Mag-log inكانت لينا تعيش حياة هادئة ودافئة، محاطة بحب أمها واهتمام والدها، تظن أن العالم مكان آمن وأن الأشياء الجميلة لا يمكن أن تختفي فجأة. لكن في يومٍ واحد… تغيّر كل شيء. رحلت أمها، واختفى ذلك البيت الذي كان يشبه الأمان. تحوّل والدها إلى شخص قاسٍ لا يشبه الرجل الذي عرفته يومًا، وأصبحت تعيش في منزل تمتلئ زواياه بالكراهية والنظرات الجارحة. خالتها لم ترحب بها أبدًا، وابنة خالتها كانت تجد متعتها في تحطيم ما تبقّى منها، حتى أصبحت لينا مجرد فتاة تحاول النجاة بصمت، بعدما كانت يومًا مدللة لا تعرف معنى الألم. كبرت وهي تخفي ضعفها خلف الهدوء، وتبتلع حزنها وحدها، إلى أن دخل أشخاص قلبوا حياتها من جديد… لأن الحياة التي كسرتها يومًا… قد تكون نفسها السبب في أن تصبح أقوى مما ظن الجميع. كان الليل هادئًا بشكل غريب، بينما جلست لينا قرب النافذة تضم يديها إلى صدرها بصمت. لم تعد تبكي كما السابق… وكأن الحزن بداخلها أصبح أكبر من الدموع نفسها. وفجأة، سمعت صوت الباب يُفتح ببطء. رفعت عينيها بتردد، لتتجمد ملامحها فورًا عندما رأت والدها يقف أمامها. لأول مرة منذ سنوات… بدا ضعيفًا. اقترب منها بخطوات مترددة، ثم جلس أمامها بصمت طويل قبل أن يقول بصوت مكسور: “أنا… أخطأت بحقك يا لينا.” ارتجفت عيناها. أما هو، فخفض رأسه وكأنه عاجز عن النظر إليها. “بعد وفاة أمك… ظننت أن القسوة ستجعلني أقوى، لكنها فقط جعلتني أخسرك.” شعرت لينا بشيء يختنق داخل صدرها، لكنها بقيت صامتة.: “أعرف أن كلمة آسف لا تكفي… لكن سامحيني إن استطعتِ.” وفي الخارج… كان ريان يقف دون أن يشعر، بعدما سمع جزءًا من الحديث. تجمّدت ملامحه للحظة، ثم أطلق ضحكة خافتة وكأنه يرفض ما يسمعه حتى من نفسه. “مستحيل…” مرر يده في شعره بضيق، ثم همس بإنكار: “(لا لا هي مات مات في ذالك اليوم لا لا لا )
view moreلم تكن لينا تخاف من المستشفيات.
كانت تخاف فقط من تلك اللحظة التي يصمت فيها كل شيء. وقفت قرب السرير الأبيض، تحدّق بوجه أمها الشاحب بعينين متعبتين من البكاء، بينما كانت أصابعها متشبثة بطرف الغطاء وكأنها تحاول إبقاءها هنا بالقوة. “ماما…” خرج صوتها ضعيفًا، مرتجفًا. لكن ريم لم تستجب. الأطباء يتحركون بسرعة، أصوات الأجهزة تعلو وتنخفض، والممرضات يمررن بجانبها دون أن يلاحظ أحد تلك الفتاة التي كان عالمها ينهار بصمت. ثم— صوت طويل حاد ملأ الغرفة. صوت جعل الجميع يتوقف للحظة. شعرت لينا بأن الهواء اختفى من صدرها. نظرت إلى الطبيب الذي خفض عينيه بأسف، ثم سحب الغطاء بهدوء فوق جسد أمها. وفي تلك الثانية… فهمت لينا أن بعض الناس حين يرحلون، يأخذون الحياة معهم. بعد أيام، أصبح البيت ممتلئًا بالوجوه والهمسات والشفقة الثقيلة. كانت تجلس في زاوية الصالة بثياب سوداء واسعة، تحتضن طرف كمها بصمت، بينما الجميع يتحدث حولها دون أن يلتفت إليها أحد. “مسكينة…” “ما زالت صغيرة…” “كيف ستعيش الآن؟” الكلمات كانت تؤلمها. رفعت عينيها تبحث عن والدها بين الحاضرين. كان واقفًا بعيدًا يتحدث ببرود، ملامحه جامدة كأن شيئًا لم يتغيّر. كأن المرأة التي رحلت لم تكن زوجته. وكأن الفتاة الجالسة هناك ليست ابنته. شعرت بشيء ثقيل يخنقها. أرادت فقط أن يقترب منها. أن يجلس بجانبها. أن يقول لها إن كل شيء سيكون بخير. لكنه لم يفعل. في تلك الليلة، دخلت غرفة أمها وحدها. كانت الغرفة ما تزال تحتفظ بها. برائحتها. بترتيبها الهادئ. بالمشط فوق الطاولة، والوشاح الملقى على طرف السرير. اقتربت لينا ببطء، ثم جلست مكان أمها، وأخذت الوسادة بين ذراعيها بقوة. وهنا انهارت. بكت بصوت مكتوم، مؤلم، كأنها تحاول ألا يسمعها أحد وهي تتحطم. “لماذا تركتِني وحدي…؟” همست بها وسط دموعها. “أنا لا أعرف كيف أعيش بدونك…” ثم أغلقت عينيها بقوة، وكأنها تنتظر أن تستيقظ من هذا الكابوس. لكن الصباح جاء… وأمها لم تعد. مرّت الأسابيع ثقيلة وبطيئة. وأصبح والدها أكثر قسوة معها. لا يسأل عنها. لا ينظر إليها طويلًا. وأحيانًا كانت تشعر أن وجودها يزعجه. وفي إحدى الليالي، بينما كانت بالمطبخ ، سقط كوب زجاجي من يدها وتحطم على الأرض. تجمّد جسدها فورًا. التفت ياسر نحوها بعصبية حادة. “ألا تستطيعين فعل شيء بشكل صحيح؟” انخفض رأسها بسرعة. “آسفة…” لكن صوتها المرتجف لم يخفف غضبه. اقترب منها وقال ببرود قاسٍ: “منذ رحلت أمك وهذا البيت لم يعرف الراحة.” شعرت لينا وكأن الكلمات صُفعت بها. ارتجفت شفتاها، لكنها لم تنطق. كانت دائمًا تصمت. دائمًا تتحمل. وكأنها اعتادت أن تكون الطرف الذي ينكسر وحده. بعد شهرين فقط… دخلت غادة المنزل. وخلفها ابناها: لمى… وزين. منذ اليوم الأول، شعرت لينا أن البيت لم يعد بيتها. غادة أصبحت تتصرف وكأنها السيدة الجديدة لكل شيء. لمى تحتل الأماكن براحتها، تضحك بصوت مرتفع، تنظر إلى لينا باستعلاء واضح. أما زين… فكان يراقب دون تدخل. وفي مساء بارد، وقفت لينا أمام باب غرفتها القديمة عندما رأت غادة تخرج منها. قالت بتردد: “هذه غرفتي…” ابتسمت غادة ابتسامة باردة. “كانت غرفتك.” ثم أشارت نحو الممر الضيق. “غرفتك الجديدة هناك.” نظرت لينا نحو الباب الصغير قرب المخزن. شعرت بشيء مؤلم يهبط داخل صدرها. دخلت الغرفة ببطء. ضيقة. باردة. باهتة. سرير صغير وخزانة قديمة فقط. وضعت حقيبتها فوق السرير، ثم جلست بصمت وهي تحاول منع دموعها. لكن عينيها وقعتا على صندوق كرتوني في الزاوية. اقتربت منه بسرعة وفتحته بيدين مرتجفتين. صور أمها. أغراضها. ذكرياتها. موضوعة بإهمال بين الأشياء القديمة. أمسكت صورة تجمعها بريم سالم، ثم ضمتها إلى صدرها بقوة. وفي الخارج… كانت ضحكات لمى تملأ المنزل. بينما لينا شعرت…أنها أصبحت غريبة داخل المكان الذي وُلدت فيه. مرّت أشهر قليلة فقط… لكن غادة كانت قد نجحت في تحويل المنزل بالكامل إلى عالم يشبهها. كل شيء أصبح فخمًا، مرتبًا بطريقة مبالغ بها، وكأنها تحاول إثبات أنها السيدة الجديدة لعائلة العبدالله. وفي تلك الليلة… كان المنزل مضاءً بالكامل. الثريات اللامعة تنعكس فوق الأرض الرخامية، وأصوات الضحكات والموسيقى الهادئة تملأ المكان، بينما السيارات الفاخرة تصطف أمام القصر واحدة تلو الأخرى. أقامت غادة حفلة ضخمة بمناسبة زواجها من ياسر العبدالله، أحد أشهر رجال الأعمال وصاحب أكبر شركات النفط في البلاد. كانت تتحرك بين الضيوف بفخر واضح، تتلقى التهاني بابتسامة متعالية، وكأنها انتصرت أخيرًا بالحياة التي أرادتها. “السيدة غادة العبدالله…” كانت تستمتع كثيرًا بسماع اللقب. أما لمى، فبدت سعيدة أكثر من الجميع. فستانها الفاخر، ضحكاتها المرتفعة، وطريقتها وهي تتحدث مع الفتيات باستعراض واضح جعلها تشعر وكأنها ولدت داخل هذا العالم. بينما… كانت لينا تقف بعيدًا قرب الدرج، ترتدي فستانًا بسيطًا بلون هادئ، تمسك أطراف يديها بتوتر وتحاول ألا تلفت الانتباه. مرّت إحدى السيدات بجانب غادة قائلة بإعجاب: “ابنتك جميلة جدًا.” ابتسمت غادة فورًا وهي تنظر نحو لمى بحب واضح. “لمى دائمًا مميزة.” ثم التفتت السيدة نحو لينا الواقفة بعيدًا. “وهذه؟” ساد صمت قصير. قصير… لكنه كان كافيًا ليؤلمها. ثم قالت غادة بابتسامة باردة: “لينا ابنة ياسر.” وكأنها شيء منفصل عنها تمامًا. خفضت لينا عينيها بسرعة. أما لمى، فاقتربت منها بعد دقائق وهي تحمل كأس العصير، ثم نظرت إلى فستانها بسخرية خفيفة. “ألم تجدي شيئًا أجمل لترتديه؟” صمتت لينا. لكن لمى أكملت بابتسامة مستفزة: “أعني… الجميع هنا من الطبقة الراقية، يجب أن تحاولي ألّا تظهري وكأنك ضائعة بينهم.” شعرت لينا بالإهانة تخنقها، لكنها ابتلعت كلماتها كعادتها. وفي اللحظة التي همّت فيها بالابتعاد… اصطدمت بأحدهم دون انتباه. كاد الكأس يسقط من يدها، لكنها رفعت رأسها بسرعة وهي تعتذر بخجل: “أنا آسفة…” لكن الكلمات توقفت على شفتيها فورًا عندما التقت عيناها بعينين داكنتين تحدقان بها ببرود غريب. شاب طويل بملامح حادة وهيبة واضحة، يقف بثبات وكأن المكان كله يدور حوله. نظر إليها للحظة… ثم إلى الكأس المرتجف بين يديها. قبل أن يقول ببرود: “انتبهي لطريقك.” شعرت لينا بالإحراج فورًا. بينما كانت لمى تراقب المشهد من بعيد بابتسامة واسعة، ثم أسرعت نحو الشاب قائلة بدلال: “ اسر ! لقد وصلت أخيرًا.” رفعت لينا عينيها نحوه مجددًا…لم تستطع لينا البقاء في الغرفة أكثر. كانت أنفاسها متسارعة، وأصابعها ملتفة حول معصم أحمد بقوة، وكأنها تتمسك بالشيء الوحيد الذي يمنحها شعورًا بالأمان في تلك الحظه. قالت بصوت خافت مرتجف… أريد أن أخرج.» نظر إليها أحمد لحظة، ثم أومأ دون نقاش حسنًا، تعالي.» شدّت لينا على معصمه، وخرجت معه من الغرفة، بينما بقي ياسر واقفًا في مكانه، عاجزًا عن استيعاب أن ابنته التي بحث عنها وبكاها لأربعة أشهر كانت تمر أمامه الآن وكأنها لا تعرفه. أما ريان، فظل واقفًا قرب الباب، يتابعها بعينين دامعتين. لم يحاول إيقافها، ولم ينطق بكلمة أخرى. كان يخشى أن يزيد خوفها، وفي الوقت نفسه كان قلبه يصرخ باسمها. خطت لينا إلى الممر وهي لا تزال ممسكة بمعصم أحمد، وحين خرجت خلفه مباشرة، كان زين يقف على مسافة غير بعيدة، منشغلًا بمكالمة هاتفية. كان يتحدث بجدية، وعيناه على الأرض نعم، أرسل لي الملفات كاملة، وسأراجعها الليلة…» ثم رفع عينيه بلا اهتمام نحو الممر.وفي اللحظة التي وقعت عيناه فيها على لينا، انقطع صوته تمامًا تجمد ،اتسعت عيناه، وسقط الهاتف من يده. لم يسمع حتى صوت ارتطامه بالأرض.ظل يحدق بها لثوانٍ، وكأن عقله
كان ريان واقفًا في الممر.كان قد تبع أحمد وياسر بعدما لاحظ خروجهما من القاعة، لكنه لم يدخل عندما رأى الباب يُغلق. ثم سمع صوت ياسر من الداخل لينا… ابنتي… أنتِ حية.” تجمد ريان في مكانه.اتسعت عيناه، وكأن الكلمات لم تصل إلى عقله دفعة واحدة لينا؟ خفض يده عن مقبض الباب، وبقي واقفًا دون حراك.ثم جاءه صوت بكاء ياسر، وصوت لينا المرتجف من الداخل شعر بأن الدم انسحب من وجهه. لم يستطع أن يتنفس بصورة طبيعية لأشهر، عاش وهو يعتقد أنها ماتت. ولأشهر، حاول أن يقنع نفسه بأن عليه أن يتقبل غيابها والآن… كان صوتها خلف هذا الباب صوت لينا.رفع ريان عينيه إلى الباب، وكأن فتحه سيجعل الحقيقة أكثر واقعية. لكن يده لم تتحرك لأول مرة منذ أربعة أشهر، شعر بالخوف من شيء واحد فقط.أن يفتح الباب…ويجد أن ما يسمعه ليس حلمًا.بقي ريان واقفًا أمام الباب، عاجزًا عن استيعاب الكلمات التي وصلت إلى مسامعه لينا… ابنتي… أنتِ حية.”كرر ياسر الجملة من الداخل، وكأنها صدى يرفض أن يختفي.هز ريان رأسه ببطء لا…خرجت الكلمة منه هامسة.ثم ابتسم ابتسامة مرتبكة، أشبه بضحكة قصيرة خرجت دون إرادة منه لا، هي ميتة.”مرر يده على وجهه، وتنفس بسرعة أ
وقبل أن يخطوا نحو المدخل، توقفت لينا فجأة، وسحبت يدها من يد أحمد.التفت إليها باستغراب ماذا حدث؟”نظرت إليه للحظات، ثم سألت بتردد توقف… أريد أن أسألك شيئًا.”“اسألي.”ترددت قليلًا قبل أن تقول هل لديّ أب؟”ساد الصمت للحظة.لم يتوقع أحمد السؤال، فظل ينظر إليها وكأنه يحاول فهم سبب اهتمامها به الآن.ثم أجاب بهدوء نعم.”رفعت عينيها إليه بسرعة من هو؟”“ياسر العبدالله.”ترددت لينا في تكرار الاسم، وكأنها تحاول أن تبحث عنه في ذاكرتها ياسر…”لكن شيئًا لم يحدث.لا صورة، ولا صوت، ولا حتى إحساس غامض.قالت بعد لحظات حسنًا… أريد أن أراه.”قطب أحمد حاجبيه الآن؟”أومأت قبل أن أدخل.”نظر إليها باستغراب أكبر لماذا؟”خفضت عينيها إلى يديها وقالت لا أعرف. فقط أريد أن أراه وحده أولًا.”ظل أحمد صامتًا للحظات، ثم نظر إلى المكان خلفه، وإلى المدخل الذي كانت تأتي منه أصوات العائلة.كان يعلم أن طلبها قد يكون صعبًا، لكنه لم يجد سببًا يمنعه حسنًا.”قادها إلى جانب المبنى، ثم طلب من إحدى العاملات أن ترافقها إلى غرفة جانبية هادئة، وأخبرها أن تبقى معها حتى يعود انتظريني هنا.”“سأذهب إلى الداخل أولًا. سأحاول أن أخرج ياسر إليك
كانت لينا لا تزال في غرفتها، جالسة على طرف السرير، وقد هدأ بكاؤها قليلًا، لكن آثار التعب كانت واضحة على وجهها.لم تكن قد فعلت شيئًا طوال الساعات الماضية سوى التفكير في كلام حمد، ومحاولة استعادة أي ذكرى، أي صورة، أي إحساس يثبت لها أنها كانت تعيش حياة أخرى قبل أن تستيقظ في منزل سميحة وا غانم.ثم جاء طرق خفيف على الباب رفعت رأسها ببطء.“لينا؟”كان صوت أحمد.لم تجبه فورًا، فطرق الباب مرة أخرى، ثم قال بنبرة هادئة هل يمكنكِ أن تفتحي لي؟”نظرت إلى الباب للحظات، ثم نهضت بتردد وفتحته قليلًا.كان أحمد واقفًا أمامها، يحمل بين يديه علبة كبيرة وبعض الأغراض الموضوعة بعناية. نظر إليها، ثم إلى وجهها المتعب، وقال أعرف أنكِ لا تريدين الحديث، لكن علينا أن نخرج الليلة.”قطبت حاجبيها باستغراب إلى أين؟”“لدينا خطبة.”تجمدت ملامحها للحظة خطبة؟”أومأ أحمد ريان ولمى.”بقيت تنظر إليه بصمت، وكأن الاسم لم يعنِ لها شيئًا.تابع أحمد وهو يرفع العلبة قليلًا المناسبة صغيرة، ولن يحضرها سوى أقرب الأشخاص إليهما… وأقرب الأشخاص إلينا أيضًا. لن تكون هناك أعداد كبيرة ولا صحافة ولا غرباء.”تراجعت لينا خطوة وأنا لماذا يجب أن أذ






Rebyu