Short
كأن القلب يعود إلى الظل القديم

كأن القلب يعود إلى الظل القديم

By:  أثرCompleted
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
24Chapters
148views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في أول جلسة خضعت فيها سهى الغامدي للعلاج بالصدمات الكهربائية المعدّل، لم يكن بجانبها أحد. حتى خطيبها جلال البدري، الرجل الذي أحبته بعمق، لم يكن حاضرًا. بعد أن حقنها الطبيب بمُرخّي العضلات، غابت في حالة من الدوار والنعاس، وعادت ذاكرتها إلى ذلك المساء. كانت قد عادت إلى المنزل وهي تحمل كعكةً انتظرت ثلاث ساعات في الطابور لشرائها، أرادت أن تفاجئ جلال، لكنها وجدت أمامها مشهدًا صادمًا: جلال وشقيقتها جمانة الغامدي يتبادلان القبلات. كانا يتبادلان القبلات بشغف، متعانقين وكأنهما لا يريدان الابتعاد عن بعضهما. سقطت الكعكة من يد سهى على الأرض وقد تشوه شكلها تمامًا، فصفعت جلال على وجهه. لكن جمانة دفعتها بقوة، فسقطت سهى من أعلى الدرج.

View More

Chapter 1

الفصل 1

بينما كانت سهى تتدحرج إلى أسفل الدرج، شعرت في أعماق قلبها بإحساس لم يكن غريبًا عليها.

ففي النهاية، كانت جمانة تنتزع من سهى كل شخص يقترب منها.

كانت جمانة فتاةً مفعمة بالحيوية والدفء، كأنها شمس صغيرة تنشر نورها من حولها.

أما سهى، الصامتة والمنعزلة، فكانت كما يوحي اسمها، كظلٍّ لا يكاد يلاحظه أحد.

منذ اللحظة الأولى التي رأى فيها جلال جمانة، انتاب سهى شعور سيئ لا يمكن تفسيره.

في ذلك الوقت، كانت تحاول طمأنة نفسها: عشر سنوات من الحب بينها وبين جلال، لا يمكن أن يحدث ذلك أبدًا.

لكن الواقع صفع سهى بقسوة.

نقلها جلال إلى المستشفى، وبقي بجانب سريرها. كان يخشى أن تكون يدها باردة بسبب المحلول، فطلب من الممرضة كيسًا دافئًا ليضعه بجانب يدها.

"لم تكن تلك القبلة سوى حادثة عابرة."

وأضاف جلال:

"لقد رأيتها للحظة كأنها أنتِ...أنتِ حين كنتِ أصغر سنًا، المرحة والمنفتحة."

"سهى، أنتِ شديدة الاستقلال، وقليلة التعبير عن مشاعرك...لطالما شعرتُ أن وجودي في حياتك لم يعد مهمًا."

"لن يحدث هذا مرة أخرى...إنها أختكِ في النهاية، وما زالت صغيرة. لا داعي لأن تحملي ضغينة ضدها، أليس كذلك؟"

خفضت سهى عينيها، ثم ضحكت فجأة.

"أنت تقول لي كل هذا فقط لأنك تخشى أن أطرد جمانة، أليس كذلك؟"

توقف جلال للحظة، وشدّ على يد سهى قائلًا:

"سهى، أعلم أنك ما زلت غاضبة الآن. لا بأس، سأبقى معك دائمًا حتى تهدئي."

سحبت سهى يدها منه، ثم استدارت وأدارت ظهرها له.

سمعت سهى تنهيدة جلال، وكأنه يتعامل مع طفلة لا تفهم شيئًا.

في تلك اللحظة، رن هاتفه، وسمعت سهى بوضوح صوت جمانة من الطرف الآخر:

"جلال، أنا وحدي في المنزل وأنا خائفة جدًا...هل يمكنك العودة والبقاء معي؟"

"لم أكن أقصد دفع أختي، لكنّها صفعتك، وهذا جعلني أشعر بالألم من أجلك."

"بعد ذلك هدأت وفكرت في الأمر...أنا متأكدة أنني لم أدفعها بقوة، لا أعرف لماذا سقطت هكذا."

هدّأها جلال بصوت منخفض لبضع كلمات، ثم قال لسهى:

"حدث أمر طارئ في الشركة، سأذهب قليلًا وأعود."

وغادر المستشفى مسرعًا.

لكن حتى اليوم الذي خرجت فيه سهى من المستشفى، لم يعد جلال إليها مرة أخرى.

لم تكن إصابة ساق سهى قد شُفيت تمامًا، لكنها غادرت المستشفى لأنها لم تعد ترغب في استقبال المزيد من الزائرين.

خلال تلك الأيام، جاء لزيارتها أشخاص كثيرون، لكن كلامهم كان متشابهًا تمامًا.

كلهم طلبوا منها أن تسامح جمانة.

لم تكن تعرف ماذا قالت لهم جمانة.

فأصدقاؤها وزملاؤها في العمل كانوا يرمقونها بنظرات اللوم.

"جمانة مجرد طفلة، مهما كانت أمها سيئة، لا يمكنكِ تفريغ غضبك على طفلة."

"أنتِ أختها الوحيدة، والشخص الوحيد المتبقي لها في هذا العالم. إذا كنتِ أنتِ أيضًا تحملين موقفًا ضدها، فستصبح وحيدة تمامًا بلا أحد."

عندما سمعت سهى كلمات صديقتها المقربة لينا السبيعي تتحدث بهذه القناعة، شعرت ببرودة تسري في قلبها.

الغضب؟ نعم، كان لديها غضب.

لكنها لم تُقصّر يومًا مع جمانة ولو قليلًا. بل عندما أرادت جمانة الدراسة في الخارج، وفرت لها الرسوم الدراسية، وأرسلتها إلى الخارج منذ المرحلة الثانوية.

كان الجميع قد تناسوا ضمنيًا أن والدهما المشترك، نزار الغامدي، ترك سهى وهرب مع والدة جمانة بعد أقل من ثلاث سنوات على ولادتها، واستولى على جميع ممتلكات العائلة ثم اختفى.

ولم يترك لسهى ووالدتها سوى ديون ثقيلة أثقلت كاهلهما.

حوّلت والدة سهى ضغينتها لزوجها إلى ابنتها، فكانت تعمل جاهدة لإعالتها، لكنها في الوقت نفسه كانت توبخها باستمرار.

اجتهدت سهى في دراستها، ودخلت جامعة مرموقة، ثم التحقت بشركة كبرى، والتقت بجلال، وبدأ كل شيء يسير في الاتجاه الصحيح.

لكن عائلة الغامدي ظهرت فجأة ومعها جمانة.

"نزار وزوجته تعرضا لحادث سيارة، ولم يبقَ لهما سوى هذه الطفلة التي أصبحت بلا سند."

"عمرها ثلاثة عشر عامًا، وبحسب صلة الدم أنتِ أختها. ومن واجبك تربيتها حتى تبلغ سن الرشد."

أما نزار، والدها، فلم يتصل بها طوال هذه السنوات ولو مرة واحدة، ولم يرسل لها أي مال.

لكن الآن، وبموجب القانون، كان عليها أن تعتني بابنة الشخص الذي تسبب في كل هذا الألم لها.

لم يكن أمام سهى خيار آخر، فأعادت جمانة إلى منزلها.

كانت سهى في العشرين من عمرها فقط، لكنها اضطرت إلى الاعتناء بأختها الصغرى وكأنها أم لها.

أحيانًا، عندما كان عملها مزدحمًا للغاية، لم يكن أمامها سوى اصطحاب جمانة معها إلى الشركة.

كان والدا جمانة قد دللاها كثيرًا، لذلك نشأت فتاة مشرقة ومنفتحة.

بدأ أصدقاء سهى وزملاؤها في البداية ينفرون منها، ثم بدأوا تدريجيًا يحبون هذه الفتاة.

"أختكِ محبوبة أكثر منكِ بكثير."

سمعت سهى هذه الجملة أكثر من مرة.

والآن، حتى الشخص الذي أحبته لعشر سنوات أصبح يظن الشيء نفسه.

"سهى... استيقظي..."

وسط ضباب أفكارها، كان هناك شخص ينادي اسمها بلطف.

انقطعت أفكار سهى، وفتحت عينيها، لتكتشف أن الجلسة العلاجية قد انتهت.

نهضت، فأزالت الممرضة الأجهزة من رأسها.

وقالت لها، "خلال هذه الفترة قد تلاحظين انخفاضًا في الذاكرة، وهذا أمر طبيعي. احرصي على تنظيم نومكِ وراحتكِ."

"ولا تنسي موعد الجلسة القادمة."

أومأت سهى برأسها، ثم دوّنت كل ما قالته الممرضة في دفترها الصغير الذي تحمله معها دائمًا.

مع زيادة عدد جلسات العلاج بالصدمات الكهربائية، ستبدأ تدريجيًا في نسيان الكثير من الأمور.

لذلك كتبت كل الأشياء المهمة التي تحتاج إلى القيام بها في دفترها.

حاولت استرجاع ذكرياتها، لكنها وجدت أن الماضي أصبح كأنه مغطى بضباب كثيف. كانت تراه وكأنها مجرد متفرجة، بهدوء وعقلانية.

في بداية قائمة التعليمات، وجدت أمرين مكتوبين باللون الأحمر العريض:

الأول: نقل سجل إقامة جمانة.

الثاني: الانفصال عن جلال.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
24 Chapters
الفصل 1
بينما كانت سهى تتدحرج إلى أسفل الدرج، شعرت في أعماق قلبها بإحساس لم يكن غريبًا عليها.ففي النهاية، كانت جمانة تنتزع من سهى كل شخص يقترب منها.كانت جمانة فتاةً مفعمة بالحيوية والدفء، كأنها شمس صغيرة تنشر نورها من حولها.أما سهى، الصامتة والمنعزلة، فكانت كما يوحي اسمها، كظلٍّ لا يكاد يلاحظه أحد.منذ اللحظة الأولى التي رأى فيها جلال جمانة، انتاب سهى شعور سيئ لا يمكن تفسيره.في ذلك الوقت، كانت تحاول طمأنة نفسها: عشر سنوات من الحب بينها وبين جلال، لا يمكن أن يحدث ذلك أبدًا.لكن الواقع صفع سهى بقسوة.نقلها جلال إلى المستشفى، وبقي بجانب سريرها. كان يخشى أن تكون يدها باردة بسبب المحلول، فطلب من الممرضة كيسًا دافئًا ليضعه بجانب يدها."لم تكن تلك القبلة سوى حادثة عابرة."وأضاف جلال:"لقد رأيتها للحظة كأنها أنتِ...أنتِ حين كنتِ أصغر سنًا، المرحة والمنفتحة.""سهى، أنتِ شديدة الاستقلال، وقليلة التعبير عن مشاعرك...لطالما شعرتُ أن وجودي في حياتك لم يعد مهمًا.""لن يحدث هذا مرة أخرى...إنها أختكِ في النهاية، وما زالت صغيرة. لا داعي لأن تحملي ضغينة ضدها، أليس كذلك؟"خفضت سهى عينيها، ثم ضحكت فجأة."أنت ت
Read more
الفصل 2
تذكّرت سهى أنها أنهت بالفعل إجراءات نقل سجل إقامة جمانة قبل بدء العلاج.فتحت سهى هاتفها، فوجدت أن آخر محادثة لها مع جمانة لا تزال عند اللحظة التي اكتشفت فيها قبلة جمانة وجلال.كانت جمانة قد طلبت منها شراء حذاء من إصدار محدود، ونادتها حينها قائلة: "أختي."عندما بلغت سهى الثامنة عشرة، كانت تمر بضائقة مالية شديدة، حتى إنها لم تكن تجرؤ على شراء ملابس يتجاوز سعرها مائة فقط.كانت تعرف أن الفتيات يهتممن بمظهرهن، وأن فتيات هذا العمر يكنّ شديدات التمسك بكرامتهن.لذلك حولت لها المال دون أن تقول شيئًا.أخذت جمانة المال بصمت، ولم ترد عليها بكلمة واحدة.تنهدت سهى، وأغلقت نافذة المحادثة معها، ثم فتحت محادثتها مع جلال.وكانت آخر محادثة بينهما تعود أيضًا إلى اليوم التالي لدخولها المستشفى.كان قد كتب لها: "أنا قلق عليكِ جدًا."ومنذ دخولها المستشفى وحتى خروجها، مرورًا بحجز موعد العلاج بالصدمات الكهربائية وإجراء الفحوصات وإنهاء الجلسة الأولى، كان قد مضى ما يقارب نصف شهر.لم تكن تعرف إلى أي مدى كان جلال قلقًا عليها.لكنها عرفت ذلك في اللحظة التي عادت فيها إلى المنزل وفتحت الباب. فما رأته كان جلال وأصدقاؤه
Read more
الفصل 3
"أوووو..."فجأة، قطع صوت بكاء جمانة الصمت الذي كان يخيم على المكان.كانت عيناها حمراوين من شدة البكاء، وتتساقط منهما الدموع بغزارة، وأنفها أحمر متورم.بدت في غاية البؤس والضعف."أختي...هل تريدين طردي حقاً؟"غطت جمانة فمها بيدها، ونظرت إلى جلال بعينين تحملان مزيجًا من الصدمة والحيرة."جلال، ماذا أفعل؟ لقد وعدتني أن تشرح لأختي الأمر، لكنها ما زالت لا تصدقني."ربّت جلال على رأسها بلطف ليطمئنها، ثم شدّ على فكه، ونظر إلى سهى بنظرة ثابتة.انعكس نفاد صبره بوضوح في تقطيب حاجبيه وضمّ شفتيه بإحكام.شعرت سهى فجأة بالعجز الشديد.لم تكن كلماتها التوضيحية قد خرجت من فمها بعد، حتى خنقتها اتهامات أصدقائها."سهى! تصرفكِ هذا مبالغ فيه جداً!""أنتِ تطردين جمانة، فأين ستذهب؟""فتاة صغيرة تعيش وحدها في الخارج، ماذا لو حدث لها شيء؟ هل تتحملين ذلك؟"قالت لينا بتعبير ينمّ عن عدم الارتياح، مدافعة عن جمانة:"كفى يا سهى، انظري إلى جمانة وهي تبكي بهذا الشكل. هي ما زالت صغيرة جداً، فكيف تطردينها؟"نظرت سهى إلى صديقتها القديمة التي رافقتها منذ سنوات شبابها. تذكّرت كيف بعد أن خسرت لينا جميع مدخراتها بسبب عملية احتيا
Read more
الفصل 4
مرّ الجميع بجانب سهى، ثم أُغلق الباب بعنف، فدوّى صوت إغلاقه.وظلّ الباب يتأرجح ذهابًا وإيابًا مصدراً صوت صرير.وكان صوت جمانة المبتعد يملأ المكان بضحكتها المرحة: "يييه! شكراً يا جلال! أنتم الأفضل بالنسبة لي."ثم عاد كل شيء إلى الهدوء التام.بقيت سهى وحدها في الصالة الفارغة، تنظر بهدوء إلى كعكة الكريمة الفاخرة على الطاولة واللافتة المعلقة.كُتب عليها بخط كبير: "عيد ميلاد سعيد يا جمانة!"مدّت سهى أصابعها وكأنها كانت مسحورة، وأخذت قليلاً من الكريمة. كانت حلوة...حلوة إلى درجة جعلت قلبها يتذوق المرارة.تذكّرت سهى طفولتها فجأة. كانت جدّتها هي الوحيدة التي تتذكر عيد ميلادها، وكانت تأتي لها بتلك الكعكات الصغيرة.رحلت جدّتها، وفقدت آخر شخص كان يحبّها في هذا العالم.والآن، حتى آخر ذكرى تركتها لها جدّتها — هذا المنزل — ستضطر إلى بيعه لتوفير تكاليف العلاج.منذ اللحظة التي رأت فيها جمانة وجلال يتبادلان القُبل بشغف؛ومنذ أن صفعت جلال ثم دفعتها جمانة من أعلى الدرج؛ومنذ أن استلقت وحيدة في المستشفى لا تجد حتى كوب ماء، بينما يوبّخها أصدقاؤها...اتّخذت سهى قرارها: يجب أن ترحل من هنا.لم تعد تريد أن تكون
Read more
الفصل 5
فتحت سهى الصورة. كانت القلادة التي أهداها لها جلال في الذكرى العاشرة لعلاقتهما.كانت قلادة شوميه المصممة خصيصًا لها، وكان الياقوت الأحمر في أعلاها يلمع ببريق أخّاذ حتى في الصورة.عندما أهداها إياها، انبهرت سهى أيضاً بتلك الروعة، لكن كلمات والدة جلال جاءت بعد ذلك مباشرة:"يا لها من ذكية! عرفت أن المال قد يُستعاد منها، فجعلت ابني يهديها المجوهرات بدلًا من المال.""لم أتوقع أن تتمكن يتيمة مثلكِ من التفكير بمثل هذه الحيلة."تغيّر وجه جلال، لكنه نظر إلى أمه بنظرة عاجزة فقط وقال بنبرة عتاب خفيفة: "أمي..."رفضت سهى طلب جلال بمساعدتها على ارتدائها، بل احتفظت بها بكل حنان داخل الخزانة الآمنة.كانت تخرجها أحياناً لتنظر إليها فقط.أما الآن، فلم يعد يهمها أن تستعيدها.ردّت: "اتركها عندك مؤقتاً، سنتحدث لاحقاً."بعد إرسال الرسالة، غرقت في نوم عميق.عندما استيقظت، كان جلال جالساً بجانب السرير.ما إن فتحت عينيها حتى قال بصوتٍ مبحوح: "استيقظتِ؟""جئتُ لأطمئن عليكِ، وأحضر لكِ القلادة أيضاً."لم تنهض سهى، بل أخذت القلادة ووضعتها على الطاولة بلا مبالاة."أرهقتَ نفسك، لم يكن عليك أن تأتي بها في وقت متأخر ك
Read more
الفصل 6
في طريق العودة، ظلت كلمات جلال تتردد باستمرار في ذهن سهى.كل التفاصيل التي روتها له في لحظات انهيارها العاطفي تحولت الآن إلى سكاكين حادة تطعنها واحدة تلو الأخرى.عندما سمع جلال لأول مرة عن ماضيها من فمها، سالت دموعه رغم أنه كان دائمًا يبدو قويًا.كان يشعر بالظلم الذي تعرضت له، ويحزن من أجلها.أقسم أن يمنحها السعادة.أما الآن، فكان يتحدث أمام أختها غير الشقيقة عنها بنبرة ساخرة ممزوجة بالعجز، ويشكو إليها منها.تنفست سهى بعمق كبير، وانسابت دموعها بلا توقف، وكأنها لن تنفد أبدًا.دارت الدنيا في عينيها، وأصبح التنفس صعباً.كان الألم الناتج عن غرز أظافرها في راحة يدها يساعدها على الحفاظ على قدر ضئيل من الوعي، فتماسكت حتى وصلت إلى المنزل.بعد أن تناولت الدواء، استعادت هدوءها تدريجياً.نظرت إلى القلادتين داخل الحقيبة، فقررت أن تجمع كل ما أهداه لها جلال وتطلب من شخص أن يحتفظ بها مؤقتًا.عندما ترحل، سترسله إلى جلال عبر البريد السريع داخل المدينة.اتصل بها الوسيط العقاري وديع، وقال إن هناك مشترياً.سألها عن الوقت المناسب لزيارة المنزل.حددت له سهى موعداً.كان المشتريان خطيبين على وشك الزواج.من نظ
Read more
الفصل 7
قبض جلال على كتف سهى بقوة حتى شعرت بألم يخترق عظامها، حاولت أن تطلب منه أن يتركها، لكنه لم يستجب لها.وقف الجميع ينظرون إليه وهو يعاملها بهذه الطريقة، ولم يتحرك أحد.كان من بينهم صديقتها التي أقرضتها كل مدخراتها، ومرؤوسوها الذين سهروا ليالٍ طويلة لتعديل الخطط وتعويض الأخطاء.ومع ذلك كانوا جميعًا ينظرون إليها بنفس الحقد، كأنها شخص ارتكب أبشع الجرائم."ليس أنا!""لم أرها طوال هذه الفترة أصلاً.""أما عن إصابتها بالاكتئاب، فلم أعلم بها إلا اليوم."لم تستطع لينا أن تمنع نفسها من الكلام:"ما زلتِ تقولين إنكِ لا تعلمين؟ فكيف منعتِ الأطباء، بصفتكِ وصية قانونية، من إعطائها الدواء؟""لو كانت جمانة تتناول دواءها بانتظام لما وصلت إلى هذه الحالة من الانهيار!""وما زلتِ تبررين نفسكِ حتى الآن؟ هل تعلمين أنها كادت تموت؟"عندها فقط رأت سهى جمانة ترتجف خلف جلال."جمانة؟ ماذا حدث لكِ؟"ما إن سمعت جمانة صوت سهى حتى ارتجفت بشدة، ثم تجمدت مكانها، رأسها منخفض، لا تدري ماذا تفكر.اقتربت سهى لترى ما الذي حدث لها، فإذا بجمانة تصرخ فجأة:"لا تقتربي مني!"ثم أمسكت بالأشياء القريبة منها وأخذت ترميها نحو سهى بجنون.
Read more
الفصل 8
عندما استيقظت، غمرت عينيها أضواء المستشفى البيضاء الساطعة.كان رأس سهى يكاد ينفجر من الألم. حاولت أن تنهض، لكنها اكتشفت أنها لا تستطيع تحريك جسدها.نظرت إلى أسفل فوجدَت أن أحزمة التقييد كانت تطوق جسدها بإحكام.كانت قد رأت هذه الأحزمة أثناء علاجها السابق، تُستخدم مع المرضى لمنعهم من إيذاء أنفسهم أو غيرهم في نوبات الانفعال.لكن...لماذا هي مقيدة هنا؟في تلك اللحظة فُتح الباب.ظهر جلال أمامها ببطء. لم يتكلم، بل اكتفى بالنظر إليها بنظرة معقدة."جلال، أطلق سراحي."هزّ رأسه وقال: "سهى...تعرضت جمانة لصدمة نفسية شديدة، ويقول الأطباء إن احتمال تعافيها ضئيل جدًا."ردّت سهى بسؤال: "وماذا بعد؟ لقد قلت مرارًا إن ما حدث لجمانة لا علاقة لي به.""لا حاجة لي إلى فعل مثل هذه الأمور بها."اختفت آخر ذرة من الندم في عيني جلال: "ما زلتِ لا تدركين خطأك، ولا تريدين الندم عليه.""بما أن الأمر كذلك، فلن أرحمكِ بعد الآن.""لتجربي أنتِ أيضًا معاناة علاج الاكتئاب، ولتكن تعويضًا لجمانة."بعد أن أنهى كلامه، وقّع على ورقة الموافقة التي قدمها له الطبيب."تفضل يا دكتور، ابدأ العلاج."ثم لم ينظر إلى سهى مرة أخرى.رأت سهى
Read more
الفصل 9
في حالة من الوعي الضبابي، سمعت صوتًا ينادي باسمها.فتحت سهى عينيها، فرأت ممرضة."الآنسة سهى، استيقظتِ. كيف تشعرين؟"نظرت سهى إليها بذهول، وبعد لحظات بدأت تتذكر ما حدث ببطء.كانت قد خضعت لجلسة العلاج بالصدمات الكهربائية، وهي الآن في المستشفى.أعانتها الممرضة بلطف على الجلوس، وسلّمتها أدوية المتابعة اللازمة بعد العلاج ودفتر ملاحظاتها."الآنسة سهى، يمكنكِ أن ترتاحي هنا قليلاً.""بعد انتهاء العلاج مباشرة، من الطبيعي أن تشعري ببعض عدم الارتياح."قادتها الممرضة إلى منطقة الاستراحة وأجلستها. شعرت سهى بشيء من الفراغ.كان رأسها فارغًا تمامًا، كأن شيئًا ما ينقصها.حاولت أن تتذكر، لكنها لم تستطع أن تستحضر أي شيء.استسلمت في النهاية، والتقطت دفتر الملاحظات وبدأت تتصفحه.لسبب مجهول، شعرت بنفور غريزي عندما رأت هذا الدفتر، لكن الفضول دفعها إلى الاستمرار.كان الدفتر يحتوي على الكثير من الملاحظات. إلى جانب معلوماتها الشخصية المهمة، كان اسم "جلال البدري" يتكرر كثيرًا.كيف تعارفا، وكيف اقتربا، وكيف أصبحا معًا.وكيف تحملا ضغط العائلة، ثم أعلنا خطبتهما.أما الصفحة الأخيرة فكانت شبه فارغة، لم يبقَ فيها سوى
Read more
الفصل 10
"من أنت؟"أطلّت فتاة غريبة برأسها من الباب، ونظرت إلى جلال بحذر شديد.تجمد جلال لحظة، ثم تراجع خطوة وأعاد التحقق من رقم الباب، فوجده صحيحًا.كبح الذعر الهائل الذي تصاعد في صدره، وسأل الفتاة التي أمامه:"مرحبًا...أين ذهبت صاحبة المنزل السابقة؟"بقيت الفتاة حذرة ولم تطمئن إليه: "آه، تقصد صاحبة المنزل السابقة؟""باعت لنا المنزل ثم غادرت، ولا نعرف إلى أين ذهبت.""قالت إنها ستنتقل إلى مدينة أخرى."تحقق الشعور السيئ الذي كان يعتمل في قلب جلال."هل ذكرت إلى أين ستذهب؟"هزّت الفتاة رأسها. نظرت إلى الرجل الذي بدا عليه الاستعجال، وشعرت ببعض الاحتقار في داخلها.عندما كانت تتحدث مع الآنسة سهى سابقًا، لاحظت أنها دائمًا كئيبة ومنكسرة.وعندما رتّبت المنزل، عثرت على صورة جماعية له مع الآنسة سهى.كان واضحًا لأي شخص أن الأمر يتعلق بانفصال.لا بد أن الآنسة سهى قد تأذّت.مثل هؤلاء الرجال الذين يبدون بمظهر محترم ليسوا سوى من يؤذون النساء.هزّت شفتيها بازدراء، وراقبت جلال وهو يغادر شارد الذهن، ثم أغلقت الباب بقوة.وكانت تفاصيل الأيام الأخيرة التي قضاها مع سهى تتكرر في رأسه بلا توقف.كانت قليلة جدًا...قليلة
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status