سلاسل من حرير ورماد

سلاسل من حرير ورماد

last updateLast Updated : 2026-09-23
By:  ريتا رضاUpdated just now
Language: Arab
goodnovel18goodnovel
Not enough ratings
48Chapters
1.9Kviews
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في إطار من الدراما السوداء والعلاقات المعقدة، تدور أحداث رواية "سلاسل من حرير ورماد" حول صراع مرير بين الانتقام والسلطة ورغبة البقاء. ​تبدأ القصة بالزواج الإجباري بين أيهم الجارحي، رجل الأعمال الشاب والأشقر المتكبر الذي يدير إمبراطورية "الجارحي القابضة"، ووتين الفارس، الفتاة الرقيقة الجذابة التي تقع في حبه منذ مراهقتها. يُجبر "أيهم" "وتين" على الزواج منه لإنقاذ والدها من الإفلاس والسجن، لكن هدفه الحقيقي ليس بناء عائلة، بل الانتقام لمأساة قديمة أدت لموت والده وتفكك عائلته، مؤكداً أن والد "وتين" هو المتسبب فيها. ​بدلاً من معاملتها كزوجة، ينفر "أيهم" من "وتين" تماماً ويجردها من حقوقها، رافضاً الاقتراب منها أو لمسها. يسلمها لكبيرة الخدم "أم سعد" لتُعامل كأقل خادمة في القصر، فتنتقل للعيش في الملحق الخلفي وتُكلف بالأعمال الشاقة وسط شماتة الخادمة "سعاد" ومواساة الخادمة الطيبة "مريم". تزداد معاناة "وتين" مع دخول كرمة الهاشمي، عشيقة "أيهم" الماكرة التي تعود من الخارج وتتظاهر بالبراءة والرقة أمامه، بينما تكيد لـ"وتين" خفية بالتعاون مع أصدقائه المتعجرفين جسار وشاهين. ​على مدار الأحداث، تتحول "وتين" من الانكسار والصمت إلى التمرد والصمود، لتتحطم محاولات إذلالها. ومع تصاعد الصراع والشر، تدبر "كرمة" مكيدة كبرى تتسبب في هروب "وتين" واختفائها. هناك يكتشف "أيهم" الحقيقة المؤلمة: والد "وتين" كان بريئاً، بينما "كرمة" و"جسار" هم المتورطون الحقيقيون في مأساة الماضي. ينقلب عالم "أيهم" رأساً على عقب، لتبدأ رحلة ندمه المظلمة ومحاولاته المستميتة لطلب الغفران والتكفير عن أخطائه بعد عودة "وتين" بشخصية قوية لا تنكسر.

View More

Chapter 1

العرش المظلم

لم تكن رائحة العود والمسك في قصر "الجارحي" سوى غطاء ذكي لبرود قاتل يتخلل جدرانه. كانت الساعات تمر كأنها سكاكين تسقط ببطء، وتين تجلس على أطراف المقعد المخملي في المجلس الرئيسي، تطوق كفيها الباردين ببعضهما لعلها تجد دفئاً غائباً.

​ثوبها الحريري العنابي كان ينساب بطول جسدها الضئيل، يبرز صغر حجمها ورقتها المقابلة لضخامة القصر وقسوته. كل شيء في هذا المكان كان يستصغرها، لكن لا شيء كان يرعبها بوهجه المظلم مثل خطوات الإقدام الثقيلة التي أخذت تقترب من الباب الخارجي.

​دخل أيهم الجارحي.

​كان يبدو كجسد صُنع من الهيبة والصلابة؛ قامته الرياضية العريضة وشعره الأشقر الذهبي المصفف بصرامة، بينما عينانه الزرقاوان الكاحلتان تلقيان بظلال من الجليد على الحاضرين. خلع عباءته السوداء الراقية وألقاها بإهمال للترمان، دون أن يرفع عينيه عنها فوراً.

​حين التقت نظرته بنظرتها، شعرت وتين بقلبها ينقبض بشدة. هذا الرجل الذي أحبته في خيالها لمراهقتها، يمتلك الآن سلطة تدمير عائلتها بضغطة زر واحدة.

​اقترب منها بأقدام ثابتة، إيقاع خطواته يحبس الأنفاس في الحجرة. استقر أمامه تماماً، يطوقها بظله الضخم الذي ابتلع جسدها الصغير بالكامل. امتدت يده ذات القوة الظاهرة، بأصابعه العريضة، لتستقر تحت ذقنها مباشرة. رفعت رأسها رغماً عنها، لتواجه قسوة لم ترَ لها مثيلاً من قبل.

​"أتظنين أن هذا الثوب وسكونك المطيع سيغيران شيئاً يا وتين؟"

​صوته كان حاداً، منخفضاً كفحيل أفعى، محصناً بنبرة تملك لا ترحم. انزلاقت أصابعه بتكاسل مسموم على طول جبهتها وخاطرها وصولاً إلى عنقها، يضغط بخفة تجعل أنفاسها تتسارع بين الخوف والشغف المحرم الذي يلتهمها.

​"أنتِ هنا لسبب واحد فقط..." همس مقترباً حتى لامست أنفاسه الدافئة شفتيها المرتجفتين، بينما انقبضت قبضته الأخرى حول خصرها بقوة غير متكافئة، يجذبها إليه تماماً لتشعر بفارق القوة بينهما. "...لتدفعي ثمن كل خطيئة ارتكبها والدكِ. زواجنا ليس بداية لحياة، بل هو السجن الذي اخترتِ الدخول إليه بنفسكِ."

​اتسعت عيناها المبتلتان بالدموع، لكنها لم تتراجع. رغم الرعب الذي يعتصرها ورغم اللمسات التي تجعل جسدها يخضع له برغبة مظلمة لا تستطيع تفسيرها، همست بنبرة خافتة تحمل بذور تمرد مكتوم:

"إن كان سجناً يا أيهم... فلن أكون الأسيرة التي تبكي في الزاوية."

​ابتسامة ساخرة، مظلمة ومليئة بالتملك والغرور، ارتسمت على شفتيه وهو يضغط على خصرها أكثر، منحنياً نحو أذنها ليملأ روحها بوعيد لا يرحم.

سحب أيهم يده فوراً وكأنها لامست جمراً، مبتعداً عنها خطوتين إلى الخلف. تطلعت إليه وتين وهي تحاول استعادة أنفاسها المتهدجة، لتجد في عينيه الزرقاوين نظرة احتقار ونفرة صريحة تشبه النظر إلى شيء دنس.

​لم يلمسها مجدداً، بل مسح أصابعه بقطعة قماش حريرية كانت في جيبه قبل أن يلقيها على الطاولة بجانبه زاهداً.

​"لا تتوهمي شيئاً يا وتين،" قالها بصوت ناعم كالشفرة، يحمل كل معاني الاستخفاف. "أنتِ هنا لستِ زوجة، ولن تكوني يوماً كذلك. هذا القصر يحتوي على عشرات الخدم، ومنذ هذه اللحظة، أنتِ أحدثهم وأقلهم شأناً."

​قبل أن تستوعب كلماته، رفع أيهم يده وصصفق مرتين.

​من الممر الجانبي المخصص للخدم، أقبلت أم سعد، كبيرة التدبير في القصر، وهي امرأة في الخمسينيات من عمرها، ذات وجه صارم وملامح لا تفصح عن أي رحمة، يتبعها اثنان من الجواري الشابات اللاتي كن يتهامسن بنظرات شامتة.

​"أمرك يا أيهم باشا،" قالت أم سعد وهي تنحني بإجلال شديد.

​أشار أيهم بطرف عينيه نحو وتين دون أن ينظر إليها مباشرة:

"خذيها إلى الملحق الخلفي. جرديها من هذا الحرير، وأعطيها زي الخدم. من الغد، ستبدأ عملها في تنظيف المجلس الشرقي وغسل الفضيات. لا معاملة خاصة، ولا أكل من مائدة القصر."

​شهقت وتين بخفت، وشعرت بدمدمة الخزي تدق في رأسها. تطلعت إلى أم سعد التي اقتربت منها بملامح جافة وقالت بصوت جاد:

"اتبعيني يا فتاة، لا تجعلي الباشا ينتظر."

​وقف أيهم يراقب انسحابها نحو الممر المظلم للخدم، وعيناه لا تعبران إلا عن سرد جاف من الكراهية. لم يكن يرغب في قربها، كان ينفر من مجرد فكرة أن تجمع بينهما سجادة واحدة، فوجودها تحته كخادمة تُهان يومياً كان بالنسبة له البداية فقط للتكفير عن دماء الماضي

كانت الممرات الجانبية للملحق الخلفي تصغر وتظلم كلما ابتعدت وتين عن المجلس الرئيسي. كانت تتابع خطوات "أم سعد" السريعة، وصوت كعب حذائها يرتطم بالأرضية الحجرية الباردة كوقع الدقائق الأخيرة من حريتها.

​وقفت أم سعد أمام غرفة صغيرة ذات سقف منخفض وأثاث خشب يتهالك، ثم التفتت إليها بنظرة حادة خالية من المشاعر:

"هنا ستنامين. الملابس على السرير. أمامك عشر دقائق لترتدي زي الخدم وتتخلصي من تلك الزينة، ثم تلتحقين بي في المطبخ السفلي. الباشا لا يحب التأخير، والأخطاء هنا ثمنها غالي."

​أغلقت أم سعد الباب بقوة ترك أصداءه تهتز في الغرفة الصغيرة.

​جلست وتين على طرف السرير الخشبي، تنظر إلى الثوب الحريري العنابي الذي ارتدته صباحاً بحب وأمل، قبل أن تتلمس قماشه النادي بدمعة صامتة انسابت على خدها. لم يكن القهر من الزي ولا من المكان، بل من ذلك البرود الموتور الذي رأته في عيني أيهم؛ الرجل الذي غزل أحلام مراهقتها، أصبح السجان الذي يراها أقل من تراب هذا القصر.

​خلعت ثوبها الحريري بأصابع مرتجفة، وارتدت ثوب الخدم الرمادي البسيط. مسحت كحل عينيها، ورفعت شعرها الأسود الطويل إلى الخلف، لتتأمل وجهها في المرآة المكسورة على الحائط؛ بدا جمالها النقي صارخاً رغم بساطة الرداء، وكأن القسوة لم تزدها إلا إشراقاً يختبئ خلف الانكسار.

​عندما نزلت إلى المطبخ السفلي، كانت روائح التوابل واللحوم تشيع في المكان حيث يُعد العشاء الملكي لـ "أيهم" وضيوفه.

​وقفت سعاد، إحدى الخادمات الشابات، تتكئ على الطاولة الرخامية وفي يدها طبق فضي. نظرت إلى وتين من الأعلى إلى الأسفل بابتسامة شامتة، ثم التفتت إلى الخادمة الأخرى وقالت بصوت عالٍ تتعمد أن يسمعه الجميع:

"أنظروا من انضم إلينا.. زوجة الباشا الجديدة تصبح زميلتنا في غسل الصحون! يبدو أن جمالكِ يا هذه لم يشفع لكِ حتى لتقضي ليلتكِ الأولى في الجناح الرئيسي."

​انقبضت قبضة وتين داخل جيب ثوبها الرمادي، لكنها رفعت رأسها بثبات ولم تجب. في تلك اللحظة، اقتربت منها خادمة أخرى تُدعى مريم، ذات ملامح هادئة وعينين دافئتين، وهمست لها وهي تضع في يدها قطعة قماش لتنظيف الفضيات:

"لا تصغي إليها.. ركزي في عملكِ فقط لتتقي غضب أم سعد. القصر هنا لا يرحم الضعفاء."

​في الأعلى، في المجلس الفاخر، كان أيهم يسكب لنفسه كأساً من الماء البارد، واقفاً عند النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف، يطل على الحديقة المعتمة. كانت ملامحه حادة وكأنها قُدّت من صخر.

​تذكر نظرة عينين وتين الكحيلتين قبل قليل؛ لم تكن نظرة انكسار كامل كما أرادها أن تكون، بل كان فيها بريق من الصمود استفز كبرياءه.

​ابتسم ابتسامة مظلمة وهو يحدث نفسه:

"ستتعلمين كيف تنكسرين يا وتين.. خطوة بخطوة، حتى يزول هذا الصمود."

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
48 Chapters
العرش المظلم
لم تكن رائحة العود والمسك في قصر "الجارحي" سوى غطاء ذكي لبرود قاتل يتخلل جدرانه. كانت الساعات تمر كأنها سكاكين تسقط ببطء، وتين تجلس على أطراف المقعد المخملي في المجلس الرئيسي، تطوق كفيها الباردين ببعضهما لعلها تجد دفئاً غائباً.​ثوبها الحريري العنابي كان ينساب بطول جسدها الضئيل، يبرز صغر حجمها ورقتها المقابلة لضخامة القصر وقسوته. كل شيء في هذا المكان كان يستصغرها، لكن لا شيء كان يرعبها بوهجه المظلم مثل خطوات الإقدام الثقيلة التي أخذت تقترب من الباب الخارجي.​دخل أيهم الجارحي.​كان يبدو كجسد صُنع من الهيبة والصلابة؛ قامته الرياضية العريضة وشعره الأشقر الذهبي المصفف بصرامة، بينما عينانه الزرقاوان الكاحلتان تلقيان بظلال من الجليد على الحاضرين. خلع عباءته السوداء الراقية وألقاها بإهمال للترمان، دون أن يرفع عينيه عنها فوراً.​حين التقت نظرته بنظرتها، شعرت وتين بقلبها ينقبض بشدة. هذا الرجل الذي أحبته في خيالها لمراهقتها، يمتلك الآن سلطة تدمير عائلتها بضغطة زر واحدة.​اقترب منها بأقدام ثابتة، إيقاع خطواته يحبس الأنفاس في الحجرة. استقر أمامه تماماً، يطوقها بظله الضخم الذي ابتلع جسدها الصغير ب
last updateLast Updated : 2026-08-05
Read more
الفصل الثاني
مرت ساعات الليل ثقيلة كأنها دهور، قضتها وتين في تنظيف الصحون وتلميع الأواني الفضية الضخمة تحت أعين "سعاد" الشامتة، حتى تشنجت أصابعها الناعمة وتيبّس ظهرها. كانت تتألم في صمت، تبتلع دموعها مع كل زفرة تعب، تجنباً لإظهار أي ضعف قد يُثلج صدر أيهم إن وصله الخبر. ​في السادسة صباحاً، اقتحمت أم سعد المطبخ السفلي بخطواتها الصارمة، وعيناها تثبتان على وتين المستلقية لـ دقائق معدودة على كرسيك خشبي مهترئ. ​"استجمعي نفسكِ يا فتاة!" صاحت أم سعد وهي تصفق بيديها بقسوة. "الباشا في المجلس العلوي برفقة ضيوفه الكبار، وهو يطلب تجهيز مائدة الإفطار الفاخرة بنفسكِ وتقديم المشروبات فوراً." ​قامت وتين ببطء، وجففت يديها المتعبتين في ثوبها الرمادي البسيط. لم يكن أمامها سوى الخضوع للأوامر، فحياة والدها المحتجز تحت وطأة ديون أيهم كانت الرهان الوحيد في هذه اللعبة المظلمة. ​حملت الصينية الفضية الثقيلة المحملة بأفخر أنواع المأكولات الشرقية والنبيذ المعتق، وتوجهت بخطوات هادئة نحو السلالم الرخامية المؤدية للمجلس الرئيسي. ​عندما فتحت أبواب المجلس الفاخر، كانت رائحة التبغ الغالي والقهوة المعطرة بالهيل تملأ الأرجاء، تت
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more
الفصل الثالث:
استقرت وتين على الأرضية الرخامية الباردة، وجسدها يرتجف إثر السقطة القاسية. كانت أنفاسها متلاحقة، وقلبها ينبض في صدرها كطبل مكسور. رفعت رأسها ببطء لترتطم عيناها بأيهم، الذي كان يقف فوقها كشبح من الانتقام، يتنفّس بغضب مكتوم ورائحة الخمر المعتق تصدر منه بكثافة.​انحنى نحوها ببطء حثيث، كفهد يستعرض قوته أمام فريسة محاصرة. قبل أن تمس الأرض بيديها لتلتقط أنفاسها، امتدت يده القوية لتقبض على فكها العاجي بضغط مؤلم، يجبرها على رفع وجهها لمواجهة عينيه الجليديتين اللتين تحولتا إلى جمر متقد.​"هل تظنين أنكِ في بيت والدكِ يا وتين؟" همس بصوت خفيض، ينبض بتهديد حاد كشفرة سكين. "هنا.. كلمتي هي القانون، وكبرياؤكِ هذا سأسحقه تحت قدمي قطعة قطعة."​حاولت أن تملص فكها من قبضته الفولاذية، لكن ضغط أصابعه ازداد قسوة، حتى شعرت بشرار الألم يسري في عظام وجهها. رغم الدموع التي تحجرت في عينيها الكحيلتين، إلا أن شعاع التحدي لم يطفأ.​"يمكنك أن تحبسني.. يمكنك أن تضربني يا أيهم،" قالتها بنبرة صوت خريفي لكنها ثابتة، "لكنك لن تملك روحي أبداً.. سأظل أراك الجلاد الصغير الذي يحتمي بثرائه!"​تجمّد وجه أيهم، واشتعل الغضب في ح
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more
الفصل الرابع
تسللت أشعة الشمس الأولى عبر الستائر المخملية الداكنة، لترسم خطوطاً باردة على أرضية الجناح. فتحت وتين عينيها المجهدتين لتجد نفسها انكمشت على طرف السرير طوال الليل، بجسد منهك يعتصره الألم وآثار أصابع أيهم القاسية على بشرتها العاجية.​التفتت بنظرتها نحو الأريكة؛ كان أيهم قد غادر الجناح بالفعل، ولم يبقَ منه سوى رائحة عطره النفاذ ونبيذه المعتق التي لا تزال تملأ المكان.​نهضت ببطء وصعوبة، تلمس جسدها المنهك وتعدل ثوب الخدم الرمادي. لم يكن أمامها وقت لالتقاط أنفاسها، فصوت خطوات "أم سعد" الصارمة في الممر كان ينذر ببدء يوم جديد من العذاب.​فتحت أم سعد باب الجناح بالمفتاح الاحتياطي، ونظرت إلى وتين بنظرة جافة خالية من الشفقة:"إن انتهيتِ من التباكي، انزلي فوراً لتنظيف الأجنحة السفلية قبل أن يستيقظ ضيوف الباشا. عملكِ اليوم في جناح الآنسة كرمة."​انقبض قلب وتين لدى سماع الاسم، لكنها هزت رأسها بالمرغمة ونزلت إلى الدور السفلي.​في جناح الضيوف الفاخر، كانت كرمة الهاشمي تقف أمام المرآة الكبيرة تتأمل فستانها الزمردي جديد التصميم، وعيناها تنضحان بشرارة الانتقام. لم تستطع النوم ليلتها وهي تفكر في طريقة اح
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more
الفصل الخامس
كان قبو الحطب الواقع تحت القصر بارداً كالمقبرة، تطوقه جدران حجرية رطبة يفوح منها عبق التراب والشرور القديمة. ألقى بها أيهم إلى الداخل بقسوة، لتسقط على الأرضية الترابية الخشنة بين أوراق الشجر اليابسة وحزم الحطب المتراكمة.​أغلق الباب الخشبي الثقيل خلفه، وسمعت صوت السلسلة الحديدية وهي تلفّ حول المقبض لتسجنها في ظلمة دامسة لا يقطعها سوى شعاع ضئيل يتسلل من شباك حديدي صغير مرتفع.​وضعت وتين يدها على صدرها المجهد، تنشج بصمت وتلمس آثار أصابعه التي لا تزال تطبع القسوة على معصميها وعنقها. لم تكن برودة المكان هي ما يمزق روحها، بل طعم الظلم المُر والإهانة التي جرعتها إياها كرمة أمام الجميع.​رفع أيهم السلسلة بيده من الخارج، وقال بصوت حاد يتخلل شقوق الباب:"هذا هو مكانكِ الحقيقي يا وتين.. هنا بين الحطب والرطوبة. ستخرجين كل صباح لخدمتي وخدمة ضيوفي، وتعودين إلى هنا لتعلمي أن كبرياءكِ لا يساوي شيئاً تحت قدمي."​لم تجبه. ضغطت على شفتيها حتى كادت تدميهما، ممتنعة عن منحه لذة الانكسار أو سماع رجائها.​سمعت خطواته الثقيلة تبتعد وتصعد درجات القبو، يعود إلى رفاهية قاطنيه وضيوفه، بينما بقيت هي تغرق في العتم
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more
الفصل السادس:
خرجت وتين من القبو البارد مع إشراقة الفجر، وجسدها يصرخ أضلاعاً وآلاماً من قسوة الليلة الماضية على التراب الرطب. كانت العلامات الداكنة التي تركها أيهم على طول عنقها وكتفها تشتعل وجعاً، لكنها أصلحت زي الخدم الرمادي ورفعت شعرها الأسود الطويل بثبات، متجاهلة نظرات الشماتة التي ترميها بها سعاد في الممرات السفلى.​وقف أيهم في شرفة مكتبه العلوي، يرتدي قميصه الأسود المعتاد، وفي يده فنجان القهوة المر. كانت عيناه الجليديتان تتابعان وتين وهي تحمل دلاء الماء الثقيلة عبر الحديقة متجهة نحو الصالة الرئيسية. رغم شحوب وجهها والإرهاق الصارخ تحت عينيها، إلا أن خطواتها لم تكن خطوات امرأة مكسورة؛ كان تمردها الصامت يشتعل في أعماقه، ليذكره بفشله في إخضاعها بالكامل.​في الصالة الرئيسية، كانت وتين تجثو على ركبتيها لتمسح الأرضية الرخامية الباردة. كانت الأصابع الناعمة تكتوي بماء التنظيف، لكن عقلك كان يعمل بسرعة. كلام مريم عن تردد سعاد على جناح الضيوف قبل اختفاء العقد لم يكن مجرد صدفة؛ كان خيط اللعبة الوحيد.​"أسرعي يا هذه!" جاء صوت أم سعد الصارم من خلفها، وهي تحثها ببرود: "أمامك تنظيف جناح الباشا ومكتبه الخاص قب
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more
الفصل السابع:
أشرقت شمس الصباح التالي لتعرف بداية فصل جديد من الصراع.​غادر أيهم القصر في الصباح الباكر يرتدي بدلة داكنة خيطت خصيصاً له، تطوقه هيبة رجال الأعمال ونفوذ "الجارحي القابضة". كان يقود سيارته الفارهة باتجاه الشركة، حيث ينتظره هناك اجتماع حافل وتعيين كرمة رسميصاً كمساعدة شخصية، متجاهلاً كلياً الجحيم الذي تركه خلفه في القصر.​في القصر، ساد الهدوء الظاهري بعد مغادرة الباشا.​استغلت وتين خلو الدور العلوي وانشغال أم سعد بإعداد المؤن المطبخية، لتصعد مع مريم بخطوات حذرة نحو الممر المؤدي لجناح الضيوف والمكتب.​"سأراقب أنا الدرج،" همست مريم وهي تقف عند زاوية الممر: "إن جاءت أم سعد أو سعاد سأصدر صفيراً خفيفاً."​أومأت وتين ودخلت غرفة التحكم الصغيرة الملحقة بمكتب أيهم. كانت أنفاسها متسارعة، وأصابعها تتحرك بمهارة على شاشة المراقبة المحفوظة. أعادت الشريط إلى ليلة الحادثة، وتحديداً الساعة التي ادعت فيها كرمة سرقة العقد الماسي.​حبست وتين أنفاسها وهي تشاهد الفيديو!​ظهرت الشاشة واضحة: كرمة تخرج من جناحها وبيدها العلبة المخملية الكحلية، وتسلمها سرّاً لـ سعاد في زاوية الممر المظلمة! ثم تسللت سعاد بخفة نحو
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more
الفصل الثامن:
في الفيلا الفاخرة التي اشتراها أيهم لـ "كرمة" في أرقى أحياء المدينة ، كانت أضواء الشموع تكتسي القاعة الذهبية بدفء خادع. انسابت الموسيقى الهادئة في الأرجاء، بينما كانت زجاجات النبيذ المعتق تتصدر الطاولة الرخامية.​كانت كرمة ترتدي فستاناً حمراً مكشوفاً، وتتمايل بدلال حول أيهم الذي كان يجلس على أريكة جلدية عريضة، يخلع سترة بدلته الداكنة ويحل الأزرار الأولى لقميصه الأبيض. في يده كأس من الخمر يرتشف منه بجرعات متتالية، وعيناه الزرقاوان تغرقان في ضباب السكر والشرود.​اقتربت كرمة وجلست على ركبتيها أمامه، تضع يديها المطلية بالأحمر الفاقع على ساقيه، وتهمس بنبرة مسمومة:"أيهم عزيزي.. لم أرَك بهذه الحيرة من قبل. هل تشغل بالك معاملات الشركة، أم أنك لا تزال تفكر في تلك السارقة التي تركتها في قبو القصر؟"​تجمّدت حركة أيهم فوراً. وضع كأسه بقسوة على الطاولة ليحدث صدى جافاً، ثم التفت نحو كرمة بنظرة حادة يملؤها الجليد والمقت. امتدت يده القوية لتقبض على خصلات شعرها بقوة مباغتة، يجذب رأسها للخلف حتى شهقت بذهول.​"إياكِ أن تنطقي باسمها على لسانكِ يا كرمة!" زمجر أيهم بصوت خفيض بحّة النبيذ تجعله أشبه بهدير م
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more
الفصل التاسع: اقتلاع الأفاعي
​ساد القصر صمتٌ مريب، أثقل من ظلام الليل الذي يلف أركانه. كان الصوت الوحيد هو وقع خطوات أيهم على السلالم الرخامية؛ خطوات ثقيلة، حاسمة، تحمل بين طياتها نذير مجزرة لا ترحم. ​لم يعد هناك أثر للخمر في عينيه الزرقاوين. استحال السكر إلى جمر متقد، والبرود الساخر تحول إلى غضب وحشي يكاد يعصف بفرائص القصر كله. خلفه، كانت وتين تسير بخطوات هادئة وثابتة؛ لم تبتسم، ولم تظهر أي علامة انتصار خفيف، بل اكتفت بنظرة كبرياء نارية وهي تترقب القصاص. ​نزل أيهم إلى الملحق السفلي حيث تقيم الخادمات. وبدون أن يطرق باباً، دفع الباب الخشبي بقدمه الفولاذية ليتحطم قفله بحركة واحدة أحدثت دوياً كالصاعقة. ​استيقظت الخادمات مذعورات. قفزت أم سعد من مضجعها وهي ترتجف، بينما شحب وجه سعاد وصارت كجثة هامدة فور أن التقت عينها بعيني أيهم المشتعلتين. ​"باشا! ماذا حدث؟!" تلعثمت أم سعد بصوت مرتجف وهي تحاول تغطية رأسها. ​لم يرُد أيهم بكلمة. تقدم خطوتين كالمارد الضخم، وامتدت يده الفولاذية كالمرساة لتقبض على شعر سعاد وتقتلعها من مضجعها بقوة وحشية، تجرها على الأرضية الحجرية وسط صراخها المكتوم ورعب الخادمات. ​"الباشا! الرحمة يا ب
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more
الفصل العاشر
ساد الهدوء أرجاء الجناح الرئيسي بعد طوفان الغضب الذي عصف بالقصر. غادر أيهم نحو شركته لمتابعة أعماله المتشابكة مع جسار وشاهين، تاركاً وتين في الغرفة الفسيحة التي استعادتها. ​جلست وتين على طرف السرير الملكي، وتطلعت إلى المرآة الفخمة ذات الإطار المذهب. كانت ملامحها ناصعة، لكن عينيها الكحيلتين تحملان ثقلاً من الذكريات القديمة التي أبقتها دفينة في أعماقها. ​ارتجفت شفتها بابتسامة باهتة وهي تعود بذاكرتها إلى أعوام مضت... إلى أيام المراهقة والصبى. ​[فلاش باك: ذكريات الصبى ومرارة الحاضر] ​كانت وتين في السابعة عشرة من عمرها، تصعد شرفة منزل والدها القديم، تراقب من بعيد شاباً أسمر القامة، أشقر الشعر، حاد الملامح، يفيض بالرجولة والسطوة منذ صغره.. كان أيهم الجارحي. ​كانت تتأمل خطواته الثابتة، وضحكته القليلة التي تزين وجهه الصارم، وتتمنى في سرها أن تلمس تلك النظرة الجليدية شذراً من العطف نحوها. غزل تفكيرها الغرير أحلاماً وردية عن فارس يحميها ويغمرها بعشقه، وكانت تضع يدها على قلبها كلما مرّ طيفه بالقرب من بيتها. ​لكن الأحلام الوردية تحطمت كـ زجاج هشمته الأيام؛ حين وقع والدها في فخ الديون المترا
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status