرًا إياي بجسده الطويل ، لدرجة أن رائحة عطره الرجالي الفاخر من خشب الصندل والعنبر ملأت جوّي وأفقدتني ما تبقى من قدرة على التفكير المنطقي.رفعتُ وجهي إليه، وكانت أنفاسه الحارة تتلاحق، وعيناه العميقتان تشتعلان بنظرة لم أعهدها فيه من قبل ، مزيج غريب من الرغبة الجارفة، والقلق الحارق، والسيطرة المكتومة.حاول إبعادي عنه برفق، ووضع أطراف أصابعه الدافئة على كتفي، وقال بصوته العميق المبحوح الذي هزّ أعماقي: "ناريا.. استوعبي ما تفعلينه. أنتِ لستِ في وعيكِ ا
الفصل 7ناريا--- لم يكن هناك وقت للحزن أو الندب؛ فالمرأة التي قررت الاسترداد لكبريائها لا تملك رفاهية الانتظار.قبل أن ألتقي برولا لتحديد خطوتنا القادمة، كان عليّ إنهاء أهم ملف يتعلق بحريتي المالية والقانونية. توجهتُ إلى مكتب المحامي الخاص الذي نسقت معي رولا لمقابلته. كان المحامي رجلاً حازماً وذا خبرة واسعة في قضايا الأحوال الشخصية والعقارات.جلسنا في مكاتبه العالية بوسط المدينة، وقدمتُ له كل ما أملك من وثائق. "سيدي، أريد البدء في إجراءات الطلاق فوراً، وبطريقة تضمن عدم قدرة جاكسون فيلر على الاستيلاء على أي فلس من حقوقي."ابتسم المحامي بمهنية وهو يتصفح الأوراق: "سيدة ناريا، بناءً على الأدلة التي أعدِدْتِها، وبناءً على ثغرات المعاملات المالية التي كان يمارسها، موقعكِ القتالي ممتاز. لكن الخطوة الأولى والأهم الآن هي التحفظ على أموالكِ الخاصة."توجهتُ فوراً بعد المكتب إلى البنك المركزي. كانت هناك وديعة مالية كبيرة ادخرتُها طوال سنوات عملي في محل المجوهرات، وبسبب ثقتي الكوراء بجاكسون وسعيي المتواصل لرفع إسكاننا وتسهيل شروطه الائتمانية، كنتُ قد أدرجتُ اسمه كشريك ومستفيد ثانٍ في تلك الوديع
الفصل 6ناريا---سقطت الكلمات من فم جاكسون متقطعة ومرتجفة، وكأن الهواء قد انقطع عن رئتيه فجأة.أمسك بالهاتف بكلتا يديه، وقال بصوت مشوه بالكاد استطعنا التقاطه، وهو يلتفت إلينا بعينين زائغتين: "ال.. الرئيس التنفيذي.. ؟ وصل.. وصل اليوم إلى المقر الرئيسي للشركة ويطلب حضور جميع المديرين فوراً... "تغير الجو في الغرفة في جزء من ثانية. تحول غرور جاكسون المعهود وتكبره إلى حالة من الفزع والرعب الحقيقيين. نسى كل المشهد المسرحي الذي كان يؤديه قبل قليل لإثارة إعجاب والديّ، ونسى تماماً خطبته الاستعراضية. ركض نحو خزانة الملابس بجنون، وأخذ يرتدي سترته الرسمية بعشوائية وهو يرتجف، بينما كانت قطرات العرق تتساقط من جبينه رغم برودة الجو.صاح والدي بصوت مرتبك وهو يحاول فهم ما يجري: "جاكسون يا بني.. ما الأمر؟ هل هي ترقية مفاجئة؟ هل سيتم تكريمك أمام الرئيس التنفيذي بنفسه؟"لم يرد عليه جاكسون؛ بل دفع الباب واندفع خارج الشقة كالمجنون دون حتى أن يودعنا أو ينظر خلفه، تاركاً إيانا في حالة من الذهول والارتباك التام.لكن غياب جاكسون لم يخفف شيئاً من وطأة الجحيم الذي كنت أعيش فيه داخل الشقة. فبمجرد أن أغلق الباب،
الفصل 5ناريا ---شهقت والدتي بصوت عالٍ، ونظرت إليّ بنظرات ملؤها اللوم والعتاب الجارح، وقالت: "أنت سبب مرضي واللعنة ، خسارة ، ناريا.. خسارة كبيرة! هل هذا ما علمناكِ إياه ؟ رجل مثل جاكسون، شاب، وسيّم، ومدير ناجح في أكبر شركة عقارات في المدينة ، يحاول رفع مستواكم الاجتماعي ، وأنتِ تُعاملينه بهذه القسوة والإنكار ؟ انظري إلى نفسكِ أولاً قبل أن تتهميه! كيف تريدين من رجل في منصبه ألا ينظر للخارج وأنتِ مهملة لنفسكِ ولجسدكِ ولثيابكِ بهذه الطريقة المعينة ؟"نزلت كلماتها عليّ كالصاعقة. كان جاكسون ينظر إليّ من خلف ظهر أمي بابتسامة نصر خفية وسخرية لئيمة، مستمتعاً برؤية والديّ يمارسان عليه القسوة والجلد نيابة عنه!صحتُ بذهول، وصوتي يرتجف من الغضب والحسرة: "أمي! هل تلومينني أنا؟ هل تطلبين مني أن أتقبل إهانتي ؟ جاكسون يدين لي بكل ما وصل إليه! نسيتما كم سنة اختصرتُ فيها مصاريفي وأكلتُ أرخص الطعام ووقفتُ على قدمي في محل المجوهرات بالساعات لأدفع معه أقساطه ودراسته ليحصل على هذه الترقية؟ والآن، عندما أصبح مديراً في شركة ويلسون العقارية، أصبحتُ في نظره مجرد امرأة عابسة، كئيبة ومملة لا تليق به!"تقدم وال
الفصل 4ناريا ---لاحظ كاين التغير المفاجئ في ملامحي وانحباس أنفاسي. خطى خطوة واحدة هادئة نحو الطاولة الساكنة بجانبه، ودون أن يتدخل في خصوصيتي أو يسأل عن هوية المتصل ، قال بنبرة رصينة ودافئة تُعيد التوازن إلى الروح: "هل أنتِ بخير، ناريا؟"نظرتُ إليه، وكان كبرياء نفسي يصارع الارتباك الذي غمرني. بلعتُ غصتي وقلتُ بصوت متقطع: "أنا.. أنا أعتذر جداً، سيد كاين. طرأ أمر عائلي طارئ للغاية ويجب عليّ المغادرة فوراً إلى مانهاتن."لم تظهر على وجهه أي علامات استياء أو انزعاج، بل انهمرت من عينيه هالة شفقة واحترام شديدين. أومأ رأسه بوقار، وسحب من على الطاولة ورقة عقد الإيجار المستعدة ومحبرة أنيقة، ثم وضعها أمامي بنعومة.قال بأسلوب يحمل كل النبل والاحتواء: "لا داعي للقلق أو الاعتذار أبداً. العقد جاهز كما اتفقنا، الشروط مبسطة للغاية، ويمكنكِ توقيعه الآن إن كنتِ ما زلتِ ترغبين في المنزل، ثم المغادرة فوراً لتدارك أمركِ العائلي. المفاتيح ستكون معكِ ابتداءً من هذه اللحظة."نظرتُ إلى العقد بسرعة؛ كان ميسراً للغاية، وقيمة الإيجار تقل بكثير عن القيمة السوقية لمثل هذا المنزل الأنيق في الضواحي، وكأنه كُتب خصيص
الفصل 3ناريا---أخذتُ نفساً عميقاً قبل أن أجيبه بصوت هادئ ومستقر: "مرحباً، سيد كاين، أنا أتصل بخصوص إعلان إيجار المنزل الخاص بك في منطقة الضواحي الهادئة بميدل فيليچ ، نيويورك. هل لا يزال متاحاً للمعاينة اليوم؟"جاء رده سريعاً ومريحاً، وكأن صوته يحمل طمأنينة فورية لم تشوبها أي تعقيدات: "نعم ، آنستي ، المنزل متاح. هل يناسبكِ أن نلتقي هناك بعد ساعتين من الآن؟ سأكون بانتظاركِ أمام البوابة الرئيسية."وافقتُ فوراً، وبعد أن انتهيتُ من ترتيب بعض الأغراض البسيطة في حقيبتي ونظرت إلى شقة مانهاتن التي شاركتها مع جاكسون لسنوات ، انطلقتُ باتجاه الضواحي.كانت الغيوم الخفيفة تغطي السماء، ورائحة الأرض المبللة بمطر الأمس تملأ المكان، مما منحني شعوراً بالانتعاش وكأنني أتنفس لأول مرة منذ سنوات طويلة من الاختناق داخل زواج باهت.بعد رحلة قصيرة بالحافلة تلتها سير قصير على الأقدام، وصلتُ إلى العنوان المحدد.كان المنزل يقع في زاوية هادئة تحيط بها الأشجار الخضراء العالية، ويبدو من الخارج بسيطاً، أنيقاً، وذو طراز كلاسيكي دافئ يبعث على الراحة النفسية. لم يكن قصراً فخماً يصرخ بالثراء، بل مساحة صغيرة محاطة بسياج







