Beranda / الرومانسية / قيود العشق و الندم / صرير الإطارات و جمر الوعيد

Share

قيود العشق و الندم
قيود العشق و الندم
Penulis: Oum saif

صرير الإطارات و جمر الوعيد

Penulis: Oum saif
last update Tanggal publikasi: 2026-06-02 07:04:48

​📖 الجزء الأول: صرير الإطارات وجمر الوعيد

​كانت الليلة شديدة البرودة، والسموات فوق المدينة قد تلبدت بغيوم سوداء كثيفة حجبت ضوء القمر، كأنها تعلن الحداد مسبقاً على مصائر أوشكت أن تتغير إلى الأبد وتتحول إلى ركام. في الرواق الطويل للمشفى الاستثماري الكبير، كان الصمت ثقيلاً ومخيفاً، لا يقطعه إلا صوت خطوات أحذية الأطباء المتسارعة، وضجيج الأجهزة الطبية المنبعث من خلف الأبواب الزجاجية لغرفة العناية المركزة، حيث تفوح رائحة الموت والمعقمات لتزيد من كآبة الأجواء.

​في نهاية ذلك الرواق، وقف "آسر السيوفي" كطود شامخ لا تزلزله العواصف، واضعاً يديه في جيبي معطفه الأسود الطويل المصنوع من الصوف الفاخر. كان جسده الفارع وقامته المهيبة يوحيان بالسيطرة والجبروت، لكن ملامح وجهه المنحوتة بقسوة من رخام أصم كانت تكشف عن بركان ثائر أوشك على الانفجار وقذف حممه. عيناه الحادتان كعيني صقر جارح لم تفارقا الباب الزجاجي لغرفة العمليات، وكان وميض الغضب فيهما يلتهم كل مظاهر الطمأنينة. بالنسبة لآسر، لم يكن النفوذ والمال مجرد أدوات لإدارة شركاته العملاقة وثروته الطائلة، بل كانا درعاً وسيفاً يحمي بهما عائلته.. أو ما تبقى منها. شقيقه الأصغر "مازن" كان كل ما يملك في هذه الدنيا، كان نقطة ضعفه الوحيدة، والسر الإنساني الذي يخبئه خلف قناع الجبروت والعملية الصارمة التي يواجه بها العالم.

​انفتح الباب الزجاجي أخيراً، وخرج الطبيب الجراح وهو يخلع كمامته الطبية ببطء، وعلى وجهه علامات الإرهاق الشديد والأسف العاجز. تقدم آسر خطوة واحدة إلى الأمام، كانت كافية لتجعل الطبيب يتراجع غريزياً إلى الخلف، مستشعراً الهيبة المظلمة التي تحيط بهذا الرجل.

​"تحدث.. كيف حال أخي؟" نطق آسر بصوت منخفض، لكنه كان يحمل ثقلاً يوازي ثقل الصواعق، وعينا الأطباء تترقبان ردة فعله.

​"آسر بيك.. لقد فعلنا كل ما بوسعنا، وبذلنا أقصى جهودنا الطبية"، تلعثم الطبيب مستجمعاً شجاعته ليقول الحقيقة المرة التي يخشى عواقبها: "النزيف الداخلي تم السيطرة عليه بحمد الله، وتجاوز مرحلة الخطر على حياته.. ولكن.. الضربة التي تلقاها على العمود الفقري نتيجة سقوط السيارة كانت ساحقة ومدمّرة للفقرات. للأسف الشديد، شقيقك أصيب بشلل كامل في أطرافه السفلية.. لن يتمكن من السير على قدميه مجدداً طوال حياته".

​وقعت الكلمات على مسمع آسر كالصاعقة التي تفتت الصخر، لكنه لم يترنح، ولم تدمع عيناه، ولم يصرخ كعامة البشر. بل تيبست مفاصله، واشتدت قبضته داخل جيوب معطفه حتى كادت عظام أصابعه تتكسر من فرط الضغط. تحول الحزن والأسى في أعماقه فوراً، وبسرعة مذهلة، إلى مادة حارقة من الغضب الأعمى والرغبة العارمة في الانتقام الساحق. في تلك اللحظة بالذات، اقترب منه مرافقه الشخصي ورئيس حراسته، "سعد"، بخطوات خافتة خاضعة، وانحنى قليلاً ليقول بنبرة خفيضة مواربة:

​"سيدي.. تقرير الشرطة الأولي قد وصل، والرجال عثروا على الطرف الآخر المتسبب في الحادث. السيارة التي انحرفت برعونة وتسببت في سقوط سيارة مازن بيك من فوق الجسر، كانت تقودها فتاة جامعية بسيطة تدعى شهد عبد الرحمن. هي الآن محتجزة في قسم الشرطة وتخضع للتحقيق بتهمة القتل الخطأ والإهمال".

​التفت إليه آسر ببطء شديد، وكانت نظرته كفيلة ببث الرعب والجمود في نفس سعد الذي يعرف عواقب هذه النظرة جيداً. قال آسر بنبرة تقطر سماً زُعافاً:

​"شهد؟ فتاة جامعية؟ أخي يضيع مستقبله، ويقعد عاجزاً بقية عمره على كرسي متحرك بسبب طيش فتاة غبية؟ اسمعني جيداً يا سعد.. لا أريد للقانون البطيء والمحاكم الروتينية أن تتدخل في هذا الأمر. اذهب فوراً، استخدم كل نفوذنا لسحب البلاغات الرسمية، وانقل الفتاة إلى مكان خاص تحت سيطرتنا المباشرة، واجمع لي كل تفصيلة صغيرة أو كبيرة عن حياتها، وعن عائلتها، وأعمال والدها قبل أن تشرق شمس الغد.. أريد معرفة نقطة ضعفهم".

​في صباح اليوم التالي، كان مكتب آسر السيوفي في البرج التجاري العملاق الذي يملكه يبدو كساحة إعدام صامتة وخالية من الحياة. الجدران الزجاجية الضخمة الممتدة من الأرض إلى السقف تطل على المدينة الصاخبة من علٍ شاهق، لكن الضوء الذي يتسلل منها لم يكن يبعث على الدفء أو الأمل، بل كان يزيد من برودة المكان. جلس آسر خلف مكتبه العريض المصنوع من الخشب الأسود الفاخر المستورد، وكان يمسك بين أصابعه بملف أزرق يضم تفاصيل حياة عائلة تلك الفتاة التي تجرأت على هدم حياته.

​أخذ يقرأ السطور المكتوبة بعناية فائقة، وعيناه تلتهمان المعلومات: والدها، عبد الرحمن الصاوي، رجل تجارة بسيط في سوق الأقمشة، طيب السمعة ومعروف بالأمانة، لكنه تعرض لانتكاسات مالية متتالية وأزمات اقتصادية خانقة جعلته يقع في فخ الديون المتراكمة للشركات والموردين. والأنكى من ذلك، والأكثر إثارة للسخرية القدرية، أن الشركات الوسيطة التي تدينه بمبالغ خيالية لا قبل له بها، قد تم الاستحواذ عليها بالكامل قبل أشهر قليلة من قِبل "مجموعة السيوفي" العالمية. بمعنى آخر.. فإن آسر السيوفي بات يملك حرفياً صكوك حرية هذا الرجل أو إلقائه في غياهب السجون.

​طُرق الباب هدوء، ودخل سعد مقوداً رجلاً مسناً، يبدو على وجهه الشحوب والانكسار، وتظهر على ثيابه البسيطة آثار العجلة والهم. كان عبد الرحمن يرتجف رعباً، ليس فقط من هيبة المكتب وفخامته التي تحبس الأنفاس، بل من الخوف الرهيب الذي يعتصر قلبه على ابنته الوحيدة المحتجزة منذ ليلة أمس دون أن يعلم عنها شيئاً.

​لم يطلب آسر من الرجل الجلوس، ولم يُظهر له أي احترام يقتضيه سنّه، بل تركه واقفاً في منتصف الغرفة يستشعر ضآلته وصغره أمام هذا الجبروت الطاغي. ظل آسر صامتاً لعدة دقائق، يرتشف من قهوته السوداء المرة ببطء شديد، متعمداً استخدام لغة الصمت لتعذيب الرجل نفسياً وإضعاف مقاومته، مما زاد من توتر الشيخ العجوز، حتى انهار الأخير متحدثاً بنبرة باكية يملؤها الرجاء:

​"يا بني.. أرجوك بحق الله.. ابنتي شهد فتاة بريئة وطاهرة، ومستحيل أن تؤذي نملة في طريقها! الحادث كان قضاء وقصراً، والظلام كان دامساً على الجسر.. أنا مستعد لأي شيء تطلبه، سأبيع بيتي، سأبيع دكاني، بل سأعمل خادماً عندك طوال ما تبقى من عمري لأقضي هذا الدين، لكن اترك ابنتي تعود إلى حضني وتكمل دراستها الجامعية.. أرجوك لا تدمر مستقبلهما".

​رفع آسر عينيه القاسيتين اللتين لا تعرفان الرحمة، والتقت نظرته الثاقبة بنظرة الأب المنكسر. لم يظهر في عيني آسر أي أثر للشفقة أو اللين الإنساني، بل انفرجت شفتاه عن ابتسامة باردة متهكمة، وقال بصوت هادئ ومخيف يبعث القشعريرة في الأوصال:

​"تبيع بيتك ودكانك؟ وتعمل خادماً عندي؟ يا سيد عبد الرحمن، بيتك ودكانك وكل ما تملك عائلتك عبر الأجيال لا يساوي ثمن الإطارات الفاخرة التي دمرت في سيارة شقيقي. وأنت.. ما الذي يمكن أن يفعله رجل عجوز فانٍ مثلك ليعوضني عن ساقي شقيقي الشاب التي دفنت حية في هذا الحادث المشؤوم؟ هل تستطيع إعادة الحركة إليه؟"

​وقف آسر من مقعده الجلدي ببطء، وتحرك بخطوات وثيقة وئيدة حتى وقف أمام الرجل مباشرة، مشكلاً ظلاً مرعباً فوق جسد الشيخ الارتجافي، ثم ألقى بالملف الأزرق بقوة على الطاولة الخشبية مصدراً صوتاً حاداً:

​"هذه الأوراق التي أمامك تضم ديونك الموثقة.. سبعة ملايين جنيه للشركات التابعة لي مباشرة. بجرّة قلم واحدة مني، وبتوقيع صغير، يمكنني أن أرسلك وراء القضبان لبقية حياتك لتتعفن هناك، وأشرد عائلتك بأكملها في الشوارع دون مأوى. وابنتك شهد؟ سأضمن لها عبر نفوذي وعلاقاتي حكماً بالسجن المؤبد بتهمة الشروع في القتل والإهمال الجسيم، حكم لا تخرج منه إلا وهي عجوز شمطاء قد ضاع شبابها خلف الأسوار".

​سقط عبد الرحمن على ركبتيه كغصن كسرته الرياح العاتية، والدموع تنهمر غزيرة على لحيته البيضاء مستجيرة: "ارحمني.. ارحم شيبتي وضَعفي يا آسر بيك.. ليس لي في الدنيا سواها، إنها روحي التي أتنفس بها".

​انحنى آسر قليلاً حتى أصبح بمستوى وجه الشيخ الراكع، وهامس في أذنه بنبرة خفيضة تشبه فحيح الأفاعي السامة التي توشك على لدغ فريستها:

​"أنا رجل أعمال يا هذا، ولا أتعامل في مكتبي بالعواطف أو الدموع.. بل لغتي هي الصفقات والمكاسب. سأعطيك خياراً واحداً، ولن أكرره أبداً، وعليك الاختيار الآن. ابنتك شهد ستخرج من قسم الشرطة اليوم بحمايتي، ولكنها لن تعود إلى بيتك البائس، بل ستتجه مباشرة إلى قصري.. ستتزوجني بعقد رسمي شرعي، ليس لتكون زوجة مصونة أو سيدة للقصر، بل لتكون خادمة وممرضة تحت قدمي أخي المشلول، تلبي طلباته ليل نهار وتتحمل تبعات طيشها. ستذوق في قصري الذل والهوان الذي تسببت فيه لأخي، وتدفع ثمن كل لحظة ألم وعجز يعيشها مازن. واعتبر هذا الزواج الغريب ثمن ديونك كلها، حيث سأمزق هذه الأوراق فور توقيع العقد.. إما أن توقع على هذا الاتفاق وتنقذ نفسك وابنتك من غياهب السجون، أو أدفنك وأدفنها معاً في السجون.. معك ساعة واحدة للتفكير، والقرار لك".

​استدار آسر بكبرياء وجبروت، وترك الرجل مسجى على الأرض يصارع بين كرامته المهدورة وحياة ابنته وحريتها، بينما كانت خيوط اللعبة القاسية والمظلمة قد نسجت بالكامل وبإحكام حول عنق الفتاة البريئة "شهد"، التي لم تكن تدري في تلك اللحظات وهي وراء القضبان، أن حياتها الهادئة البسيطة قد تحولت في ليلة واحدة إلى جحيم مستعر وقيد من قسوة لا ترحم.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • قيود العشق و الندم   حصار العواصف و ظلال الماضي المباغت

    ​📖 الجزء الخامس عشر: حصار العواصف وظلال الماضي المباغت​لم يكن الصدى الذي أحدثته "شهد" في مجلس إدارة مجموعة السيوفي مجرد زلزال عابر، بل كان تحولاً جذرياً في خارطة النفوذ داخل العاصمة الاقتصادية بأكملها. تحولت الفتاة البسيطة، التي كانت قبل أسابيع قليلة تلملم شظايا الزجاج عن الرخام البارد، إلى لغز محير يتحدث عنه رجال المال والأعمال في مجالسهم المغلقة. كيف استطاعت هذه الطالبة الجامعية أن تروض "آسر السيوفي"؟ وكيف جردته من غطرسته لتصبح الكلمة الفصل في كبرى الصفقات بيده هو شخصياً؟​في القصر، تضاعفت طقوس الانكسار التي فرضتها شهد على آسر. لم تعد تكتفي بنومه على أعتاب مكتبه، بل فرضت عزلة تامة على جناح "مازن"؛ إذ منعت أي تواصل مباشر بين الشقيقين إلا بإذنها، ليكون هذا الحرمان سوطاً إضافياً يجلد ضمير آسر الذي كان يرى في شقيقه العاجز مسؤوليته الأولى في الحياة. كان آسر يقبل بكل هذه العقوبات بصدر رحب، بل وبنوع من المازوخية النفسية؛ فالألم الذي تسببه له شهد كان الوسيلة الوحيدة التي تشعره بأنه يدفع ثمن خطيئته الكبرى، وبأن طيف غفرانها قد يلوح يوماً ما في الأفق البعيد.​في صباح اليوم التالي، كانت شهد ت

  • قيود العشق و الندم   دخول العرين و زلزال مجلس الإدارة

    ​📖 الجزء الرابع عشر: دخول العرين وزلزال مجلس الإدارة​لم يكن الليل الذي أعقب توقيع أوراق نقل الملكية ليلاً عادياً في قصر السيوفي. كانت جدران القصر الشاهقة تبدو كأنها تتنفس توتراً صامتاً، والخدم يتحركون بخطوات واثقة ولكن حذرة؛ فقد انتشر الخبر بين أروقة القصر كالنار في الهشيم: شهد لم تعد مجرد فتاة فرضت شروطها داخل البيت، بل أصبحت تملك ثلث إمبراطورية السيوفي الاقتصادية.​في الجناح الرئيسي، كانت شهد تقف أمام خزانة الملابس الكبيرة التي أمر آسر بملئها بأرقى الملابس الرسمية المحتشمة من أشهر دور الأزياء. لم تلمس تلك الملابس الفاخرة رغبة في التفاخر، بل انتقت منها بدلة رسمية باللون الكحلي القاتم، مطعمة بلمسات بيضاء كلاسيكية، ولفّت حجابها الحريري بأسلوب يجمع بين الوقار والأناقة الصارمة. نظرت إلى المرآة؛ كانت ملامحها تحمل نضجاً فاق سنها بكثير، ونظرات عينيها العسليتين تبدو كشفرات حادة مستعدة لقطع أي يد تحاول التطاول عليها. اليوم ليس يوماً جامعياً، اليوم هو أول اجتماع لمجلس إدارة المجموعة بعد التشكيل الجديد، والجلاد القديم سينظر إليها كشريكة ندّية أمام كبار رجال الأعمال.​وفي الطابق السفلي، كان آس

  • قيود العشق و الندم   سهاد الحارس و جمر الإمتنان

    ​📖 الجزء الثالث عشر: سهاد الحارس وجمر الامتحان​أغلق الباب الفخم للجناح الرئيسي، ومعه أُغلقت كل منافذ الأمل في قلب "آسر السيوفي". وقف في منتصف البهو الواسع، وباقة الزهور المحطمة تحت قدميه تبدو كشواهد قبور لغطرسته القديمة. نفّذ أمرها حرفياً؛ لم يتحرك من الطابق السفلي، بل اتخذ من المقعد المقابل لدرج الجناح مستقراً له. كانت ليلة طويلة ومضنية، ليلة امتزج فيها البرد القارس الذي تلا العاصفة بجمر الندم الذي يلتهم أحشاءه. كلما نظر إلى الأعلى، نحو الضوء الخافت المنبعث من أسفل باب جناحها، كان يتخيلها وهي تكب على كتبها، تقرأ وتستعد لمستقبلها الذي حاول يوماً هدمه. كان يشعر بغصة خانقة؛ الرجل الذي كان يدير صفقات بملايين الدولارات بجرة قلم، بات الليلة حارساً ساهراً يخشى أن تصدر من حذائه نأمة قد تزعج صفو دراسة فتاة بسيطة.​في غرفته المظلمة، كان "مازن" يتقلب في فراشه كالملسوع. لم يكن قادراً على النوم بعد مواجهة والده القاسية في الصباح. كانت عبارات الشيخ الجليل تتردد في مسامعه كالرعد: "يا ويلك من الله.. جعلت ابنتي جارية خادمة تحت قدميك؟". شعر مازن بأن جدران الغرفة تضيق عليه، وبأن عجزه الجسدي ليس سوى ا

  • قيود العشق و الندم   شروخ في جدار الصمت و مواجهة الأب

    ​📖 الجزء الثاني عشر: شروخ في جدار الصمت ومواجهة الأب​لم يكن الليل في الجناح الرئيسي لقصر السيوفي هيناً على "شهد" رغم فخامته الأسطورية؛ فالأسرّة الوثيرة والستائر المخملية المطرزة بخيوط الذهب لم تكن لتنسيها أنها لا تزال داخل حصن الرجل الذي استباح كرامة عائلتها. كانت تجلس على شرفة الجناح الواسعة، تراقب النجوم البعيدة وتستنشق نسمات الليل الباردة التي تلت الضباب، والقرطاس والقلم بين يديها تخط فيهما مذكرات وجعها. كانت تشعر بنشوة الانتصار وهي ترى طاغية المدينة "آسر السيوفي" ينام على مقعد مكتبه الخشبي القاسي في الطابق السفلي كحارس طريد، لكنها في ذات الوقت كانت تعلم أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد؛ فالحق لا يستعاد بمجرد شروط وإملاءات، بل بانتزاع الاعتراف الكامل والتعويض المعنوي الذي يعيد لوالدها شرفه المهدور أمام أعين الناس.​في الصباح التالي، كان بهو القصر على موعد مع حدث سيقلب الحسابات رأساً على عقب. كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحاً عندما انفتحت البوابات الحديدية الخارجية ببطء شديد، ودخلت سيارة الحراسة السوداء يعقبها رنين خافت لإطارات سيارة أخرى. نزل "سعد" رئيس الحراس، وفتح الباب الخلفي

  • قيود العشق و الندم   شمس الجامعة و ظلال الطاغية المكسور

    ​📖 الجزء الحادي عشر: شمس الجامعة وظلال الطاغية المكسور​أشرقت شمس الصباح الجديد على قصر السيوفي، لكنها لم تكن كأيام المضار الخالية؛ فقد حملت معها هواءً مختلفاً، هواءً يفوح بنصر الكرامة المظلومة وانكسار الجبروت الطاغي. في الجناح الرئيسي الفاخر الذي كان حصناً لـ "آسر" وغطرسته، وقفت "شهد" أمام المرآة الكريستالية الضخمة. كانت ترتدي ثياباً بسيطة وأنيقة من تلك التي أحضرها الحراس من بيتها؛ تنورة سوداء طويلة وقميصاً أبيضاً ناصعاً، ولفّت حجابها بعناية فائقة. نظرت إلى وجهها في المرآة، فرأت عينيها العسليتين تلمعان ببريق لم تعهده منذ ليلة الحادث المشؤومة.. بريق القوة المستمدة من براءتها التي فرضتها على الجميع بقوة شروطها. لم تعد الجارية المأمورة، بل باتت سيدة القصر الفعليّة التي ينصاع لأمرها أعتى الرجال.​خرجت شهد من الجناح الرئيسي، وحملت حقيبتها الجامعية فوق كتفها بخطوات ملكية واثقة. وعند نزولها السلالم الرخامية العريضة، وجدت آسر واقفاً في بهو القصر السفلي بانتظارها. كان منظره يثير العجب في نفوس الخدم والحراس الذين كانوا يتابعون الموقف بأنفاس محبوسة من وراء الستائر والزوايا؛ فقد كان يرتدي قميصا

  • قيود العشق و الندم   انقلاب الموازين و شروط العهد الجديد

    ​📖 الجزء العاشر: انقلاب الموازين وشروط العهد الجديد​دخلت "شهد" إلى بهو القصر الفسيح بخطوات ثابتة تتردد أصداؤها فوق الرخام المصقول، كأنها تعلن نهاية عهد الاستضعاف وبداية زمن آخر تكون فيه هي صاحبة الكلمة العليا. لم تلتفت خلفها لترى "آسر" الذي تركته في الحديقة ممزقاً، يجر أذيال الخيبة والندم الجارف؛ فالالتفات إلى الوراء لا يصنع مسقبلاً، وهي الآن مصممة على صياغة مستقبلها بيديها، مستغلة السلاح الأعظم الذي تملكه: ذنبهم القاتل وطهر براءتها المطلقة.​توجهت مباشرة إلى جناح "مازن". فتحت الباب بعنف لم يعتده سكان القصر، ودخلت لتجد الشاب العاجز جالساً في فراشه، وعيناه متورمتان من أثر البكاء والخوف. جمدت نظرات مازن عليها حالما رأى ملامح وجهها؛ لم تكن تلك الملامح الشاحبة المكسورة التي فارقها بها بالأمس، بل كانت ملامح امرأة ولدت من جديد من رحم الجمر، وعيناها العسليتان تشعان بقوة أسطورية.​وقفت شهد عند نهاية سريره، وكتفت يديها أمام صدرها، وقالت بنبرة حادة وصارمة خلت من أي عاطفة أو إشفاق:​"مازن بيك.. شقيقك الأكبر الطاغية علم بكل شيء. سمع اعترافك المخزي ليلة أمس، وعلم أن شرفه المصون الذي كان يحارب من

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status