Beranda / الرومانسية / قصر الظلال / البارت الحادى عشر

Share

البارت الحادى عشر

Penulis: Faten Aly
last update Tanggal publikasi: 2026-05-21 16:02:54

بالرغم من أنه لم ينطق ببنت شفة، ولم يوجه إليها كلمة واحدة تعبر عما يختلج في صدره، إلا أن رنيم كانت تقرأ بوضوح ذلك الإعجاب الساحر الممتزج بالدهشة وهو يلمع في أعماق عينيه، فاكتفت بتلك النظرات الصامتة التي غمرت قلبها بدفءٍ غريب، واعتبرتها أثمن إشادة يمكن أن تحظى بها.

بعد فترة وجيزة، كانت تقف في أروقة الحديقة الغناء المحيطة بالقصر، بانتظار السائق ليقلها إلى الجامعة، واستغلت تلك الدقائق لتتصفح أحد كتبها الدراسية بتركيز، لولا أن قطع عليها خلوتها صوت يحيى الرخيم المألوف وهو يقترب من خلفها هاتفًا بنبرة حملت مسحة من الداعبة

-  إيه النشاط ده كله؟.. بتذاكرى الصبح كده

أغلقت رنيم الكتاب بين يديها بخفة، واستدارت بكامل جسدها إليه، بينما زينت شفتيها ابتسامة رقيقة وودودة، وأردفت تجيبه بنبرة هادئة

-  عندي امتحان شفوي دلوقتي.. قلت أراجع شوية على ما عمو محمد يغير الكاوتش.

تطلع يحيى إلى ساعته اليدوية الفاخرة، ثم التفت إليها وعرض عليها بنبرة حاسمة ولطيفة في آن واحد أن يتولى هو توصيلها بسيارته حتى لا تداهمها عقارب الساعة وتتأخر عن موعد اختبارها، ولم تجد رنيم مفرًا من القبول، متخذة من تعطل سيارة القصر حجة مثالية لتخفي خلفها رغبتها الدفينة في قربه.

بعد لحظات معدودة، كانت تجلس في المقعد المجاور له داخل سيارته الفارهة والمميزة التي تحمل بزيائها طابعه الخاص، وبلا وعي منها، راحت تستنشق عبير عطره النفاذ الذي ملأ جنبات المكان بذكورية طاغية، لتشعر به يسري في خلاياها.

تملكها خجل شديد وارتباك أنثوي عارم لقربها الشديد منه على هذا النحو، فباتت تختلس إليه النظرات بوجل، لتجده غارقًا في جموده المعتاد، يتصفح شاشة هاتفه باهتمام غريب وعينين مركزتين، مما أشعرها بنوع من الخيبة، وظنت واهمة أنه نسي تمامًا وجودها إلى جواره في هذه المساحة الضيقة.

كم كنتِ مخطئة يا عزيزتي في ظنكِ هذا! فقد كان مشغولًا بالهاتف تظاهرًا وخداعًا لنفسه، أما عقله وباله فكانا معكِ أنتِ وحدكِ، يصارع نبضاته المتلاحقة ويجاهد بكل قوته للمحافظة على انتظام أنفاسه التي كادت تلتف حول سحركِ.

وفجأة، أغلق هاتفه واستدار نحوها بكليته، ليهديها ابتسامة دافئة رقيقة أذابت بقايا توترها، واردف بنبرة عذبة تقطر غزلًا

- تعرفي يا رنيم.. إنتي اللي محليا الفستان يا بنوتي.. لو على حد تاني هيبقى مش حلو.

اتسعت ابتسامتها بعفوية، واكتسى وجهها بحمرة الخجل القانية التي زادتها حُسنًا وبهاءً، لتردد برقة بالغة وصوت أشبه بالهمس

-  إنت اللي عيونك جميلة يا بابتى

انطلقت ضحكاته الرجولية المبهجة فور سماعه هذا اللقب العفوي الذي نادته به، وبدأ يتبادل معها أطراف الحديث بسلاسة وتلقائية لم يعهدها في نفسه من قبل. وفي تلك الدقائق المعدودة، شعر يحيى أن الوقت بصحبتها يكتسب مذاقًا خاصًا فريدًا لا تشوبه شائبة ولا تطاله العبارات، فقرر في سرّه أن يرفع راية الاستسلام، وترك لقلبه العنان ليستمتع بقربها النقي دون فرض أي قيود أو حواجز من تلك التي اعتاد تحصين نفسه بها.

نعم، إنه يقف بكل جوارحه أمام شعور جديد من نوعه، غامض ومربك، ولكنه ممتع إلى أبعد الحدود، فلِمَ لا يستسلم له ويترك الأمواج تحمله حيث تشاء؟

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

جابَ تلك المنطقة بأكملها، وقطع دروبها وحواريها شبرًا بشبر، علّه يعثر على طيف تلك الفتاة التي قلبت حياته رأساً على عقب؛ فهي التي بدّدت من بين يديه ملايين الجنيهات التي كاد أن يمتلكها ويتربع على عرشها، واستبدلتها بسنواتٍ طوال خلف قضبان السجن، ذلك السجن الذي لم يفلت من جحيمه إلا بالكاد وبأعجوبة. والآن، يجد نفسه مطاردًا، يخطط للهروب من مصر بأكملها وهو لا يملك في جعبته سوى قروشٍ قليلة لا تسمن ولا تغني من جوع.

بحث عنها في كل زاوية، وسأل عنها في كل زقاق متخفيًا، حتى تورمت قدماه وتصلبت شرايينه من كثرة السير والركض خلف السراب، ولكن دون أي فائدة تذكر. وأمام هذا الإحباط الجاثم، رضخ للأمر الواقع مجبرًا، وقرر الإقلاع عن البحث عنها والالتفات لنفسه؛ حتى لا يضيع وقته الثمين هباءً وتضيع منه تلك الفرصة الذهبية والأخيرة للهروب خارج البلاد والنجاة بجلده.

وفي حلكة الليل، التقى بيومي بزميله وشريك مسيرته الإجرامية، والذي التفت إليه هاتفًا بنبرة عتابٍ حذرة

-  يا رب تعقل بقى يا بيومي.. بقولك البيه عاوزك كمان عشر أيام فيه عملية سقع هتعملها، حتى يبقى معاك قرشين وإنت مسافر.

لم يتردد بيومي كثيرًا، فالحاجة للمال تكبل عناده؛ أومأ له بالموافقة على الفور في صمتٍ وعينيه تلمعان بالجشع، وتقدم منه ليتسلم تفاصيل الموعد والمكان والزمان، مستعدًا لغرقٍ جديد في وحل الجريمة قبل الرحيل.

✨✨✨✨✨✨

انقضت أيامُ اختباراتها العصيبة وعبرت جسر القلق، لتعود اليوم إلى القصر وكأنها طائرٌ تحرر للتو من أسر قفصه؛ كانت تسير في ممرات الحديقة وهي تشدو بأعذب الألحان، وتطوح بكتبها الدراسية في الهواء بعفويةٍ مبهجة وفرحةٍ طاغية، معلنةً بصرخات ضحكاتها أنها أنهت مسيرتها الدراسية كاملة، وخلعت عن كاهلها ثقل السنين.

في تلك الأثناء، كان يحيى يقف في شرفة مكتبه العلوية، ساندًا ذراعيه على السياج الرخامي، يراقب حركاتها الطفولية باستمتاعٍ حقيقي لم يعهده في نفسه لقد أنهى دراسته الجامعية والعليا في أرقى جامعات الخارج منذ مدة، لكنه لم يتذوق قط طعم تلك السعادة البكر التي تتجرعها رنيم الآن، فوجود هذه الفتاة في حياته بات يضفي لمسةً سحرية خاصة على كل التفاصيل الباهتة من حوله، فيجعلها تبدو في عينيه غاية في الجمال والبهاء.

وفي ذروة تلك اللحظات المبهجة، دلف صخب سيارة شابي الفارهة من بوابة القصر لتفسد نقاء المشهد، ترجلت من سيارتها وتطلعت إلى رنيم بنظراتٍ تقطر سخريةً وتعاليًا من حركاتها العفوية، ثم تقدمت نحوها بخطواتٍ متبخترة، واردفت بنبرة غلفتها حدة الاشمئزاز والتهكم

-  بيئة

لم تكترث رنيم لكلماتها السامة ولا بالتفاتة الحقد في عينيها، فهي تعلم يقينًا، ومنذ وطأت قدماها هذا القصر، أن شابى تحمل لها كراهيةً متجذرة لا تخطئها العين، فما كان من رنيم إلا أن حركت شفتيها مقلدة إياها بحركة ساخرة طريفة، ثم استأنفت مرحها وغناءها، ملقيةً بوجودها خلف ظهرها دون أدنى اهتمام.

استدارت شابى ودلفت إلى قاعة القصر الداخلية بخطواتٍ تتلوى فيها يمينًا ويسارًا، تتهادى بكبرياء زائف فوق كعب حذائها العالي الذي كان يقرع الأرض بنغماتٍ حادة، وكأنها تسير فوق منصة لعرض الأزياء؛ فقد كانت ترتدي فستانًا من اللون الأحمر القاني، يلتصق بتفاصيل جسدها بشدة وكأنه جلدٌ ثانٍ لها، يصل طوله إلى ما فوق ركبتيها، وتتوسطه فتحة عنق منخفضة وجريئة. ولم تبخل كذلك في وضع طبقات كثيفة من مساحيق التجميل والألوان الصارخة التي صنعت ديكورًا مصطنعًا غطى ملامح وجهها الحقيقية.

وما إن لمحت عيناها يحيى يخطو هابطًا من الدرج، حتى تناست وقارها وهرولت نحوه بلهفةٍ واشتياق فاضت بهما نبراتها، وهتفت باسمه بنعومة مصطنعة، إلا أن يحيى قابل هذا الاندفاع ببرودٍ صقيعي وجامد، إذ تيبّست ملامحه واكتفى بإيماءة رأسٍ خفيفة، مع مسحة ابتسامة مجاملة باردة لم تصل إلى عينيه.

تسلل الإحباط سريعًا إلى أعماق شابى وصبغ وجهها بالخجل والخزي، لاسيما وأنها أدركت أن هذا المشهد السارد للجفاء قد دار كاملًا تحت أنظار رنيم التي كانت تتابع الموقف بابتسامة صامتة؛ وفي محاولة يائسة منها لمداراة خجلها المتصاعد وإنقاذ ماء وجهها، تقربت منه خطوة أخرى وتجرأت واضعةً كفها على كتفه بنعومة، مرددة بنبرة ملؤها الدلال

-  ها.. جبتلي هدية إيه يا يحيى معاك؟

تراجع يحيى خطوة إلى الخلف بذكاء ليفلت من لمستها، وتطلع إليها من أعلاها لأسفلها بنظرة فاحصة، رمق فيها ملابسها المبالغ في جرأتها وتلك المساحيق الصاخبة التي تكسو وجهها، ثم أردف بملامح جامدة ونبرة غلفتها اللامبالاة التامة

-  معلش يا شابي.. أنا مجبتش هدايا.

وقع صدى كلماته كالصفعة؛ فقد كان اللقاء بينهما جافًا، قاسيًا، وخاليًا من أي مودة، حيث تعمد يحيى إبراز هذا الجفاء ووضع تلك الأسوار الحديدية بحسم، كي يقطع عليها الطريق تمامًا، ويمنعها من التمادي في نسج آمالها الواهية وأحلامها الوردية حول إمكانية الارتباط به يومًا ما

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi
Komen (1)
goodnovel comment avatar
Lola
...️...️...️...️...️...️...️...️
LIHAT SEMUA KOMENTAR

Bab terbaru

  • قصر الظلال    105 والأخير

    بعد مرور عدة سنوات.. مرّ العمر كـقطارٍ سريع، تاركاً وراءه قصصاً كُتبت بـماء الذهب، جُبرت فيها الخواطر، وتلاشت فيها غيوم الماضي لـتشرق شمس الاستقرار. في قاعة الزفاف الفخمة، كانت رنيم تقف كـملكةٍ متوجة، متألقة بـفستانٍ من اللون الأزرق القاتم (الكحلي الملكي)، مرصعٍ بـحبات اللؤلؤ الدقيقة التي لمعت تحت الأضواء كـالنجوم في ليلةٍ صافية، ومغطى بـطبقةٍ انسيابية من الشيفون الرقيق الذي رسم معالم جسدها الرشيق الذي لم تزدْه السنوات إلا نضجاً وجاذبية. بـجوارها كانت تقف ميسون بـملامحها البشوشة، وقد اكتسبت بعض الوزن المحبب عقب ولادتها الأخيرة، ومن الناحية الأخرى تقف سلمى وعيناها مسلطتان بـدموع الفرح على العروس.. أمل. اليوم هو ليلة العمر لـأمل، التي زُفت إلى أحد أشهر أطباء الجراحة، بعد قصة حبٍّ نقية جَمَعتهما في أروقة المستشفى والجامعة، وتنتهي اليوم بالرباط المقدس. التفتت سلمى إلى رنيم، وضمتها إلى صدرها بـعاطفةٍ جياشة، مرددة بـنبرةٍ تهتز من فرط السعادة - أنا بشكر ربنا من كل قلبي يا رنيم.. طول عمري كان نفسي في بنت، وربنا كرمني بـيكم وبقى عندي بنتين مش بنت واحدة. مالت رنيم عليها، وطبعت قبلةً حانية

  • قصر الظلال    104

    كان الزفاف أشبه بـلوحة فنية نُسجت خيوطها من النور والبهجة، تألقت فيها سارا بـفستانها الذي زادها جمالاً على جمالها، بينما كان "علي" يقف بـجوارها وكأنه قد ملك العالم أجمع؛ فاليوم لم يكن مجرد ليلة زفاف، بل كان تتويجاً لحلمٍ طالما دعا الله بـإلحاحٍ أن يجعله واقعاً ملموساً. مع انتهاء الحفل، وبينما يستعد العروسان للمغادرة، وقف يحيى بـقامته الفارعة، محتضناً خصر رنيم بـتملكٍ حانٍ، وابتسامة غامضة ترتسم على ثغره، ليسأل بـمرح - العرسان الحلوين هيقضوا شهر العسل فين؟ تبادل علي وسارا نظراتٍ يملؤها الحب قبل أن يرد عليّ بـابتسامة عريضة - في عش حبنا السعيد يا يحيى. أشار يحيى بـإبهامه نحو سيارة فارهة مزينة بـأناقة كانت تصطف بـجانب القصر في انتظار إشارته. ترجل السائق بـسرعة ليفتح باب السيارة، وسط دهشة الحاضرين، ليردف يحيى بـنبرةٍ تجمع بين السخاء والود - وممكن تصنعوا ذكريات أجمل في مكان تاني.. العربية دي هتوصلكم لشاليه خاص بيا في مرسى مطروح، خدو راحتكم خالص، قضوا الوقت اللي تحتاجوه.. شهر عسل سعيد تركهم يحيى في صدمةٍ ممتزجة بـسعادة غامرة، ولوح لهم بـيده مغادراً قبل أن يتمكنوا حتى من شكره، ساحباً

  • قصر الظلال    103

    انضم يحيى إليهما بخطواتٍ متسارعة، قلبُه يضطرب بـذعرٍ غير مسبوق وهو يرى رنيم في هذه الحالة المنهارة. لم يتردد للحظة، بل ضمها بقوة بين أحضانه، مخبئاً وجهها عن أعين العالم، ليتلقى صرخاتها المكتومة داخل ضلوعه، وكأنها سهامٌ تغرس في قلبه. سأل بلهفةٍ ممزوجةٍ بالخوف، وصوته يرتجف - في إيه يا رنيم؟ إيه اللي حصل؟ حد ضايقك؟ اتكلمي يا روحي انفجرت رنيم بالبكاء أكثر، وكلماتها تتقطع بين شهقاتها المتلاحقة - عمر.. عمر يا يحيى.. عاوز يسيب القصر ويأخد أمل ويعيشوا لوحدهم.. وعاوز ينزل شغل عشان يصرف عليها.. أنا.. أنا عملت إيه عشان يبعدوا عني؟ إيه اللي قصرت فيه؟ انهارت بـاكية، فـشعر عمر بـقلبه يتمزق أمام حالتها التي لم يقصدها أبداً. تقدم خطوة ليمسك يدها، مردداً بـنبرةٍ يغلفها الصدق والأسف - والله يا حبيبتي، أنا مش زعلان منك في أي حاجة.. بالعكس... إنتي الوحيدة اللي وقفتي جنبنا، كفاية اللي عملتيه عشاننا.. ولولاكي، مكناش هنوصل للي إحنا فيه دلوقتي.. أنا بس بقول كفاية كده يا حبيبتي، إنتي حياتك استقرت مع جوزك، وأنا كبرت وعاوز أعتمد على نفسي.. قبل أن يكمل عمر، أشار له يحيى بـحزمٍ صامت أن يصمت، ثم أومأ برأسه

  • قصر الظلال    102

    انضم يحيى إلى العائلة على مائدة الإفطار، وبدت عليه ملامح الترقب بانتظار معشوقته. جلس في مقعده، ونظف حلقه بـحرج عدة مرات قبل أن يرفع نظره بـثباتٍ وجسارة إلى جده، مردداً بـنبرة هادئة ومحترمة - صباح الخير يا جدو... ألف سلامة على حضرتك، أتمنى تكون بخير النهاردة. تهللت أسارير الجد عدلان بـسعادة غامرة؛ فـهذه هي المرة الأولى التي يلقي فيها يحيى التحية بـهذا الصفاء عقب صدامهم الأخير العنيف. لم يكتفِ يحيى بالكلمات، بل نهض واقفاً بـهيبة القيصر، توجه بخطوات واثقة نحو الجد، انحنى ليقبل يده بـوقار، ثم احتضنه بحرارة طابعاً قبلة على رأسه في اعترافٍ ضمني بـمكانته. كانت سلمى تتابع المشهد وعيناها تلمعان بـدموع الفرح، بينما جلس الصغير سليم يراقب الموقف بـبراءة وعدم فهم لما يدور حوله، في حين تبادل عمر وأمل نظرات الرضا والحب لهذا الصلح الأسري. وما إن استقر يحيى في مقعده مجدداً، حتى انفتح باب القصر المطل على الحديقة، لتدلف منه رنيم كـنسمة ربيعٍ مباغتة، بـابتسامة مشرقة كفيلة بـأن تشرق معها شمس يومه؛ ابتسامة خاطفة لـأنفاسه ومعيدةً لـقلبه نبضه. قالت بـمرحها العذب - صباح الفل توجهت رنيم بخطواتها الرش

  • قصر الظلال    101

    استند على بـثقل على مقعد الاستراحة الوثير، وقد بدأ الإرهاق ينهش في جسده؛ فـساعات النهار كانت ثقيلة، بين عمله الشاق في الصباح، وجولته المرهقة التي امتدت لأكثر من أربع ساعات متواصلة يدور فيها داخل أروقة مراكز التسوق مع سارا، باحثاً عن فستان أحلامها الذي استعصى على ذوقها. مسح على وجهه بـكف مجهد، ثم تطلع إليها بـنظرة عتابٍ ممزوجة بـابتسامة حانية، مردداً بـنبرة منهكة - بقى كل الفساتين اللي شفناها دي، بـكل ألوانها وتصاميمها، وفي الآخر مفيش حاجة عاجباكي؟ حرام عليكي يا سارا.. رجلي تقريباً مبقتش حاسس بيها، وكأننا بنلف في سباق ماراثون مش بنشتري فستان فرح تذمرت سارا بـدلال، واعتدلت في جلستها وهي تعقد حاجبيها بـتذمر طفولي، ثم أطلقت تنهيدة طويلة وهي تردد بـنبرة تختلط فيها الحيرة بالضغط النفسي الذي تعيشه العائلة - أعمل إيه بس يا على؟ مش عارفة أختار، وإنت أصلاً مش بتساعدني! كل ما أوريك فستان تقول لي حلو، كأنك حافظ الكلمة دي وخلاص، مش حاسس بـالضغط اللي عليا.. حظي كده في الوقت ده بالذات؛ بنت ريناد تعبانة، ورنيم حالتها هي ويحيى شاغلة بالي، ونهال جوزها لسه راجع من السفر يعني هي كمان مشغولة.. الكل في

  • قصر الظلال    100

    هنا.. انتفض يحيى بـعنف، وكأنه طُعن بـنصل خنجر مسموم أصاب ضلوعه وشرايين قلبه، ليردد بـاندفاع حاد وغيرة تملكت نبرته - دي كلمة ملهاش وجود ولا مكان في قاموس حياتنا بعد النهاردة يا رنيم... في عز ما كنت موجوع ومكسور ومسافر، مقدرتش مجرد التفكير فيها.. حبيبتي، أرجوكي، إوعي تنطقي الكلمة دي على لسانك تاني.. إنتي ملكي وعمري لآخر نفس. تطلعت يميناً ويساراً بـضياع وتشتت طفولي سحر لبه، ليشعر هو بـتوهان روحها وهشاشتها في تلك اللحظة؛ فـتطلعت إليه مرة أخرى وعيناها تلتمسان الأمان، لتردد بـرجاء طفولي وعذب - يحيى.. أنا مش بحلم صح؟ إنت حقيقة.. إنت هنا جنبي بجد؟ورجعنا لبعض لم يكن رده تِلك المرة بـالكلمات؛ بل كان بـفعل بركانيّ زلزل مضجع الجناح! اعتصرها بين أحضانه بـقوة تملكية ضاربة، وانحنى يقبل عنقها المرمري قُبلات متلاحقة، رقيقة وحارقة في آن واحد، بينما راحت يداه الجريئتان تجوبان منحنيات جسدها اللين وتفاصيل أنوثتها بـعشق جارف حطم كل السدود. وصل بـشفتيه إلى وجنتها يلثمها بـقبلاته الدافئة التي تذيب الصخر، إلى أن وصل أخيراً إلى غايته.. إلى شفتيها الكرزيّتين. احتضن شفتيها بـجوع ونهم طال لـسنوات، راح يت

  • قصر الظلال    البارت الثانى

    ظلامٌ كثيفٌ ابتلع الطريق بأكمله، حتى بدا العالم خارج تلك الحافلة كفراغٍ موحشٍ بلا نهاية. لا أضواء… لا أصوات… سوى هدير المحرك العنيف وهو يشقّ الليل بلا رحمة، وكأن الحافلة تهرب من شيءٍ ما، أو تركض نحو مصيرٍ أكثر ظلمة.داخلها، تمدّد الخوف ككائنٍ حيّ بين المقاعد المهترئة.أطفالٌ صغار، بعضهم لم يتجاوز ا

  • قصر الظلال    البارت الأول

    في قصرٍ شامخٍ يعلو كأنه يراقب العالم من برجٍ بعيد، وُلدت الحكاية تحت سقفٍ لا يعرف المساواة، ولا يؤمن إلا بما يراه الجدّ المتسلّط حقيقةً لا تقبل النقاش.هناك، حيث المال يفرض صوته قبل القلوب، وحيث تُقاس الأرواح بميزان الطبقات، نشأ شابٌ لم يختر هذا العالم، لكنه وُضع داخله كقطعة من ميراثٍ ثقيل.وفي (قص

  • قصر الظلال    البارت الثالث عشر

    اندفع عمر نحو المطبخ بخطواتٍ ينهشها القلق، وفتح باب الثلاجة بلهفةٍ حارقة، وراحت عيناه المسكونتان بالخوف تفتشان بين الرفوف الباردة عن ترياق الحياة لشقيقته.. عن زجاجة الأنسولين الخاصة بأمل. التقط العبوة الكرتونية الصغيرة بيدين مرتعشتين، ليرتطم بوقائع الخذلان؛ كانت العبوة فارغةً تمامًا، خاوية ككل الأب

  • قصر الظلال    البارت الثانى عشر

    - إيه يا يحيى.. إنت كل يوم رجلك بتغرز أكتر من اليوم اللي قبله! لا، لازم أحط حد للتعامل مع رنيم.. أنا حاسس إني بتشد ليها وبضعف قدامها وكده غلط.. لازم أسهر سهرة حلوة كده من بتوع ألمانيا.كانت تلك الكلماتُ الحانقة بمثابة حربٍ ضروس يشنُّها يحيى ضد نفسه في خلوته، عقب رحلةِ عشاءٍ شاقة ومضنية جَمعته برني

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status