首頁 / الرومانسية / قصر الظلال / البارت الثانى عشر

分享

البارت الثانى عشر

作者: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-22 15:23:05

-  إيه يا يحيى.. إنت كل يوم رجلك بتغرز أكتر من اليوم اللي قبله! لا، لازم أحط حد للتعامل مع رنيم.. أنا حاسس إني بتشد ليها وبضعف قدامها وكده غلط.. لازم أسهر سهرة حلوة كده من بتوع ألمانيا.

كانت تلك الكلماتُ الحانقة بمثابة حربٍ ضروس يشنُّها يحيى ضد نفسه في خلوته، عقب رحلةِ عشاءٍ شاقة ومضنية جَمعته برنيم؛ عشاءٍ كان فيه مصلوبًا فوق جمر المقاومة، يجاهد بكل ما أوتي من كبرياء وعزيمة حتى لا تتطلع عيناه إليها، وحتى لا يفتضح أمره أمام طهرها ونقائها الذي يكاد يبتلع حصونه.

حسم أمره وخلع ثيابه الرسمية بسرعة كمن يحاول الفكاك من قيدٍ يخنقه، وبدلها بأخرى ملائمة، ثم انطلق بسيارته يطوي الأرض طيًّا، يحث الخطى للهروب من طيفها الذي يطارده. ولم تمضِ سوى فترة وجيزة، حتى كانت تجلس إلى جواره في المقعد الفاخر تلك الفتاة اللعوب التي اختارها بعناية من قاع صخبه القديم، لينطلق بها مسرعًا نحو شقته السرية؛ ذلك الملاذ الذي يمتلكه بعيدًا عن أعين العائلة، طمعًا في استعادة حياته اللاهية التي خلفها وراءه في ألمانيا، علّها تمحو صورة رنيم من وجدانه.

دلف بها من باب الشقة، والظلام في عينه قد أعمى بصيرته، وما إن أُغلق الباب خلفهما حتى انقضَّ عليها كليثٍ جائع يبتغي افتراس مأربه ليثبت لنفسه أنه ما زال سيد قراره، وأن قلبه لم يُستلب بعد. ولكن، وفجأة ودون سابق إنذار، وفي اللحظة التي تلامست فيها الأجساد، انتفضت روحه بفزع كمن صُعق بكهرباء خفية؛ إذ تمثلت أمامه صورتها.. تلك الملاك الطاهر، رنيم. بدت له في مخيلته وكأنها تقف شاخصةً أمامه بنظراتٍ عاتبة غاضبة، تلفعها خيبة أملٍ مريرة صدمت وجدانه.

تراجعت خطى يحيى إلى الوراء برعبٍ مخفي، وترك الفتاة مذهولةً من هذا التحول المفاجئ، ليمضي بخطواتٍ متعثرة ويجلس فوق حافة الفراش، واجمًا، غارقًا في شروده، وعيناه متسمرتان في الفراغ كأنه يرى فيه نهاية إمبراطوريته الصارمة.

انعقد لسان الفتاة لثوانٍ أمام هذا الوجوم المباغت، وقبل أن تتقدم منه بخطواتٍ حذرة وتمد يدها لتلامس كتفه، وهي تهتف باسمه بنبرةٍ متسائلة مستنكرة، تفاجأت بـ...

✨✨✨✨✨✨✨

يكن قادراً على استيعاب أو إدراك ما يحدث لكيانه في تلك اللحظة، فهذه هي المرة الأولى في حياته الصارمة التي يتجرع فيها مرارة هذا العجز الطاغي، ويقف مكتوف الأيدي أمام مشاعره. شعر في أعماقه وكأن رنيم قد تحولت فجأة إلى حائلٍ منيع وسدٍّ شاهق يقف بينه وبين نساء الأرض قاطبة؛ فلا تعود عيناه قادرة على رؤية امرأة غيرها، ولا يملك قلبه المتمرد سبيلًا للشعور بسواها، وكأنها اختزلت جنس حواء كله في تفاصيلها.

استدار نحو تلك الفتاة الواقفة أمامه في ذهول، وبنبرةٍ حاسمة جافة لا تقبل النقاش، أمرها بمغادرة الشقة فورًا. وما إن أُغلق الباب وخلت الغرفة إلا من أنفاسه المضطربة، حتى انهار الحصن الأخير من مكابرة عقله، وأدرك في قرارة نفسه، بل واعترف صاغرًا، أنه قد وقع أسيرًا مكبلًا في شباك عشقها الذي لا يرحم. وفي تلك الخلوة، أقسم في سرّه أن هذا الحب المتضخم في أروقة قلبه لم يكن وليد الأيام الماضية، بل كان كامنًا هناك منذ تلك اللحظة الأولى والفريدة التي وقعت فيها عيناه عليها.

لكن، ومع هذا الاعتراف المزلزل، انفتح في عقله بابٌ من الأسئلة المقلقة، ليطرح على نفسه سؤالًا جوهريًا حارقًا: هل تبادله هي نفس هذا الشعور الطاغي؟ أم أن قلبها الغض يميل لشخص آخر غيره؟

وبمجرد أن خطرت تلك الفكرة العابرة في عقله، شعر بنيران الغيرة الشرسة تنهش نياط قلبه وتمزق هدوءه، ليردد في سرّه بابتسامة تهكمية يملؤها العجب من تحول أحواله

- والله ووقعت يا يحيى.. وأخرتها كانت على إيد رنيم

✨✨✨✨✨✨✨

كانت نظراتُه الموجهة إليها هذا الصباح مختلفةً تمامًا عن ذي قبل، نظراتٌ عجزتْ كلُّ حصونه ودرايته بالخداع عن إخفاء لمعة العشق الجارفة التي تحملها مآقيه. كم تمنّى في سرّه، وهو يراقب حركاتها، أن يكون هو تلك الوردة النضرة المستسلمة بين أناملها، لتبثَّ شفتاها الدفء في أوصاله كما تفعل مع تلك الوردة السعيدة.

أطلق تنهيدةً حارة، خرجت من أعماق صدره المثقل بالوجد، ما إن مرّت من جواره وعَبَرت فلكه الخاص، فاستنشق عبيرها الفواح الذي تخلل أنفاسه وسرى كالنار في هشيم روحه. كم تمنّى في تلك اللحظة الخاطفة أن يلتفت إليها، أن يجذبها نحو صدره ويحبسها بين ضلوعه للأبد، معلنًا على الملأ وبأعلى صوته عن هذا الحب الذي بات يملكه.

لكنّه سارع إلى لجم هذا الجنون الطاغي وإعادة العقل إلى دفتّه؛ فلا بد أولًا من معرفة حقيقة شعورها، بل والأهم من ذلك، لا بد أن يجعلها تذوب في عشقه هو أولًا حتى لا يعود لديها خيارٌ آخر في هذه الحياة سوى أن تعشقه، وتعشقه هو فقط.

عاد يحيى يتبادل أطراف الحديث مع جده حول سير الأعمال والصفقات المعلقة، وبالرغم من اندماجه الظاهري الدقيق في النقاش وثبات نبرته، إلا أن عينيه كانتا تخونانه بين الحين والآخر، لتختلسا النظرات نحوها بافتتان.

انتقل الجد بنظراته الوقورة من يحيى إلى حمزة الجالس في صمت، وسأله بنبرة اهتمام

-  وإنت يا حمزة أخبارك إيه في الشغل؟

تسلل التهكم والغل إلى أعماق حمزة فور سماعه سؤال جده، واعتبره في سرّه ضربًا من النفاق، فما الذي يهمه من أمره حقًا؟ لقد تعاملوا معه طوال عمره كأنه متسولٌ على أعتابهم، ألقوا إليه ببعض اللقيمات والمناصب الهامشية، وتوقعوا منه أن يتهلل قلبه فرحًا وامتنانًا على هذا الإحسان، في الوقت الذي يمتلك فيه يحيى زمام الأمور كاملة ويتربع على قمة الإمبراطورية منذ نعومة أظفاره.

أومأ حمزة برأسه لجده، مجاهدًا لرسم ملامح الجدية والرضا الزائف على وجهه، وردد بنبرة جافة:

* الحمد لله يا جدي مرتاح.. الدنيا ماشية يعني.

في تلك اللحظة، تخّلت رنيم عن مقعدها بخفة، وتوجهت بخطواتٍ دافئة نحو الجد، ثم انحنت بجوار مقعده مستندةً بساعديها الناعمين على مسنده الخشبي، لتصبح بوقفتها تلك في المساحة الفاصلة تمامًا ما بين مقعد يحيى ومقعد الجد، وراحت تردد بنبرة حملت حزنًا طفوليًا مزيفًا

-  وأنا يا سي جدو.. إنت وعدتني هشتغل لما أخلص دراسة

ارتسمت على شفتي الجد ابتسامة حانية، وراحت كفه المرتعشة المليئة بالخبرة تربت على يدها بدلال، وهو يطلق ضحكاته الدافئة مرددًا بحنو

-  وإنتي يا حبيبة جدو.. هشوفلك حاجة بس كويسة وهنزلك شغل.

هنا، اعتدل يحيى في جلسته بآلية مباغتة، لينقلب بجسده ويصبح في مواجهتها بالكامل، وتطلّع إليها بعينين تشتعلان رغبة واهتمامًا وهو يردد بنبرة آمِرة وحاسمة

-  شغلك عندي يا بنوتي متقلقيش.. ممكن كمان تستلميه من بكره.

لم تسع الفرحة قلب رنيم، فقفزت في مكانها كالأطفال الصغار وهي تصفق بيديها بسعادة غامرة وعفوية، وهتفت بوجه يشع ضياءً

-  هو ده الكلام.. هشتغل إيه عندك بقى؟

تحرك يحيى من مقعده ونهض بتباطؤ شديد مقصود، واضعًا يديه في جيبي بنطاله، حتى أصبح واقفًا قبالتها تمامًا، فارضًا عليها طوله الفارع وحضوره الطاغي، مما تسبب في بث موجة من الارتباك غير المبرر في أوصالها، وجعل ضربات قلبها تضطرب. تاه يحيى لثوانٍ في سحر عينيها المتسعتين دهشة، قبل أن يهبط بنظراته المركزة نحو شفتيها المرتجفتين بفعل القرب، فتقدم خطوة أخرى كادت تلغي المسافات بينهما، حتى شعر بحرارة جسدها المتصاعدة، ومال برأسه قليلًا ليردد بهمسٍ دافئ وساخر بجوار أذنها مباشرة

- هنعاقب بيكي الناس اللي مش بتسمع الكلام.. هنخليكي تصدعيهُم.

انطلقت ضحكات الجميع في البهو تعليقًا على مداعبته القاسية، بينما اشتعل وجه رنيم بدم الغضب والحرج، فضربت قدمها بالأرض بحنقٍ طفولي وهي تلتفت للجد مستنجدة

-  سامع يا جدو بيقول عليا إيه؟

أطلق يحيى ضحكته الرجولية الرنانة التي هزت كيانها، ومرّ من جوارها بخطواتٍ واسعة، مكتفيًا بما أحدثه في قلبها من زلزال، وغادر البهو مسرعًا نحو الخارج قبل أن ينفضح أمر صبوته، وقبل أن تصل إلى مسامعها خفقات قلبه المتمردة التي كانت تهتف باسمها مع كل دقة.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP
評論 (1)
goodnovel comment avatar
Lola
بالتوفيقققق
查看全部評論

最新章節

  • قصر الظلال    البارت السادس والستون

    كانت رنيم غارقة في عملها، تنقر على لوحة مفاتيح حاسوبها بتركيز مصطنع لتنهي بعض المعاملات الورقية المتراكمة، حين شعرت فجأة بقدوم شخص ما.. تبدلت برودة الهواء في الممر، وتسللت إلى أنفها رائحة مألوفة، رائحة ذكية فريدة تعرفها جيداً، بل تحفظها بأدق خلايا جسدها. عقبتها أصوات خطوات واثقة، منتظمة، هزت أوتار قلبها. - مستحيل...... مش ممكن يكون هوا همست لنفسها برعب؛ فلابد أنه مجرد وهم جديد من وحي خيالها المريض بشوقه، لابد أن طيفه جاء ليحاسبها مجدداً. شُلّت حركتها تماماً، ولم تقو حتى على رفع بصرها لاستكشاف هوية القادم، بل راحت أصابعها تتحرك ببطء شديد وتوتر فوق لوحة المفاتيح، وعيناها مثبتتان على الشاشة دون أن ترى شيئاً مما كُتب عليها. أما هو، فقد كان واقفاً على بُعد خطوات، متسمراً في مكانه، يحتضنها بعينيه الجائعتين المتعطشتين لرؤيتها؛ تفرس في تفاصيل وجهها التي حرم منها لأربع سنوات طوال. "آه يا مهجة القلب.. ويا ليتني أستطيع أن أهدم كل الفوارق والأسوار الآن، لأضمك بين أضلعي بقوة تكسر هذا البعد، وأرتوي من عسل شفتيكِ، وأملأ رئتي العطشى من رحيقك الذكي الذي يحييني!".. هكذا صرخ قلبه في سِرّه. تأملها ل

  • قصر الظلال    البارت الخامس والستون

    خرجت ميسون من المطبخ لاهثة على أثر صراخ زوجها حمزة الذي هز أركان الشقة، كانت تدرك تماماً أن هناك كارثة طريفة ومألوفة قد وقعت للتو بينه وبين ابنهما الصغير المشاكس. وقفت في ممر الصالة، واضعة يديها في خصرها تتطلع إليه بملامح غاضبة مصطنعة، ورددت بحدة ودلال - مالك يا روحي في إيه؟ صوتك جايب لآخر الشارع ليه كدة انا قولت فيه مصيبة؟ شوية وهتلم علينا الجيران كان حمزة يقف في منتصف الصالة، عاقداً حاجبيه بغيظ رجولي وهو يقبض على ياقة قميص ابنه الصغير "آسر" الذي لم يتجاوز السنوات الثلاث، بينما كانت ضحكات الصغير تتوالى وتتعالى في المكان بنشوة وسعادة. رفعه حمزة لأعلى قليلاً من ياقته، والتفت إلى ميسون ليردد بحدة مضحكة - أنا عاوز أعرف دلوقتي إنتي مخلفة ولد طبيعي والا أراجوز في السيرك؟ الواد ده مجنني.. كل شوية يضربني على قفايا ويجري، لا وإيه؟ لسه جايلي بكل ثقة وجرأة دلوقتي بيقولي... أنا هروح أبوس ماما من بوقها.... شوفي قلة الأدب لم تتمالك ميسون نفسها؛ فانفجرت ضاحكة بصوت عالٍ على براءة وشقاوة ابنها المشاغب الذي يغار على أمه من أبيه، وزاد ضحكها من حنق حمزة وغيظه، فالتفت إليها قائلاً - اضحكي يا خت

  • قصر الظلال    البارت الرابع والستون

    لم يكد الكلمة تخرج من فمها حتى اقترب منها مرة أخرى بـنظرة لعوبة جائعة، فشعرت بالخوف مجدداً وانكمشت على نفسها تتراجع للخلف، ليردد بجدية مصطنعة ومكر وهو يميل نحو أذنها- بتقولي إيه؟ سمعيني تاني كده.. شكلك عاجبك الموضوع وعاوزه تتعاقبي تاني دلوقتي حالا؟نفت سارا برأسها برعب ودلال طفولي غافلة، واستدارت تركض بكل سرعتها نحو السيارة، لتفتح الباب وتدلف إلى المقعد المجاور له وهي تحاول التقاط أنفاسها الضائعة. ركب علي بجوارها، وأدار المحرك، ليكون الصمت المطبق والهيام الخفي هو حليف رحلتهما حتى وصلت إلى عتبة منزلها دون كلمة واحدة، لكن الأنفاس كانت تتحدث بالنيابة عنهما.عقب دلوفها المنزل وإغلاق الباب وراءها، استندت بظهرها إلى الخشب وهي تضع يدها على قلبها الذي يكاد يقفز من صدرها. وفجأة، أصدر هاتفها نغمة معلنة عن وصول رسالة نصية؛ فتحتها بيدين ترتجفان، لتجدها من علي مكتوب فيها بـكل رومانسية وعشق - حبيبتي.. دي كانت أجمل لحظات عمري كله لما كنتِ بين إيديا وبين بأحضاني.. دقت عسل شفايفك اللّي دوخني، وكنت حاسس وأنا معاكي إني طاير بين السحاب ولامس نجوم السما اللّي قلتي إنها بعيدة.. تصبحي على خير يا جوهرة قل

  • قصر الظلال    البارت الثالث والستون

    ركضت شابي نحو الداخل بخطى متسارعة، عيناها تطوفان في أرجاء القصر الفخم بلهفة وشغف جارف، تبحث عنه في كل زاوية، فـقد أضناها الشوق ولم تعد تقوى على الانتظار لحظة واحدة أخرى. استمرت في ركضها حتى وجدت الجد "يحيى عدلان" يقف بوقاره المعتاد أمامها في بهو القصر، فاندفعت نحوه وتساءلت بلهفة وأنفاس متهدجة - فين يحيى يا جدو؟ هو وصل مش كده؟.. طمنّي عليه أنا مشتاقة أوي أشوفهتطلع إليها الجد باستنكار وضيق من اندفاعها غير المبرر، وهز رأسه بقلة حيلة ليشير لها بيده نحو الأعلى، مردفاً بنبرة حادة وجافة- فوق في أوضته.. لسه واصل من المطار من شوية.... لم تنتظر شابي سماع بقية كلماته؛ بل استدارت في لمح البصر وراحت تأكل درجات السلم الرخامي بنشاط، مدفوعة بأشواقها العارمة. وصلت إلى جناحه، ودلفت إلى غرفته بخطوات خفيفة، لتجده يجلس بمفرده في الشرفة، متكئاً بمرفقيه وظهره مائل إلى الأمام، وعيناه شاردتان بحزن عميق مع تلك الورود الذابلة في الشرفة.ابتسمت شابي بحب، وبدأت تسير على أطراف أصابعها بهدوء شديد حتى لا يشعر بوجودها، وما إن وصلت خلف مقعده تماماً، حتى مدت يديها ونزلت بهما لتضع كفيها فوق عينيه مباغتة إياه بـمرح

  • قصر الظلال    البارت الثانى والستون

    وقف يحيى على أعتاب بوابة الطائرة، متسمراً لثوانٍ وهو يغمض عينيه، ويستنشق بعمق عبير هواء وطنه الذي افتقده واشتاق إليه منذ ما يقرب من الأربع سنوات؛ سنوات طوال قضاها في غربة جسدية، لكن روحه بقيت معلقة هنا. بدأ يهبط درج الطائرة بخطوات ثابتة وئيدة، والوجع يعتصر ملامحه الرصينة؛ لقد سافر وفارق كل شيء في الماضي ظناً منه أن البعد ترياق، وأنه سيمحو من ذاكرته ذلك الشوق العاصف الذي كاد أن يقتله، ولكنه عاد اليوم ليكتشف الحقيقة المُرّة.. عاد وقد تضاعف الشوق في صدره مئات المرات، وباتت نيرانه تلتهم جوفه. بعد مدة من الوقت، انطوت المسافات لتتوقف السيارة الفارهة أمام أبواب القصر الحديدية الضخمة. ترجل منها يحيى بخيباته وأشواقه، وما إن دلف من البوابة الداخلية حتى قوبل بترحاب حافل وصاخب من الخدم وجميع من في القصر؛ فقد كانت عودته مفاجأة مدوية للجميع، إذ لم يخبر أحداً بموعد وصوله أو يمهد لخطوته تلك. تخطى يحيى الجموع بابتسامة باهتة ومجاملة، وبدأ يصعد درج القصر الرخامي المؤدي للأجنحة العلوية. ومع كل درجة يخطوها، كان يستعيد شريط ذكرياته مع رنيم؛ تفاصيل ضحكاتها، ركضها، وعطرها الذي كان يملأ المكان. زفر بضيق وح

  • قصر الظلال    البارت الحادى والستون

    أنهت سارا صلاتها للتو، وظلت مستقرة في مجلسها فوق الفراش، طارحةً سجادة الصلاة جانباً وممسكةً بمصحفها الصغير. راحت تقرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم بنبرة متهدجة، بينما كانت دموعها تنهمر في صمت فوق الصفحات، باكيةً على فقيد قلبها مروان، وعلى تلك الفرحة الغالية التي تلاشت وتبخرت من بين يديها قبل أن تنالها أو تذوق حلاوتها. في تلك الأثناء، دلف شقيقها فارس بخطى وئيدة، وجلس بجوارها على الفراش صامتاً لعدة لحظات؛ كان الصمت يمزق نياط قلبه وهو يتأمل هيئتها الحزينة الذابلة. لقد مرت عدة أشهر كاملة على موت مروان، لكن الأيام لم تزد سارا إلا لوعة، ولم يقلّ من حزنها وجمر شوقها شيء. وكعادتها الحانية معه، فتح فارس ذراعيه لها على اتساعهما دون أن ينطق بكلمة؛ فلم تتردد سارا، واندفعت سريعاً لتدلف بين أحضانه، واضعةً رأسها المثقل بالهموم على صدره. راح يربت على ظهرها بحنان جارف وأخوة صادقة، لتنفجر هي في بكاء مرير، ونحيب مكتوم زلزل كيانها النحيل. تركها فارس على راحتها، ولم يحاول إسكاتها، بل سمح لنوبة البكاء العنيفة تلك أن تفرغ كل الشحنات السامة والكسرة القابعة في أعماق روحها، حتى هدأت أنفاسها تماماً واستكانت.

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status