LOGINالفصل الثاني: شرارة في العتمة وكعكة المهرجان
(انطفأ النور في المكان بالكامل..)
ساد الصمت لثوانٍ معدودات في أرجاء المطعم الصيني الفاخر، صمتٌ استغله فريد ليلتقط أنفاسه وسط ذلك الخناق المحتدم مع عليا. لكن الصمت لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما انبعثت نوتات موسيقية دافئة ومبهجة لعزف أغنية (عيد الميلاد)، وتجلت إضاءة خافضة خافتة تحيط بعربة صغيرة يجرها نادلٌ مبتسم، يعلوها قالب تورتة طبقاتٍ فاخر يشتعل بالشموع اللامعة.
اتسعت ابتسامة عليا، وتحولت نبرتها الحادة فجأة إلى فرحة طفولية وهي تصفق بيديها، بينما بدأ رواد المطعم -ومن بينهم داليدا وليلي على الطاولة المجاورة- يصفقون بحرارة مجارين الموسيقى والأجواء الاحتفالية.
نظرت عليا إلى فريد بعيون تلمع بالترقب وقالت بصوت مسموع: "كل سنة وأنا طيبة يا فريد!"
وقف فريد مجمدةً ملامحه لدقيقة كاملة، وشعر بموجة حرارة تسري في جسده.. لقد نسي! نسي عيد ميلادها تماماً وسط زحمة أعماله وضغوطه! بلع ريقه بصعوبة، وحاول سريعاً رسم ابتسامة ساحرة على وجهه لإخفاء إحراجه الشديد أمام نظرات الحاضرين المترقبة. قام من مقعده ببطء، وانحنى ليقبل رأسها وهو يهمس بنبرة جافة حاول جعلها دافئة: "كل سنة وأنتِ بخير يا عليا.. مفاجأة جميلة."
أُضيئت أنوار المطعم بالكامل مجدداً، وسط تصفيق الجمهور وانشغال النادل بقطع الكعكة وتوزيعها. جلس فريد، لكن عليا لم تترك الابتسامة تدوم طويلاً؛ بمجرد أن انفض الناس عن الطاولة، مالت عليه بنظرة عتاب ملغومة بقسوة، وقالت بصوت خفيض حاد:
"نسيته.. صح؟ نسيت عيد ميلادي يا فريد! كل هذه الاتصالات صباحاً كانت لأذكرك، لكنك لم تكلف نفسك حتى بالتدقيق!"
حاول فريد التهدئة، فمسك كوب الماء وقال بهدوء رصين: "عليا، أرجوكِ، ليس هذا الوقت ولا المكان المناسب للمعاتبة. نحن في مطعم عام، والناس حولنا."
"بل هو المكان المناسب!" تصاعد صوتها فجأة ليتجاوز حدود طاولتهما، وأردفت بإصرار هوسي: "أنت لا تتذكر عيد ميلادي، ولا تريد الحديث عن مستقبلك معي، ولا تريد إخبار والدتك القادمة من إسبانيا! إلى متى سأبقى على الهامش في حياتك؟ نحن نتزوج هنا وفي الصين فوراً!"
تغيرت ملامح فريد من اللين إلى الصرامة المطلقة، وضغط على حافة الطاولة بيده وقال بنبرة قاطعة لا تقبل النقاش: "قلت لكِ انتهى النقاش.. أنا لن أتزوج الآن يا عليا، وافرضِ عليكِ هذا الإصرار لن يغير موقفي!"
قام فريد من مقعده ببرود متناولاً معطفه ليرتديه وينصرف من هذه المهزلة. لكن جنون عليا كان أسرع؛ انتفضت من مكانها وبعيون مشتعلة بالغضب، مسكت كوب الزجاج الثقيل المليء بالمشروب، ورمته بقوة تحت قدمي فريد ليتهشم إلى ألف قطعة زجاجية تناثرت بصوت مرعب!
صرخت عليا بعلو صوتها: "أنا لم أنهِ كلامي معك بعد! لن تتركني وتمشي هكذا!"
اهتز المطعم بأسره، ووقف الزبائن على أطراف أصابعهم في ذهول وذعر. حاول فريد رفع يديه لتهدئتها وهو يهمس بغضب مكتوم: "أنتِ جننتِ؟ اهدئي والمني هذا الجنون!"
لكن عليا لم تسمع له؛ مسكت الأطباق السيراميك القريبة منها على الطاولة وبدأت تطوح بها وتكسرها طابقاً تلو الآخر على الأرض بقسوة، محولة الجو الراقص إلى ساحة حرب مصغرة.
على الطاولة المجاورة، كانت داليدا وليلي قد وقفتا بفرع وتوجس. حاولت ليلي سحب داليدا للخلف، لكن حاولت ليلي سحب داليدا للخلف، لكن تطاير إحدى شظايا الزجاج الحادة من تحت قدم فريد جعلها تحتك بأطراف حذاء داليدا الفاخر.
توقف فريد لحظة، ونظر باتجاه داليدا بأسف شديد، ورفع يده معتذراً بصوت محرج: "أنا آسف جداً يا آنسة.. اعتذر لكل الموجودين، سأسيطر على الموقف فوراً."
غير أن اعتذاره أثار جنون عليا أكثر، إذ رأت خطيبه يوجه اهتمامه واعتذاره لامرأة أخرى في أوج شجارهم! وبدون أي تفكير، امتدت يد عليا إلى طبق التورتة الكبير المليء بالكريمة والشوكولاتة والشموع المطفأة، وحملته بكفيها لتطوح به بجل قدرتها نحو وجه فريد!
في تلك الثواني المعدودة، تحرك فريد بعفوية ليحضر مناديل لداليدا لكنه بالغلط تفادي الكعكة الطائرة.. ولم يكن يعلم أن هذا سيحدث أن داليدا كانت تقف خلفه تماماً تحاول الابتعاد!
طااااخ!"
وقع طبق التورتة بالكامل وبثقله المليء بالكريمة والشوكولاتة الاستوائية على وجه داليدا وجسدها وفستانها الأنيق!
ساد صمتٌ قاتل في المطعم، صمتٌ أشد هولاً من صوت الزجاج المكسور.
وقفت داليدا متسمرة في مكانها.. الكريمة تسيل من على جبهتها وخديها، وفستانها الساتان الفاخر الذي جلبته معها من باريس تحول إلى لوحة ملطخة بالشوكولاتة. أغلق عينيها لثوانٍ تحاول استيعاب الصدمة والإهانة المفاجئة وسط ذهول جميع الحاضرين .
أما ليلي.. فقد فقدت عقليتها تماماً! لم تستطع احتمال رؤية صديقة عمرها وأختها تُهان بهذه الطريقة البشعة في أول يوم لها بالصين. وبدون تردد، اندفعت ليلي كالصاعقة، وامتدت يداها لتأخذ ما تبقى من قالب الكعكة الملقى على الطاولة، ورشقته في وجه عليا مباشرة مع صرخة مدوية: " يا مجنونة يا قذرة! كيف تجرئين؟!"
اشتبكت ليلي وعليا في شجار بالأيدي، تشابكت أصابعهما في الشعر وتطايرت اللكمات والصيحات، وسقطت أوانٍ أخرى على الأرض ليتحول المطعم الفاخر إلى فوضى عارمة، والزبائن يصرخون والبعض يلتقط الصور بهواتفهم.
في هذه الأثناء، كان فريد يقف في ذهول وإحراج لم يشهدهما في حياته قط. التفت فوراً إلى داليدا، واخرج منديله القماشي الحريري من جيب بدلتيه، واقترب منها بخطوات متلعثمة ويدين ترتجفان من الخجل.
امتدت يداه ليحاول مسح الكريمة عن وجهها بحذر وهو يهمس بنبرة مليئة بالرجاء والندم: "أنا.. أنا في غاية الأسف يا آنسة.. أقسم لكِ لم أقصد، حقكِ عليّ.. هذا خطأي بالكامل، أرجوكِ اغفري لي هذا الإحراج البشع.."
لكن داليدا لم تتكلم حرفاً واحداً.
رفعت يدها ببطء شديد وأزاحت يده ومنديله بعيداً عنها بلمسة باردة كالحجر. فتحت عينيها الواسعتين النفاذتين.. لم تكن تبكي، ولم تصرخ.. بل كانت عيناها تطرحان ناراً قاطعة وكبرياءً جريحاً يغلي من الداخل. نظرت إلى فريد من قمة رأسه إلى أخمص قدميه بنظرة احتقار وصمت قاصم، جعلت بطلاً ذا كاريزما ومهابة كفريد يشعر بأنه أصغر إنسان في هذه القاعة!
في تلك اللحظة الصاخبة، اقتحم رجال أمن المطعم المكان برفقة المدير الغاضب لفض الاشتباك بالقوة بين ليلي وعليا. وفي خضم الفوضى، سحب فريد هاتفه بسرعة واتصل بصديقه المقرب وذراعه الأيمن "أندرو".
"أندرو! أسرع فوراً إلى مطعم (ذا جاد) الفاخر بالداون تاون.. جلب المحامين والشرطة على وشك الوصول، الموقف كارثي!" قال فريد بنبرة حادة مضغوطة قبل أن يغلق الخط.
خلال دقائق معدودة، حضرت الشرطة المحلية مصحوبة بمسؤولي الأمن السياحي لمعاينة التلفيات الكبيرة في المطعم الفاخر. تحلق الجميع في مكتب مدير المطعم الفاخم للتحقيق الأولي وتجنب الذهاب إلى القسم وتحويل القضية إلى محاكمات علنية قد تضر بسمعة المكان ورجال الأعمال.
بدأ فريد يتحدث بوقار وكاريزما عالية بالنيابة عن عليا، محاولاً امتصاص غضب المدير والشرطة: "سيدي المدير، أنا أتكفل بكافة التلفيات والخسائر المالية للمطعم، أياً كان المبلغ، وسأدفع تعويضاً مضاعفاً للعاملين والزبائن. نرجو حل الأمر هنا ودياً دون الحاجة لرفع قضية أو الذهاب للقسم."
أثناء تفتيش الأوراق الثبوتية والبطاقات الشخصية للتحقق من الشخصيات، بدأ الضابط ينادي على الحاضرين بألقابهم ووظائفهم الرسمية لإتمام المحضر الودي:
الضابط وهو ينظر في البطاقات: "السيد فريد.. المهندس الاستشاري، ومصمم المجوهرات الشهير، وصاحب سلسلة المحلات والمعارض الكبرى؟"
فريد بهدوء ومسؤولية: "نعم يا فندم، أنا هو."
التفت الضابط إلى عليا الغاضبة الملطخة بالشوكولاتة هي الأخرى: "الآنسة عليا.. عارضة الأزياء الدولية؟"
عليا ببرود وكبرياء زائف: "نعم."
ثم التفت الضابط إلى الفتاتين، ونظر إلى الأوراق باندهاش وتقدير كبيرين: "الآنسة داليدا والآنسة ليلي.. المصممتان التنفيذيتان ومديرتا شركة الأزياء والمجوهرات العالمية المملوكة للرحالة والخبير الشهير يوسف؟"
هنا، التفت فريد بذهول ونظر إلى داليدا! لم تكن مجرد فتاة عادية تصادف وجودها في المطعم.. بل هي مصممة مجوهرات وأزياء منافسة ولها وزنها وثقلها العائلي والمهني!
هنا، التفت فريد بذهول ونظر إلى داليدا! لم تكن مجرد فتاة عادية تصادف وجودها في المطعم.. بل هي مصممة مجوهرات وأزياء منافسة ولها وزنها وثقلها العائلي والمهني!
كانت ليلي لا تزال تتلاطم بالكلام والغضب مع عليا في زاوية الغرفة، وتصرخ: "عارضة أزياء؟ بل مجنونة تحتاج لإيداع في مصحة! فستان صديقتي يساوي ثمن مجوهراتكِ هذه كلها!"
وعليا ترد بحدة: "أنتِ وصديقتكِ حشرتما نفسيكما فيما لا يعنيكما!"
وسط كل هذه الضوضاء، خطى فريد خطوات هادئة بثبات ونبل نحو داليدا. انحنى لها قاطاماً بجسده بطريقة راقية جداً تعبر عن نبل شديد، وقال بنبرة رجاء حقيقية بصوته الرخيم:
"الآنسة داليدا.. بصفتي مهندساً ورجلاً مسؤولاً، أكرر اعتذاري العميق لكِ وللآنسة ليلي. ما حدث كان حادثاً مؤسفاً لا ترضين به ولا أرتضيه لنفسي. سأقوم بتعويضكِ عن فستانكِ وعن كل لحظة إحراج سببتها لكِ هذه الليلة.. أتمنى من كل قلبي أن تقبلي اعتذاري النبيل وتسامحي هذا الخطأ غير المقصود."
صمت الجميع في الغرفة يترقبون رد داليدا..
رفعت داليدا رأسها ببطء، ونظرت في عيني فريد بثبات وكبرياء امرأة تعرضت للإهانة لكنها لم تنكسر. رفعت منديلها الورقي ومسحت آخر قطرة كريمة عن ذقنها، وقالت بصوت ناعم، حاد، وبارد كالمشرط:
"اعتذارك.. غير مقبول يا سيد فريد. المال والتعويضات لا تشتري الكبرياء، ولا تمسح الإهانة. احتفظ بنبلك وتعويضاتك لنفسك ولخطيبتك.. فلن نتقابل مجدداً على أي حال."
سادت برودة قارسة في المكان عقب كلماتها. لم ينتظر فريد أن يرد، حيث استدارت داليدا بكبرياء، وسحبت يد ليلي ورحلت بخطوات واثقة خارجة من المطعم، تاركةً فريد واقفاً ينظر في أثرها بدهشة وغموض.. وشعور غريب يخبره أن هذه ليست المرة الأخيرة التي سيراها فيها!
خرجت داليدا وليلي إلى الشارع العاصف، وكانت داليدا تبحث عن هاتفها في حقيبتها لطلب سيارة، لتكتشف المفاجأة الكبرى.. لقد سقط هاتفها الذكي المليء بتصاميمها السرية وأرقام شركتها داخل المطعم أثناء الفوضى!
وفي الداخل، كان فريد ينحنى ليجمع متعلقاته، لسقطت عينيه على هاتف حديث ملطخ بقليل من الكريمة تحت الطاولة.. التقاطه ليرى على شاشته صورة داليدا! ابتسم
فريد بذكاء وغموض وزم شفتيه قائلاً:
"يبدو أننا سنلتقي قريباً جداً.. يا آنسة داليدا."
شفرةُ المومياء: صراعُ الأنسابِ تحتَ أقدامِ الأهرامتلبّدت سماءُ الجيزة بضبابٍ داكن حابسٍ للأنفاس، ورائحة النيل العتيق تمتزج بالرياح المحملة برمال الصحراء الشرقية. كان الصمت المتربص يلف صحن القصر التاريخي لـ "آل المحار"، بينما أضواء السيارات المصفحة والكشافات الحرارية ترسم ظلالاً متحركة على الجدران المزخرفة بآيات قرآنية ونقوش فرعونية عتيقة.كانت عينَا "حمزة المحار" تبرقان ببرودٍ حاد وهو يتأمل ثبات داليدا، وفي رأسه تدور حسابات النفوذ والسيطرة التي خطط لها لسنوات طوال في مصر. بالنسبة له، عودة "فريد" من أوروبا مصحوباً بتلك الدوقة العالية الشأن لم تكن سوى تهديدٍ مباشر لعرشه المحلي الممتد في مؤسسات التعدين وأوقاف العائلة.خطا حمزة خطوةً متأنية نحو فريد، وصوته يخرج بنبرةٍ متهدجة محشوة بالدهاء: — «لا تأخذ الأمور بنعرةٍ العاطفة يا فريد.. مصر ليست أوروبا، وقوانين آل المحار هنا حُفرت على الصخر قبل أن تولد أنت أو داليدا! الجد إبراهيم ترك وصية صريحة: مَن يفتح مقبرة "شفرة الزمرد" تحت القصر، يجب أن يخضع لاختبار الدم أمام شيوخ العائلة والدكتور طارق. إن اختلت الشفرة الجينية بمقدار جزء من المليون، فستن
الفصل 51عاصفةُ الشدائد: العودةُ إلى أرضِ الفراعنةانكسر زئيرُ المحركات التوربينية للمروحية المصفحة فوق سماء ألمانيا، ليحل محله صوتُ طنين الشفرة الإلكترونية القادمة من القاهرة. كانت الرسالةُ تتكرر بإيقاعٍ زمني منتظم، كأنها نبضاتُ قلبٍ أثري يصحو من تحت ركام الآلاف من السنين: «سلالةُ المحار لا تكتمل في أوروبا.. السرُّ الأول يرقد تحت ظلال الأهرامات.»في كابينة المروحية الدافئة، المضاءة بنورٍ أرجواني خافت، كانت داليدا تستند بكتفها الشامخ إلى صدر فريد العريض. ورغم حداثة نجاة فريد من سم النمسا وإرهاق الجرح المعصوب في خاصرته، إلا أن ساعده الفولاذي كان يلتف حول خصرها بتملكٍ أزلي، يمنع أطياف الخوف من تسلل روحها.التفتت داليدا بنظرتها العسلية الآسرة نحو الجدة "نور المحار"، التي كانت تجلس بثباتٍ ملكي وتضم بين كفيها النحيفتين صندوقاً عاجياً صغيراً لم تفارقه منذ مغادرة بكين.قالت داليدا بنبرةٍ ثاقبة تجمع بين الذكاء والكبرياء الشامخ، ولثامُ لسانها اللاذع يلمع بعذوبة التحدي:— «القاهرة يا جدتي؟ بعد أن اقتلعنا أظافر لوروا وألبرت في أوروبا، نكتشف أن البوصلة تعود إلى الجذور؟ هل كنا نقتتل على مجرد فروع،
الفصل 50سقوطُ القناع: سيدُ الظلال الأخيراصطبغت القاعةُ العرشية لقلعة "سالزبورغ" بالأحمر القاني، وسط طنينِ أجهزة الطوارئ الشبيه بصراخ الأرواح الحبيسة. كان الصمتُ يخنق الأنفاس، ولم يعد يُسمع سوى أزيز السلاح الإلكتروني المتطور الموجه بنحاسةٍ نحو صدر فريد المحار، وزئير المحرك التوربيني الصادر من البوابة السفلية.يقف القائد المجهود ذو القناع الحديدي المذهب كأنه ملكُ الموت القادم من أعماق القرون الوسطى، محاطاً بهالةٍ من السلطة المطلقة التي هزت جدران القلعة العتيقة.رغم جرحه المفتوح في الخاصرة والشحوب الذي حاول التسلل إلى ملامحه، لم يتراجع فريد خطوةً واحدة. وقف كالسد المنيع أمام داليدا والدوق "ماركوس"، وعيناه الداكنتان تنفثان شراسةً وعشاقاً نادراً، ويده الفولاذية تطوق معصم داليدا بثباتٍ يتحدى الموت نفسه.همس فريد بنبرةٍ شجية حادة تتردد كصوت السيف في أذن داليدا:— «احتمي خلفي يا داليدا.. أقسم بالدم الذي يربط روحكِ بروحي، لن يطال رأسكِ طالما أن في صدري نبضاً واحداً يسري!»التفتت داليدا إليه، ورفعت رأسها المكلل بالكبرياء الشامخ، وعيناها العسليتان المشتعلتان ببريق الزمرد ترضان هذا التضحية. مال
الفصل 49 عاصفةُ الثأر: على أطرافِ الجليدطرقَ صوتُ الرسالةِ الصوتية أركانَ الرواق المصفح بالمستشفى العسكري كأنها صاعقةٌ تحاول دكَّ الجبال. لكن داليدا لم تكن جبلاً يسهل دكه. كانت تقف ويدها الملطخة بالدماء تسند الجدار الزجاجي، وعيناها العسليتان تنفثان ناراً لا تنطفئ.انفتحت أبواب العناية المركزة ببطء، وخرج الطبيب الفرنسي وهو يمسح العرق عن جبينه: — «المعجزة حدثت يا سيدة داليدا.. السم جرى تحييده كلياً، وجسده الصلب يستجيب بشكلٍ أسطوري. لكنه يحتاج للراحة التامة لـ 48 ساعة على الأقل.»لكن فريد المحار لم يكن يوماً ممن يعترفون بأسرة المستشفيات ولا بأوامر الأطباء.صريرُ الأجهزة!انتزع فريد أنابيب المغذي بيده الصلبة، ووقف على قدميه بجهدٍ حارق. ورغم شحوب ملامحه والضمادة البيضاء المعصوبة حول خاصرته، إلا أنه خطا نحو الباب كأنه بعث من جديد ليحمي أمتَه.استند على الإطار الخشبي للباب، وعيناه الداكنتان تشتعلان بحبٍّ أعمى وغضبٍ كاسر وهو يرى داليدا بثوبها الأسود الملطخ بدمائه. قال بصوتٍ شجي، حاد، يخرج من بين أضلاعه المجهدة: — «أظنت تلك الأفعى "أليكساندرا" أن بضع غرزات في خاصرتي ستمنعني من خنقها بكفي يا د
الفصل 48 نزيفُ العرش: انتقامُ الدوقةانتشر صدى صرخة داليدا كالمقصلة في أرجاء قاعة "الغراند باليه". تهاوى جسدُ فريد الضخم بين يديها، ثقيلاً كجبلٍ ينكسر لأول مرة، بينما كانت دماؤه القانية يمتزج بها سوادُ السم الداكن لتصبغ ثوبها المخملي الأسود وعقد الياقوت الأرجواني المتربع على صدرها.امتصت الرخامُ البارد شهقات الحاضرين، لكن داليدا لم ترتعد ولم تنهزم. جثت على ركبتيها، وحضنت رأس فريد الصلب إلى أضلعها، ممررةً كفيها الملطختين بالدماء على وجنته المجهدة. كان فريد يصارع مفعول السم الخاطف، وعيناه الداكنتان تركزان عليها برغم الضباب الذي يحاصر أبصاره، يلتف حولها بتملكٍ أزلي وروحٍ تأبى أن تتركها وحيدة.همس فريد بصوتٍ شجي بحاح يتغذى على أنفاسه الأخيرة قبل الإغماء: — «داليدا.. إياكِ.. إياكِ أن تبكي أمامهن.. أنتِ الملكة.. والدوقة التي لا تُكسر..»انقبضت أحشاء داليدا بلوعة العشق الحارق، لكن عينيها العسليتين لم تذرفا دمعة ضعف واحدة أمام الحشود. مالت شفتها بابتسامةٍ حادة يملؤها الكبرياء الشامخ والوعيد القاتل، وهمست فوق شفتيه المشتعلتين: — «لن أبكي يا فريد.. بل سأجعل أرض باريس تشرب من دم المعتدي حتى ترتو
الفصل 47 شفرةُ الممنوعين: اختراقُ سماءِ باريساستقرَّ الصمتُ الثقيل فوق الكوخ المصفح في "إنترلاكن"، ولم يكن يقطعه سوى صفيرُ العاصفة الثلجية وصوت أنفاس فريد الحادة. كانت شاشة هاتف أندرو تشعّ باللون الأحمر، معلنةً إدراج اسمَي "فريد المحار" و"داليدا المحار" على شاشات المراقبة في جميع المنافذ الحدودية لأوروبا.«مطلوبون للإنتربول الدولي بتهمة الخطف والتهريب.»ابتسم فريد المحار ابتسامةً جانبية مسمومة يملؤها التحدي والغرور الملكي. لم يرتعش جفنه، بل خطا نحو داليدا بثبات، ولف ذراعه الفولاذية حول خصرها النحيل، ساحباً إياها إلى صدره العريض أمام الجميع. انحنى حتى كادت أنفاسه الحارة تلفح وجنتها الدافئة، وهمس بنبرةٍ شجية تفيض بالشراسة والعشق القاطع: — «أظن "الكاردينال" أن بضع شاشات رقمية في الموانئ والمطارات قادرة على حبس نسرين ولدا في جحيم النار يا داليدا؟ أقسم بمن أودع حبكِ في قلبي، ستطئين أرض باريس غداً كملكة، وسيدفع هذا العجوز ثمن كل وهمٍ عاشه!»التفتت داليدا إليه، ورفعت عينيها العسليتين الشامختين. رغم الإرهاق الذي لمس ملامحها العاجية، إلا أن لسانها اللاذع لمع بعذوبة القوة والذكاء الثاقب: — «وم







