Share

٢

Author: Hana
last update publish date: 2026-09-29 03:17:40

الفصل الثاني

وصل الملف إلى مكتب زيدان قبل أن تشرق الشمس. جلس خلف مكتبه الخشبي الداكن في الطابق العلوي من قصره المطلّ على البحر، وراح يقلّب الأوراق واحدةً تلو الأخرى بأصابع ثابتة، بينما وقف رشدي قرب النافذة يراقب صمته.

«ليان سعد الدين، ثماني عشرة سنة. الأب توفي في حادث بناء قبل ست سنوات، والأم مصابة بمرضٍ في الكلى وتحتاج غسيلاً أسبوعياً. أخ أصغر اسمه هادي، عمره عشر سنوات. تسكن غرفتين في حي الصفصاف القديم، وتعمل عند عزمي براتب لا يكفي نصف علاج أمها.»

رفع زيدان عينيه عن الورقة.

«وعزمي يخصم من هذا الراتب؟»

«يخصم من الجميع يا سيدي. يعتبر كل قرشٍ نفقة على كرمه.»

أغلق زيدان الملف وتنفّس ببطء. لم يكن في وجهه غضب ظاهر، لكن رشدي، الذي عرفه خمسة عشر عاماً، لاحظ العرق الصغير النافر على عنقه، وعلم أن الأمر أخطر مما يبدو.

«الصفقة مع عزمي تمضي كما هي، لكنني أريد أن أزور القصر كل يومين. سأنظر في حساباته بنفسي.»

«هل هذا لأجل...»

«لأجل الصفقة يا رشدي. لا تسأل عن غيرها.»

وهكذا صار زيدان ضيفاً دائماً على مائدة عزمي الحداد، يجلس في القاعة نفسها ويحتسي القهوة نفسها، بينما تتحرك ليان في الأطراف كظلٍّ يتعمد ألا يُرى. لم يكلّمها ولم يحدّق فيها مباشرة. كان يكتفي بأن يتتبع حركتها من طرف عينه، فيلاحظ أنها تضع السكر في فنجانه دون أن يطلب، وتُبعد الصينية عن حافة الطاولة كلما اقترب بيده منها، وأنها ترتدي الكُمَّين الطويلين دائماً كي تخفي شيئاً.

في الأسبوع الثاني اكتشف ما تخفيه. مدّت يدها لتضع الطبق أمامه، فانحسر الكُمّ عن رسغها، وبانت خطوط زرقاء داكنة تشبه آثار الأصابع. لم يقل شيئاً ولم يتغير وجهه، غير أن فنجان القهوة في يده انشقّ من قبضته انشقاقاً رقيقاً، وسال ما فيه على قفازه.

ارتبكت ليان وتراجعت.

«سأحضر لك فنجاناً جديداً يا سيدي.»

«ليس الآن.» ثم خفّض صوته حتى لا يسمعه سواها: «من فعل هذا بمعصمك؟»

شحب وجهها وتلفّتت حولها، ثم همست:

«لا أحد يا سيدي. سقطتُ على الدرج.»

«أنتِ تكذبين بمهارة سيئة.»

رفعت عينيها إليه لأول مرة منذ تلك الليلة، ورأت فيه شيئاً لم تفهمه: لا شفقة ولا فضول، بل هدوءاً مخيفاً يتسع خلفه ما هو أسوأ من الغضب. تراجعت خطوة، وقالت بصوتٍ متهدّج:

«أرجوك يا سيدي. إن علم السيد عزمي أنني تحدثت معك فسيطردني، وأنا لا أملك غير هذا العمل.»

ثم انصرفت مسرعة، وتركت خلفها رجلاً قرر أن يكسر يدي صاحب ذلك الأثر، لكن لا الآن. ما زال لديه ما هو أهم من الانتقام: الصبر.

بعد ثلاثة أيام، عادت ليان إلى بيتها في الحي القديم عند الغروب، تحمل كيساً صغيراً من الخبز والعدس. صعدت الدرج المتآكل وهي تعدّ في ذهنها ما تبقى لها من الراتب، فوجدت الباب مفتوحاً قليلاً وأمها جالسة على طرف السرير، شاحبة كالشمع، وبين يديها علبة دواء لم تكن هناك صباحاً.

«ما هذا يا أمي؟ من أحضره؟»

«جاء رجل مهذب ترك الصندوق على الباب وقال إن ثمنه مدفوع. لم أعرف اسمه.»

فتحت ليان الصندوق بأصابع ترتجف. في داخله ستة أشهر كاملة من الدواء، ومعها ظرفٌ أبيض لا يحمل توقيعاً، فيه ورقة واحدة مكتوبة بخطٍّ أنيق حاد: «لا تُخبري أحداً، ولا تخافي».

جلست على الأرض وقد تجمدت، لا تعرف أتفرح أم تفزع. خمّنت اسم المتبرع على الفور، وحين تذكرت العينين الرماديتين أحسّت ببرودة تسري في ظهرها. رجلٌ كهذا لا يمنح شيئاً بلا مقابل، والهدايا التي تأتي من العتمة تطلب أثماناً أثقل من أي دَين.

في الصباح التالي وقفت أمام زيدان في الرواق الخلفي للقصر، وقد انتزعت شجاعتها من مكانٍ لا تعرفه:

«أعِد الدواء إلى صاحبه يا سيدي. لا أستطيع قبوله.»

نظر إليها بنظرة طويلة.

«لماذا؟»

«لأنني لا أعرف ما ستطلبه في المقابل.»

«وإن قلت لك إنني لا أطلب شيئاً؟»

«لن أصدقك. لا أحد يُعطي بلا ثمن، خصوصاً أمثالك.»

ابتسم ابتسامة قصيرة باهتة، هي الأولى التي تراها منه، ثم أجاب:

«أمثالي؟ إذاً أنتِ تعرفينني.»

«أعرف أنك رجلٌ يخاف منه الجميع.»

«وأنتِ؟»

سكتت، ثم أجابت بصدقٍ ما توقعه:

«أنا أخاف أكثر مما ينبغي، لكنني أخاف من الديون أكثر منك.»

ضحك ضحكةً خافتة لم يسمعها أحد من رجاله منذ سنوات، ثم اقترب خطوة وانحنى قليلاً كي يكون وجهه بمحاذاة وجهها:

«حسناً يا ليان. الدواء هدية، لا دَين. وإن أرادت أمك أن تشكرني فلتطبخ لي يوماً طبقاً من العدس الذي تحمله في هذا الكيس.»

اتسعت عيناها، فكيف عرف ما في الكيس؟ لكنه كان قد استدار وابتعد، تاركاً وراءه عطراً خفيفاً من خشب الصندل والدخان، وسؤالاً لا جواب له: لماذا يتبعها رجلٌ كهذا؟

ولم تعلم أن عزمي كان يقف عند نهاية الرواق، يراقب المشهد كله بعينين ضيّقتين، وأن الخادمة التي ظنّها أقل من أن تُذكر قد باتت، دون علمها، ورقةً في يد رجلين يتصارعان على كل شيء.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قيد من ذهب   ٢٠

    الفصل العشرونصدر الحكم في يومٍ ربيعي مشمس، بعد ثمانية أشهر من التحقيقات والجلسات. أُدين ماهر الشريف بالسجن المؤبد بتهمة القتل والاتجار بالسلاح، وحُكم على كمال بخمسة عشر عاماً، وسقطت شبكة كاملة من الفاسدين في الميناء. أما زيدان المنصوري، فقد قرر القاضي، مراعاةً لاعترافه وتعاونه وتسليمه الأدلة، أن يقضي ثمانية عشر شهراً في السجن، لا أكثر، مع منعه من الاتجار بأي مواد محظورة بعد خروجه.وقفت ليان في القاعة تسمع الحكم، وفي يدها أمها التي كانت تشد على أصابعها بحنان. لم تبكِ. ابتسمت فقط، ابتسامةً هادئة أمام عيني زيدان، وقالت بشفتيها ما لا يسمعه غيره: «سأنتظرك».مرت الأشهر الثمانية عشر ببطء. زارته كل أسبوع، وتحدثا عن الأشياء الصغيرة: عن هادي الذي بدأ يتعلم الرسم، وعن سلمى التي دعتها إلى عرسها، وعن الكتب التي تقرؤها، وعن الجامعة التي رفعت اسمها في قائمة المتفوقين. لم يتحدثا عن الحب. كانا يعرفان أنه ينمو على مهلٍ كشجرةٍ تُغرَس بعد عاصفة.وحين انتهى العام الثاني من دراستها، تخرجت ليان بدرجة الامتياز. وقفت على المنصة في ثوب التخرج الأسود، وصفّق لها الحضور، وفي الصف الأول جلست أمها وهادي وأم فدوى ا

  • قيد من ذهب   ١٩

    الفصل التاسع عشرلم تكد الجلسة الأولى تقترب حتى عاد الخطر من حيث لم يتوقعه أحد. في ليلةٍ مطيرة، وبينما كانت ليان تراجع دروسها في غرفتها، وصل إلى هاتفها رقمٌ مجهول. ترددت ثم ردّت.«مساء الخير يا سيدة المنصوري.» كان الصوت بارداً كالصقيع. «أظنك تذكرين كمال.»تجمدت الدماء في عروقها. كمال، الذراع اليمنى لماهر، الذي ظنّته في السجن.«كيف...»«لم ينتهِ كل شيء بعد. ماهر في زنزانته، لكن أصدقاءه في الخارج. وتلك الأوراق التي تحملينها في خزانتك، ورّطتنا جميعاً. إن سلّمتها للقاضي فسيدفع أخوك الثمن. وأمك أيضاً.»«لن أسلّمك شيئاً!»«بل ستسلمينها الليلة. عند الساعة الثانية عشرة على الرصيف القديم. وإن اتصلتِ بالشرطة، فتخيّلي من سيموت أولاً.»أغلق الخط. ظلت ليان واقفةً بلا حراك، والهاتف يرتجف في يدها. كان صوت المطر على النافذة يزداد جنوناً. ركضت إلى غرفة هادي فوجدته نائماً، ثم إلى غرفة أمها فوجدتها تغط في نومٍ عميق. تنفست بارتياح لحظةً ثم فكّرت: هم يعرفون العنوان. ربما يراقبون البيت الآن.أطلّت من خلف الستار فرأت عند زاوية الشارع سيارةً رمادية بمصابيح مطفأة، ولمحت شرارة سيجارةٍ تشتعل ثم تنطفئ. خفق قلبها

  • قيد من ذهب   ١٨

    الفصل الثامن عشررأت ليان زيدان بعد ثلاثة أسابيع، خلف زجاجٍ سميك وهاتفٍ معلّق بحبل، في قاعة زيارات باردة تفوح منها رائحة المعقمات. جلست على الكرسي المعدني ويداها تعبثان بحزام حقيبتها، وحين فُتح الباب الحديدي المقابل ودخل رجلٌ بزيّ الموقوفين الرمادي، ظنّت لحظةً أن قلبها سيقفز من ضلوعها.كان قد نحل قليلاً، وشحب وجهه، لكن عينيه الرماديتين بقيتا على حالهما: حادتين، هادئتين، لا تكسرهما القضبان. جلس أمامها ورفع الهاتف.«ما كان ينبغي أن تأتي.»«وما كان ينبغي أن تسلّم نفسك دون أن تخبرني.»«لو أخبرتك لما تركتني أفعل.»«بالطبع لا.»ساد صمتٌ قصير. تأملته ببطء: الندبة على صدغه، وكتفه الذي ما يزال يتحرك بحذر، وأصابعه الطويلة المعقودة على حافة الطاولة. قالت:«قرأتُ رسالتك.»«لم أكن أقصد...»«أنت ما زلت تقرر عني. تقرر متى أبقى ومتى أرحل، ومتى أعرف ومتى لا أعرف. ألا تتعلم؟»عضّ شفته السفلى:«أخطأت. أعرف أنني أخطأت. لم أستطع أن أراك تنتظرين رجلاً قد لا يخرج.»«وهل سألتني إن كنت أريد أن أنتظر؟»سكت، ثم أجاب بصدقٍ مؤلم:«لا. لم أسألك.»«حسناً. أنا أسألك الآن. ما الذي تريده حقاً؟»رفع عينيه إليها ببطء، و

  • قيد من ذهب   ١٧

    الفصل السابع عشرعادت ليان إلى بيتها القديم في حي الصفصاف بعد أسبوع، لكن البيت لم يكن هو نفسه. كان زيدان قد استأجر لأمها شقةً أوسع في عمارةٍ هادئة قرب الجامعة، بحديقةٍ صغيرة ودرجٍ نظيف، وفرشها بما يليق بامرأةٍ مريضة تحتاج إلى راحة. لم تكن ليان تريد أن تقبل، لكنها لم تجد في نفسها القوة لتقترح غيرها، فحملت حقيبتها ودخلت.استقبلتها أمها بدموعٍ لا تنتهي، وعانقتها طويلاً، ثم أجلستها إلى جوارها على الأريكة وأمسكت وجهها بين يديها الرقيقتين.«حدّثيني بكل شيء يا ابنتي. لقد أخفيتِ عني الكثير.»وحدّثتها ليان. من فنجان الشاي المكسور إلى الزواج القسري، ومن القبو المظلم إلى الرصيف السابع. لم تخفِ شيئاً، ولم تجمّل كلمة. حين انتهت كانت الشمس قد مالت نحو المغيب، وأمها تنظر إليها بصمتٍ طويل وعينين مبتلتين.«وأنتِ؟ ماذا تشعرين نحوه؟»«لا أعرف يا أمي. أكرهه لأنه أخذ مني الاختيار. وأحبه...» توقفت وقد ارتعشت شفتها. «لا. لا أعرف. كيف يمكن للمرء أن يحب من خطفه؟»ابتسمت الأم بحزنٍ حكيم:«الحب الذي يولد من القيد يا ابنتي لا يصلح أن يُسمى حباً حتى يفتح صاحبه القيد بيده. وقد فتحه.»«وأنا لا أريد أن أُسامحه بهذه

  • قيد من ذهب   ١٦

    الفصل السادس عشراستيقظ زيدان في مستشفى خاص بعد ثلاثة أيام، والضوء الأبيض يخترق جفنيه، وصوت أجهزة متقطع يملأ الغرفة. أول ما رآه كان رشدي جالساً قرب السرير، وجهه مثقل بالسهر، وذراعه في جبيرة.«ماهر؟»«في السجن، ومعه كمال وعشرة من رجاله. النيابة تحقق في التسجيل، ويبدو أنه يكفي لإدانتهم بالمؤبد.»«وليان؟»«أخوها وأمها بخير. وهي...» تردد رشدي.«ماذا؟»«تجلس على الكرسي الذي أجلس عليه الآن كل ليلة. غادرت قبل ساعة لتأخذ حماماً وتنام قليلاً. أجبرتها أم فدوى.»أغمض زيدان عينيه وأسند رأسه إلى الوسادة. كانت راحةٌ عميقة تتسلل إلى صدره لأول مرة منذ سنين. لكن رشدي لم يرحل، بل نظر إليه بجدية:«سيدي، هل ما سمعته صحيح؟ أنك ستسلّم الأوراق كلها؟»«نعم.»«ستُسجَن. حتى لو كان القضاء رحيماً، ستقضي سنوات.»«أعلم.»«ولن تخبرها؟»«سأخبرها حين تحين اللحظة.»وقبل حضور ليان بساعة جاء هادي برفقة والدته، وقد ارتدى قميصاً نظيفاً وأمسك بيده رسماً ملفوفاً. وقف عند الباب متردداً، ثم اقترب بخطواتٍ صغيرة ووضع الرسم على الغطاء دون كلمة. كان يمثل رجلاً طويلاً بسترةٍ سوداء يحمل طفلاً على كتفيه فوق بحرٍ أزرق. «هذا أنت. حين

  • قيد من ذهب   ١٥

    الفصل الخامس عشركان الرجل الذي وقف أمامها لا يشبه زيدان المنصوري الذي عرفته في القصر. ثيابه ممزقة ومبتلّة، وعلى وجهه سوادٌ ودم، وعيناه محتقنتان من الدخان، لكنه كان حيّاً. أمسك بها من كتفيها وضمّها إلى صدره بقوةٍ كادت تعتصر ضلوعها.«الحمد لله. الحمد لله.» كرّر الكلمات مراراً في شعرها المبلل كأنه يصلي.«كيف وصلت؟»«لاحقت الزورق بكل ما أملك. حين رأيتُ الضوء الأصفر عند الفجر عرفت أنه اليخت.»«وكيف أقنعت خفر السواحل؟»«لم أقنعهم. رشدي فعل، حين وصله الصوت الأول عبر إشارة السوار قبل أن ينقطع. وهذه أول مرة في حياتي أتصل فيها بالسلطات وأنا أرتجف من الفرح لا من الخوف.»ابتسمت رغماً عنها وسط الدخان، ثم عبست:«أرتجف؟ أنت؟»«منذ الرصيف. لم أرتجف هكذا حتى في جنازة أبي.»«ماهر... ماهر قال إنه سيقتلنا معاً.»«لن يقتل أحداً بعد اليوم. هيا، النار تمتد.»جذبها من معصمها وركضا معاً في الممر المظلم. كان الدخان يلسع عيونهما، وأصوات الانفجارات الصغيرة تتردد من الأسفل، حيث خزانات الوقود. صعدا سلماً معدنياً ضيقاً نحو السطح، فوجدا الفوضى كلها هناك: رجال ماهر يقاتلون رجال رشدي بين كتل الدخان، وزوارق خفر السواح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status