Masuk
الفصل الأول: صدفة في بلاد التنين
"أنا هنا أمامك، وأنت هنا أيضاً في هذا العالم.. لكن هناك طرقاً طويلة لنقطعها قبل أن نلتقي في ذات النقطة. قد تختلف البلاد، الأماكن، الزمان، الأشخاص، والأحداث.. لكن الوصل حتميّ، حتى نجتمع سوياً. لقد حان الآن وقت اللقاء."
"آه يا روحي على هذا النعيم!" همست داليدا لنفسها وهي تتأمل من نافذة الطائرة ذلك المنظر الساحر. تبدو الأرض والسماء من الأعلى كزوجين عاشقين يلتفان حول بعضهما في تناغم بديع. غمرتها قشعريرة دافئة، وظنت لثوانٍ أنها في حلم؛ ها هي تطأ أقدامها هذه البلاد مجدداً بعد كل تلك السنوات من الغياب. قطع استغراقها صوت المضيفة الرخيم عبر مكبرات الصوت: (على الجميع ربط الأحزمة، استعداداً للهبوط).
في صالة مطار بكين الصاخبة، خرجت داليدا تجر حقيبتها بخطوات رشيقة، وعيناها تلمعان بالسعادة. التفتت يميناً ويساراً وسط الحشود، حتى لمحت فتاة في منتصف العشرينات تركض نحوها حاملة باقة من الورود والابتسامة تكاد تقفز من وجهها.
"داليدا! حبيبتي!" صرخت ليلي وهي ترتمي في أحضانها بقوة تكاد تقتلع أنفاسها. التقطت داليدا أنفاسها ضاحكة: "ليلي! ارفقي بي يا فتاة، كأننا لم نلتقِ منذ قرن! نحن نتحدث أربعاً وعشرين ساعة على الهاتف!" تراجعت ليلي خطوة وهي تعاتبها بمحبة: "يا داليدا، أنتِ غائبة عن البلاد منذ سنوات، وأنا من يسافر إليكِ في فرنسا باستمرار." "ولكننا التقينا قبل ثلاثة أشهر فقط!" أجابتها داليدا ضاحكة. "وهل ثلاثة أشهر مدة قصيرة على أخوات وصديقات عمر؟" قاطعتها ليلي وهي تقودها للخارج بـحماس: "أهلاً بكِ في الصين يا جميلتي.. والآن، إلى السيارة فوراً!"
داخل السيارة، انطلقت ليلي في شرح خطتها: "لقد أعددت لكِ برنامجاً سياحياً مذهلاً لباقي الإجازة، سنلف أماكن كثيرة في الصين ونستمتع، عمركِ لن ينسى هذه الأيام!" داليدا وهي تسند رأسها بتعب: "أنا حابة أرتاح الأول يا ليلي.. نروح البيت نأخذ قسطاً من الراحة، ثم نخرج لنأكل في أي مطعم حلو على ذوقك." نظرت إليها ليلي برجاء: "دودو.. ما تنقلي لفرع الشركة هنا في الصين كي نعيش سوياً؟ أنا وحيدة هنا، وأنتِ في فرنسا." أجابت داليدا وهي تتأمل شوارع المدينة: "أنتِ تعلمين أنني أعشق السفر وتأمل الموضة وتصميم المجوهرات في كل مكان، ثم إن طنط زيزي وعمو يوسف معكِ في الشركة." تنهدت ليلي بحزن: "ولكننا لسنا متجمعين في مكان واحد، ننام ونصحو ونأكل معاً.. أين لمة زمان؟" ربتت داليدا على يدها برفق: "أنتِ تعلمين كم أحب فرع الشركة الكبير هناك، وليس لي غيرك.. لكننا كالعصافير يا ليلي، يبدأ كل منا بالبحث عن عشه الخاص بعيداً عن العائلة.. ها قد وصلنا أخيراً، كفى كلاماً فأنا أحتاج إلى دوش فورا والنوم!"
فتحتا باب المنزل، لتصرخ داليدا ببهجة عارمة فور رؤيتها لسيدة وقورة تجلس في الصالة: "تيتة نور! وحشتيني أوي!" وارتمت في حضنها دافنـة وجهها بلهفة. ضمتها الجدة نور بكاء وفرح: "بالحضن يا دودي، وحشتيني جداً! أوشكت على البكاء لأنني رأيتكِ أخيراً.. آخر مرة زرتكِ فيها كانت منذ ستة أشهر، كويس إنكِ رضيتي تأتي إلى الصين.. تعالي، اجلسي وحدثيني عن أخباركِ وصحتكِ ودنيتك."
دنت ليلي منهما وهي تجر الحقائب بتذمر طفولي: "يا جماعة، أنتما نسيتوماني تماماً في الخارج! أنا أبحث عن أحد من الداخل ليساعدني!" نظرت إليها الجدة نور بطرف عينها قائلة بتهكم ضاحك: "ما تدخلي وأنتِ ساكتة! لازم هيصة وخلاص عشان تعرفي الشارع كله إنكِ بتعملي حاجة؟" لوحت ليلي بيديها بقلة حيلة: "ماشي يا خالتو، شكراً على المجاملة الرائعة دي بدل ما تنادي حد يساعدني! كل هذا لأن حبيبتكِ داليدا جاءت؟ ماشي يا تيتة، ده أنا حفيدتكِ الصغيرة برضه وبنت ابنكِ الصغير!" ضحكت داليدا من قلبهما وقالت: "كفى يا جماعة، شغل الأطفال هذا لا يناسب سنكما! أنا كويسة خالص يا تيتة.. أخبار بابا وماما إيه؟ سافروا متى في جولة السنة هذه؟" نور: "سافروا منذ يومين، لم يستمروا حتى لتسليط السلام عليكِ.. لكن أنا موجودة، ووجودي أهم منهم!" داليدا بابتسامة: "طبعاً يا تيتة، هما جاءا وسلموا عليّ أصلاً قبل سفرهما، واطمأنوا عليّ، وسيتصلون بنا فور وصولهم لأفريقيا." هزت نور رأسها يائسة: "غاوين تعب! مفيش حد فيكم بيحب الراحة، مفكرين نفسهم شباب." تدخلت ليلي ضاحكة: "طبعاً هما شباب يا تيتة، وأنتِ كمان! أنا مش عارفة ليه مش روحتي معاهم؟" نور بحزم: "لا أبداً، أسيبكم لمين؟ تقعدوا لوحدكم من غير عيلة؟ كفاية إخوانكم الكبار في أمريكا." داليدا وهي تتثاءب: "تمام، سأصعد لأنام قليلاً، لقد أكلت في الطائرة وشبعانة تماماً."
في المساء.. كانت الموسيقى الصاخبة تملأ أرجاء المطعم الصيني الفاخر. داليدا وهي تعدل فستانها بابتسامة: "وحشتني اللمة دي من زمان أوي يا بنات، كنت حاسة بالوحدة في فرنسا." ليلي بنبرة استكشافية: "يعني مكنش عندكِ أصدقاء في فرنسا خالص يا دودي؟" داليدا: "لا، أنتِ تعلمين.. مجرد زملاء عمل ومعارف، مفيش هناك حد ممكن يخليكي تتجنني وتحبي.. كلهم عاديين. خلينا نسمع الموسيقى شوية ونفصل كلام عن الرجال، دي لمة بنات يعني نحكي عن بعضنا!"
انطلقت النوتات الموسيقية تعزف في الخلفية.. وعلى طاولة مقابلة، كانت تجلس شابة أجنبية ملامحها حادة تدعى "عليا"، أمامها مشروبها وعلبة مغلقة صغيرة، تتمايل مع الموسيقى بتوتر يخفيه برودها.
وفجأة، ومع صوت خطوات واثقة هادئة، وكأن أميراً من دولة الفرسان قد خطى داخل المكان.. ظهر شاب طويل القامة، وسيم بملامح متناسقة وعيون لامعة تبتسم قبل أن تتحدث شفتاه.. إنه "فريد". وصلت خطواته الوسيمة إلى طاولة عليا، انحنى وقبل وجنتها ثم جلس أمامها مبتسماً: "حبيبتي.." نظرت إليه عليا ببرود وقالت: "متأخر كالعادة يا فريد." فريد بنبرة مندهشة: "عليا، أنا تفاجأت باتصالكِ، والواضح إنكِ طلبتِ مشروبكِ بالفعل.. ما كل هذه الاتصالات؟ في إيه لكل ده؟" عليا وهي ترتشف من كأسها: "أكيد.. مش هفضل قاعدة مستنية كل الوقت من غير حاجة أشربها." فريد بشك: "آه.. كلامكِ فيه حاجة غريبة." عليا: "مفيش حاجة غريبة فيا." فريد: "لا فيه.. أومال اتصلتي ليه؟" عليا بنبرة ذات مغزى: "هو مفروض يكون في سبب عشان أتصل عليك نتقابل؟ مفروض اللي بيحبوا بعض يتقابلوا.. ولا إيه؟" فريد بقلق: "لا يعني.. في حاجة؟ أنتِ كويسة؟" عليا: "لا مش كويسة.. خالص يا فريد." فريد: "في إيه مالك؟" عليا وعيناها تتسع بحدة: "مالي إيه؟ نحن بقالنا قد إيه مع بعض؟ حكاية علاقتنا رايحة على فين؟" فريد بتهرب: "على فين إزاي؟" عليا: "أي اثنين بيحبوا بعض بيتجوزوا.. ولا إيه رأيك في الموضوع ده؟" تراجع فريد بظهره للخلف وتمتم: "مش بدري على الكلام ده؟" عليا باحتداد: "بدري؟! أنا هنا في الصين بقالي كذا سنة ونقلت شغلي وكل حاجة عشان أبقى جنبك ونكون مع بعض.. عشان إيه؟ عشان نتجوز ويكون عندنا عيلة!" فريد محاولاً التهدئة: "أيوه بس.." قاطعته عليا بحدة أكبر: "بس إيه؟ أنا قابلت (أندرو) وقال إن مامتكِ ستأتي من إسبانيا بعد فترة.. وإن ده أحسن وقت نكلمها عننا!"
هنا، امتدت يد فريد ليمسك بكوب الليمون ببطء، وتغيرت ملامحه تماماً إلى الوجوم والاندهاش: "أندرو قال كده؟! مش صحيح.. ماما جاية تتطمن عليا مش أكتر، فمش ضروري نكلمها بدري في الموضوع ده." عليا بيأس: "كل شوية بدري بدري.. لحد إمتى؟ أنت مش حابب إننا نتجوز؟ وبعدين مامتك أكيد هتتطمن عليك لما تعرف إنك هتتجوز." فريد بنفاذ صبر: "لا لا.. كده مش كويس، استني شوية." عليا: "أستني إيه؟" اقتربت وجلست بجانبه ممسكة بيده بلهفة: "أنا قلت لأندرو يكلم مامتك ويمهد لها إن عندك حبيبة وهتتزوجها!"
انتفض فريد وترك يدها متحركاً بعيداً عنها وهو يقول بحسم: "أنا مش جاهز! أنتِ عايزة كل حاجة بسرعة أوي ليه؟ قدامنا وقت.. أنا حاسس إننا لسه مش عارفين بعض كويس!" صُعقت عليا وتراجعت للخلف وهي تهمس بذهول: "هه؟ أنت بتقول إيه؟ سرعة وبدري؟ ومش عارفين بعض؟ أومال سنتين مع بعض كانوا إيه؟ في كلام تاني أنت مش عايز تقوله يا فريد!" نظر إليها فريد بصلابة وقال جملته الأخيرة: "عليا.. افهميني، أنا مش عايز أتجوز دلوقتي!"
(وفجأة.. انطفأ النور في المكان بالكامل!)ت
الفصل التاسع عشر: أشباح الميناء القديمساد الجناح الملكي صمتٌ ثقيل ومُحتدم، كأن المسافة الفاصلة بين شاشة الهاتف وناظِرَي "داليدا" و"فريد" قد استحالت برزخاً من الذعر الشفاف. كانت الحروف المضيئة على الشاشة تنبض بالوعيد: "شريف لم يمت.. الجثة التي أُخرجت من الحطام ليست جثته!"تشابكت النظرات بينهما في عتمة الصالون؛ نظرةُ داليدا المترعة بالذهول والشكوك الحارقة، ونظرةُ فريد الثابتة التي احتزمت بصرامة مفاجئة كالصلب. كانت أصابع داليدا الممسكة بالهاتف ترتجف برفق، بينما انسحبت يد فريد ببطء ليقف بشامخ قامته، ملقياً بنظرة ثاقبة نحو النافذة الزجاجية المطلة على البحر المغلق.قالت داليدا بصوتٍ خفيض، مبحوح، تهتز فيه بقايا كبريائها المنهك: — «فريد.. هل هذا يعقل؟ من كان في تلك السيارة المحترقة إذاً؟ وكيف أُخرج شريف منها قبل السقوط دون أن تلمحه عيناي عند الجرف؟!»التفت إليها فريد، وجاكسه الداكن ينمّ عن حسمٍ قاطع. خطى نحوها بثبات، وضغط بكفه الدافئة على ذراعها ليردها إلى هدوئها، ثم قال بنبرة هادئة ورزينة تحمل دفئاً ساحراً وسط هذه العاصفة: — «الخوف هو أول أسلحة العدو يا داليدا.. من أرسل هذه الرسالة يدرك تما
الفصل الثامن عشر: رماد على قمة الجرفساد سكونٌ مروع عقب انقضاء صوت الاصطدام المدوي. كان الفجر يفرش ظلاله الرمادية الباردة فوق أفق البحر، ورذاذ الماء المالح يتطاير مع نسيم الصباح ليلامس وجه "داليدا" الشاحب كالموت. وقفت عند أطراف الجرف الصخري المنهار، ويداها المرتجفتان تضغطان على شالها الأسود، وعيناها المتسعتان بذهول تتأملان حطام السيارة الرياضية المقلوبة أسفل المنحدر.كان الدخان الأسود يتصاعد بكثافة من المحرك المنفجر، يمازجه صوت هدر الموج الذي يرتطم بحديد السيارة الملتوي على الصخور الحادة. لم تكن الصدمة في منظر الدماء والحطام فحسب، بل في تلك الدوامة المرعبة التي سُحبت إليها في لحظات خاطفة: خيانةٌ عارية أطاحت بكبرياء أنثوي، ورسالةٌ مريبة تدسُّ الشك في الأوصال، ثم حادثُ سقوطٍ مفزع يعلن نهايةً دموية لرجلٍ كان حتى البارحة سنداً لعائلتها!تصلبت داليدا في مكانها، عاجزة عن الخطو أو الصراخ، وأنفسها المتقطعة تخنق صوتها في حنجرتها.وفي تلك اللحظة بالذات، شق سكون الطريق الساحلي صوتُ احتكاك إطارات حاد وقوي! توقفت سيارة سوداء ثقيلة خلف سيارتها مباشرة، ونزل منها "فريد" كالبرق. كان جاكيت بدلته مخلوعا
عادت "داليدا" إلى صالة الحفل بخطوات متزنة تثقلها حيرة حارقة، ووجه يحافظ بصعوبة بالغة على قناع الثبات والرزانة أمام عدسات المصورين ونظرات الضيوف الفضولية. كانت أنغام الموسيقى الكلاسيكية تنساب في أرجاء القاعة الكبرى ناعمة دافئة، تغسل صخب الشائعات وتغطي على ذلك الغموض الثقيل الذي يلف جدران فندق "آل المحار". تتلألأ الثريات الكريستالية فوق البلاط الرخامي الأبيض، تعكس أضواءً ذهبية تُبهر الأبصار، لكن داليدا لم تكن ترى من كل هذا البذخ سوى نفق مظلم من الشكوك المشتعلة، بسبب تلك الرسالة المريبة المحفورة في ذاكرتها، والتي قرأتها للتو على هاتف شريف.انضم إليها "شريف"، الذي بدا مفعماً بنشوة العودة إلى الضوء بعد فترة احتجازه في المشفى. كان يرتدي بدلة سهرة فاخرة تُخفي بقعة جرحه، وتعتلي وجهه ابتسامة واثقة يرغب من خلالها في إثبات كفاءته ورجولته أمام الجميع. تقدم نحو داليدا، وأمسك بكفها بابتسامة دافئة وودودة، مستأذناً إياها لمشاركته رقصة الحفل الرئيسية المخصصة للراعين الرسميين.لم تجد داليدا مجالاً للرفض أو الانسحاب أمام نظرات الحاضرين وأضواء الكاميرات المتعطشة لأي إشارة تفكك داخل العائلة؛ فانساق جسدها
الفصل السادس عشر: ظلال على جدران الزجاجساد الصمت جنبات الجناح الملكي، صمتٌ ثقيل يُشبه طنين الأذن بعد انفجارٍ مدوٍّ. لم تكن الصدمة في رصاصةٍ اخترقت جسد "شريف" فحسب، بل في تلك الحقيقة العارية التي أفرزتها تحريات الشرطة: الهدف لم يكن خطيب داليدا.. بل كان فريد!تداخلت الأسئلة في الأذهان كخطوط متشابكة لا بداية لها ولا نهاية. من يملك الجرأة ليدسّ الموت في قلب أحضان "آل المحار" وفي حرم فندقهم الفاخر؟ هل هو ثأرٌ قديم يطارد فريد من ماضٍ غامض؟ أم أنها يدٌ خفية تستهدف العائلة بأكملها عبر حلفائها؟تضاعفت الأزمة حين امتدت ألسنة الصحافة والإعلام لملاحقة الفندق. لم يعد الأمر محلياً؛ بل تحول إلى حديث شبكات التواصل والمنصات العالمية، ولا سيما في الأوساط الاستثمارية بالصين وآسيا، حيث يتتابع المستثمرون أوراق صفقاتهم بشكوكٍ متزايدة. ضربات متتالية، وحوادث مريبة تصيب كل احتفالية يُقيمها الفندق، مترافقة مع شائعات مسمومة يُغذيها أبناء عمومة الجد المقيمون في الخارج، أولئك الذين يترقبون أي هفوة لينقضوا على التركة والإدارة.ولم يكن غياب والدي "داليدا" و"عليا"—المتواجدين في رحلة استكشافية وعملية طويلة في أعمق م
الفصل الخامس عشر: غبار على جدران الزجاجكان التوتر يسري في أروقة فندق "آل المحار" كسمٍّ خفيّ ينساب في عروقِ مريض، لا يقتله فوراً، لكنه يسلبه القدرة على التنفس. لم تكن الجريمة الأخيرة مجرد طعنة في صدر "شريف"، بل كانت صفعة مجلجلة أطاحت بكل مساحيق التجميل والدعايات البراقة التي أُنفق عليها الملايين.المأساة لم تكمن فقط في الدماء التي خضبت رمال الشاطئ، بل في ذلك الشبح المرعب الذي بدأ يطوف بالمكان: حوادث القتل المريبة المتقاربة! بات الأمر كأنه لعنة شؤم تطارد هذا الصرح الفاخر؛ فما إن يُقام حفلٌ أسطوري تتردد أصداؤه في الصحف، حتى ينتهي بمهزلة وكارثة دامية تلوكها ألسنة العامة والخاصة على صفحات التواصل الاجتماعي وفي صالونات رجال الأعمال.خارج الفندق، عند أطراف الشاطئ الخصوصي، كانت شريط البلاستيك الأصفر الخاص بالشرطة يمتد على طول السور الصخري ليعلن "إغلاق المنطقة الشاطئية نهائياً حتى إشعار آخر". تلاطم الموج على الشريط الأصفر بإيقاع كئيب، بينما غطت سيارات الشرطة والإسعاف المدخل الخلفي. وعلى الرغم من حظر التجوال الشاطئي، كان الفندق في الداخل يحاول أن يحافظ على مظهره الطبيعي بصلابة متكلفة؛ فالأنوار
الفصل الرابع عشر: نبيذ على حافة الهاويةتهادت أنغام الموسيقى الهادئة في أرجاء القاعة الكبرى لتُعلن الستار الأخير عن حفلٍ أسطوري سيبقى مدوناً في ذاكرة النخبة ورجال الأعمال لسنوات طويلة. خفتت الأضواء الصاخبة، وجفت عدسات الكاميرات التي التقطت مئات الصور للعقد الماسي الفيروزي الذي سحر العقول قبل القلوب. كان النجاح باهراً، ساحقاً، ومجلجلاً.. نجاحٌ أعاد لعرش "آل المحار" هيبته، وثبّت أقدام "فريد" و"أندرو" في قمة عالم التصميم والابتكار.لكن الصخب الأكبر كان قد بدأ يتسلل بعيداً عن الرخام والثريات الكريستالية.. نحو الشاطئ الخصوصي للفندق، حيث انكسرت حدة التكلف الرسمي أمام نسيم البحر العليل ودفء الرمال التي غمرتها أضواء الشموع الموزعة داخل الفوانيس الزجاجية الناعمة.أُقيم هناك احتفالٌ خفيف، خاص ومحدود، لا يضم سوى صُنّاع هذا النجاح. طاولات خشبية دافئة، نبيذٌ معتق، وأجواء تفيض بالرخاء.. لكنها كانت محاطة بهالة خفية من المشاعر المتضاربة، وغيرة مكتومة، ونظرات تغزل حكايات من النار والثلج.تقف الجدة "نور المحار" على الممر الخشبي الممتد نحو الرمال، ترتدي رداءً شامبانياً فاخراً، وتتكئ على عصاها العاجية بو







