ログインجوليا
ينغلق باب شقتي خلفي بنقرة خافتة، صوت نهائي يختم عزلتي عن العالم. هنا، لا يوجد لورينزو كونتي. لا توجد كيارا المشعة. لا مكتب، لا أرقام، لا نظرات محملة بالكراهية. لا يوجد سوى الصمت. صمت مختلف عن صمت المكتب. هنا، هو شخصي. إنه ملكي. إنه دهليز التفكك.
أترك حقيبتي تنزلق إلى قدميّ. الصوت الخفيف الذي تصدره وهي تلامس الباركيه هو إهانة لثقل الكون. لا أشعل الضوء. ضوء الشارع الخافت، المتسلل عبر الستائر الفينيسية، يرسم خطوطًا شاحبة على الأرض، قضبان سجن بلا جدران.
أعبر غرفة المعيشة، مكان غير شخصي مفروش بذكريات ليست لي، إرث الراحل بالاردي، أشياء ثقيلة، داكنة، لا تعكس أي فرح. كل شيء مرتب. وكأن لا أحد يعيش هنا حقًا. وكأنني بالفعل مستأجرة شبحية.
أتجه نحو غرفة النوم، لكن ساقيّ تخذلانني قبل أن أصل إلى الباب. تركع ركبتاي على الأرض برقة مستسلمة. برودة البلاط تخترق فورًا قماش تنورتي. لا أحاول النهوض. هنا، الآن. حان الوقت.
— لورينزو...
اسمه تأوه، صلاة، لعنة. أكرره، مرارًا وتكرارًا، بين شهقات تهزني. لورينزو. لورينزو الذي كان يضمّني بقوة كل صباح لدرجة أنني كنت أستيقظ وأنا أعتقد أن قلوبنا أصبحت تخفق في انسجام واحد. الذي كانت يده في يدي عهدًا، وعدًا بالخلود دون كلمات.
أنكمش على الأرض، ذراعاي تلتفان حول جسدي، وكأنني أحتوي انفجارًا. لكن هذا مستحيل. الحب يتسرب من كل الشقوق. إنه في كل مكان. في ذكرى صوته، الهادئ والدافئ، الذي كان يهمس لي بقصائد سخيفة. في صورة يديه، تلك اليدان التي كانت ترسم مشاريع المستقبل والتي توقع اليوم حكم إعدامي المهني. في عطر رقبته، مزيج من الصابون وشيء فريد، لا يتغير، يمكنني التعرف عليه وعيناي مغمضتان في وسط حشد.
أول شهقة ليست صوتًا. إنها تشنج. رعشة عنيفة لدرجة أنها تبدو قادمة من مركز الأرض، تصعد عبر العمود الفقري وتنفجر في صدري بشهقة صامتة، مقتلعة. فمي يفتح، لكن لا صرخة تخرج منه. فقط هواء يرفض الدخول أو الخروج.
ثم، ينكسر السد.
هذه ليست بكاءً. إنها طوفان. فيضان كان محتجزًا خلف جدار من الإرادة، من الابتسامات المصطنعة، من «نعم سيد كونتي»، من «هذا رائع يا كيارا». ذلك الجدار يتصدع، يتفتت، ويسقط دفعة واحدة.
الدموع تندفع، حارقة، مالحة، لا تتوقف. تجري على وجهي بغزارة لدرجة أنها تغرق عينيّ، فمي، تجري على رقبتي، تبلل ياقة بلوزتي. إنها دموع خمس سنوات. خمس سنوات قضيتها أحب في الفراغ، أحب شبحًا، أحب رجلًا هدفه الوحيد إبادتي.
وأنا أحبه.
الصرخة، أخيرًا، تخرج. صوت أجش، ممزق، حيواني، يشق طريقه عبر الحلق المشدود. يتردد في الشقة الفارغة، صدى بائس لألم لا قعر له.
أراه مجددًا. ليس الرجل ببدلة السلطة، بل الفتى بالجينز والتيشيرت، شعره الأشعث، يضحك لأنني سكبت القهوة على مخططاته. «لا بأس، يا حبيبتي. سنعيده معًا. دائمًا معًا.»
معًا. الكلمة تتردد كسخرية قاسية.
— لماذا؟ أهمس في الفراغ، صوتي مكسور، غير معروف. لماذا ما زلت أحبك؟ لماذا أحبك أكثر؟
جوليا
هذا هو الأكثر لا يُحتمل. ليس أن الحب قد نجا. بل أنه نما. تغذى على الفراق، على الألم، على التضحية. أصبح شيئًا وحشيًا، هائلاً، يشغل كل المساحة، يخنق كل ما سواه. لا يوجد سنتيمتر مكعب من كياني لا ينتمي إليه. حتى الكراهية التي يجب أن أشعر بها ملونة به، مشبعة بجوهره. أكره ما أصبح عليه، لكني أحب بيأس الرجل الذي كان، وأعلم، أعلم، أنه في مكان ما، متوارٍ تحت الغضب والضغينة، ما زال موجودًا.
أبكي من أجله. من أجل الرجل المحطم الذي يعتقد أنه خُدع. من أجل الألم الذي اضطررت لإلحاقه به، ذلك الألم الذي حوله إلى هذا المنتقم القاسي. أبكي لأنني مسؤولة عن النور الذي انطفأ في عينيه. لأنني أنا من جعلت من حبنا سلاحًا يوجهه ضدي.
أبكي من أجلنا. من أجل الأطفال الذين كان يمكن أن ننجبهم. من أجل الشيب الذي لم نره أبدًا على رؤوس بعضنا. من أجل الخلافات التافهة والمصالحات العاطفية. من أجل صباحات الأحد الكسولة، المشاريع المجنونة، الحياة البسيطة والضخمة التي حلمنا بها. كل شيء تحول إلى غبار. وأنا هنا، راكعة على الأرض الباردة، ألتقط كل حبة من ذلك الغبار بدموعي.
ثم تأتي الدموع من أجل كيارا. كيارا الحلوة، الساذجة. التي ترقص على سطح التايتانيك معتقدة أنها حلبة رقص. التي تتحدث عن الفساتين والزهور، غافلة أن خطيبها الذي تعشقه هو رجل في حرب مع شبح - شبحها. التي تضمني بين ذراعيها بثقة مطلقة. أخونها كل يوم. صمتي خيانة. ابتسامتي خيانة. وأبكي لأنني أحبها كثيرًا لأخبرها بالحقيقة، وأحبها كثيرًا لأستمر في تركها تعيش في هذه الكذبة.
عنف النشيج يمزق بطني. أنحني للأمام، جبهتي على الأرض الباردة، يداي متشبثتان بشعري. أبكي حتى يؤلمني صدري، حتى يصبح رأسي مرجلًا مؤلمًا، حتى أُفرغ، أُنهك، أُختزل إلى حطام.
ورغم ذلك، حتى في أعماق هذا اليأس، تستمر حقيقة دنيئة: ما زلت أرغب فيه. لو كان الأمر ليُعاد. لو غدًا، جاءني أوغو بالاردي آخر بنفس التهديد، سأوقع نفس الاتفاق مع الشيطان. سأرحل مجددًا. سأتركه يكرهني. لأن رؤيته مدمرًا، محطمًا، مذلاً... سيكون أسوأ بما لا يقاس. حبي مرض عضال. غريزة حماية أقوى من كل شيء. حتى من سعادتي الخاصة. حتى من بقائي على قيد الحياة.
شيئًا فشيئًا، تتباعد الشهقات. تتحول إلى نشيج جاف، إلى ارتجافات لا يمكن السيطرة عليها. أنا ممددة على الأرض، وجهي مدفون في ثنية ذراعي، خديّ مبتلان، أنفي مسدود، عيناي منتفختان لدرجة أنهما تنغلقان نصفًا.
ظلمة الغرفة تبدو لي أكثر كثافة، أكثر ترحيبًا. هنا، لا يراني أحد. هنا، لست قوية. هنا، أنا فقط جوليا. جوليا التي تحب لورينزو. جوليا التي اتخذت الخيار الأكثر تمزيقًا وتدفع ثمنه كل ثانية من كل يوم. جوليا التي قلبها جرح مفتوح لن يلتئم أبدًا.
أتقلب على ظهري، محدقة في ظلام السقف. التعب عميق لدرجة أنه يشبه الموت. لكن في الهدوء النسبي الذي يلي العاصفة، يظهر فكر، واضح وبارد كالألماس الأسود.
هذا الحب، هذا الحب الآكل والمطلق، هو حكمي المؤبد. وهو أيضًا سبب وجودي الوحيد. بدونه، بدون هذا الألم نفسه، لن أكون شيئًا. قشرة فارغة. امرأة تزوجت رجلًا عجوزًا بحساب وتتجول في شقة كبيرة جدًا.
أنهض، ببطء، كل عضلة تحتج. أذهب إلى الحمام دون أن أشعل الضوء. في ضوء الإنارة الزرقاء الخافتة، أنظر إلى انعكاسي في المرآة. لا يمكن التعرف عليّ. العينان فوهتان حمراوتان منتفختان. الوجه متورم من البكاء. هذا هو وجه الحقيقة. الوجه الذي لا يجب أن يراه أحد.
لا يجيب فورًا. يداعب شعري، ببطء، بانتظام، كتهويدة بلا موسيقى. — لقد وعدتك. — أعرف. شكرًا لأنك تفي بوعودك. أرفع رأسي نحوه. وجهه مطمئن، عيناه حلوة، فمه يبتسم قليلاً. إنه جميل، زوجي. إنه جميل وطيب ومحب. يقبلني على الجبهة. قبلة حنونة، شبه أبوية، مليئة بالحماية والحنان. — أحبك، جوليا. — أحبك، لورينزو. ننام. مطمئنين. سعداء. متعانقين. الصباح. أستيقظ بين ذراعيه. ضوء الصباح يتسلل عبر الستائر، ضوء حلو، ذهبي، يداعب الجدران الحجرية وعوارض السقف. الغرفة مغمورة بوضوح مسالم، غير حقيقي، كأننا في حلم. ما زال نائمًا. مطمئنًا، كما لم أره أبدًا. ملامحه مسترخية، تنفسه بطيء وعميق، فمه منفرج قليلاً على نفس خفيف. أهدابه الطويلة تستقر على وجنتيه، شعره مبعثر على الوسادة. أنظر إليه. طويلاً، بحب، بكثافة. أستطيع البقاء ساعات وأنا أنظر إليه نائمًا، أتأمل السلام على وجهه، أبتهج بهذه النعومة المستعادة. إنه جميل. زوجي.
جوليا نعود إلى الفندق. جناح صغير، ليس فاخرًا جدًا، فقط مريح. أراد لورينزو حجز أجمل فندق في ميلانو، الجناح الملكي للعروسين، بالشمبانيا وبتلات الورد والجاكوزي وكل الرفاهية التي يمكن أن يوفرها ماله. رفضت. لا أريد فخامة، لا أريد تباهيًا، لا أريد ذلك الاستعراض للثروة الذي يذكرني بالرجل الذي كانه، المحامي المتغطرس، المغوي المبهرج. أريد فقط راحة، حميمية، بساطة. فاستمع. أطاع. حجز جناحًا صغيرًا في فندق ساحر، منزل برجوازي قديم محول، بجدران حجرية مكشوفة وعوارض في السقف وإطلالة على أسطح ميلانو. غرفة على صورتنا، متحفظة لكن دافئة، بسيطة لكن جميلة. ستيلا تنام عند والديّ الليلة. جاءت أمي لأخذها في نهاية الحفلة، حملتها بين ذراعيها دون إيقاظها، قبلتني، قبلت لورينزو، تمنت لنا ليلة سعيدة بابتسامة ذات معنى. كان أبي ينتظرها في السيارة، أطلق بوقًا بهدوء، وغادرا مع ابنتنا، تاركين إيانا وحدنا لأول مرة منذ وقت طويل جدًا. نحن وحدنا. وحدنا حقًا. لا ستيلا يمكن أن تستيقظ في أي لحظة، لا جهاز مراقبة طفل يفرقع،
نمسك أيدي بعضنا. ننظر إلى ابنتنا تلعب مع جدتها، ننظر إلى المدعوين يضحكون ويتحدثون، ننظر إلى سماء ميلانو الزرقاء فوق رؤوسنا. لا نقول شيئًا. لا نحتاج الكلام. كل شيء هناك، في الصمت، في الضوء، في أيدينا المتشابكة. ثم تأتي الحفلة. قاعة الاحتفال بسيطة، كما أرادت جوليا. قاعة بلدية كبيرة، مزينة بزهور بيضاء وأكاليل مضيئة. طاولات مستديرة، مغطاة بمفارش بيضاء، بقطع مركزية من الفاوانيا، نفس الفاوانيا التي كنت أهديها لها في بداية قصتنا، عندما كان كل شيء بسيطًا ونقيًا. حلبة رقص في الوسط، فارغة في الوقت الحالي، تنتظر الراقصين. نأكل. وجبة بسيطة، إيطالية، أعدها متعهد طعام من الحي. مقبلات، ريزوتو، لحم، تيراميسو. لا شيء متطور، لا شيء متكلف. فقط طعام جيد، نبيذ جيد، مزاج جيد. نضحك. تتوالى الخطب، مؤثرة ومضحكة. يروي ماركو صداقتنا، سنوات الجامعة، جنون الشباب، ثم اللحظات الأكثر ظلمة، ثم الولادة الجديدة. تروي كيارا صداقتها مع جوليا، لقاءهما، تواطؤهما، ثم الدموع، ثم الفرح. الوالدان، متأثران، يتمتمان ببعض الكلمات، أكثر تأثرًا من أن يلقيا خطبًا طويلة. نرقص. أرقص وستيلا بين ذراعي. إنها متعبة، اليوم كان
لورينزو نتبادل القبلة. ليست قبلة سريعة، كما نفعل للصورة. ليست قبلة مجاملة، مثل تلك التي يتبادلها العروسان أمام الكاهن لأنها اللحظة، لأنه يجب فعلها، لأن الحفل يتطلبها. لا. قبلة حقيقية. قبلة طويلة، عميقة، صادقة. قبلة تأتي من الروح، تصعد من أعمق كياني، تعبر جسدي كله قبل أن تصل إلى شفتيّ. قبلة تحتوي كل الدموع التي ذرفتها، كل الليالي التي قضيتها أكره نفسي، كل الصباحات التي ظننت فيها أنني لن أراها أبدًا. قبلة تحتوي كل اعتذاراتي، كل وعودي، كل حبي. شفتاها على شفتيّ. حلوة، دافئة، حية. شفتا جوليا، شفتا زوجتي. زوجتي. هاتان الكلمتان ترنان في رأسي كجرس، كموسيقى، كصلاة. زوجتي. إنها زوجتي. بعد كل ما عبرناه، بعد الجحيم والمطهر وكل المحن التي وضعها القدر في طريقنا، إنها هناك، بين ذراعي، شفتاها على شفتيّ، وهي زوجتي. يداها في شعري. أصابعها تداعب رقبتي، تخدش فروة رأسي بخفة، تجذبني أقرب إليها بعد. تلك الإيماءة التي نسيتها لأشهر، تلك الإيماءة التي لم تعد تجرؤ على فعلها، تلك الإيماءة التي ظننت أنني لن أتلقاها أبدًا. واليوم، في هذه الكنيسة، أمام كل من نحب، تعيدها. يداها في شعري. كأول يوم. كأول قبلة. ك
جوليا كتبنا عهودنا بأنفسنا. لا صيغ جاهزة، لا عبارات منسوخة من الإنترنت، لا كلمات لا تشبهنا. جلسنا ذات مساء في الصالون، كل منا بقلم وورقة، وكتبنا. منفصلين، دون أن يرى أحدنا الآخر، دون غش. لورينزو على طاولة المطبخ، وأنا على الأريكة، الدفتر على ركبتيّ. من وقت لآخر، نرفع أعيننا، ننظر إلى بعضنا، نبتسم. ونواصل الكتابة، الأصابع ترتعش، القلب منتفخ بالعاطفة. اليوم، أمام الجميع، نقرؤها لبعضنا. الكنيسة صغيرة، حميمية، مليئة بكل من يهم. الجدران الحجرية، النوافذ الزجاجية القديمة، باقات الفاوانيا البيضاء التي تعطر الهواء. تزوجت جدتي هنا منذ ستين عامًا، واليوم جاء دوري. ضوء ما بعد الظهر يعبر النوافذ الزجاجية ويلقي بقعًا ملونة على الأرضية الحجرية. كل شيء صامت، خاشع، مقدس. يقف لورينزو أمامي، طويل، وسيم في بدلته الداكنة، العينان تلمعان بالفعل بدموع لا يسعى لحبسها. يداه ترتعشان قليلاً، يمسك الورقة المطوية أربع طيات التي أخرجها من جيبه الداخلي، تلك التي كتبها منذ ثلاثة أسابيع ولم يتوقف عن إعادة قراءتها، تصحيحها، إتقانها. أعرفه، لا بد أنه أعاد كتابتها عشر مرات، عشرين مرة، حتى أصبحت كل كلمة بالضبط ما
لورينزوإنها أمامي. رائعة.رأيت أعمالاً فنية في حياتي، لوحات أساتذة، منحوتات عباقرة، كاتدرائيات تتحدى السماء. لا شيء، لا شيء على الإطلاق، يصل إلى جمال الجمال الذي يقف أمامي في هذه اللحظة.فستانها بسيط، عاجي، يلتصق بتقاطيعها دون كشفها. ينساب على جسدها كالماء، انسيابي وخفيف، وكل حركة تقوم بها تجعله يتموج كموجة. لا دانتيل مبالغ فيه، لا مجوهرات مبهرجة، لا زخارف. فقط هي، في حقيقتها، في جمالها الطبيعي، في نقائها.شعرها مرفوع في كعكة متقنة، لكن بعض الخصلات أفلتت وتتدلى على وجهها، مؤطرة وجنتيها المحمرتين بالعاطفة. زهور بيضاء صغيرة مضفورة في تجعيداتها، فاوانيا صغيرة تذكر بقصتنا، تذكر بتلك الحديقة التي بدأ فيها كل شيء.عيناها تلمعان. تلمعان بدموع مكبوتة، بفرح فائض، بحب لا نهائي. عيناها اللتان نظرتا إليّ بحب، بخوف، بكراهية، بصفح. عيناها اللتان تنظران إليّ اليوم بثقة، بأمل، بوعد.— أنت جميلة، أهمس.صوتي ضعيف جدًا لدرجة أنني لا أعرف إن كانت تسمعني. لكنها تبتسم، تميل رأسها قليلاً، وأعرف أنها فهمت.— أنت أيضًا، تقول







