Partager

الفصل 6

Auteur: التاسع
خلال الفترة التي أقامت فيها منار في المنزل، رأت مايا جانبًا من دياب لم تعرفه من قبل.

كان يتذكر أن منار لا تأكل الكزبرة، وما إن تعقد حاجبيها حتى يبادر باستبدال الطبق الذي لا تحبه.

وفي الليالي العاصفة، كان أول ما يفعله هو الذهاب لتهدئة منار حين تفزع.

أما غرفة المكتب التي لم يسمح لمايا بدخولها يومًا، أصبحت منار تدخلها وتخرج منها كما تشاء.

عندها فقط أدركت مايا كيف يكون دياب عندما يحب شخصًا حقًا.

تذكرت كيف كانت خلال السنوات الماضية تفرح سرًا عندما كان يكبح رغبته في إيذاء نفسه أثناء نوبات اضطرابه لمجرد وجودها إلى جانبه، وكانت تظن أن ذلك دليل على أنه بدأ يحبها. يا لها من سذاجة!

وفي أحد الأيام، بينما كانت مايا تمر بجوار غرفة المكتب، لمحت بطرف عينها منار تعبث بشيء بين يديها.

توقفت مكانها، ونظرت عبر الباب الموارب ——

كانت منار تمسك تلك التعليقة المصنوعة من اليشم الأبيض اللبني، وهي الإرث الذي تركته جدة دياب له!

كانت التعليقة تتأرجح بين أصابعها، وكادت تسقط منها أكثر من مرة.

شعرت مايا بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها، فاندفعت إلى الداخل وانتزعت التعليقة من يدها.

"ماذا تفعلين؟! هذه من مقتنيات جدة دياب الراحلة، كيف يمكنكِ العبث بها هكذا..."

"وما شأنكِ أنتِ؟" قالت منار وهي تنتزعها منها بنفاد صبر.

وعندما رأت مدى توتر مايا، ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة: "يبدو أنكِ تهتمين بها كثيرًا، إذًا..."

ثم تركتها عمدًا.

"طاخ!"

سقطت التعليقة بقوة على الأرض، وانشطرت إلى نصفين.

كاد قلب مايا يتوقف.

فقد كانت أغلى ما يملكه دياب، وإرث العائلة الذي سلمته إليه جدته قبل وفاتها.

"ماذا حدث؟"

جاء صوت دياب من عند الباب، فرفعت مايا رأسها لترى وجهه القاتم وهو يحدق في الشظايا المتناثرة على الأرض.

"الآنسة مايا هي من أسقطتها." تكلمت منار أولًا، بنبرةٍ يملؤها الاستياء: "لقد التقطتها لألقي نظرة عليها، فاندفعت نحوي وانتزعتها..."

تجمدت نظرات دياب وأصبحت باردة كالصقيع: "مايا، كيف تجرؤين..."

"هناك كاميرات مراقبة في غرفة المكتب." قاطعته مايا بصوتٍ هادئ يرتجف قليلًا: "يمكنك مشاهدة التسجيل لترى الحقيقة بنفسك."

وفي لحظة، خيم الصمت على المكان.

تغير لون وجه منار، وسارعت على مضض إلى تغيير أقوالها: "آسفة يا دياب، أنا... أنا التي كسرتها عن طريق الخطأ... هل كانت مهمة جدًا بالنسبة لك؟ سأعوضك عنها بواحدة مطابقة لها."

والمثير للدهشة أن غضب دياب قد تلاشى في لحظة.

ثم أسرع إلى جانب منار، وأمسك بيدها قائلًا: "هل أصبتِ بأذى؟"

وقفت مايا هناك، تراقب دياب وهو يفحص أصابع منار بعناية، وشعرت وكأن قلبها قد انتُزع.

لم يكن أحد يعرف قيمة تلك التعليقة بالنسبة إلى دياب أكثر منها.

قبل ثلاث سنوات، عندما أضاعت والدة دياب تلك التعليقة عن طريق الخطأ، كان قد خرج لتوه من عملية جراحية في ساقيه.

ورغم حالته الصحية، ظل يبحث عنها في ليلة عاصفة لمدة ثلاث ساعات، ثم عاد ليتشاجر بعنف مع والدته، قبل أن يحبس نفسه في غرفته ويحطم كل ما تقع عليه يداه.

أما مايا، فقد خرجت وسط العاصفة الثلجية، وأخذت تفتش في أرجاء الحديقة شبرًا شبرًا، حتى فقدت أصابعها الإحساس من شدة البرد، وأخيرًا عند بزوغ الفجر، عثرت على التعليقة.

أما الآن، وبعد أن حطمت منار التعليقة عمدًا، فإن كل ما يقلقه هو إن كانت قد أصيبت بأذى.

ابتسمت مايا بسخرية من نفسها.

إذًا كان يحب منار إلى هذا الحد.

أما هي، فقد كانت ساذجة إلى حد أنها صدقت أنه سيتزوجها بعد أن يتعافى.

لقد بقيت بجانبه لأيام وليالٍ لا تُحصى، تشاهده يتألم خلال جلسات إعادة التأهيل، وتعد نفسها سرًا بأنها ستبقى معه مدى الحياة.

حتى في أحلك لحظاته، كتبت في مذكراتها أمنية سخيفة: (سأتزوجه حين يقف على قدميه من جديد.)

أما الآن، فقد بدا لها أنها لم تكن سوى أضحوكة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

لكن من حسن الحظ أنها استفاقت أخيرًا من هذا الوهم.

أما ذلك الحب الصادق الذي لم يُقدّر يومًا، فلن تهبه لأحد مرة أخرى.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره   الفصل 23

    رحلت مايا دون تردد، كما توقع الجميع.حتى هاني والآخرون تنفسوا الصعداء عند رؤيتها تغادر.كانوا جميعًا يدركون أنه لو بقيت مايا فعلًا، لربما أصبحت كل أيامها القادمة شبيهة بهذا اليوم؛ مُجبرة على تقبل حب دياب، لكنها لن تنال السعادة الحقيقية أبدًا.لعل هذا هو معنى أن يجمع القدر بين شخصين دون أن يكتمل نصيبهما؛ لقد أحب كل منهما الآخر، لكن لسوء الحظ، لم يكونا متوافقين أبدًا.عندما كانت تحبه أكثر من أي وقت مضى، لم يكن يهتم إلا بكبريائه، حتى أنه فضل تركيز كل اهتمامه على من هجرته، بدلًا من أن يخصص أي اهتمام لمن كانت تستحقه حقًا وكانت إلى جواره طوال الوقت.لكن ما إن رحلت مايا، حتى اجتاحه الندم وأراد استعادتها، لكن لا أحد في هذا العالم ينتظر إلى الأبد.وبعد أسبوع، أُقيم حفل الزفاف كما هو مقرر.لم تدعُ مايا والديها، لذا حلّ والد وائل محل والدها في ذلك المشهد.تشبثت بذراع والد وائل، فيما انسدل ذيل فستانها المنفوش على الأرض، ومن بعيد بدت كأميرة حقيقية.ورغم أن عائلة خيري هي التي تستقبل كنتها، إلا أن والد وائل شعر وهو يسير بها نحو المنصة وكأنه يزف ابنته، فمسح دموعه وقال محذرًا وائل: "أيها الشقي، إن تجرأ

  • كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره   الفصل 22

    "مايا، عيد ميلاد سعيد."أعادها صوت دياب من شرودها، فارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة، وأطرقت تخفي كل ما في عينيها من مشاعر، ثم قالت بصوتٍ هادئ: "شكرًا لك."وبينما كانت غارقة في أفكارها، امتدت أمامها قطعة من الكعكة. رفعت رأسها، فرأت وجه دياب يفيض بالابتسام."مايا، لا داعي للشكر بيننا. هذه المرة كانت التحضيرات على عجل، لكن في العام المقبل، سأقيم لكِ بالتأكيد حفلة عيد ميلاد أجمل وأفخم، ما رأيكِ؟"لم تتكلم مايا، بل أخذت قضمة من الكعكة. كان قوام الكريمة الفاخرة ناعمًا للغاية وحلاوتها معتدلة، لكنها شعرت أنها بلا أي طعم.قبضت لا شعوريًا على سوار الجمشت الذي في يدها، فصدر عنه صوت خافت مع احتكاك حباته ببعضها.في الحقيقة، لم يعجبها أي من تلك الهدايا، فما كانت تتمناه حقًا هو أن تغادر هذا المكان وتعود إلى وائل. ليته كان هنا.لقد اشتاقت إليه وتساءلت إن كان قد اكتشف مكانها الآن، أم أنه لا يزال يبحث عنها بقلق.وعندما تعود إلى المنزل، ستبقى فيه مطيعة، وأينما ذهبت ستصطحبه معها دائمًا.ربما كان هذا أول عيد ميلاد تقضيه مايا دون أي ترقب منذ لقائها بوائل.وبعد أن انتهت من تناول الكعكة وعادت إلى غرفتها، وقع

  • كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره   الفصل 21

    وبعد يومين، كان عيد ميلاد مايا.ألغى دياب جميع أعماله خصيصًا لهذه المناسبة، لكنه عندما بدأ يجهز كعكة عيد الميلاد، أدرك أنه لا يعرف عنها إلا القليل.حتى إنه لم يكن يعلم أي نكهة كعك تفضل، فلم يجد حلًا سوى شراء جميع النكهات والأنواع.وعند التفكير في الأمر، كان هذا أول عيد ميلاد يحتفل به معها بصورة حقيقية.فقبل إصابته بالشلل، كان ذلك الشاب المدلل الذي اعتاد التفوق لا يلتفت أصلًا إلى عيد ميلاد الطالبة الفقيرة التي تكفلت عائلته بمصاريف دراستها.وبعد أن جاءت لتعتني به، تغيرت شخصيته بسبب الشلل، ولم يعد يرى إلا مذلته التي انكشفت أمام الآخرين، فكان يفرغ غضبه كله فيها.ثم وبفضل رعايتها وتشجيعها، بدأ دياب يتعافى شيئًا فشيئًا، وتعلم أخيرًا أن يكف عن قسوته وأن يعامل من حوله بهدوء.لكن المؤسف أن مايا لم تكن من بين أولئك الذين شملهم ذلك الهدوء.فقد ظل يشعر بالضيق لأنها رأت ضعفه وانكساره بكل تفاصيلهما، ولم يكن يحافظ على هدوئه معها إلا بدافع رد الجميل.وحين أدرك أخيرًا حقيقة مشاعره، كانت مايا قد حزمت أمتعتها وغادرت حياته بهدوء.لكنه كان يواسي نفسه قائلًا: لا بأس، حتى إن كان لا يعرفها جيدًا الآن، فما يزا

  • كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره   الفصل 20

    لم تكن مايا تفهم حقًا لماذا يفعل كل هذا. فمن المستحيل أن يحتجزها مدى الحياة، فهي سترحل عاجلًا أم آجلًا، فما جدوى كل هذه المحاولات التي لن تغير شيء؟أما دياب، فلم يكن يهتم بطول المدة. كان يخشى فقط أن يأتي اليوم الذي ترحل فيه عنه مرة أخرى كما فعلت سابقًا، لذلك لم يكن يريد أن يضيع أي فرصة تمكنه من البقاء معها.وعندما شاهدت مايا غروب الشمس للمرة الثالثة، عاد دياب مجددًا، وبرفقته شحنة كبيرة من زهور الأوركيد الفراشية.كانت تلك الزهور هي ما طلبته منه قبل يومين، حين سألها إن كان هناك شيء ترغب في أن يحضره لها في المرة القادمة.في الحقيقة، مناخ العاصمة لم يكن مناسبًا لزراعة الأوركيد الفراشية، لكن مع العناية الكافية وتوفير الظروف المناسبة، كان بالإمكان الحفاظ عليها وتنميتها.وفراغها الطويل منحها وقتًا كافيًا للاهتمام بهذه الزهور.غرستها بنفسها واحدة تلو الأخرى داخل البيت الزجاجي، واعتنت بها بعناية فائقة. شعر دياب بالارتياح لرؤية إعجابها الحقيقي بها."شكرًا لك." وبعد أن انتهت من كل شيء، التفتت نحو دياب، الذي كان ينتظر عند باب البيت الزجاجي، وابتسمت وهي تشكره.لوّح بيده، بينما كانت ابتسامته تكاد تف

  • كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره   الفصل 19

    تمامًا كما حدث عندما أحبت دياب في الماضي؛ فبمجرد أن علمت أنه أُصيب بالشلل إثر حادث سير، وأنه غرق في اليأس، ذهبت إليه دون تردد. وحتى عندما كان سريع الغضب ومتقلب المزاج، ولا يقابلها إلا بالصراخ والإهانة، لم تفكر يومًا في التراجع.وكذلك كان وائل معها لاحقًا؛ فبرغم رفضها المتكرر وابتعادها عنه، ظل ثابتًا ومخلصًا حتى لامس قلبها بصدق مشاعره.لكن مايا لم تشعر بهذا الشعور أبدًا عندما كانت مع دياب.حتى في المراحل الأخيرة من تعافيه، حين خفّت قسوته تجاهها، لم يتغير سوى أسلوبه قليلًا، فأصبح أكثر هدوءًا لا أكثر."وماذا عن الآنسة منار؟" سألت مايا بصوت هادئ، وهي تخفض عينيها لتخفي ما فيهما من مشاعر.لم يحزن دياب بسبب برودها، بل ازداد الأمل في عينيه عندما سمع سؤالها، وقال بسرعة: "مايا، اطمئني، أستطيع أن أؤكد لكِ أنني لا أحب منار.""منذ أن عرفت أنها هي من ألقت بنفسها عن الدرج، وسممت نفسها لتلفق لكِ التهمة، جعلتها تدفع الثمن الذي تستحقه. ومنذ ذلك الحين، لم يعد لعائلة جاد أي وجود في العاصمة.""أعلم أيضًا أنني خذلتكِ في الماضي، لكنني كنت عالقًا في فكرة أنها تخلت عني في أصعب أوقاتي. ففي النهاية، كانت حبي الأ

  • كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره   الفصل 18

    وفي الجهة الأخرى، كانت مايا غافلة تمامًا عن كل هذا.في الحقيقة، كانت فكرة إقامة حفل الزفاف في الوطن من اقتراح والد وائل. فعلى الرغم من أنه استقر في الخارج منذ سنوات، فإن كبار عائلة خيري ما زالوا يعيشون في البلاد.ولأن الجد والجدة لم يريا حفيدهما منذ زمن طويل، إضافة إلى أن أصدقائهما موجودون هناك، فقد تقرر في النهاية إقامة الزفاف داخل البلاد.كان التحضير للزفاف أمرًا مرهقًا ويستهلك الكثير من الوقت، خاصةً أن موعده حُدد على عجل.وخلال تلك الفترة كان أمامهما الكثير من الأمور لإنجازها، فكانا يتنقلان يوميًا من مكان إلى آخر حتى أرهقها التعب، ولم يعد لديها أي طاقة للتفكير في أي شيء آخر، حتى إنها نسيت دياب تمامًا.لكنها لم تتوقع أنها بينما نسيته، لم ينساها هو، بل جاء إليها بنفسه.وعندما وجدت نفسها للمرة الثانية محاصرة عند باب دورة المياه، لم تشعر إلا بإرهاق شديد.كل ما في الأمر أنها خرجت وحدها هذه المرة دون وائل، فاستغل الفرصة ووصل إليها. ويبدو أنه خلال الفترة التي ستقضيها في العاصمة، لن تتمكن من الخروج بمفردها إلا عند الضرورة."هل تحتاج شيئًا؟" بعد لحظة صمت، تكلمت مايا أخيرًا.لم يُجبها دياب، ب

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status