Home / الرومانسية / قيود العشق و الندم / عتبات الجحيم و المواجهة الأولى

Share

عتبات الجحيم و المواجهة الأولى

Author: Oum saif
last update publish date: 2026-06-03 07:31:18

​📖 الجزء الثاني: عتبات الجحيم والمواجهة الأولى

​كانت جدران حجز النساء في قسم الشرطة باردة ورطبة، تفوح منها رائحة الخوف واليأس التي تملأ قلوب العابرين من هناك. في زاوية معتمة من ذلك المكان البائس، جلست "شهد" وهي تضم ركبتيها إلى صدرها، جسدها الضئيل يرتجف ليس فقط من شدة البرد القارس الذي يتسلل إلى عظامها، بل من هول الصدمة التي لم تستوعبها بعد. كانت عيناها العسليتان الواسعتان، اللتان طالما شعتا بالأمل والحيوية في أروقة جامعتها، غارقتين الآن في بحر من الدموع الحائرة. تتردد في أذنيها أصوات صرير الإطارات المروع، والمشهد المهيب للسيارة الأخرى وهي تنحرف بعنف وتسقط من فوق الجسر. لم تكن شهد مذنبة، كانت تحاول جاهدة تفادي اعتداء سافر وطيش غريب من سائق تلك السيارة، لكن القدر كان أسرع، والآن تجد نفسها متهمة بتدمير حياة شاب لا تعرفه.

​انقطع حبل أفكارها الممزق بصوت حاد لفتح القفل الحديدي الثقيل. وقفت الشرطية عند الباب وقالت بنبرة جافة خالية من المشاعر:

​"شهد عبد الرحمن.. اجمعي أغراضكِ، لقد تم التنازل عن المحضر، وأنتِ حرة.. هناك من ينتظركِ في الخارج".

​لم تصدق شهد ما سمعته، هل انتهى الكابوس بهذه السرعة؟ هل ظهرت الحقيقة وعرف الجميع أنها كانت تدافع عن نفسها؟ خرجت بخطوات متثاقلة ومرتبكة إلى الرواق الخارجي للقسم، لترى والدها، الشيخ عبد الرحمن، واقفاً هناك. لكنه لم يكن الأب الشامخ الذي تعرفه؛ كان ظهره منحنياً كأن هموم الأرض كلها قد أُلقيت فوق كاهله، وعيناه متورمتين من شدة البكاء، يرفض النظر في عينيها مباشرة.

​"أبي!" صرخت شهد وارتمت في أحضانه تبكي بحرقة: "أبي، أقسم لكِ أنني بريئة، لم أكن أقصد إيذاء أحد، كان يحاول...".

قاطعها والدها بصوت متحشرج باكي، يملؤه انكسار يمزق القلوب: "أعلم يا ابنتي.. أعلم يا حبيبتي، لكن الأمر انتهى الآن.. دعينا نخرج من هنا، فهناك من ينتظرنا في السيارة بالخارج، وحياتنا لم تعد ملكاً لنا".

​عند باب قسم الشرطة، لم تجد شهد سيارة أجرة بسيطة كما اعتادت، بل كانت هناك سيارة سوداء فارهة وضخمة كأنها نعش متحرك، يقف بجانبها رجل ضخم الجثة، ذو ملامح صارمة، يرتدي حلة سوداء ونظارات داكنة. لم يكن سوى "سعد"، رئيس حرس آسر. فتح سعد الباب الخلفي للسيارة بإشارة آمرة قاسية، قائلاً بنبرة جامدة:

​"تفضلا بالركوب.. آسر بيك في انتظاركما في القصر لإتمام ما تم الاتفاق عليه".

​نظرت شهد إلى والدها برعب، تسأله بنظراتها عن هوية هذا الرجل وعن ماهية "الاتفاق"، لكن الشيخ عبد الرحمن اكتفى بإمساك يدها بقوة، ودموعه الصامتة تجري على لحيته البيضاء، مقاداً إياها إلى داخل السيارة كمن يساق إلى حبل المشنقة. طوال الطريق، كان الصمت يخيم على أرجاء السيارة، صمت ثقيل يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة المدمّرة، بينما كانت تتابع من خلف الزجاج الداكن الشوارع المألوفة وهي تتلاشى، لتدخل السيارة في منطقة راقية تحيط بها أشجار كثيفة، حتى توقفت أمام بوابات حديدية عملاقة نُقش عليها بحروف ذهبية فخمة: "قصر السيوفي".

​توقفت السيارة أمام المدخل الرخامي للقصر، ونزلت شهد وهي تتأمل هذا البناء الشاهق الذي يبدو كقلعة من العصور الوسطى؛ فخامة مرعبة، جدران حجرية رمادية، وإضاءة خافتة تضفي على المكان هيبة مظلمة. قادهما سعد عبر الرواق الطويل المرصع باللوحات الثمينة والسجاد الإيراني الفاخر، حتى وصلا إلى بهو واسع في قلب القصر.

​وفي نهاية البهو، خلف طاولة مستديرة من الأبنوس، جلس "آسر السيوفي" بشموخه المعهود وجبروته الطاغي. كان يرتدي قميصاً أسوداً يبرز عرض منكبيه، وبيده قلم ذهبي، وأمامه أوراق رسمية وجدفتر عقود. بجانبه وقف رجل يبدو أنه مأذون شرعي، وملامح وجه آسر كانت خالية تماماً من أي تعبير إنساني، كأنه قاضٍ يستعد للنطق بحكم الإعدام.

​رفع آسر عينه الحادتين، والتقطت نظرته شهد. انقبض قلب الفتاة غريزياً؛ كانت نظرته مليئة بكمية من الكراهية والازدراء جعلتها تشعر وكأنها حشرة ضئيلة تحت قدميه. تقدمت خطوات، وقالت بصوت يرتجف لكنه يحاول التمسك بالكرامة:

​"من أنت؟ ولماذا جئنا إلى هنا؟ وما هو هذا الاتفاق الذي يتحدث عنه الجميع؟"

​لم يجبها آسر، بل وجه حديثه لوالدها بنبرة باردة ومستهزئة:

​"يبدو أنك لم تخبر ابنتك المصونة بالثمن الذي دفعته لإنقاذ شيبتك من السجن، ولإنقاذ شبابها من خلف القضبان يا سيد عبد الرحمن".

​التفتت شهد إلى والدها مصدومة: "أمي.. عن أي ثمن يتحدث هذا الرجل؟ أبي.. تكلم أرجوك!".

سقط عبد الرحمن على مقعد قريب، وغطى وجهه بيديه المتعبتين وهو ينشج بالبكاء: "سامحيني يا شهد.. سامحيني يا ابنتي.. الديون كانت ستدمرنا، وكان سيرميكِ في السجن طوال عمركِ.. لم يكن أمامي خيار آخر لإنقاذكِ".

​هنا، وقف آسر من مقعده ببطء، وتحرك بخطوات واثقة ومخيفة حتى أصبح أمام شهد مباشرة. كان الفارق في الطول والبنية يجعله يبدو كالمستبد الذي يوشك على سحق ضحيته. أخرج صوته الرخامي الحاد وقال:

​"الاتفاق ببساطة يا شهد.. هو أنكِ منذ هذه اللحظة لم تعودي طالبة جامعية، ولم تعودي حرة. لقد قمتُ بشراء حريتكِ وحرية عائلتكِ بسبعة ملايين جنيه، وهي قيمة ديون والدكِ التي أملكها. والثمن؟ أن توقعي الآن على عقد زواجكِ مني.. زواج يحمل اسمي، لكنه في الحقيقة صك عبوديتكِ في هذا القصر".

​اتسعت عينا شهد بذهول ورعب، وشعرت بأن الأرض تميد من تحت قدميها: "زواج؟ عبودية؟ أنت مجنون! مستحيل أن أتزوجك.. أنا لم أفعل شيئاً، شقيقك هو من انحرف بسيارته نحو...".

​لم يدعها تكمل، بل امتدت يده القوية كالقيد الحديدي، وقبضت على فكها بعنف، مما جعلها تطلق آهة ألم مكتومة. اقترب بوجهه منها حتى شعرت بأنفاسه الحارقة، وقال بنبرة تقطر حيزاً من القسوة والوعيد:

​"إياكِ أن تنطقي باسم شقيقي على لسانكِ القذر! شقيقي يرقد الآن في الغرفة المجاورة مشلولاً، عاجزاً عن الحركة طوال حياته بسببكِ وبسبب طيشكِ. أنتِ لن تكوني زوجة لي، لا تحلمي بهذا الشرف. أنتِ هنا مجرد خادمة وممرضة تحت قدمي أخي المريض. ستلبي كل طلباته، ستتحملين قسوته، وستذوقين في كل يوم وكل ساعة الذل والهوان والندم على ما اقترفت يداكِ. هذا العقد هو قيدكِ، وإذا رفضتِ التوقيع.. فأقسَم لكِ بمن أحلّ القسم، سأرسل والدكِ إلى السجن الليلة، وسأعيدكِ إلى زنزانتكِ لتعفني فيها".

​تلاقت عيناها بعينيه؛ عينان تفيضان بدموع القهر والظلم والضعف، وعينان تشعان ببريق الانتقام الأعمى والجبروت. كانت تشعر بإهانة بالغة، وكرامتها تمزق أمام والدها العاجز. نظرت إلى أبيها الذي كان يرجوها بنظراته الباكية ألا ترفض، خوفاً على حياتها وحياته.

​أفلت آسر فكها بقسوة، ودفعها نحو الطاولة حيث يرقد القلم وعقد الزواج. شعرت شهد بمرارة تفوق مرارة الموت وهي تمسك القلم بأصابع مرتعشة. كانت تشعر وكأنها توثق عقد إعدام روحها بيدها. وقعت اسمها بخط مهزوز، وسقطت دمعة حارة من عينيها لتبلل الورقة البيضاء، كأنها تعلن نهاية الفتاة البريئة وبداية عهد جديد من العذاب.

​ابتسم آسر ابتسامة نصر مظلمة، وأخذ الورقة ليمزق أمام والدها شيكات الديون، ثم التفت إلى سعد وقال بجفاء:

​"خذ هذا العجوز وأخرجه من أملاكي.. لا أريد رؤيته هنا مجدداً. أما أنتِ يا زوجتي العزيزة.. فجهزي نفسكِ، فجحيمكِ يبدأ الآن.. اتبعيني لترى أولى مهامكِ عند سيدكِ الجديد".

​استدار آسر وترك شهد تقف في منتصف البهو، والقيود غير المرئية تطوق عنقها ومعصميها، مودعة والدها بنظرة أخيرة يملؤها الأسى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قيود العشق و الندم   سهاد الحارس و جمر الإمتنان

    ​📖 الجزء الثالث عشر: سهاد الحارس وجمر الامتحان​أغلق الباب الفخم للجناح الرئيسي، ومعه أُغلقت كل منافذ الأمل في قلب "آسر السيوفي". وقف في منتصف البهو الواسع، وباقة الزهور المحطمة تحت قدميه تبدو كشواهد قبور لغطرسته القديمة. نفّذ أمرها حرفياً؛ لم يتحرك من الطابق السفلي، بل اتخذ من المقعد المقابل لدرج الجناح مستقراً له. كانت ليلة طويلة ومضنية، ليلة امتزج فيها البرد القارس الذي تلا العاصفة بجمر الندم الذي يلتهم أحشاءه. كلما نظر إلى الأعلى، نحو الضوء الخافت المنبعث من أسفل باب جناحها، كان يتخيلها وهي تكب على كتبها، تقرأ وتستعد لمستقبلها الذي حاول يوماً هدمه. كان يشعر بغصة خانقة؛ الرجل الذي كان يدير صفقات بملايين الدولارات بجرة قلم، بات الليلة حارساً ساهراً يخشى أن تصدر من حذائه نأمة قد تزعج صفو دراسة فتاة بسيطة.​في غرفته المظلمة، كان "مازن" يتقلب في فراشه كالملسوع. لم يكن قادراً على النوم بعد مواجهة والده القاسية في الصباح. كانت عبارات الشيخ الجليل تتردد في مسامعه كالرعد: "يا ويلك من الله.. جعلت ابنتي جارية خادمة تحت قدميك؟". شعر مازن بأن جدران الغرفة تضيق عليه، وبأن عجزه الجسدي ليس سوى ا

  • قيود العشق و الندم   شروخ في جدار الصمت و مواجهة الأب

    ​📖 الجزء الثاني عشر: شروخ في جدار الصمت ومواجهة الأب​لم يكن الليل في الجناح الرئيسي لقصر السيوفي هيناً على "شهد" رغم فخامته الأسطورية؛ فالأسرّة الوثيرة والستائر المخملية المطرزة بخيوط الذهب لم تكن لتنسيها أنها لا تزال داخل حصن الرجل الذي استباح كرامة عائلتها. كانت تجلس على شرفة الجناح الواسعة، تراقب النجوم البعيدة وتستنشق نسمات الليل الباردة التي تلت الضباب، والقرطاس والقلم بين يديها تخط فيهما مذكرات وجعها. كانت تشعر بنشوة الانتصار وهي ترى طاغية المدينة "آسر السيوفي" ينام على مقعد مكتبه الخشبي القاسي في الطابق السفلي كحارس طريد، لكنها في ذات الوقت كانت تعلم أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد؛ فالحق لا يستعاد بمجرد شروط وإملاءات، بل بانتزاع الاعتراف الكامل والتعويض المعنوي الذي يعيد لوالدها شرفه المهدور أمام أعين الناس.​في الصباح التالي، كان بهو القصر على موعد مع حدث سيقلب الحسابات رأساً على عقب. كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحاً عندما انفتحت البوابات الحديدية الخارجية ببطء شديد، ودخلت سيارة الحراسة السوداء يعقبها رنين خافت لإطارات سيارة أخرى. نزل "سعد" رئيس الحراس، وفتح الباب الخلفي

  • قيود العشق و الندم   شمس الجامعة و ظلال الطاغية المكسور

    ​📖 الجزء الحادي عشر: شمس الجامعة وظلال الطاغية المكسور​أشرقت شمس الصباح الجديد على قصر السيوفي، لكنها لم تكن كأيام المضار الخالية؛ فقد حملت معها هواءً مختلفاً، هواءً يفوح بنصر الكرامة المظلومة وانكسار الجبروت الطاغي. في الجناح الرئيسي الفاخر الذي كان حصناً لـ "آسر" وغطرسته، وقفت "شهد" أمام المرآة الكريستالية الضخمة. كانت ترتدي ثياباً بسيطة وأنيقة من تلك التي أحضرها الحراس من بيتها؛ تنورة سوداء طويلة وقميصاً أبيضاً ناصعاً، ولفّت حجابها بعناية فائقة. نظرت إلى وجهها في المرآة، فرأت عينيها العسليتين تلمعان ببريق لم تعهده منذ ليلة الحادث المشؤومة.. بريق القوة المستمدة من براءتها التي فرضتها على الجميع بقوة شروطها. لم تعد الجارية المأمورة، بل باتت سيدة القصر الفعليّة التي ينصاع لأمرها أعتى الرجال.​خرجت شهد من الجناح الرئيسي، وحملت حقيبتها الجامعية فوق كتفها بخطوات ملكية واثقة. وعند نزولها السلالم الرخامية العريضة، وجدت آسر واقفاً في بهو القصر السفلي بانتظارها. كان منظره يثير العجب في نفوس الخدم والحراس الذين كانوا يتابعون الموقف بأنفاس محبوسة من وراء الستائر والزوايا؛ فقد كان يرتدي قميصا

  • قيود العشق و الندم   انقلاب الموازين و شروط العهد الجديد

    ​📖 الجزء العاشر: انقلاب الموازين وشروط العهد الجديد​دخلت "شهد" إلى بهو القصر الفسيح بخطوات ثابتة تتردد أصداؤها فوق الرخام المصقول، كأنها تعلن نهاية عهد الاستضعاف وبداية زمن آخر تكون فيه هي صاحبة الكلمة العليا. لم تلتفت خلفها لترى "آسر" الذي تركته في الحديقة ممزقاً، يجر أذيال الخيبة والندم الجارف؛ فالالتفات إلى الوراء لا يصنع مسقبلاً، وهي الآن مصممة على صياغة مستقبلها بيديها، مستغلة السلاح الأعظم الذي تملكه: ذنبهم القاتل وطهر براءتها المطلقة.​توجهت مباشرة إلى جناح "مازن". فتحت الباب بعنف لم يعتده سكان القصر، ودخلت لتجد الشاب العاجز جالساً في فراشه، وعيناه متورمتان من أثر البكاء والخوف. جمدت نظرات مازن عليها حالما رأى ملامح وجهها؛ لم تكن تلك الملامح الشاحبة المكسورة التي فارقها بها بالأمس، بل كانت ملامح امرأة ولدت من جديد من رحم الجمر، وعيناها العسليتان تشعان بقوة أسطورية.​وقفت شهد عند نهاية سريره، وكتفت يديها أمام صدرها، وقالت بنبرة حادة وصارمة خلت من أي عاطفة أو إشفاق:​"مازن بيك.. شقيقك الأكبر الطاغية علم بكل شيء. سمع اعترافك المخزي ليلة أمس، وعلم أن شرفه المصون الذي كان يحارب من

  • قيود العشق و الندم   انكسار الطاغية و لعنة الندم

    ​📖 الجزء التاسع: انكسار الطاغية ولعنة الندم​وقف "آسر السيوفي" في الرواق المعتم المؤدي إلى الجناح، والكون يدور من حوله في حلقة مفرغة من الذهول والصدمة. كانت الكلمات التي خرجت من فم شقيقه "مازن" تتشظى في عقله كقنابل موقوتة دمرت في ثوانٍ معدودة كل ما بناه من قناعات، ويقين، وانتقام. “أنا المذنب الحقيقي.. أنا الجبان يا شهد.. حاولتُ الاعتداء عليكِ وكان الحادث وأنا أحاول محاصرتكِ بسيارتي”.​شعر آسر وثقل جسده الفارع فجأة كأنه يحمل صخور الجبال فوق كاهله. امتدت يده المرتعشة إلى الجدار الرخامي البارد ليستند إليه، بعد أن خانته ساقاه اللتان طالما حملتاه بشموخ وكبرياء أمام أعتى رجال الأعمال. كان يتنفس بصعوبة، وصوت ضربات قلبه المتلاحقة يتردد في أذنيه كطبول تقرع للموت. تحول وجهه الصارم، الذي كان يشبه الرخام الأصم، إلى قناع شاحب منكسر، واشتعلت في عينيه نظرة تجمع بين الخزي العارم، والوجع القاتل، والندم الجارف الذي بدأ ينهش أحشاءه كالنار في الهشيم.​نظر إلى باب الجناح الموارب، وتذكر كل لحظة قسوة مارسها ضد "شهد". تذكر دموع والدها المنكسر، تذكر ليلة أمس عندما أجبرها بيدين عاريتين على التقاط شظايا الزجاج

  • قيود العشق و الندم   تصدع الجدران و بداية الشك

    ​📖 الجزء الثامن: تصدع الجدران وبداية الشك​أخيرًا، انقشعت العاصفة الرعدية مع حلول الساعات الأولى من الصباح، تاركةً وراءها حديقة القصر غارقة في برك الماء، وأوراق الأشجار متناثرة على الرخام البارد كأشلاء ذكريات ممزقة. لكن العاصفة التي هدأت في الخارج، كانت قد انتقلت بكامل عنفوانها إلى داخل عقول وقلوب سكان قصر السيوفي.​استيقظت "شهد" مع بزوغ الفجر كعادتها التي فرضتها عليها طقوس الأسر الجديدة. كان جسدها يئن من فرط الإرهاق، وجروح أناملها لا تزال تلسعها مع كل حركة، لكن روحها كانت مشحونة بقوة غريبة استمدتها من كلمات "مازن" المرتعشة ليلة أمس. تلك العبارات المبتورة التي نطق بها الشاب العاجز وسط هلع العاصفة، لم تكن مجرد تذمر من المرض، بل كانت اعترافاً خفياً ومبطناً بالذنب. لقد أيقنت شهد الآن، بما لا يدع مجالاً للشك، أن مازن يحمل في صدره سراً لو خرج إلى العلن لزلزل أركان هذا القصر، ولهدم جدار الجبروت الذي يستند إليه شقيقه الأكبر.​خرجت شهد من غرفتها الصغيرة لتتفقد الجناح. كان مازن غارقاً في نوم عميق بفعل تأثير المهدئ القوي، وأنفاسه تصعد وتهبط بانتظام، لكن ملامحه كانت تبدو واجمة ومثقلة حتى وهو غا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status