Home / النظام / على سياج سبتة / الجزء السادس: الرقص فوق بؤرة الرادار

Share

الجزء السادس: الرقص فوق بؤرة الرادار

Author: Sam
last update publish date: 2026-08-02 22:19:59

الجزء السادس: الرقص فوق بؤرة الرادار

ساد صمتٌ مخيف في التجويف المظلم أسفل قاع القارب "إسبرانزا". لم يكن يُسمع سوى حشرجة أنفاس المهاجرين الستة الملتصقين بالألواح الخشبية المبللة بزيت السمك، والضربات المتسارعة لقلب أمين التي كانت تتناغم مع نبض جرحه المفتوح في قدمه.

​في الأعلى، كانت أقدام عناصر الحرس المدني الإسباني (Guardia Civil) تطأ خشب ظهر القارب بصرامة عسكرية. كان الضوء الأبيض الكاشف القادم من الزورق السريع للشرطة يخترق الشقوق الضيقة في السقف، فيرسم خطوطاً ضوئية مسطورة فوق وجوه المهاجرين الملتصقة بالتراب والملح.

​"أنا أكرر للمرة الأخيرة يا سانتياغو..." جاء صوت الضابط "خورخي رييس" جهوراً، قاطعاً، وخالياً من أي إمكانية للمساومة. "جهاز المسح الحراري بالرادار المائي أظهر وجود ست بصمات حرارية على الأقل تحت هذا الحوض. افتح الغطاء فوراً قبل أن نستخدم القوة!"

​كان أمين يرى عبر شقٍ خشبية صغيرة حذاء الضابط خورخي الثقيل يقف على بعد سنتيمترات قليلة فوق رأسه تماماً. رفع يده المرتجفة ووضعها على فم الطفل "عمر"، فيما كانت "شمس" تغمض عينيها بقوة وتبتهل بصمت، ودموعها تجري على خديها المحمريْن من أثر الخوف والغاز الرابض في ثيابها.

​"يا سيادة الضابط... أقسم لك بالعذراء مريم!" رد سانتياغو بنبرة مسكنة ومراوغة، ملوحاً بيديه اللتين ترتجفان بتمثيلٍ متقن. "هذه المحركات القديمة تسخن الأحواض! الحرارة التي تراها على شاشتك هي حرارة عوادم الديزل المرتدة من أسفل المنيوم الأسماك! القارب ليس فيه سوى طن من السردين المجفف متوجه لميناء 'خثيراس'!"

​"كُفّ عن الكذب يا سانتياغو!" صرخ خورخي وهو يسحب زناد مسدسه التكتيكي بصوتٍ حديدي جاف أحدث رعباً في القاع. "نحن نعرفك، ونعرف سجلك في الميناء. افصل المولد وافتح الصندوق!"

​في هذه اللحظة المأزومة، وبينما كان أحد عناصر الدورية ينحني لرفع العتلة الحديدية المغلقة للأحواض، دوّى صوت جهاز اللاسلكي المثبت على صدر الضابط خورخي بنبرة طوارئ حادة ومتداخلة بضجيج الموج:

"¡Atención Doblón-1! ¡Atención Doblón-1! دارة الرادار في مركز مراقبة المضيق تسجل اختراقاً عاجلاً عند نقطة 'بليونش'! زوران مطاطيان سريعان غير معرفين يندفعان بركاب نحو شاطئ 'تاراجال'! أحضر القوة فوراً للدعم!"

​توقف الحرس المدني عن فتح الغطاء لثانية واحدة. تردد خورخي. كانت التعليمات العسكرية صريحة: عمليات التسلل الجماعي الكبرى على الشاطئ تقدم على تفتيش قوارب الصيد الفردية.

​لكن خورخي، المعروف بشراسته ودقته، لم ينخدع كلياً. نظر إلى سانتياغو بعينين ضيقتين ملؤهما الشك، ثم قال لمساعده: "سيباستيان، ابقَ هنا وفتش القاع بالكامل. إن وجدتَ بشراً، صادر القارب واعتقل هذا المهرب. أنا سأعود بالزورق السريع لدعم الدورية في 'تاراجال'."

​قفز خورخي عائداً إلى الزورق السريع، وانطلق المحرك النفاث بقوة جعلت المياه تتلاطم بشدة وتضرب جوانب القارب الخشبي.

​بقي المساعد "سيباستيان" وحده على ظهر القارب، يحمل كشافاً ضوئياً ضخماً وبندقية مطاطية. تقدم نحو غطاء الأحواض ونزع القفل الحديدي بضربة عتلة حادة!

​كراك!

​انفتح الغطاء الخشبي العلوي، وانهالت كميات من السردين المجفف والثلج المجروش على أجساد المهاجرين في الأسفل، مع دخول ضوء الكشاف الساطع مباشرة على وجه أمين!

​تلاقت عين أمين بعيني الشرطي الإسباني الشاب. تجمدت الدماء في عروق الجميع. فتح الشرطي فمه ليصرخ عبر اللاسلكي لاستدعاء الدعم: "¡النجدة! إنهم هنا—"

​لكن قبل أن يتم كلمته، اندفع سانتياغو من الخلف بشراسة ثعلبٍ محاصر! ضرب المساعد سيباستيان بقطعة حديدية ثقيلة من خشب الموجه على خلف رأسه. ترنح الشرطي الشاب وسقط على ظهر القارب فاقداً للوعي، وسقطت بندقيته وكشافه في الماء.

​"قم يا ولد الريف! قم أنت وهي بسرعة!" صرخ سانتياغو وهو يلهث بفرط، وعيناه متسعتان برعبٍ حقيقي. "لقد ضربتُ حارساً مدنياً! إن أمسكوا بنا هذه المرة، سأموت في سجن 'سوتوريال'!"

​قفز أمين من القاع المظلم رغم الألم الممزق في قدمه، وسحب شمس والطفل عمر إلى ظهر القارب، بينما صعد باقي المهاجرين الأفارقة بسرعة ومذعورين.

​"ماذا سنفعل الآن؟" صرخت شمس وهي تنظر إلى جسد الشرطي المغشي عليه في أسفل المائي. "سوف يقتلوننا جميعاً!"

​"سأشغل المحرك بأقصى طاقته وأتجه نحو المياه الدولية فوراً!" صرخ سانتياغو وهو يقفز نحو دفة القيادة، يضغط على زر التشغيل بفرط. "أضواء 'خثيراس' تبدو أمامنا، ولكن الدورية السريعة لخورخي ستلاحظ غياب زورق مساعدها خلال دقائق وستعود لتطحننا بالرصاص!"

​انطلق القارب الخشبي "إسبرانزا" كالمجنون وسط أمواج المضيق العاتية، يشق ظلمة البحر الأسود، مخلفاً وراءه أضواء سبتة التي بدأت تتضاءل وتختفي خلف غطاء الضباب، فيما كانت أضواء شاطئ الأندلس (خثيراس) في الأفق المقابل تلمع كوعْدٍ بالنجاة أو فخٍ أخير.

​جلس أمين على خشب القارب الرطب، يضم قدمه المدماة إلى صدره، ويمسك بيد شمس التي كانت ترتجف. نظر إلى الخلف، فرأى في المدى البعيد ضوء كشاف عملاق يبحث في الماء... كان زورق خورخي السريع قد اكتشف الأمر وبدأ المطاردة الشرسة في عرض البحر!

​"أمين..." همست شمس وهي تنظر في عينيه المحمرتين. "هل سنصل حقاً؟ أم أن هذا البحر لا يترك أحداً يمر؟"

​نظر أمين إلى الأفق المظلم، وأخرج من جيبه صورة أمه المبتلة بماء الملح، وقال بلهجة صادقة نابعة من ألم السنوات: "سنصل يا شمس... حتى لو اضطررنا للسباحة بما بقي في أرواحنا."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على سياج سبتة   الجزء الرابع والثلاثون: صدى الندوب على منصة العالم

    الجزء الرابع والثلاثون: صدى الندوب على منصة العالماستيقظت مدينة "سرقسطة" في صباح يوم شتوي مشمس، حيث كانت قاعة المؤتمرات الكبرى في قصر "أليخافيريا" التاريخي تغص بالحياة والحركة. تجمَّع مئات الوفود الرسمية، والدبلوماسيون، وممثلو المنظمات الحقوقية الدولية، ورجال الصحافة والإعلام، إلى جانب وفود من الصيادين والشباب القادمين من شمال المغرب ومن جزر الكناري، لحضور الجلسة الافتتاحية لـ "الملتقى الدولي الأول للسلامة البحرية والدمج الاجتماعي".​كانت القاعة مزينة بأعلام المنظمات الشريكة، وعلى الشاشة العملاقة خلف المنصة الرئيسية ترأست العبارة المركزية للملتقى: "جسورٌ لا أسوار... كرامةٌ بلا حدود".​في الصف الأول، كانت "شمس" تجلس بجوار الصغير "عمر" والمحامي "ألبرتو غوميز"، بينما كان "المهدي" يتابع الترتيبات التقنية لإدارة البث المباشر الذي يتابعه مئات الشباب في مدينة الفنيدق وجزر الكناري.​وقف رئيس الجلسة، وهو مسؤول أممي بارز في مفوضية شؤون اللاجئين، وأخذ المايكروفون ليعلن انطلاق الفعاليات: "أيها السادة والسيدات، نشهد اليوم افتتاح محطة فارقة في نقاشات الهجرة الدولية. لن نستمع اليوم إلى أرقام جافة و

  • على سياج سبتة   الجزء الثالث والثلاثون: صدى "إبرو" في الملتقى الدولي

    الجزء الثالث والثلاثون: صدى "إبرو" في الملتقى الدوليكانت شمسُ الخريف الأخيرة في سرقسطة تكسو ساحات قصر "أليخافيريا" وكتدرائية "البيلار" بطابعٍ دافئ وساحر، فيما كانت أروقة مبادرة "جسور" تعيش حالةً استثنائيةً من النشاط والاستعدادات المكثفة. لم تعد المبادرة مجرد مكتب إرشادي محلي في حي "أكتور"، بل تحولت إلى محور إقليمي ودولي يربط بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.​في الصباح الباكر، كان "أمين" يقف بجوار طاولة الاجتماعات الكبرى في القاعة الزجاجية الملحقة بالمقر الرئيسي. كانت أمامه تصاميم هندسية لكتيبات التوعية، وجداول ضخمة تنظم فعاليات "الملتقى الدولي الأول للسلامة البحرية والدمج الاجتماعي" الذي تستضيفه سرقسطة برعاية مشتركة من حكومة إقليم أراغون ومنظمات حقوقية أوروبية ومغربية.​دخل المحامي "ألبرتو غوميز" حاملاً رزمة من وثائق الاعتماد الرسمية، وابتسامة عريضة تعلو وجهه: "أمين، لقد أكدت وفود ثلاث وزارات أوروبية حضورها، بالإضافة إلى ممثلين عن خفر السواحل الإسباني والفرنسي، ووفد رفيع المستوى من التعاونيات البحرية لمدن شمال المغرب وعلى رأسها الفنيدق."​رفع أمين رأسه، وعلا محياه ارتيا

  • على سياج سبتة   الجزء الثاني والثلاثون: أمانُ الصغار وضفافُ "إبرو"

    الجزء الثاني والثلاثون: أمانُ الصغار وضفافُ "إبرو"كان الشفقُ الأرجوانيُّ يرسمُ خطوطه الدافئة فوق شواطئ "لاس بالماس"، معلناً انتهاء الأسبوع المفصلي لتأسيس فرع جزر الكناري. لكن العمل الإنساني الذي يقوده "أمين" و"شمس" لم يكن يكتفي برسم الخطط على الأوراق الرسمية، بل كان يمتد ليمس العصب الأكثر إيلاماً في ملف الهجرة غير النظامية: الأطفال والقاصرون غير المرفقين الذين يصلون على متن القوارب بلا عائلات، محملين بصدمات نفسية وجروح غائرة.​في المساء الأخير قبل مغادرتهما الأرخبيل، زار أمين وشمس مركز الرعاية الأولية للقاصرين الملحق بفرع المبادرة الجديد. كانت القاعة المخصصة للدعم النفسي تعبق برائحة الألوان والورق المقوى، حيث كان أخصائيون نفسييون إسبان ومغاربة يعملون جنباً إلى جنب مع شمس على برامج إعادة التأهيل بالرسم والتعبير الحركي.​كان هناك طفلٌ مغربي صغير لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره يدعى "سامي"، ينتمي لمدينة الناظور، كان قد وصل قبل أسبوعين مفردًا بعد أن ضاع والده في ليلة الهياج البحري. كان سامي يجلس في زاوية القاعة صامتاً، يرفض الحديث مع أي شخص، ويكتفي برسم خطوط سوداء متداخلة تشبه الأسلاك وال

  • على سياج سبتة   ​الجزء الحادي والثلاثون: شباك الأمل في "لاس بالماس"

    ​الجزء الحادي والثلاثون: شباك الأمل في "لاس بالماس"كانت شمسُ الصباح في أرخبيل جزر الكناري تُلقي بأشعتها الدافئة على أسطح المنازل البيضاء لمدينة "لاس بالماس"، وتنعكس ببريق فضي على أمواج المحيط الأطلسي المترامية الأطراف. في المقر الجديد لـ "مبادرة جسور - فرع جزر الكناري"، كان حراك العمل قد بدأ مبكراً وبإيقاع نشط يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الفريق.​داخل قاعة التدريب المهني الفسيحة، كانت طاولات العمل مصفوفة بعناية، وعليها قطع لمعدات الملاحة البحرية، وشباك الصيد التقليدية، ومحركات القوارب المصغرة.​وقف الشاب "أنوار"—الذي أُنقذ قبل أسابيع قليلة من قارب الموت التائه في عرض المحيط—مرتدياً بذلة العمل الزرقاء، وبيده مفتاح ربط ميكانيكي، وهو يشرح لمجموعة من الشباب الواصلين حديثاً قواعد الصيانة الأولية وتأمين السلامة فوق سطح الماء. لم تكن نبرته نبرة مدرب تقليدي، بل كانت نبرة أخٍ أكبر خبر قسوة الأمواج وعلمهم درساً في النجاة والصبر.​"استمعوا إلي جيداً يا إخوتي..." قال أنوار بصوته الأسمر الواثق وهو يشير إلى محرك صغير مفكك أمامه. "البحر ليس عدواً، والهروب على متن قوارب الموت دون دراية ليس ش

  • على سياج سبتة   الجزء الثلاثون: شروقٌ فوق جزر الكناري

    الجزء الثلاثون: شروقٌ فوق جزر الكناريكانت الطائرة التابعة للخطوط الجوية الإسبانية تهبط ببطء نحو مدرار مطار "جران كناريا" في مدينة "لاس بالماس"، حيث تعكس مياه المحيط الأطلسي الساطعة أشعة الشمس الدافئة فوق الهضاب البركانية الشاهقة. من فوق السحاب، كانت جزر الكناري تترصع كدررٍ خضراء وسمراء في قلب المحيط؛ لم تعد في أذهان المهاجرين مجرد محطة نجاة أو شاطئ يتنفسون فيه الصعداء بعد القوارب المتهالكة، بل أصبحت حلقة وصل حيوية تؤسس لمرحلة جديدة من الكرامة والاستقرار.​كان أمين يجلس بجوار النافذة، يتحسس ذراع زوجته شمس التي كانت تنظر إلى الأفق الممتد بعينين تملؤهما العاطفة والرجاء. كان الصغير "عمر" غارقاً في النوم على مقعده، ممسكاً بلعبة خشبية صغيرة صممها له والده في ورشة سرقسطة.​"أمين..." قالت شمس بنبرة خفيضة يتداخل فيها الحنين مع الإصرار، "قبل سنتين فقط، كانت جزر الكناري بالنسبة لأبناء الفنيدق والعرائش وأفريقيا جنوب الصحراء تعني إما الوصول بعد الموت المؤجل، أو الغرق في المحيط... واليوم نصل إليها بنور الأوراق الرسمية، لنبني فرعاً يحمي من يصلون بعدها."​ابتسم أمين ونظر نحو جروح قدمه اليسرى القتيمة

  • على سياج سبتة   الجزء الثامن والعشرون: أبعادٌ جديدة وخطوة نحو الأفق

    الجزء الثامن والعشرون: أبعادٌ جديدة وخطوة نحو الأفقكان الشتاء الإسباني قد اشتدت برودته، والرياح القادمة من مرتفعات "أراغون" تداعب زجاج ورشة "جسور" في حي أكتور. لكن الدفء في الداخل كان يبعث على الأمل؛ فقد أصبح المهدي جزءاً أساسياً من طاقم العمل، يمسك بملفات الإرشاد الإداري والتأطير بجدية نادرة، محاولاً كل يوم أن يمحو بأمانته آثار خطأ الماضي.​كان أمين يجلس مع المحامي "ألبرتو غوميز" والمهدي حول طاولة الاجتماعات الصغيرة. كانت أمامهما خريطة لإسبانيا ومجموعة من الأوراق الرسمية الصادرة عن حكومة الإقليم.​"المبادرة تنمو أسرع مما توقعنا يا أمين..." قال ألبرتو وهو يضع نظارته الطبية. "النجاح الذي حققتموه في سرقسطة دفع بلديات مدن أخرى مثل 'تيرويل' و'هويسكا' إلى طلب افتتاح فروع مصغرة لـ 'جسور' لتأطير الشباب المهاجرين وتأهيلهم مهنياً."​نظر أمين إلى المهدي وابتسم: "وهنا يأتي دورك يا مهدي... خبرتك السابقة في التدريس وتأطير الجمعيات بالمغرب ستكون المحرك الأساسي لتنظيم هذه الفروع وتدريب المشرفين الجدد."​اطرق المهدي رأسه بتواضع ونبرة امتنان: "هذا شرف كبير لي يا أمين... وسأبذل كل جهدي لنقل هذه الرسال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status