LOGINبعد مرور عدة سنوات.. مرّ العمر كـقطارٍ سريع، تاركاً وراءه قصصاً كُتبت بـماء الذهب، جُبرت فيها الخواطر، وتلاشت فيها غيوم الماضي لـتشرق شمس الاستقرار. في قاعة الزفاف الفخمة، كانت رنيم تقف كـملكةٍ متوجة، متألقة بـفستانٍ من اللون الأزرق القاتم (الكحلي الملكي)، مرصعٍ بـحبات اللؤلؤ الدقيقة التي لمعت تحت الأضواء كـالنجوم في ليلةٍ صافية، ومغطى بـطبقةٍ انسيابية من الشيفون الرقيق الذي رسم معالم جسدها الرشيق الذي لم تزدْه السنوات إلا نضجاً وجاذبية. بـجوارها كانت تقف ميسون بـملامحها البشوشة، وقد اكتسبت بعض الوزن المحبب عقب ولادتها الأخيرة، ومن الناحية الأخرى تقف سلمى وعيناها مسلطتان بـدموع الفرح على العروس.. أمل. اليوم هو ليلة العمر لـأمل، التي زُفت إلى أحد أشهر أطباء الجراحة، بعد قصة حبٍّ نقية جَمَعتهما في أروقة المستشفى والجامعة، وتنتهي اليوم بالرباط المقدس. التفتت سلمى إلى رنيم، وضمتها إلى صدرها بـعاطفةٍ جياشة، مرددة بـنبرةٍ تهتز من فرط السعادة - أنا بشكر ربنا من كل قلبي يا رنيم.. طول عمري كان نفسي في بنت، وربنا كرمني بـيكم وبقى عندي بنتين مش بنت واحدة. مالت رنيم عليها، وطبعت قبلةً حانية
كان الزفاف أشبه بـلوحة فنية نُسجت خيوطها من النور والبهجة، تألقت فيها سارا بـفستانها الذي زادها جمالاً على جمالها، بينما كان "علي" يقف بـجوارها وكأنه قد ملك العالم أجمع؛ فاليوم لم يكن مجرد ليلة زفاف، بل كان تتويجاً لحلمٍ طالما دعا الله بـإلحاحٍ أن يجعله واقعاً ملموساً. مع انتهاء الحفل، وبينما يستعد العروسان للمغادرة، وقف يحيى بـقامته الفارعة، محتضناً خصر رنيم بـتملكٍ حانٍ، وابتسامة غامضة ترتسم على ثغره، ليسأل بـمرح - العرسان الحلوين هيقضوا شهر العسل فين؟ تبادل علي وسارا نظراتٍ يملؤها الحب قبل أن يرد عليّ بـابتسامة عريضة - في عش حبنا السعيد يا يحيى. أشار يحيى بـإبهامه نحو سيارة فارهة مزينة بـأناقة كانت تصطف بـجانب القصر في انتظار إشارته. ترجل السائق بـسرعة ليفتح باب السيارة، وسط دهشة الحاضرين، ليردف يحيى بـنبرةٍ تجمع بين السخاء والود - وممكن تصنعوا ذكريات أجمل في مكان تاني.. العربية دي هتوصلكم لشاليه خاص بيا في مرسى مطروح، خدو راحتكم خالص، قضوا الوقت اللي تحتاجوه.. شهر عسل سعيد تركهم يحيى في صدمةٍ ممتزجة بـسعادة غامرة، ولوح لهم بـيده مغادراً قبل أن يتمكنوا حتى من شكره، ساحباً
انضم يحيى إليهما بخطواتٍ متسارعة، قلبُه يضطرب بـذعرٍ غير مسبوق وهو يرى رنيم في هذه الحالة المنهارة. لم يتردد للحظة، بل ضمها بقوة بين أحضانه، مخبئاً وجهها عن أعين العالم، ليتلقى صرخاتها المكتومة داخل ضلوعه، وكأنها سهامٌ تغرس في قلبه. سأل بلهفةٍ ممزوجةٍ بالخوف، وصوته يرتجف - في إيه يا رنيم؟ إيه اللي حصل؟ حد ضايقك؟ اتكلمي يا روحي انفجرت رنيم بالبكاء أكثر، وكلماتها تتقطع بين شهقاتها المتلاحقة - عمر.. عمر يا يحيى.. عاوز يسيب القصر ويأخد أمل ويعيشوا لوحدهم.. وعاوز ينزل شغل عشان يصرف عليها.. أنا.. أنا عملت إيه عشان يبعدوا عني؟ إيه اللي قصرت فيه؟ انهارت بـاكية، فـشعر عمر بـقلبه يتمزق أمام حالتها التي لم يقصدها أبداً. تقدم خطوة ليمسك يدها، مردداً بـنبرةٍ يغلفها الصدق والأسف - والله يا حبيبتي، أنا مش زعلان منك في أي حاجة.. بالعكس... إنتي الوحيدة اللي وقفتي جنبنا، كفاية اللي عملتيه عشاننا.. ولولاكي، مكناش هنوصل للي إحنا فيه دلوقتي.. أنا بس بقول كفاية كده يا حبيبتي، إنتي حياتك استقرت مع جوزك، وأنا كبرت وعاوز أعتمد على نفسي.. قبل أن يكمل عمر، أشار له يحيى بـحزمٍ صامت أن يصمت، ثم أومأ برأسه
انضم يحيى إلى العائلة على مائدة الإفطار، وبدت عليه ملامح الترقب بانتظار معشوقته. جلس في مقعده، ونظف حلقه بـحرج عدة مرات قبل أن يرفع نظره بـثباتٍ وجسارة إلى جده، مردداً بـنبرة هادئة ومحترمة - صباح الخير يا جدو... ألف سلامة على حضرتك، أتمنى تكون بخير النهاردة. تهللت أسارير الجد عدلان بـسعادة غامرة؛ فـهذه هي المرة الأولى التي يلقي فيها يحيى التحية بـهذا الصفاء عقب صدامهم الأخير العنيف. لم يكتفِ يحيى بالكلمات، بل نهض واقفاً بـهيبة القيصر، توجه بخطوات واثقة نحو الجد، انحنى ليقبل يده بـوقار، ثم احتضنه بحرارة طابعاً قبلة على رأسه في اعترافٍ ضمني بـمكانته. كانت سلمى تتابع المشهد وعيناها تلمعان بـدموع الفرح، بينما جلس الصغير سليم يراقب الموقف بـبراءة وعدم فهم لما يدور حوله، في حين تبادل عمر وأمل نظرات الرضا والحب لهذا الصلح الأسري. وما إن استقر يحيى في مقعده مجدداً، حتى انفتح باب القصر المطل على الحديقة، لتدلف منه رنيم كـنسمة ربيعٍ مباغتة، بـابتسامة مشرقة كفيلة بـأن تشرق معها شمس يومه؛ ابتسامة خاطفة لـأنفاسه ومعيدةً لـقلبه نبضه. قالت بـمرحها العذب - صباح الفل توجهت رنيم بخطواتها الرش
استند على بـثقل على مقعد الاستراحة الوثير، وقد بدأ الإرهاق ينهش في جسده؛ فـساعات النهار كانت ثقيلة، بين عمله الشاق في الصباح، وجولته المرهقة التي امتدت لأكثر من أربع ساعات متواصلة يدور فيها داخل أروقة مراكز التسوق مع سارا، باحثاً عن فستان أحلامها الذي استعصى على ذوقها. مسح على وجهه بـكف مجهد، ثم تطلع إليها بـنظرة عتابٍ ممزوجة بـابتسامة حانية، مردداً بـنبرة منهكة - بقى كل الفساتين اللي شفناها دي، بـكل ألوانها وتصاميمها، وفي الآخر مفيش حاجة عاجباكي؟ حرام عليكي يا سارا.. رجلي تقريباً مبقتش حاسس بيها، وكأننا بنلف في سباق ماراثون مش بنشتري فستان فرح تذمرت سارا بـدلال، واعتدلت في جلستها وهي تعقد حاجبيها بـتذمر طفولي، ثم أطلقت تنهيدة طويلة وهي تردد بـنبرة تختلط فيها الحيرة بالضغط النفسي الذي تعيشه العائلة - أعمل إيه بس يا على؟ مش عارفة أختار، وإنت أصلاً مش بتساعدني! كل ما أوريك فستان تقول لي حلو، كأنك حافظ الكلمة دي وخلاص، مش حاسس بـالضغط اللي عليا.. حظي كده في الوقت ده بالذات؛ بنت ريناد تعبانة، ورنيم حالتها هي ويحيى شاغلة بالي، ونهال جوزها لسه راجع من السفر يعني هي كمان مشغولة.. الكل في
هنا.. انتفض يحيى بـعنف، وكأنه طُعن بـنصل خنجر مسموم أصاب ضلوعه وشرايين قلبه، ليردد بـاندفاع حاد وغيرة تملكت نبرته - دي كلمة ملهاش وجود ولا مكان في قاموس حياتنا بعد النهاردة يا رنيم... في عز ما كنت موجوع ومكسور ومسافر، مقدرتش مجرد التفكير فيها.. حبيبتي، أرجوكي، إوعي تنطقي الكلمة دي على لسانك تاني.. إنتي ملكي وعمري لآخر نفس. تطلعت يميناً ويساراً بـضياع وتشتت طفولي سحر لبه، ليشعر هو بـتوهان روحها وهشاشتها في تلك اللحظة؛ فـتطلعت إليه مرة أخرى وعيناها تلتمسان الأمان، لتردد بـرجاء طفولي وعذب - يحيى.. أنا مش بحلم صح؟ إنت حقيقة.. إنت هنا جنبي بجد؟ورجعنا لبعض لم يكن رده تِلك المرة بـالكلمات؛ بل كان بـفعل بركانيّ زلزل مضجع الجناح! اعتصرها بين أحضانه بـقوة تملكية ضاربة، وانحنى يقبل عنقها المرمري قُبلات متلاحقة، رقيقة وحارقة في آن واحد، بينما راحت يداه الجريئتان تجوبان منحنيات جسدها اللين وتفاصيل أنوثتها بـعشق جارف حطم كل السدود. وصل بـشفتيه إلى وجنتها يلثمها بـقبلاته الدافئة التي تذيب الصخر، إلى أن وصل أخيراً إلى غايته.. إلى شفتيها الكرزيّتين. احتضن شفتيها بـجوع ونهم طال لـسنوات، راح يت
يجلس حجاج على المقعد، مطأطئ الرأس، كأن كتفيه لم تعودا قادرتين على حمل هذا الثقل من الاتهامات والخذلان. أمامه تجلس والدته، تلوك الكلمات كالسياط، لا تترك فرصة للرحمة أن تتسلل إلى صوتها، وهي تردد بأن ابنته لم يكن اختفاؤها إلا هروبًا مع أحد الشباب، وكأنها قد أغلقت كل أبواب الاحتمال الأخرى عمدًا.صرخت ب
لحظةٍ لا يختارها أحد… تتقاطع الطرق كما لو أن القدر كان يختبئ خلف الأبواب ينتظر الإشارة.نظن أن البدايات واضحة، وأن ما نعيشه آمن، حتى يظهر وجهٌ من الماضي أو ظلٌّ من المجهول ليعيد ترتيب كل ما ظننّاه ثابتًا.هناك، بين صمتٍ لم يُفسَّر ونظرةٍ لم تُكتمل… تبدأ الحكاية الحقيقية، حيث لا شيء يبقى كما كان، وح
طرقاتٌ عنيفة دوّت على الباب الخلفي للحافلة، لتشقّ ذلك الصمت المشبع بالخوف.تأفّف السائق بضيقٍ وهو يضغط المكابح بعنف، فانحرفت الحافلة قليلًا قبل أن تتوقف على جانب الطريق الرمليّ القريب من البحر. سبّ بصوتٍ خافت ثم ترجل بخطواتٍ غاضبة، متجهًا نحو الباب الخلفي.ما إن فتحه حتى توقفت عيناه للحظة.كانت هنا
ظلامٌ كثيفٌ ابتلع الطريق بأكمله، حتى بدا العالم خارج تلك الحافلة كفراغٍ موحشٍ بلا نهاية. لا أضواء… لا أصوات… سوى هدير المحرك العنيف وهو يشقّ الليل بلا رحمة، وكأن الحافلة تهرب من شيءٍ ما، أو تركض نحو مصيرٍ أكثر ظلمة.داخلها، تمدّد الخوف ككائنٍ حيّ بين المقاعد المهترئة.أطفالٌ صغار، بعضهم لم يتجاوز ا







