LOGINهنا.. انتفض يحيى بـعنف، وكأنه طُعن بـنصل خنجر مسموم أصاب ضلوعه وشرايين قلبه، ليردد بـاندفاع حاد وغيرة تملكت نبرته - دي كلمة ملهاش وجود ولا مكان في قاموس حياتنا بعد النهاردة يا رنيم... في عز ما كنت موجوع ومكسور ومسافر، مقدرتش مجرد التفكير فيها.. حبيبتي، أرجوكي، إوعي تنطقي الكلمة دي على لسانك تاني.. إنتي ملكي وعمري لآخر نفس. تطلعت يميناً ويساراً بـضياع وتشتت طفولي سحر لبه، ليشعر هو بـتوهان روحها وهشاشتها في تلك اللحظة؛ فـتطلعت إليه مرة أخرى وعيناها تلتمسان الأمان، لتردد بـرجاء طفولي وعذب - يحيى.. أنا مش بحلم صح؟ إنت حقيقة.. إنت هنا جنبي بجد؟ورجعنا لبعض لم يكن رده تِلك المرة بـالكلمات؛ بل كان بـفعل بركانيّ زلزل مضجع الجناح! اعتصرها بين أحضانه بـقوة تملكية ضاربة، وانحنى يقبل عنقها المرمري قُبلات متلاحقة، رقيقة وحارقة في آن واحد، بينما راحت يداه الجريئتان تجوبان منحنيات جسدها اللين وتفاصيل أنوثتها بـعشق جارف حطم كل السدود. وصل بـشفتيه إلى وجنتها يلثمها بـقبلاته الدافئة التي تذيب الصخر، إلى أن وصل أخيراً إلى غايته.. إلى شفتيها الكرزيّتين. احتضن شفتيها بـجوع ونهم طال لـسنوات، راح يت
كاد يشعر بـتوقف قلبه تماماً وانقطاع أنفاسه في صدره عقب رؤيته لها عبر الشاشات وهي ممددة غائبة عن الوعي على أرض الحديقة؛ فـالقيصر الذي يهابه الجميع بات في تلك اللحظة اللاهثة مجرداً من كل قوته، وليس عنده أدنى استعداد أو طاقة في هذا الكون لـخسارتها أو العيش في دنيا لا تحمل عطرها. التقط هاتف الدولى بـأصابع مرتعشة وهاتف والدته سلمى بـصراخ هائل وعنيف أرعبها، يخبرها بـصوت متحشرج بما حدث ويحثها على الركض نحو الحديقة لإنقاذ حوريته. مرت عليه عقبها لحظات وساعات وكأنها سنوات طويلة وثقيلة من العذاب، كانت تحترق فيها أعصابه بـبطء، ويشعر بـنبضات قلبه تكاد تتوقف عن الخفقان وهو يذرع غرفته في الغربة جيئة وذهاباً كـالأسير الجريح، بانتظار أي اتصال يطمئنه على روح روحه. لم يقف مكتوف الأيدي؛ بل هاتف المطار بـعصبية حادة لحجز أول تذكرة طيران عائدة إلى أرض الوطن، ليأتيه الرد الصادم بـأن أول رحلة متاحة للأسف ستكون بعد يوم كامل! هنا، أطلق يحيى صرخة غضب مكتومة، وراح يلعن بـحرقة قراراته الغبية وسفره اللعين الذي أبعده عنها في وقت هي أحوج ما تكون إليه، وشعر بـعجز قاتل يشل أركانه؛ فـلا مال ولا نفوذ القيصر يستطيعان تق
استيقظت رنيم في الصباح الباكر لتشعر بـتلك الآلام المبرحة التي تدب في أوصال جسدها بـبطء، ثقلٌ غريب يربض فوق صدرها كأنه جبل، وهنٌ تغلغل في عظامها لـيجعل مجرد الحركة عبئاً ثقيلاً. ولكنها رنيم.. المتمردة التي لا تنكسر؛ انتفض كبرياؤها بـشدة، وحدثت نفسها بـنبرة حاسمة أنها قوية ولن تستسلم لـضعف جسدها أو خيبة قلبها. نهضت بـشموخ وعزة لطالما كانا درعها في الحياة، وأخذت نفساً عميقاً، زفيراً طويلاً طردت معه بعض الغيوم، برغم أنها لا تعلم في تِلك اللحظة ما الهدف الذي تسعى إليه أو كيف ستصلح ما أفسده الماضي.. لـتغمض عينيها وتهمس في سِرّها بـقلب مؤمن فليدبّرها الله من عنده. بعد قليل، بدلت ثيابها وهبطت درجات السلم بـخطى وئيدة، لتفاجأ عند وصولها بـوجود الجد عدلان جالساً على رأس مائدة الإفطار بـكامل هيبته وكبريائه كـعادته دائماً! كم أنت قوي وصلب أيها الشيخ.. جذور ثابته وضاربة في أعماق الأرض لا تستطيع أعتى الرياح والعواصف هزيمتك أو كسر شموخك؛ فـبـالأمس القريب كان يصارع الموت بـفعل الحمى، واليوم يجلس كالملك على عرشه. تبسمت رنيم بـشكل تلقائي، نبع من أعماقها وهي تراه يداعب الصغير سليم، الذي جلس بـكل فخر ف
بالرغم من سفره، كان يتابعها كل يوم، في كل ثانية، من خلال تلك الكاميرات الخاصة بالقصر والموصلة بـالإنترنت؛ يجلس وراء شاشته في غربته محاولاً أن يروي ظمأ عينيه بـرؤية ملامحها، فـكان يؤلمه بـشدة حزنها الواضح، وذبول وجهها الفاتن، وانطفاء بريق عينيها الناريّتين، لـيحترق في غيابه شوقاً وعجزاً. وفي ذلك الصباح الحزين، وللمرة الأولى منذ زمن، غاب يحيى الجد عن طاولة طعام الإفطار؛ لـيتملك القلق قلب رنيم وتسأل عنه بـلهفة، لترد عليها الأم سلمى بـحزن ووجوم - والله يا بنتي بيقول إنه عنده دور برد شديد واجع عضمنه شوية، ومش قادر يقوم من السرير وعاوز ينام ويرتاح. لم تنتظر رنيم سماع بقية الكلمات؛ بل هرولت بـسرعة فائقة ملهوفة نحو غرفة الجد الكبرى بـالطابق السفلي، اقتربت من الفراش بـخطى مرتجفة لتلاحظ وجهه الشاحب والمشبع بـالحمرة المفرطة من أثر الحمى. مدت يدها الرقيقة ووضعتها على جبهته، لتنتفض بـألم وفزع؛ فالجد يعاني من ارتفاع شديد وخطير في درجة حرارته كأنه قطعة من الجمر. ركضت رنيم سريعاً للخارج، وصوتها يملأ الردهة وهي تطلب من شقيقها عمر سرعة استدعاء طبيب العائلة فوراً؛ لتندلف إلى الغرفة مرة أخرى بـقلب
استيقظت في الصباح الباكر، لتجد الفراش بجوارها بارداً وفارغاً. تطلعت إلى موضع رأسه وقلة الحيلة تنهش صدرها، مجاهدة بكل ما أوتيت من كبرياء جريح حتى لا تسقط دموعها وتعلن هزيمتها أمام جدران الغرفة الصامتة. بدلت ملابسها سريعا بخطوات آلية مفرغة من الحياة، وهبطت إلى الطابق السفلي علّها تفر من أفكارها. التقت بجدها الذي كان يلهو مع طفلها الصغير سليم بنشاط، ليردد الجد بسعادة ودعابة فور رؤيتها - مامي الكسولة أخيراً صحيت من النوم.. صباح الخير رسمت على وجهها ابتسامة باهتة مجاملة، وبالرغم من اندماجها الظاهري معهما في الحديث ومداعبة ابنها، إلا أن عينيها كانت تدوران في أرجاء المكان بلهفة مستترة، تبحث عنه في كل زاوية. كان قلبها يرفرف بشدة خلف ضلوعها؛ فاليوم هو عطلته الأسبوعية، لكن لسانها كان منعقداً تماماً، تعجز كبريائها عن السؤال عنه أو ذكر اسمه. أتت "أمل" من خلفها بخطوات مرحة، ولكزتها في كتفها بخفة وهي تبتسم بخبث أنثوي قائلة - أبيه يحيى خرج هو وعمر من بدري.. راحوا النادي. أومأت لها رنيم ببرود مصطنع، مبدية عدم اهتمامها بالأمر، وعادت تندمج في اللعب مع ابنها لتداري غصتها، لكن قناع البرود هذا ته
انطلق بسيارته كالمجنون عقب خروجه من القصر، يمزق سكون الليل وصرير الإطارات يصرخ نيابة عن قلبه المثقل. لم يجد ملاذاً سوى الشاطئ؛ صف السيارة جانباً وترجل منها ليجلس على مقدمتها، شاخصاً ببصره نحو تلاطم أمواج البحر الهادرة. كانت تلك الأمواج الثائرة، التي تضرب الصخور في غضب ثم ترتد مكسورة، تشبه تماماً علاقتهما المعقدة.. تلك العلاقة التي باتت تؤلمه وبشدة، وتستنزف روحه يوماً بعد يوم. سأل نفسه بنفاد صبر ومرارة: لماذا تراه بكل هذا الشر؟ لماذا تحولت في عينيه إلى وحش لا يتقن سوى التمثيل؟ فكر كثيراً، وآلاف المرات، أن يطلق سراحها وينهي هذا العذاب، ولكنه في كل مرة كان يتراجع؛ فهو يعشقها حد اللعنة، ولا يستطيع تخيل حياته لثانية واحدة دونها. وكيف له أن يتركها وهو يرى بريق العشق يلمع في عينيها بالرغم من قسوة كلماتها؟ نعم، هي تطلب الطلاق بلسانها، لكنه في كل مرة يقترب منها كان يسمع دقات قلبها المذعورة تروي حكاية أخرى تماماً.. حكاية تنطق بعكس كل ما يتفوه به لسانها المتمرد. ظل على حاله تلك، يقتات على أفكاره السوداء وتجاعيد البحر، حتى بدأت خيوط الفجر الأولى تنسج الصباح. عاد إلى القصر والإنهاك ينهش ملامحه،
كان حمزة يسير في ممرات الجامعة وعقله يكاد ينفجر من فرط الضيق والندم؛ فقد كان يحمل نفسه المسؤولية الكاملة عن كل ما حدث لعائلته. لولا تسرعه، ولولا أنه هو من ذهب إلى الجد وأخبره بما شاهده من زواج يحيى ورنيم السري، لما تدمّرت حيواتهم بهذا الشكل؛ وظل يلوم نفسه ويعنفها بمرارة مع كل دقة من دقات قلبه. لم
كان اليوم يمر على يحيى وكأنه دهر كامل من العذاب؛ فكل ثانية تبعده عنها تثقل كاهله، وتسلبه قدرته على التركيز في أبسط أمور حياته. لقد فقد رغبته الكاملة في العيش، واستحالت الأيام في عينيه رماداً، فكيف له أن يحيا وطيف رنيم يطارده في كل زاوية، ويتحرك معه كظله أينما ذهب؟ وكيف لا يطارده طيفها، وكل شبر في
بعد رحلة مريرة في شوارع المدينة الموحشة، نجحت رنيم أخيراً في الوصول إلى شقة ريناد، حيث كان الألم الذي ينهش صدرها أشد فتكاً من أن يحتمله بشر، وأكبر من أن تقوى على احتماله بمفردها. فور أن انفتح الباب وظهر وجه ريناد القلق، لم تتحمل رنيم ثقل الوقوف، فاندفعت ترتمي بين أحضان صديقتها، لتنفجر في نوبة بكاء
بعد الموقف العصيب الذي حدث في الأسفل داخل البهو، ركضت رنيم إلى غرفتها وأغلقت الباب وراءها، ولم تخرج منها ثانيةً طوال اليوم. كانت غارقة في بحر من الأفكار والظنون التي شعرت بأنها ستطير ببرج من عقلها وتدفعها نحو الجنون. لم تعد تدري أكان ما فعلته صحيحاً أم خاطئاً، وبدأ جلد الذات ينهش في روحها؛ لامت نف







