共有

البارت الثانى

作者: Faten Aly
last update 公開日: 2026-05-15 23:05:00

ظلامٌ كثيفٌ ابتلع الطريق بأكمله، حتى بدا العالم خارج تلك الحافلة كفراغٍ موحشٍ بلا نهاية. لا أضواء… لا أصوات… سوى هدير المحرك العنيف وهو يشقّ الليل بلا رحمة، وكأن الحافلة تهرب من شيءٍ ما، أو تركض نحو مصيرٍ أكثر ظلمة.

داخلها، تمدّد الخوف ككائنٍ حيّ بين المقاعد المهترئة.

أطفالٌ صغار، بعضهم لم يتجاوز السابعة، أُلقيت أجسادهم المتعبة فوق المقاعد بعشوائيةٍ قاسية. عيونٌ دامعة أُرهقت من البكاء حتى أغلقت نفسها استسلامًا، وأنوفٌ محمرّة، وارتجافاتٌ صغيرة تصدر من أجسادٍ أنهكها الرعب والجوع والبرد.

لم يكن يُسمع سوى نحيبٍ متقطع، أشبه بأنين أرواحٍ ضائعة، يخترق الصمت الثقيل داخل الحافلة.

طفلةٌ صغيرة كانت تحتضن دميتها المهترئة بقوة، وكأنها آخر ما تبقّى لها من العالم، بينما طفلٌ آخر التصق بأخيه الأكبر مرتجفًا، يحاول أن يقنع نفسه أن كل هذا مجرد كابوسٍ وسينتهي حين يفتح عينيه..... لكن الكابوس كان حقيقيًا أكثر مما ينبغي.

توقفت الحافلة فجأة على جانب طريقٍ مهجور، فاهتزّت الأجساد الصغيرة بعنف، وتعالت شهقاتٌ خائفة في الظلام...... ترجّل منها رجلٌ ضخم الجسد، تتناثر فوق وجهه ندوبٌ قديمة جعلت ملامحه أكثر قسوةً ووحشية. أشعل سيجارته ببرودٍ أعصابٍ مرعب، ثم نفث دخانها في الهواء وكأنه لا يحمل داخل تلك الحافلة عشرات الأرواح المذعورة.

تبعه الرجل الآخر، والذي لم يكن أقل بشاعةً منه، بعينين جامدتين خاليتين من أي أثرٍ للرحمة..... تمطّى الأول بضجرٍ قبل أن يقول بصوتٍ خشن

-  بقولك إيه… إحنا على لحم بطننا من الصبح. تعالى ناكلنا لقمة ونشرب حاجة… هي يعني الدنيا طارت؟

ضحك الآخر ضحكةً باردة وهو يهز كتفيه بلا اكتراث، ثم ابتعدا نحو استراحةٍ صغيرة على الطريق، تاركَين خلفهما الحافلة المغلقة بما تحمله من خوفٍ وبكاء.

وكأن الأطفال لم يكونوا بشرًا… بل مجرد حمولة.

في تلك اللحظة، بدا واضحًا أن الرحمة قد اقتُلعت من قلبيهما منذ زمنٍ بعيد.

فهؤلاء الصغار لم يُنتشلوا فقط من بين أحضان أهلهم، بل انتُزعوا من الأمان ذاته؛ من دفء الأسرة، ومن أسرّتهم الصغيرة، ومن أصوات الأمهات التي كانت تطمئنهم قبل النوم… ليُلقوا دفعةً واحدة في عالمٍ باردٍ لا يعرف سوى القسوة.

كان أقصى ما تخيّله بعضهم أنهم مختطفون من أجل المال، وأن آباءهم سيأتون لإنقاذهم قريبًا.

لم يعرفوا أن الطريق الذي يسيرون فيه لا يقود إلى الفدية… بل إلى الجحيم.

عاد السائق بعد دقائق، وأُعيد تشغيل المحرك بصوتٍ هادر، لتتحرك الحافلة من جديد، تشقّ عتمة الطريق الطويل في اتجاه مدينة الإسكندرية.

مدينةٌ نائمة على شاطئ البحر، لا تعلم أن بين طرقاتها تمرّ الآن حافلةٌ محمّلة بأرواحٍ صغيرة تُساق نحو مصيرٍ مجهول.... ومن هناك… كانت الرحلة ستستمر عبر البحر، إلى باخرةٍ ضخمة متجهة نحو إحدى الدول الأوروبية، حيث ينتظر أولئك الأطفال مستقبلٌ أكثر رعبًا مما تستطيع براءتهم تخيّله.

✨✨✨✨✨✨✨

دلف يحيى إلى ذلك المبنى الشاهق الذي اخترق السماء بزجاجه الداكن وهيبته الباردة، لتتحرك الأبواب الإلكترونية تلقائيًا فور ظهوره، وكأن المكان بأكمله يعرف جيدًا لمن ينحني.

خلفه سار رجال الحراسة بخطواتٍ منتظمة، بوجوهٍ جامدة ونظراتٍ يقظة، حتى اندفع أحدهم سريعًا ليفتح له باب المصعد الخاص بالطابق الإداري الأعلى.

دخل يحيى دون أن يلتفت لأحد، محافظًا على تلك الملامح الجامدة التي ورثها عن جده أكثر مما ورث اسمه.

ارتفع المصعد بصمتٍ مهيب، بينما انعكس وجهه فوق الجدران المعدنية اللامعة؛ شابٌ في الثامنة عشرة فقط، لكن عينيه كانتا تحملان برودة رجلٍ خاض الحياة طويلًا وفقد دهشته تجاهها.

بعد لحظات، كان يجلس خلف مكتبه الضخم المصنوع من الخشب الأسود، في مكتبٍ تتداخل فيه الفخامة مع السلطة بصورةٍ واضحة. من يراه للمرة الأولى يستحيل أن يصدق عمره الحقيقي؛ هيبته، وطريقة جلوسه، ونظرته الحادة نحو الملفات، كل شيءٍ فيه كان يوحي برجل أعمالٍ محنّك تجاوز سنواتٍ طويلة داخل عالم المال.

ورغم أنه لم يدخل مجال العمل سوى منذ أربع سنوات، إلا أن خبرته كانت تفوق رجالًا قضوا أعمارهم داخل الشركات. فقد حرص يحيى عدلان بنفسه على صناعة حفيده بعنايةٍ شديدة، يُلقنه كيف يُدير المال، وكيف يقرأ الناس، وكيف يربح… دون أن يسمح للعاطفة بأن تتدخل يومًا.

ففي عالم آل عدلان، المشاعر ضعف.

انفتح باب المكتب بهدوء، لتدلف السكرتيرة وهي تحمل أحد الملفات المهمة. كانت تتهادى بخطواتٍ متعمّدة، وقد بالغت في ترتيب مظهرها كعادتها؛ شعرٌ مصفف بعناية، وعطرٌ قوي يسبقها، ومساحيق تجميل كثيفة جعلت ملامحها أقرب إلى قناعٍ لامع.

تقدمت نحوه ببطء، وكأنها تنتظر منه نظرة إعجاب، أو حتى التفاتة رجلٍ انتبه أخيرًا لأنوثتها.لكن ما قابلها به كان شيئًا آخر تمامًا.

رفع يحيى رأسه عن الأوراق، لتستقر عيناه عليها بنظرةٍ حادة أشبه بنصلٍ بارد، ثم قال بلهجةٍ قاسية اخترقت ثقتها دفعةً واحدة

-  ما تمشي شوية؟ إيه… خايفة البيض يتكسر؟

وتاني مرة تخفي ألوان البلياتشو اللي في وشك دي… دي شركة، مش كباريه.

تجمّدت ابتسامتها للحظة، وكأن الكلمات صفعَتها أمام نفسها، ثم أسرعت تضع الملف فوق المكتب بأصابعٍ مرتبكة قبل أن تتراجع بخطواتٍ متعثرة، تحاول الهروب من نظراته القاسية.

فهي تعلم جيدًا أن كل محاولاتها تذهب هباءً مع حفيد يحيى عدلان.... ذلك الشاب الذي لم يكن يرى النساء بقدر ما يرى نقاط ضعف البشر… ويجيد سحقها دون أدنى رحمة

✨✨✨✨✨✨

وقفت تلك السيدة في الشرفة الضيقة، تُحدّق في آخر الشارع بعينين أنهكهما الانتظار، وكأن قلبها يرفض التصديق أن ابنتها قد اختفت حقًا.

كان الليل قد تمدّد فوق الحي الشعبي المكتظ، بينما تعالت الأصوات من حولها كسهامٍ مسمومة؛ همسات الجيران، ونظرات الفضول، وكلمات الاتهام التي تُلقى بلا رحمة تحت مسمى الخوف على السمعة.

لكن قلب الأم… كان يكذّب الجميع.

يكذّب فكرة الهروب، ويكذّب العار الذي يتحدثون عنه، ويكذّب حتى ذلك الصمت المخيف الذي تركته ابنتها خلفها.

كانت تشعر في أعماقها أن هناك شيئًا خاطئًا… شيئًا أكبر من مجرد فتاةٍ تركت منزلها..... انتفضت على صوت زوجها الذي دوّى داخل البيت كالرعد، وقد احمرّ وجهه غضبًا وعجزًا

-  دي آخرة تربيتك الهم... أهي بنتك فضحتنا وجابتلنا العار.... أكيد إنتِ عارفة هي راحة فين

التفتت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع، وكأن كلماته كانت تُسقط فوق قلبها حجارةً لا تُحتمل.

ارتجفت شفتاها قبل أن تقول بصوتٍ متكسّر خرج من بين نحيبها

-  والله ما أعرف حاجة…بنتي طول عمرها محترمة… حرام عليك.

لكن كلماتها كانت تضيع وسط غضبه، فلا هو كان قادرًا على سماعها، ولا الحزن ترك له مساحةً للتفكير.

كان الرجل يصرخ لأنه خائف… خائف من كلام الناس أكثر من خوفه على ابنته نفسها، بينما كانت الأم تحترق لأن قلبها يخبرها أن ابنتها ليست بخير.

وفي زاوية الغرفة، وقف التوأم الصغير يتابعان المشهد بعينين حائرتين لا تفهمان شيئًا مما يحدث.

طفلان صغيران لا يدركان معنى العار، ولا يفهمان لماذا تبكي أمّهما بهذه الطريقة، ولماذا يبدو والدهما كوحشٍ غاضب.

تشابكت أصابعهما الصغيرة بخوف، بينما انسابت الدموع فوق وجهيهما بصمتٍ بريء... كانا يبكيان فقط لأن البيت لم يعد يشبه البيت…ولأن اسم أختهما صار يُقال داخل الجدران وكأنه جريمة.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • قصر الظلال    البارت السابع

    دلف إلى غرفته هارباً من الضوضاء الصاخبة في الخارج، وهو لا يعلم أن ثمة ضوضاء عاتية، وأشد فتكاً، كانت بانتظاره خلف الباب المغلق.. ضوضاء تفجرت من أعماق عقله وقلبه.​تمدد يحيى على فراشه، ذلك الفراش الذي طالما اشتاق لدفئه في ليالي الغربة الباردة. أخذ يجول بعينيه في أركان الغرفة؛ كل شيء كما هو، لم يتزحزح كتاب عن موضعه، ولم تتغير زاوية مقعد. ومَن ذا الذي يجرؤ على تغيير تفصيل واحد في مملكة يحيى؟ حتى والدته، برغم مكانتها، لم تكن تملك تلك الجرأة أمام صرامته وحبه للنظام.​أغلق عينيه مستدعياً النوم، لكن ضيفاً آخر كان أكثر شبقاً بالزيارة فرض نفسه عليه. فما إن أسدل جفونه، حتى تجسدت أمامه تلك الصورة الفاتنة لرنيم؛ شعرها الأحمر المفرود على كتفيها كشلالات من نيران متدفقة تمردت على الواقع. انقلب على جانبه الآخر محاولاً طرد الطيف، فباغتته أصداء ضحكاتها، كلماتها الرقيقة، ونبرة صوتها العذب.. كان الصوت قريباً وواضحاً لدرجة جعلته يشعر، برعبٍ لذيذ، وكأنها تتمدد بجواره على الفراش ذاته، تتقاسم معه أنفاسه.​انتفض يحيى فجأة وجلس باعتدال، وعيناه تشخصان في الفراغ، ليهتف بحدة وانفعال وكأنها تقف شاحبة أمامه- ​إنتِ

  • قصر الظلال    البارت السادس

    نلتقي صدفة، ونفترق صدفة، ونظن أننا نتحكم بالمسارات.. وما نحن إلا عابرون في أقدارٍ غُزلت بعنايةِ الخالق، وتدابيرَ تحمل الخير لنا دائماً، حتى لو عجزت قلوبنا عن فهمها في البداية.✨✨✨✨✨✨انقطع حبل أفكار حمزة مع صرير الباب؛ لتتسلل إلى الغرفة تلك الفتاة الشقراء. هبّ واقفاً على الفور، وقبل أن ينطق بكلمة، ارتسمت على وجهه ابتسامة رقيقة ترحيباً بها.​إنها ريناد، ابنة عمه التي ما زالت تخطو عتبات الصف الأول الثانوي. تتناقض رقتها وجمالها الهادئ مع عزلتها الاختيارية؛ فهي تتجنب الغوص في العلاقات البشرية، وتفضل دائماً إبقاء الجميع على رصيف العلاقات السطحية العابرة كدرع حماية لها.​ورغم تلك الأسوار، كانت ريناد الاستثناء الوحيد في حياة حمزة، والزائرة الوحيدة من عائلة والده التي يغض جده الصارم الطرف عن دخولها. لم تكن زياراتها المتباعدة مجرد عاطفة عابرة، بل كانت الرابط الأخير له بتلك العائلة.​المفارقة الأجمل، أن ريناد التي تخشى التعمق في البشر، استطاعت بشكلٍ ما أن تنسج رابطاً قوياً وصادقاً مع رنيم؛ ليتفق كلاهما على تبادل الزيارات سراً، في تحدٍّ مكتوم لعين الجد التي لا تغفل.✨✨✨✨✨✨دارت عجلة الأيام مسرعة

  • قصر الظلال    البارت الخامس

    يجلس حجاج على المقعد، مطأطئ الرأس، كأن كتفيه لم تعودا قادرتين على حمل هذا الثقل من الاتهامات والخذلان. أمامه تجلس والدته، تلوك الكلمات كالسياط، لا تترك فرصة للرحمة أن تتسلل إلى صوتها، وهي تردد بأن ابنته لم يكن اختفاؤها إلا هروبًا مع أحد الشباب، وكأنها قد أغلقت كل أبواب الاحتمال الأخرى عمدًا.صرخت بحدة، وقد اشتد غضبها- مش قادر تحكم بيتك يا حجاج… سايب السايب في السايب لمراتك.... وفي الآخر جبتلنا العار… أنا مش عارفة أرفع وشي في البلد تانيلم يُجبها، لكن الصمت في عينيه كان أثقل من أي رد.وفجأة، انفتح الباب بعنف، واندفعت ثريا إلى الداخل بعينين غارقتين بالدموع، وكأنها تحمل في صدرها صرخة لم تعد تحتمل البقاء. توقفت لحظة، ثم انفجرت في وجه الجميع، تضرب وجهها بكفيها في انهيارٍ كامل، وصوتها يرتجف من الألم- حرام عليكم… بنتي مش كده.... بنتي متربية وطول عمرها محترمةكان المشهد يتشقق من شدته.... بيتٌ ينهار بين إنكارٍ وأحكام، وأمٌّ تُكافح وحدها لإنقاذ صورة ابنتها من الفناء.لم يحتمل حجاج أكثر. نهض ببطء، كأن كل كلمة كانت تدفعه خطوة نحو قرارٍ لم يعد يحتمل التأجيل. اقترب من ثريا، وصوته خرج منخفضًا، لكن

  • قصر الظلال    البارت الرابع

    لحظةٍ لا يختارها أحد… تتقاطع الطرق كما لو أن القدر كان يختبئ خلف الأبواب ينتظر الإشارة.نظن أن البدايات واضحة، وأن ما نعيشه آمن، حتى يظهر وجهٌ من الماضي أو ظلٌّ من المجهول ليعيد ترتيب كل ما ظننّاه ثابتًا.هناك، بين صمتٍ لم يُفسَّر ونظرةٍ لم تُكتمل… تبدأ الحكاية الحقيقية، حيث لا شيء يبقى كما كان، وحيث يصبح السؤال أخطر من الإجابة.فبعض اللقاءات لا تأتي صدفة… بل تأتي لتكشف ما كان مُخبّأً منذ البداية✨✨✨✨✨✨✨✨لم يكن فقدان الذاكرة عابرًا أو مؤقتًا… بل كان كأن الذاكرة نفسها قد انسحبت بالكامل، تاركة خلفها فراغًا ثقيلًا يبتلع كل ملامح الماضي. ساد الصمت المكان على نحوٍ مخيف، صمت لا يشبه الهدوء بقدر ما يشبه الصدمة حين تستقر في القلوب.اقتربت سلمى منها دون تردد، واحتضنتها بحنانٍ مشوبٍ بالألم، كأنها تحاول أن تعوّضها عن كل ما فقدته في لحظة واحدة. كانت الفتاة مجهولة الهوية تمامًا؛ لا بطاقة، لا هاتف، لا شيء يدل على من تكون… فقط ملامح ضائعة بين الخوف والتيه.وفي المقابل، وقف يحيى الجد بنظراتٍ جامدة، يراقب المشهد كمن يحسب الأمور بميزان العقل وحده، ثم ألقى عليها نظرة قصيرة قبل أن يشيح بوجهه ويغادر وهو

  • قصر الظلال    البارت الثالث

    طرقاتٌ عنيفة دوّت على الباب الخلفي للحافلة، لتشقّ ذلك الصمت المشبع بالخوف.تأفّف السائق بضيقٍ وهو يضغط المكابح بعنف، فانحرفت الحافلة قليلًا قبل أن تتوقف على جانب الطريق الرمليّ القريب من البحر. سبّ بصوتٍ خافت ثم ترجل بخطواتٍ غاضبة، متجهًا نحو الباب الخلفي.ما إن فتحه حتى توقفت عيناه للحظة.كانت هناك فتاة تقف في مواجهته… مختلفة عن بقية الأطفال.شعرٌ أحمر ناريٌّ انسدل بعشوائية فوق كتفيها، وبشرةٌ شاحبة زادها الظلام غرابة، وعينان واسعتان تحملان تحديًا لم يتوقعه من فتاةٍ لم تتجاوز الرابعة عشرة.كانت يداها مقيدتين بحبلٍ خشن، بينما بقيت قدماها حرّتين على عكس بقية الأطفال. وقد استطاعت بذكاءٍ أن تزيح الرباط عن عينيها، لتواجهه بثباتٍ أزعجه.قالت وهي ترفع ذقنها بمكر- أنا عاوزة أعمل حمام.لوّح الرجل بيده بفظاظة- اعمليه هنا وخلاص.لكنها هزّت رأسها بعناد، ثم وضعت قدمها البيضاء أمام الباب مانعةً إياه من إغلاقه.وفي تلك اللحظة… تغيّرت نظراته.هبطت عيناه نحو ساقها الناعمة، ثم راحتا تصعدان ببطءٍ مقزز فوق جسدها الصغير، بنظراتٍ نهشة كشفت دناءة روحه.ابتسم بخبثٍ وهو يتمتم- تعالى معايا يا قطة… هوديكي

  • قصر الظلال    البارت الثانى

    ظلامٌ كثيفٌ ابتلع الطريق بأكمله، حتى بدا العالم خارج تلك الحافلة كفراغٍ موحشٍ بلا نهاية. لا أضواء… لا أصوات… سوى هدير المحرك العنيف وهو يشقّ الليل بلا رحمة، وكأن الحافلة تهرب من شيءٍ ما، أو تركض نحو مصيرٍ أكثر ظلمة.داخلها، تمدّد الخوف ككائنٍ حيّ بين المقاعد المهترئة.أطفالٌ صغار، بعضهم لم يتجاوز السابعة، أُلقيت أجسادهم المتعبة فوق المقاعد بعشوائيةٍ قاسية. عيونٌ دامعة أُرهقت من البكاء حتى أغلقت نفسها استسلامًا، وأنوفٌ محمرّة، وارتجافاتٌ صغيرة تصدر من أجسادٍ أنهكها الرعب والجوع والبرد.لم يكن يُسمع سوى نحيبٍ متقطع، أشبه بأنين أرواحٍ ضائعة، يخترق الصمت الثقيل داخل الحافلة.طفلةٌ صغيرة كانت تحتضن دميتها المهترئة بقوة، وكأنها آخر ما تبقّى لها من العالم، بينما طفلٌ آخر التصق بأخيه الأكبر مرتجفًا، يحاول أن يقنع نفسه أن كل هذا مجرد كابوسٍ وسينتهي حين يفتح عينيه..... لكن الكابوس كان حقيقيًا أكثر مما ينبغي.توقفت الحافلة فجأة على جانب طريقٍ مهجور، فاهتزّت الأجساد الصغيرة بعنف، وتعالت شهقاتٌ خائفة في الظلام...... ترجّل منها رجلٌ ضخم الجسد، تتناثر فوق وجهه ندوبٌ قديمة جعلت ملامحه أكثر قسوةً ووحش

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status