Share

الفصل 5

Author: أثر
فتحت سهى الصورة. كانت القلادة التي أهداها لها جلال في الذكرى العاشرة لعلاقتهما.

كانت قلادة شوميه المصممة خصيصًا لها، وكان الياقوت الأحمر في أعلاها يلمع ببريق أخّاذ حتى في الصورة.

عندما أهداها إياها، انبهرت سهى أيضاً بتلك الروعة، لكن كلمات والدة جلال جاءت بعد ذلك مباشرة:

"يا لها من ذكية! عرفت أن المال قد يُستعاد منها، فجعلت ابني يهديها المجوهرات بدلًا من المال."

"لم أتوقع أن تتمكن يتيمة مثلكِ من التفكير بمثل هذه الحيلة."

تغيّر وجه جلال، لكنه نظر إلى أمه بنظرة عاجزة فقط وقال بنبرة عتاب خفيفة: "أمي..."

رفضت سهى طلب جلال بمساعدتها على ارتدائها، بل احتفظت بها بكل حنان داخل الخزانة الآمنة.

كانت تخرجها أحياناً لتنظر إليها فقط.

أما الآن، فلم يعد يهمها أن تستعيدها.

ردّت: "اتركها عندك مؤقتاً، سنتحدث لاحقاً."

بعد إرسال الرسالة، غرقت في نوم عميق.

عندما استيقظت، كان جلال جالساً بجانب السرير.

ما إن فتحت عينيها حتى قال بصوتٍ مبحوح: "استيقظتِ؟"

"جئتُ لأطمئن عليكِ، وأحضر لكِ القلادة أيضاً."

لم تنهض سهى، بل أخذت القلادة ووضعتها على الطاولة بلا مبالاة.

"أرهقتَ نفسك، لم يكن عليك أن تأتي بها في وقت متأخر كهذا."

هزّ جلال رأسه: "هذه القلادة لها معنى مختلف."

أمسك بيد سهى وقال: "كلما نظرتُ إليها تذكّرت كل اللحظات التي قضيناها معاً."

"مررنا بالكثير من العواصف والمحن، والآن نتخاصم ونقاطع بعضنا بسبب أمر تافه..."

تحدث وكأن غصّة علقت في حلقه.

"حقاً لا يستحق."

تذكّرت سهى أياماً سابقة.

جلال الذي قاد السيارة ليلاً ليحضر لها الدواء عندما أصيبت بالحمى، وكاد يتعرض لحادث؛

عندما ذهبا إلى المعبد، قال راهب إنها ستعيش حياة مليئة بالوحدة والشقاء، فأصرّ جلال على أن يسير خطوةً خطوة، وأن يلامس الأرض بجبهته عند كل خطوة، داعياً لها بإخلاص.

حتى احمرّت جبهته وتورّمت، ونزفت ركبتاه، لكنه ظلّ يغلق عينيه بإخلاص:

"أرجو أن تنعم سهى بالأمان طوال حياتها، وأن تعيش سعيدة هانئة."

عندما اكتشفت إصابتها بسرطان الرحم ولم تعد قادرة على الإنجاب، قام جلال بعملية قطع القناة المنوية، وأعلن ذلك لوالدته.

كم كانت تلك الأيام جميلة...

سحبت سهى يدها. كانت آثار الكدمات الزرقاء وعلامات الإبر واضحة على ظهر يدها.

لكن جلال تجاهل ذلك كله وقال لها:

"جمانة تعاني كثيراً في الفندق، وتناولت طعامًا جاهزًا وأصيبت بالإسهال ودخلت المستشفى."

"هل تأتين معي إلى المستشفى لنُعيد جمانة إلى المنزل؟"

قالت سهى بصوت هادئ وبارد:

"وأين ستسكن بعد إعادتها؟ جلال، لقد أخبرتك سابقاً أنني سأبيع المنزل."

عبس جلال قليلاً: "متى؟ ولماذا تريدين بيع المنزل فجأة؟"

تنهّدت سهى: "في يوم عيد ميلاد جمانة."

"أخبرتك من قبل أنني سأنتقل."

ضمّ جلال شفتيه بقوة ولم يتكلم.

ساد الصمت بينهما.

بعد لحظات، نهض جلال: "حسناً، استريحي جيداً. سأذهب إلى المستشفى لأرى جمانة."

"لا ينبغي أن تبقى جمانة وحدها وهي مريضة."

بعد أن سمعت صوت إغلاق الباب، انتظرت سهى قليلاً، ثم نهضت وحذفت بصمة جلال من قفل الباب.

عادت إلى السرير واستلقت، وأغمضت عينيها.

لم تنم طوال الليل.

في الصباح، عندما نهضت سهى، شعرت بدوار فاصطدمت بالطاولة الصغيرة بجانب السرير.

سقطت القلادة على الأرض.

خشية أن تتلف القلادة ويصعب إرجاعها إليه، أمسكت بها وفحصتها بعناية، فاكتشفت سطرًا منقوشًا في داخلها:

"LOVE J"

فكّرت سهى للحظة، ثم نهضت وفتحت الخزانة الآمنة.

وجدت قلادتها الخاصة موضوعة هناك بسلام، والفرق الوحيد أنها منقوش عليها "LOVE S"

J...جمانة.

صاحبة هذه القلادة...واضحة تماماً.

ظلت سهى تنظر إليها طويلاً، ثم ابتسمت فجأة.

ابتسمت، ثم اغرورقت عيناها بالدموع.

اتضح أن يوم الذكرى الذي احتفلت به مع جلال، كان هو نفسه يومًا يحمل ذكرى خاصة بين جلال وجمانة.

مسحت سهى دموعها، لفّت القلادتين بعناية، وذهبت إلى المستشفى.

وصلت إلى باب الغرفة، توقفت، أخذت نفساً عميقاً عدة مرات، ثم رفعت يدها لتدفع الباب.

جاء صوت جلال من الداخل:

"معكِ يا جمانة فقط أشعر بالراحة والهدوء."

"ربما بسبب طفولتها غير السعيدة، دائماً ما تكون سهى مثقلة بالهموم."

"هي حساسة وشكاكة، ومستقلة جداً... ومع مرور الوقت لا بد أن أشعر بالضغط."

ارتجفت يد سهى بشدة، بينما واصل جلال حديثه.

"أنتِ مختلفة عن أختكِ، أنتِ مشرقة ومبهجة..."

قبل أن يكمل كلامه، استدارت سهى وركضت بعيداً.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • كأن القلب يعود إلى الظل القديم   الفصل 24

    رفع جلال رأسه، وكانت عيناه محتقنتين بالدم، وتحملان آخر خيط من الأمل.جلسا في الفناء الصغير للنزل، على المقعد الحجري البارد.لم تُمهّد سهى للكلام، بل قالت مباشرة:"يا سيد جلال، خضعتُ للعلاج بالصدمات الكهربائية لأني أردت أن أنسى بعض الأمور المؤلمة جدًا.""رغم أن دفتر الملاحظات سجّل بعض المقاطع، إلا أنها بالنسبة لي كقصة شخص آخر من حياة سابقة. لا أشعر بالحب الذي تتحدث عنه، ولا بالكراهية التي تتحدث عنها."توقفت لحظة، ونظرت إلى أضواء النزل الدافئة البعيدة، فأصبح صوتها ناعمًا وحازمًا:"أنا سعيدة جدًا الآن. منصور يعاملني بلطف كبير، وهذه الحياة تمنحني الهدوء والرضا. هذا كل ما أريده.""لذلك...أرجوك أن تتركني."استدارت ونظرت إليه بعينين صافيتين:"لا تحاول إيقاظ تلك الذكريات بعد الآن. حتى لو تذكرتُ، فإن تلك الآلام ستعود معها. هل تريد لي ذلك؟"كأن جلال أصيب بصاعقة.هل يريدها أن تتذكر؟أن تتذكر خيانته، ومكائد جمانة، وتلك الأيام الوحيدة في المستشفى، وذلك العلاج بالصدمات الكهربائية اللعين الذي وافق عليه بيده...لا. كيف يمكن أن يكون بهذه الأنانية؟نظر إليها الآن، وقد عاد النور إلى عينيها أخيرًا، والابت

  • كأن القلب يعود إلى الظل القديم   الفصل 23

    نظرت سهى إليه، وعيناها صافيتان، لكنهما تحملان مسافة واضحة.هزّت رأسها بلطف، وقالت بنبرة هادئة تكاد تكون قاسية:"يا سيد، أظن أنك أخطأت في الشخص. أنا لا أعرفك."ثم توقفت لحظة وأضافت:"علاوة على ذلك، هذا هو بيتي، ولن أذهب إلى أي مكان آخر."كان ذلك النداء البسيط "يا سيد" كأنه إبرتان باردتان تغرسان في قلب جلال.هي لا تعرفه...هي تقول إن هذا هو بيتها...اجتاحه يأس وذعر هائلان كالمدّ. بعد أن بحث عنها بكل ما أوتي من قوة، وتحمّل عذابًا يشبه الجحيم، وبعد أن وجدها أخيرًا، لم يحصل إلا على هذه الكلمات الباردة: "لا أعرفك".مدّ منصور يده وأحاط بكتف سهى بلطف، ثم قال لجلال أمرًا بالمغادرة:"يا سيد، إذا لم تكن هنا للإقامة، فالرجاء عدم إزعاج ضيوفي و...خطيبتي."خطيبتي...اهتز جسد جلال بعنف، وأصبح وجهه شاحبًا كاللون الأبيض في لحظة.حدّق في سهى بشدة، يبحث عن أي أثر للتمويه على وجهها، لكنه رأى فقط أنها اقتربت قليلاً من منصور، بثقة واعتماد كاملين.جاء، ليكتشف أنه خرج من المنافسة منذ زمن طويل.بل نُسي تمامًا وبلا رجعة.كان هواء مدينة الزمرد الخريفي البارد في هذه اللحظة كالسّكين، يشقّ أنفاسه ويحطم الهدوء الذي نا

  • كأن القلب يعود إلى الظل القديم   الفصل 22

    كانت علاقة سهى ومنصور مثل ربيع مدينة الزمرد. ذاب الجليد وعادت الحياة إلى كل شيء، وجاء كل شيء بشكل طبيعي ودافئ.لم يكن هناك اعتراف صاخب أو إعلان يهزّ العالم. فقط في مساء هادئ عند الغروب، بعد أن عادا معًا من تفقد مسار المشي الجديد الذي أنشآه، أمسك منصور يدها بعفوية. توقفت سهى للحظة، ثم هدأت، وشدت على يده بدورها.كانت حرارة أصابعهما المتشابكة تقول ما عجزت كل الكلمات عن قوله.منذ ذلك اليوم، بدت الأيام كأنها مغموسة في العسل.كانا يديران النزل معًا، ويخططان للمسارات السياحية، ويستقبلان الضيوف من كل مكان.في أوقات الفراغ، كان منصور يقودها على الدراجة النارية إلى أعماق المروج لرؤية الزهور البرية المتفتحة؛أو عندما تنهمك في العمل على المكتب، يضع بصمت كوب شاي الزهور العطرية الذي تحبه.ازدادت الابتسامات على وجه سهى، وذلك الاسترخاء والسعادة النابعان من أعماق القلب جعلاها تتألق بنور ناعم.كانت تكاد تنسى ذلك الماضي المغطى بالضباب. وُضع دفتر الملاحظات في قاع الصندوق، وتراكم عليه الغبار. مدينة الزمرد، ونور الشمال، ومنصور...شكّلوا حاضرها كله، الحقيقي والسعيد.حتى ذلك اليوم بعد الظهر.بعد مطر خريفي، كان

  • كأن القلب يعود إلى الظل القديم   الفصل 21

    مع الزيادة المفاجئة في أعداد الزوار وتصاعد الاهتمام، أصبحت سهى ومنصور بحاجة إلى تعاون أكثر قربًا.كانا يناقشان معًا كيفية تحسين الخدمة، وكيفية التعامل مع مقابلات الإعلام، وكيفية تلبية احتياجات المزيد من السياح مع الحفاظ على طابع النزل الخاص.مع مرور الأيام في العمل والحياة اليومية، كانت سهى تشعر بوضوح أن منصور لم يعد يخفي مشاعره تجاهها كما كان من قبل.كان يعرف أن معدتها حساسة، فيُدفئ لها كوب حليب كل صباح بصمت؛وكان عندما تسهر لترتيب الوثائق، يضع بهدوء مصباحًا مريحًا للعين وفاكهة مقطعة إلى جانبها؛وعندما كان السياح يمازحونهما قائلين: "صاحب النزل وزوجته مناسبان جدًا!"، كان منصور يحمرّ خجلًا، لكنه لا يجيب، بل يكتفي بأن يلقي عليها نظرة خاطفة.كانت هذه المشاعر دفئًا بسيطًا ومباشرًا ومستمرًا مع مرور الوقت.قلب سهى الذي كان متجمدًا بدأ يذوب ببطء، قطعة بعد قطعة، تحت شمس مدينة الزمرد النقية وثلوجها الصافية، وتحت اهتمام منصور العفوي والصادق.وجدت نفسها تتطلع كل صباح إلى رؤية صورته وهو منشغل بالعمل، وتشعر بتموجات حلوة خفيفة في قلبها عندما يبتسمان لبعضهما بعد أن ينجزا عملًا بانسجام.لم تعد تقاوم،

  • كأن القلب يعود إلى الظل القديم   الفصل 20

    حدثت نقطة التحول في أواخر الخريف.في تلك السنة، شهدت مدينة الزمرد ظاهرة شفق قطبي استثنائية لم تشهدها المنطقة منذ عقود.كانت أشرطة الضوء الخضراء والبنفسجية ترقص في سماء الليل كأنها لوحة من عالم الأحلام.اغتنمت سهى الفرصة دون تردد.عملت ليل نهار، وأعدت نصوصًا ومواد فيديو ترويجية تحت عنوان "البحث عن شفق الشمال"، وتواصلت مع مدوني السفر الذين سبق أن تعاونت معهم، فحوّلت نزل "نور الشمال" إلى وجهة مثالية لمشاهدة الشفق القطبي."تعالوا إلى نور الشمال، واستلقِ على سريرك لتشاهد الشفق!" — شعار مليء بالإغراء.في لحظة، توافدت إلى البلدة الهادئة أعداد كبيرة من السياح الباحثين عن الشفق.أما نزل "نور الشمال"، الذي كان قد استعد لهذه الموجة جيدًا، فقد امتلأ تقريبًا كل يوم، وامتدت قائمة الحجوزات لشهرين قادمين.كان منصور منشغلًا طوال الوقت حتى كاد لا يجد لحظة لالتقاط أنفاسه، وسهى تدير كل شيء من الداخل والخارج: من استقبال الضيوف إلى تخطيط الأنشطة، وحتى الطبخ أحيانًا عندما ينقص الموظفون.كانت مشغولة، لكن وجهها يحمل احمرارًا صحيًا، وعيناها لامعتان. كان ذلك شعورًا عميقًا بالرضا بعد أن وجدت قيمتها الذاتية.بعد ا

  • كأن القلب يعود إلى الظل القديم   الفصل 19

    كانت سماء مدينة الزمرد زرقاء صافية ورحبة على نحو لم تره سهى من قبل.كان الهواء يحمل عبق الصنوبر المنعش ورائحة التراب العطرة، مختلفًا تمامًا عن رائحة عوادم المدن الكبيرة والخرسانة والحديد.استأجرت منزلًا قديمًا بفناء صغير على أطراف البلدة الصغيرة. كان في الفناء شجرة بتولا بيضاء عتيقة.كل صباح، كانت تستيقظ على أصوات الطيور، وعندما تفتح النافذة ترى الجبال البعيدة ذات اللون الضبابي الداكن.تعلّمت من أهل البلدة الذهاب إلى السوق لشراء الخضروات الطازجة، وتطبخ بنفسها، وأحيانًا تتعلم من الجارات كيفية تخليل الخضروات بالطريقة المحلية وخياطة البطانيات القطنية السميكة.كانت تقلب دفتر الملاحظات أحيانًا، لكن تلك الذكريات عن "جلال" و"جمانة" كانت تبدو كقصة غريبة، لا تثير في قلبها سوى تموجات خفيفة.كان العلاج بالصدمات الكهربائية كمحاية ناعمة، طمست تلك الآلام الحادة، ولم تترك سوى آثار باهتة.كانت تحب هذا الهدوء كثيرًا.لم تعد مضطرة إلى التضحية من أجل أحد، ولا أن تخشى أن يتخلى عنها أحد، ولا أن تعيش في المقارنات والحقد.شعرت وكأن طبيعة مدينة الزمرد الصافية قد غسلت قلبها، فأصبح واسعًا وهادئًا.وكثيرًا ما كا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status