ログインفي الجهة الأخرى، كان الهدوء قد عاد إلى المنزل الصغير، لكن أياً منهما لم يكن قادرًا على تجاهل ما يحدث في الخارج. كانت لينا تجلس على طرف الأريكة، بينما وقف ريان قرب النافذة، يراقب الشارع بين لحظة وأخرى.قالت وهي تنظر إليه: هل تعتقد أن الشرطة ستجدهما؟أجاب دون أن يلتفت: ستفعل. قد يستغرق الأمر وقتًا، لكنهما لن تختفيا إلى الأبد.تنهدت لينا وأسندت رأسها إلى ظهر الأريكة. كلما فكرت في كل ما حدث، أشعر وكأنني أعيش حياة شخص آخر.التفت ريان إليها، ثم اقترب وجلس إلى جوارها.نظرت إليه وقالت: أحيانًا أتساءل كيف استطعت أن أعيش كل هذه السنوات وأنا لا أعرف الحقيقة.لأنك لم تكوني تعرفين أن هناك حقيقة مخفية أصلًا.خفضت عينيها، ثم قالت: والآن أعرف.مد ريان يده وأمسك يدها بهدوء.ولن تضطري إلى مواجهتها وحدك.رفعت عينيها إليه، وبقيت تنظر إليه لحظات قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة.أنت تعرف أنني ما زلت غاضبة منك، أليس كذلك؟ابتسم ريان.وأنت ما زلت تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.لأنني لو أخذت غضبك على محمل الجد، فسأضطر إلى الجلوس في الزاوية حتى ينتهي الأسبوع كله.ضحكت رغمًا عنها ربما هذا ما تستحقه.ربما.ثم اقترب منها قلي
في قسم الشرطة، كان الضابط سامر يجلس خلف مكتبه، بينما بقي عدد من الضباط على أهبة الاستعداد بانتظار الاتصال الذي سيؤكد هبوط الطائرة. كانت كل التفاصيل قد أُرسلت إلى السلطات المختصة، وصور غادة ولمى وبياناتهما أصبحت لديهم، ولم يبقَ سوى لحظة الوصول.كلما رن أحد الهواتف في القسم، التفتت الأنظار نحوه للحظات، ثم يعود الجميع إلى الانتظار عندما يتبين أن الاتصال لا علاقة له بالقضية.وفي منزل ياسر، كان الوقت يمر ببطء أشد.جلس ياسر في غرفة المعيشة، ولم يستطع الاستقرار في مكان واحد. تارة يقف أمام النافذة، وتارة يعود إلى مقعده، ثم ينظر إلى هاتفه وكأنه ينتظر منه أن يخبره بما لا يستطيع هو معرفته.أما زين فكان جالسًا على الأريكة، وقد أسند رأسه إلى ظهرها، وعيناه معلقتان في الفراغ. منذ أن أخبره الضابط بالتهم الموجهة إلى أمه وأخته، لم ينطق إلا كلمات قليلة.كان عقله يرفض تصديق أن المرأتين اللتين عاش معهما طوال حياته أصبحتا الآن متهمتين في قضية اختطاف وتزوير أدت إلى اعتقاد الجميع أن لينا ماتت.قال ياسر بعد صمت طويل: خمس ساعات…كان من المفترض أن يكونا قد وصلا الآن.لم يجد زين ما يجيبه به.في الجهة الأخرى، كان
كانت الطائرة تقترب من الهبوط، ولمى تراقب من النافذة الأضواء الممتدة أسفلها، بينما بقيت غادة هادئة على نحو أثار استغراب ابنتها. التفتت لمى إليها وقالت بقلق: أمي، هل أنتِ متأكدة أن الشرطة لن تصل إلينا؟ نظرت غادة إليها، ثم قالت بهدوء: بل ستصل… لكن إلى المكان الخطأ. عقدت لمى حاجبيها.ماذا تقصدين؟ أخرجت غادة هاتفها وتأكدت من شيء في الشاشة قبل أن تخفضه، ثم قالت: حجزت رحلتين. الأولى رحلة خارجية، وستكون هي الرحلة التي ستتبعها الشرطة عندما يكتشفون أننا غادرنا. حدقت لمى بها غير مصدقة.رحلة خارجية؟ أومأت غادة، ثم تابعت: سيظنون أننا تركنا البلاد وانطلقنا إلى المكان الذي حددناه في الحجز، وربما يرسلون من ينتظرنا هناك أو يتواصلون مع السلطات في تلك الدولة. ثم نظرت من النافذة إلى المدرج الذي بدأت الطائرة تقترب منه، وقالت: لكننا لسنا على تلك الرحلة. سألت لمى بسرعة: إذن أين نحن ذاهبتان؟ أجابتها غادة: نحن الآن على رحلة داخلية. سنهبط في مدينة أخرى، ومن هناك سنستقل القطار إلى مدينة ثالثة. وبعدها نكمل طريقنا حتى نصل إلى البلاد التي سنستقر فيها. اتسعت عينا لمى وهي تستوعب الخطة.إذن الرحلة ال
بدأت لينا تمسح دموعها بظهر يدها، محاولة أن تستعيد تماسكها، لكن شهقاتها كانت تفضحها في كل مرة. أخذت نفسًا عميقًا، ثم مسحت خدها مرة أخرى، وكأنها غاضبة من نفسها لأنها سمحت له بأن يرى ضعفها. راقبها ريان للحظات، ثم اقترب منها ببطء. ما إن شعرت بقربه حتى رفعت يدها محاولة إبعاده.ريان… لا. لكنه لم يتراجع هذه المرة. مد ذراعيه واحتضنها، فضربت صدره بيدها محاولة أن تبتعد عنه. قلت لك اتركني. شدها إليه، وقال بصوت مرتجف: أرجوكِ… لا تكرهيني. حاولت دفعه مرة أخرى.أنا غاضبة منك.وأنت جعلتني أشعر أن كل ما بيننا كان كذبة. أعرف… وأنا آسف. حاولت أن تفلت من ذراعيه، لكنه قال بالقرب من أذنها بصوت مكسور: لا تبعديني عنك، أرجوكِ. لا أعرف كيف أتحمل أن أخسرك مرة أخرى. توقفت يدها في منتصف محاولتها لإبعاده.ريان… أنا آسف.قالها مرة أخرى، ثم أخذ يكررها وكأن الكلمة الوحيدة التي يستطيع قولها الآن هي تلك الكلمة. آسف لأنني أخفيت عنك الحقيقة. آسف لأنني جعلتك تشعرين أنك كنت مجرد جزء من خطة. آسف لأنني جعلتك تبكين. وآسف عن كل مرة خفت فيها من الاعتراف لك بما أشعر به. بقيت لينا جامدة بين ذراعيه.لم تبادله الع
كان ريان يقف قرب النافذة، وقد أبقى باب الشرفة مفتوحًا قليلًا ليدخل هواء المساء. ظن أن لينا ما زالت في الحديقة، لذلك أخرج هاتفه واتصل بالضابط سامر للاطمئنان على آخر تطورات القضية.قال ريان بصوت منخفض: «حسنًا، فهمت. سأبقيها هنا لأطول فترة ممكنة، حتى تنتهوا من الإجراءات. وأتمنى أن يتم القبض على غادة ولمى في أسرع وقت، قبل أن تتمكنا من فعل أي شيء آخر.»لم يكن يعلم أن لينا كانت قد عادت إلى المنزل قبل لحظات.توقفت عند مدخل الغرفة عندما سمعت صوته.لم تسمع بداية الحديث، ولم تعرف من كان على الطرف الآخر، لكنها التقطت كلماته الأخيرة بوضوح.«سأبقيها هنا لأطول فترة ممكنة.»تجمدت في مكانها شعرت بشيء ينكسر داخلها.طوال الأيام الماضية، كانت تحاول إقناع نفسها بأن ريان اختارها. أنه حين طلب منها الهرب معه، لم يكن يفكر في شيء سوى أن يكون معها، وأن هذا الأسبوع الذي تركا فيه كل شيء خلفهما كان قرارًا اتخذه قلبه قبل أي شيء آخر.لكن الآن…اكتشفت أن الأمر ربما لم يكن كذلك.خفضت عينيها، وشعرت بالدموع تتجمع فيهما إذن… كنت تنفذ ما طلبوه منك؟لم تدخل الغرفة، ولم تسمح له برؤيتها.استدارت بسرعة وركضت نحو غرفتها، وهي تحا
توقفت عدة سيارات أمام منزل ياسر في وقت مبكر من الصباح، وترجل منها الضابط سامر برفقة عدد من رجال الشرطة. كان ياسر معهم، لكنه لم يكن الرجل نفسه الذي غادر مركز الشرطة . منذ أن أخبره سامر بالحقيقة، لم يستطع أن يستوعب كيف كانت غادة ولمى جزءًا من كل ما حدث للينا. طوال الطريق، ظل جالسًا في المقعد الأمامي إلى جوار الضابط، شاردًا في السنوات التي عاشها معهما. كان يستعيد تفاصيل صغيرة لم ينتبه إليها من قبل، كلمات عابرة، تصرفات بدت طبيعية في وقتها، ومواقف كثيرة كان يمر عليها دون أن يشك بشيء. قال ياسر بصوت متهدج: لا أستطيع أن أفهم… لماذا؟ نظر إليه سامر للحظة، ثم أعاد عينيه إلى الطريق. أعرف أن الأمر صعب. هز ياسر رأسه، وابتسم ابتسامة موجوعة.صعب؟ أنا كنت أعيش معهما تحت سقف واحد. كنت أعتبر غادة زوجتي، ولمى ابنتي. لم أقصر معهما في شيء… كنت أعطيهما كل ما أستطيع. سكت لحظة، ثم قال: حتى عندما أخطأت لينا في الماضي، كنت أظن أنني أحمي عائلتي. لم أتخيل يومًا أن الخطر كان قريبًا منها إلى هذه الدرجة. لم يجبه سامر. كان يعرف أن الكلمات لن تخفف عنه شيئًا. توقفت السيارات أمام المنزل. نزل ياسر ببطء، ثم وقف أ







