Mag-log inرفع زياد بصره ببطء، وتأمل ملامحها بنظرة حادة وثاقبة تخطفا ببريقها هدوءه الأكاديمي الظاهري. أدرك فوراً أن هذا اللقاء ليس محض صدفة ، بل هو حلقة جديدة من حلقات جس النبض واستكشاف ما قد يخفيه وراء صمته. رسم على شفتيه ابتسامة خفيفة ومتصنعة، وقال بنبرة هادئة تحمل طابع السخرية المبطنة: "لا داعي لكل هذه التلميحات والمقدمات يا نور... إن كنتِ جائعة حقاً، فاجلسي دون استئذان، فالمكان للجميع ولستُ بمنعزل عن العالم." أومأت برأسها وهي تبتسم بانتصار خفي ، وطلبت من العامل القريب كوباً من الشاي الساخن ، ثم قالت بنبرة توحي بالإنهاك: "بالطبع لن أرفض العرض.. فأنا جائعة حقاً، وليالٍ طويلة قضيناها بلا نوم ولا راحة جعلت الصباح يبدو شاقاً ومثقلاً بالصداع." أخذ زياد رشفة بطيئة ومحسوبة من قهوته، وتتبع بحذر حركة أصابعها وهي تعبث بملعقة السكر الصغيرة بعصبية لا تخطئها العين، ثم قال بصوت يقطر هدوءاً واستفزازاً خفياً: "غريب أمركِ يا نور... لماذا تبحثين عن هذا الإفطار البسيط هنا؟ فأنا رجل أعزب أعيش بمفردي، بالكاد أجد من يعد لي لقمة تسد الجوع في الصباح الباكر، بينما أنتِ..
عمّ المكان جوٌّ من المرح والصخب الدافئ الذي غاب عنه منذ زمنٍ طويل، وكأن أركان الفيلا الباردة كانت تنتظر هذه اللحظة لتتنفس الصعداء. بدأت شيماء، ولأول مرة منذ سنوات، تستعيد شيئاً من قوتها وروحها المسلوبة، المسجونة خلف أسوار الخوف والقهر. أحضر آسر أجهزة الألعاب وبدأ يعلمها بفضول وحماس كيف تمسك بمهارة بجهاز التحكم وتنغمس في اللعب. تغير آسر تماماً معها، وانمحت قسوته الأولى لتفسح المجال لضحكات حقيقية وصادقة تعلو في الأرجاء، بينما كانت شيماء تتفاعل معه بضحكات عفوية دافئة أزاحت عن قلبها ركام السنين. ظل الاثنان يضحكان ويمرحان، في حين استأذن منهما زياد بابتسامة هادئة وممتنة لينام حتى يستطيع الاستيقاظ لعمله في الصباح الباكر. مرت الساعات كلمح البصر دون أن يشعرا بالوقت، حتى بدأت خيوط الصباح الأولى تتسلل بهدوء عبر الستائر الخفيفة، لتعلن عن بداية يوم جديد. توقفت شيماء فجأة وهي تنظر نحو النافذة ثم التفتت إلى آسر وقالت بابتسامة لطيفة: "يكفي هذا القدر يا آسر بيه.. دكتور زياد أوشك على النزول للذهاب إلى عمله، ونحن ما زلنا نلعب كالأطفال!" ابتسم آسر وهو يضع جهاز ال
ما إن تردد صدى اعتراف آسر الصادم بأنه لم تكن هناك شرطة، وأن كل ما حدث لم يكن سوى خدعة قاسية ومدروسة لانتزاع الحقيقة المختبئة في صدرها، حتى بدأت العواصف العاتية في داخل شيماء تهدأ تدريجياً. لكن هذا الهدوء المفاجئ لم يأتِ بالراحة، بل صاحبته حالة من الإرهاق المدمر؛ فقد خارت قواها بالكامل، وشعرت أن جسدها قد تحول إلى كتلة من الوهن المنهك الذي لا يستطيع حتى حمل نفسه. وقبل أن تسقط على الأرض الباردة، كانت عينا زياد تلاحقان انهيارها البطيء. بحركة سريعة وحاسمة، تقدم خطوات معدودات، وبسط ذراعيه ليلتقطها برفق شديد وكأنها زجاجة عطر نادرة تخشى أن تتكسر بين الأيدي. حملها بين ذراعيه دون أن يترك لها مجالاً للاعتراض، واتجه بها نحو الداخل وهو يهمس بنبرة دافئة وحانية: "تعالي معي.. حان الوقت لتنامي وترتاحي أخيراً بعيداً عن كل هذا الرعب." تبعهما آسر بخطوات هادئة، وقد تخلت ملامحه الحادة عن جزء كبير من قسوتها، ليقول بنبرة يغلفها الندم الخفي والاهتمام: "لا تجعلها تنام وهي حزينة ومثقلة بكل هذا الأسى يا زياد... ضعها على الأريكة هنا لتكون قريبة من الدفء." انحنى زياد بحذر، ووضعها ب
ظل صدى تلك الكلمات المفجعة معلقاً في الهواء البارد، كأن صاعقة شطبت كل الشكوك والافتراضات وتركتهما عاريين أمام حقيقة مرعبة تفوق كل تصور. لم يعد سكون الليل هادئاً، بل تحول إلى صمت مطبق وموجع، يقطعه فقط صوت حفيف أوراق الشجر اليابسة وهي تتطاير حولهم بفعل رياح خريفية قاسية تلامس الوجوه المذهولة. كان ضوء المصباح الخافت المعلق فوق باب الفيلا يلقي بظلال طويلة ومهتزة على الأرض، ليبرز شحوب وجه شيماء المبتلل بالدموع ، وعينيها اللتين تحولتا إلى بئرين من العذاب المطلق. بقيت يداها معلقتين على ياقة قميص آسر ، ترتجفان بعنف شديد وكأنهما فقدتا القدرة على الحركة أو الإفلات. أما آسر، فقد تجمدت ملامحه القاسية تماماً ، وابتسامته الساخرة التي كانت تعلو شفتيه منذ لحظات انمحت كأن لم تكن قط. اتسعت حدقتا عينيه بذهول وصدمة ألجمت لسانه، وشعر ببرودة غريبة تسري في أطرافه؛ فهو الذي اعتاد أن يرى البشر كأوراق لعب ومؤامرات،. وجد نفسه فجأة أمام إنسانة مسحوقة ، بيعت بثمن بخس في سوق القهر البشري على يد والدها الذي من المفترض أن يكون درعها وحمايتها. تراجعت يداه الممدودتان ببطء إلى أصفاده ،
انفلتت شيماء من بين يدي زياد كطير مذعور، ودفعت الباب الخارجي للفيلا بكل ما أوتيت من قوة لتنطلق نحو العتمة. كسر هواء الليل البارد وجهها المحتدم، لكن صدى خطوات زياد وآسر خلفها كان يلاحقها كالكابوس. لم تبتعد كثيراً حتى لحق بها زياد عند حافة الحديقة المعتمة، وقبض على ذراعها برفق حاسم منعها من المواصلة، بينما وقف آسر خلفه كسراب أسود، تتلألأ عيناه بشك قاتل؛ خوفاً من أن تكون هذه الدراما برمتها مجرد لعبة متقنة زُرعت من قِبل البهنساوي لإسقاطهما. كانت الحديقة غارقة في سكون ليلٍ أثقلته البرودة ، لا يقطعه سوى صفير الهواء المخيف وهو يداعب أغصان الأشجار الخاوية، فتصدر حفيفاً يتردد صداه كهمسات غامضة في الظلام . أضواء المصابيح الخافتة المترامية عند زوايا الممر كانت تلقي بظلال طويلة ومرتعدة على الأرض الرطبة، تعكس صوراً مشوهة لأجسادهم الثلاثة المترقب . في تلك اللحظة، لم تكن هناك سوى دقات القلوب المتسارعة ؛ كانت دقات قلب شيماء تخفق كطبول حرب في صدرها المنهك، متسارعة إلى حد الشلل، بينما كانت أنفاسها المتقطعة تصدر بخاراً أبيض يختفي سريعاً في حلكة الليل. "انتظري! إلى أين تهر
مرت عدة أيام كأنها سكون ما قبل العاصفة. خاض خلالها حسن البهنساوي رجاله وقصره في رحلة بحث مسعورة، دون أن يعثر على دليل واحد يهديه إلى أثر شيماء أو يكشف خيطاً ينقذه من شكوكه القاتلة. أما في فيلا زياد، فقد بات للوقت طعم آخر؛ اعتاد زياد أن يترك خلفه صخب الجامعة وضغوط الأبحاث ليعود إلى منزل يفيض بالسكينة والدفء، حيث ينتظره ترتيب هادئ، وابتسامة خجولة، ورائحة طعام ناعمة ترحب به عند الباب. في أحد المساءات الهادئة، أوقفته شيماء بنبرة يغلفها الخجل والدفء: "دكتور زياد.. أريد أن أطلب منك طلباً." توقف زياد ورمقها بنظرة اهتمام هادئة "تفضلي يا شيماء.. كلي آذان صاغية." فركت يديها بتوتر بسيط وقالت: "أريد أن أعمل.. هل يمكن أن تسأل لي لدى أحد أقاربك أو معارفك عن فرصة عمل مناسبة؟" قطب زياد حاجبيه بفضول ورعاية: "لماذا؟ هل تضايقتِ من وجودكِ هنا، أو أزعجكِ شيء؟" أسرعت تنفي بلهفة: "لا.. لا إطلاقاً! على العكس تماماً، ولكنني لن أستطيع البقاء كضيفة ثقيلة هكذا إلى الأبد.. أرجوك يا دكتور." سكت زياد لبرهة يقرأ الإصرار في عينيها، ثم سألها بجدية: "وما هي شهادتك الدراسية حتى أبحث لكِ عن







