Beranda / الرومانسية / لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم / الفصل الثاني: لعنة المكان الشاغر

Share

الفصل الثاني: لعنة المكان الشاغر

last update Tanggal publikasi: 2026-06-20 10:05:00

مضى أسبوعٌ كاملٌ على تلك الليلة الدموية التي انصهرت فيها آخر أوراق العقد السري، أسبوعٌ غاب فيه وجه "حور" عن أروقة قصر "الكيلاني" المترامية، لكن طيفها ظلّ عالقاً في زوايا المكان كعطرٍ خفيّ يرفض الزوال، أو كخطيئة عظمى تطارد ضميراً أقسم صاحبه يوماً أنه لا يملك واحداً.

​في مقر الشركة العملاقة، خلف ذلك المكتب الأبنوسي الفخم الذي يشهد على صفقات هزت أسواق المال، كان عاصم الكيلاني يجلس بكبريائه المعهود وهالته الصارمة التي تجبر الجميع على خفض أبصارهم. كان غارقاً بين تلال من ملفات الميزانيات وعقود الاستحواذ الجديدة، يحاول بكل ما أوتي من غطرسة وجبروت نرجسي أن يثبت لنفسه—قبل الآخرين—أنه لم يتأثر برحيلها. كان يعيد على مسامع عقله الباطن ذات الأسطوانة الباردة: "شاهيناز هي الواجهة الأكمل، امرأة من طبقتي وتخدم إمبراطوريتي، أما حور فلم تكن سوى تحفة فنية مؤقتة، لوحة مقلدة حان وقت استبدالها".

​ولكن، كلما حاول غرس عينيه السوداوين في الأرقام الحسابية، كانت تقفز إلى مخيلته—كصاعقة مباغتة—نظرتها الصخرية الأخيرة. يتذكر شموخها الأنثوي المباغت وهي تقف أمامه، والبرود المرعب الذي غلف صوتها وهي تخبره بأنها كانت تعد الأيام للخلاص من سجن هوسه. كيف تجرأت على نزع قناع الخضوع بتلك البساطة؟ كيف انقلبت موازين القوة بين ليلة وضحاها ليصبح هو الطرف الذي يتخبط في حيرته، بينما تغادر هي بملء إرادتها، تاركة وراءها رداء الساتان القرمزي ملقى تحت قدميه كرماد قصة احترقت قبل أن تبدأ؟

​امتدت يده ذات الأصابع الطويلة لترتشف من فنجان القهوة الساخن، لكنه وضعه فجأة بامتعاض شديد، عاقداً حاجبيه بضيق. القهوة كانت مرّة، جافة، تفتقر إلى ذلك التوازن السحري واللمسة الدافئة التي كانت تضفيها حور بيديها الرقيقتين. التفت حوله في المكتب الشاسع؛ كل شيء كان موضوعاً بترتيب هندسي جامد وصارم من قِبل السكرتارية، ترتيب يخلو من تلك الروح المريحة والسكينة غير المرئية التي كانت تحيطه بها دون أن تطلب منه ثناءً أو كلمة شكر.

​شعر عاصم بضيق حاد ينبثق من أعماق صدره، صراع نفسي مرير يمزقه بين كبريائه الطاغي الذي يمنعه من الاعتراف بالهزيمة أو إظهار الضعف، وبين جسده وعقله اللذين بدآ يعلنان العصيان التام ويرفضان الاستمرار في مجاراة كذبته. لقد اعتاد على هوسه بها؛ اعتاد على وجود ذلك الكائن الهادئ والمطيع في خلفية حياته، والآن، يجد نفسه في مواجهة فراغ مرعب لا تملؤه كل صفقات العالم.

​لم يعد يحتمل هذا الضجيج الداخلي. ضغط على زر الانتركوم بعنف، وجاء صوته جافاً، حاداً، ومبحوحاً بأثر التوتر:

"مروان.. أحضر لي ملف التسوية الخاص بحور فوراً."

​لم تمضِ سوى دقيقتين حتى دخل مساعده الخاص، مروان، يحمل الملف الجلدي الأسود بوجل واضح، مستشعراً الطاقة السلبية والاضطراب الذي يغلف رئيسته. وضع الملف على الطاولة ببطء، في حين تظاهر عاصم بالانشغال ببعض الأوراق، وسأله بنبرة حاول جاهداً أن تبدو مستخفة ولا مبالية:

"هل قامت حور بصرف شيك التعويض؟ أريد إغلاق هذا الملف نهائياً من الحسابات."

​تردد مروان، وابتلع ريقه قبل أن يجيب بصوت خفيض:

"في الواقع يا فندم.. الشيك لم يُصرف بعد. وحين استشعرنا التأخير وأرسلنا مندوباً لمراجعة حسابها البنكي، وجدنا أنها لم تقبل قرشاً واحداً من مبلغ التسوية. ليس هذا فحسب يا سيد عاصم.."

​رفع عاصم عينيه الحادتين كالسيف، وثبتهما على وجه مساعده بنظرة تجمد الدماء في العروق: "ماذا أيضاً؟ تحدث."

​تابع مروان بارتباك: "لقد اختفت تماماً. ذهبنا إلى شقتها القديمة التي كانت تقطنها قبل انتقالها إليك، فوجدنا أنها قامت بتسليم المفاتيح للمالك منذ أسبوع. سألنا في كل مكان يمكن أن ترتاده، لكنها اختفت كأن الأرض انشقت وابتلعتها، ولم تترك وراءها أي أثر أو وسيلة اتصال."

​تصلبت ملامح عاصم الكيلاني كأنها قُدت من صخر، واشتعلت في عروقه موجة عاتية من الغضب السيكولوجي العارم والغيرة المكتومة التي كادت تحرق صدره. كيف تجرؤ تلك الفتاة البسيطة على رفض ملايينه؟ كيف تجرؤ على إلقاء ماله في وجهه والاختفاء كأنها هي من تملك سلطة القرار، وهي من تضع كلمة "النهاية" في كتاب حياتهما؟ تملكه هوس الامتلاك الأعمى من جديد، وشعر بنقص قاتل في نرجسيته؛ فنهض من خلف مكتبه كإعصار مكموم، والتقط مفاتيح سيارته بإهمال، غافلاً عن جدول اجتماعاته والشركاء الأجانب الذين ينتظرونه، ولم يكن في عقله سوى وجهة واحدة: الجناح الشرقي المنعزل في قصر الكيلاني.

​قاد عاصم سيارته بسرعة جنونية، يصارع الأفكار التي تنهش عقله كوحوش ضارية. وحين وصل إلى القصر، ترجل ودلف إلى الجناح المهجور بخطوات متباطئة، خطوات لم يعهدها فيه كبرياؤه الواثق.

​استقبلته عند عتبة الباب برودة خانقة ورائحة رطوبة خفيفة تمتزج ببقايا عطرها النقي الراحل. كانت الستائر مسدلة، والظلام الدامس يلف أركان المكان إلا من خيوط ضوء واهنة تتسلل من الشقوق. سار في أرجاء الغرفة كالتاه؛ كل شيء هنا كان شاهداً على طقوس هوسه المريضة. نظر إلى السرير الكبير؛ الحرير الأبيض البارد الذي كان يجبرها على ارتدائه ما زال ممدوداً فوق الفراش بنقاء مستفز، كأنه كفن ينتظر شبحاً ليعود ويرتديه.

​سقط جسده الضخم على حافة الفراش، ولأول مرة في حياته، شعر عاصم بوطأة الذنب وثقل الندم يتسللان إلى صميمه. تذكر ليلاتهما معاً؛ تذكر كيف كان يقتحم هدوءها ونقاءها بقسوة وجفاء، كيف كان يأخذ جسدها بعضلاته المحكمة وعنفه المبطن، مبرراً ذلك لنفسه بأنه يمارس حقه في امتلاك "لوحته الخاصة"، وكيف كانت هي تتلقى نوبات غضبه العارم، وجبروته المتسلط، بابتسامة نقية وصبر جميل عجز عقله المريض عن فك شفرته طوال خمس سنوات.

​جلس هناك يتأمل الفراغ، متسائلاً: هل كانت تطاوعه خوفاً من نفوذه أو طمعاً في ماله؟ لا.. نظرتها الأخيرة وطريقتها في تمزيق العقد أثبتتا له أنها لم تكن تراه رجلاً يملك المال، بل كانت تراه شيئاً آخر. كان وراء خضوعها سرّ أعظم، سرّ بدأ يستشعره الآن مع كل نبضة ألم حارقة في صدره الشاحب.

​نهض بلهفة مجنون يحاول العثور على أي خيط يربطه بها، وسار نحو خزانة ملابسها الكبيرة. فتح ضفتيها بقوة، لكنه لم يجد شيئاً من ثيابها القطنية البسيطة؛ لقد أفرغت المكان تماماً من كل ما يخصها، تاركة له فقط الحرير والساتان الفاخر الذي اشتراه لها بأمواله، وكأنها تخبره بأن كل ما يمكن شراؤه بالمال لا ينتمي إليها.

​وبينما كان يهم بإغلاق الخزانة بيأس، تعثرت نظراته بزاوية مظلمة في الأسفل. كان هناك صندوق معدني صغير مخبأ بعناية خلف الأدراج. التقطه بفضول واجف، ونفض عنه الغبار بيده التي بدأت ترتجف لأول مرة في حياته.

​فتح الصندوق، فاستقبلته رائحة نفاذة لمواد طبية. عقَد عاصم حاجبيه بوجل، وبدأ يخرج محتويات الصندوق؛ كانت هناك زجاجات لأدوية مهدئة، ومضادات قلق حادة، وحين تفحص التواريخ والأسماء، شعر بصدمة زلزلت كيانه وأفقدته توازنه. لم تكن هذه الأدوية القوية مخصصة لحور، بل كانت تقارير طبية واستشارات من أطباء نفسيين كبار تطلب منهم حلولاً لحالة عاصم النفسية ونوبات غضبه العارم!

​اكتشف بمرارة أنها كانت تدس له هذه المهدئات بنسب مدروسة في طعامه وشرابه برفق ولين، تتحمل ثورات جنونه السري وعنفه خلف الكواليس، وتداوي جراحه النفسية وعقدة كماله الفيكتوري بالحب والصبر والاحتواء، دون أن تشعره يوماً بالنقص أو تخدش كبرياءه الكاذب. لقد كانت ملاكه الحارس الذي يحميه من شرور نفسه، وهو لم يكن سوى جلادها.

​ولكن، الصدمة الأكبر والأكثر تدميراً كانت تقبع في قاع الصندوق.

​كانت هناك ورقة مطوية بعناية فائقة تحمل شعار مشفى العاصمة للأمراض الصدرية المتقدمة. فتحها عاصم بيدين واهنتين وعينين متسعتين من الرعب، لتقع عيناه على تقرير مخبري حديث ومفصل يحمل اسم "حور الكيلاني". قرأ السطور المكتوبة بفصاحة طبية باردة وقاتلة:

(تليف حاد ومتقدم من الدرجة الرابعة في نسيج الرئة، نتيجة استنشاق قديم وكثيف لغازات سامة ومواد حارقة. الاستجابة للعلاجات الحالية منعدمة تماماً، والوظائف الحيوية في تراجع مستمر وسريع. ينصح بالراحة التامة وتجنب أي ضغوط نفسية أو جسدية.. العمر الافتراضي المتبقي للحالة لا يتجاوز ثلاثة أشهر).

​سقطت الورقة من يد عاصم كأنها جمرة نار أحرقته حتى العظام. تراجع إلى الخلف مستنداً إلى الجدار وهو يتنفس بصعوبة، والدموع—التي لم يعرف لها طريقاً منذ طفولته—انفجرت من عينيه المظلمتين لتغسل وجنتيه الحادتين.

​عادت به الذاكرة إلى خمس سنوات مضت.. إلى ذلك الحريق المروع الذي اندلع في مصنعه القديم، وكيف حوصر وسط النيران وكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، لولا أن جسداً نحيلاً غامر باقتحام الجحيم وسحبه من وسط ألسنة اللهب قبل أن يختفي وصاحبه في ظلام الليل دون أن يطلب مكافأة.

​لم تكن سوى حور! هي من منحتْه الحياة واستنشقت الموت بدلاً منه، هي من تضررت رئتها لتنقذ إمبراطوريته. وهو، بدلاً من أن يكون واحتها وأمنها، جعلها تعيش في ظله كشبح بلا صوت، وكتم ما تبقى من أنفاسها الواهنة بهوسه المريض وقسوته وشروطه الخانقة، وعجّل بانهيار جسدها دون أن يدري. ومغادرتها الهادئة لم تكن كبراً، بل لأنها قررت أن تموت بعيداً عنه بكرامتها، ألا يرى ضعفها وانكسارها تحت التراب.

​انحرف عاصم بجسده وسقط على ركبتيه فوق الأرضية الباردة، يضم التقرير الطبي إلى صدره العريض ويصرخ ب صمت يمزق نياط الروح. تحول ذلك الطاغية المغرور إلى حطام رجل مستعد لبيع كل أملاكه وإمبراطوريته فقط ليحظى بنظرة رضا واحدة من عينين أطفأ بريقهما بيديه.

​وفي تلك اللحظة بالذات، وسط عاصفة الندم الأسود والرعب الدافئ التي تجتاح الجناح، اهتز هاتفه الشخصي في جيبه معلناً وصول رسالة وسائط من رقم مجهول لا يحمل اسماً.

​مسح دموعه ب ارتعاش وفتح الهاتف بعينين تملأهما الخشية. كانت الرسالة تحتوي على صورة فوتوغرافية التُقطت حديثاً من مسافة بعيدة؛ تظهر فيها حور وهي تجلس على مقعد حجري أبيض في حديقة مصحة معزولة تحيط بها أشجار الخريف العارية. كانت ترتدي ثوباً أسود قاتماً يلف قوامها الذي أضحى واهناً كغصن مكسور، وتضع فوق رأسها وتحت عنقها طرحة حمراء كبيرة، داكنة كدم جفّ للتو، تواري بها شحوب وجهها الطفولي وتحمي رئتها المتعبة من لوافح الهواء البارد.

​تحت الصورة، كانت هناك عبارة واحدة، كتبت بفصاحة بليغة وسخرية مريرة، اخترقت صدر عاصم الكيلاني كقذيفة من جحيم:

"يا سيد عاصم.. اللوحة المقلدة بدأت تتلاشى ألوانها وتذوب تحت المطر. البديلة الأكمل تملأ قصورك الصاخبة الآن، فتعال إلى مقابر الصمت وحده.. تعال لتبكي فوق القبر الذي حفرته لها بملء إرادتك وأنانية هوسك."

​تجمدت أنفاس عاصم، ونبض قلبه دقات هستيرية مرعبة؛ سقط الهاتف من يده ليتحطم زجاجه على الأرض، في حين وقف هو كالمجنون، يندفع نحو الباب، معلناً بداية مطاردة انتحارية لامرأة سرقت روحه ورحلت لتستقبل الموت وحدها!

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم   الفصل الثمانون: يقظة المرجان

    انثالتْ أصواتُ الخديعةِ من مكبرِ الصوتِ الداخليّ لمقصورةِ المروحيةِ الموصدةِ كألسنةٍ من صقيعٍ ينهشُ ما تبقّى من رداءِ الطمأنينةِ الطارئ، وتحوّلت الكابينةُ الحديديةُ المغلقةُ إلى زنزانةٍ غارقةٍ في عتمةٍ جزئيةٍ، لا يخرقُ ظلمتَها سوى الوميضُ الفوسفوريّ القرمزيّ لأجهزةِ الإنذارِ التي أعلنَ من خلالِها القائدُ الغادرُ تبعيتَهُ لمنظمةِ العقربِ السوداء. كانت الأبوابُ الهيدروليكيةُ الموصدةُ تفصلُ بين جحيمِ السجنِ الأسودِ المتأهبِ في أسفلِ صخورِ جبالِ الألبِ، وبين جسدينِ تلاحما على حافةِ الفناءِ.وسطَ هذا الحصارِ المطبقِ والترنحِ العنيفِ للطائرةِ وسطَ السحبِ الكثيفةِ، لم يرتعدْ "عاصم الشافعيّ" ولم تظهرْ على ملامحهِ الصخريةِ الجامدةِ أيّ بادرةِ ذعرٍ أو ارتباكٍ تليقُ برجلٍ أحيطت به ذئابُ المنظماتِ الدوليةِ. التفتَ بكاملِ قامتهِ الفولاذيةِ العريضةِ نحو "حورَ" التي كانت تجلسُ في المقعدِ المجاورِ، وجسدُها النحيلُ اللدنُ ينتفضُ برعشةِ حمى الخوفِ والشجنِ الجارفِ الذي عادَ ليمسكَ بتلابيبِ فؤادِها المجهدِ.نظرَ إليها بهدوءٍ مرعبٍ، هدوءٍ باذخٍ وسرياليٍّ أشبهَ بسكونِ الإعصارِ قبل أن يقتلعَ

  • لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم   الفصل التاسع والسبعين: رماد الطاغية

    كانتِ المروحيةُ التكتيكيةُ تمخرُ عبابَ الغمامِ الكثيفِ الذي يكسو قممَ جبالِ الألبِ الشاهقةِ، كأنها طائرٌ خرافيٌّ يفرُّ من جحيمِ الأرضِ ليلتمسَ الخلودَ في محرابِ السماءِ. خلفَ النوافذِ الزجاجيةِ السميكةِ، بدتِ القممُ المغطاةُ بالثلوجِ المرمميةِ البيضاءِ كشواهدَ أزليةٍ صامتةٍ، تعكسُ أشعةَ الشمسِ البازغةِ لتصوغَ مشهداً ملحمياً يخلطُ النورَ بالبرودِ القارسِ. وفي جوفِ مقصورةِ القيادةِ الخلفيةِ، حيثُ انزوتِ المسافاتُ وتلاشتْ جلجلةُ الانفجاراتِ الفندقيةِ الماضيةِ، حلَّ صمتٌ باذخٌ، مشحونٌ بعاطفةٍ جسديةٍ ونفسيةٍ حارةٍ، صمتٌ تنفستْ فيه الأرواحُ بعد أن جُرّدتْ من قلاعِ حمايتِها وسقطتْ عروشُ خديعتِها الدوليةِ.لم يكنِ العدادُ الرقميُّ القرمزيُّ لـ "شاهيناز الهواري" الذي يلهثُ على الشاشةِ ليخيفَ "حورَ"؛ بل تحركتْ في أعماقِ وجدانِها ثورةُ هيامٍ تملكيٍّ وجنونِ عشقٍ استماتيٍّ تخطى حدودَ العقلِ البشريِّ. التفتتْ بكاملِ جسدِها اللدنِ النحيلِ نحو "عاصمَ" الواقفِ كالماردِ الجريحِ، المستنزفِ حدَّ الغرقِ في ظلماتِ الوهنِ. كان جسدُهُ الفولاذيُّ العريضُ عارياً، مغطىً بالحروقِ اللاذعةِ وبقايا رمادِ

  • لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم   الفصل الثامن والسبعين: الهروب من الجحيم الفندقي

    كان الطنينُ الإلكترونيّ المنبعثُ من سترةِ "أدهم الشافعي" المحتضرِ يعزفُ اللحنَ الأخيرَ لدمارٍ شقَّ عنانَ السماء، وقبل أن ترتدَّ الأنفاسُ في الصدورِ، انقضتِ الثواني الخمسُ الخاطفةُ لتتحولَ قاعةُ الاحتفالاتِ الفاخرةِ بفندقِ جنيف إلى فوهةِ بركانٍ قذفَ بحممهِ القرمزيةِ في وجهِ الأقدار. انفجرَ الحزامُ الناسفُ بدويٍّ زلزلَ أركانَ المقاطعةِ السويسريةِ بأكملِها، دويٌّ صاعقٌ صهرَ الثرياتِ الكريستاليةَ الشاهقةَ في كسرٍ من ثانيةٍ، وجعلَ الستائرَ المخمليةَ الداكنةَ تتلاشى كأوراقِ الخريفِ الجافةِ تحت ألسنةِ نيرانٍ برتقاليةٍ وعنيفةٍ التهمتْ جثثَ الخونةِ وبقايا ذئابِ منظمةِ العقربِ السوداء.انشقَّت الأرضيةُ الرخاميةُ وتحولت أجزاءٌ واسعةٌ من القاعةِ إلى ركامٍ متهدمٍ تهاوى في جوفِ القبوِ السفليّ، وتصاعدتْ أعمدةُ الدخانِ الأسودِ الكثيفِ لتحجبَ أشعةَ الفجرِ المرمريةِ، محولةً الفضاءَ الباذخَ إلى مسرحٍ لمحرقةٍ دمويةٍ لا ترحم. وسط هذا الحطامِ المتطايرِ والشررِ العنيفِ الذي كان يتساقطُ كالشُهبِ الحارقةِ، لم يفكرْ "عاصم الشافعي" في مجدِهِ الماليّ أو نفوذِهِ الدوليّ المترنحِ؛ بل تحركَ بغريزةِ وحشٍ

  • لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم   الفصل السابع والسبعين: الخاتم المفقود

    كان الهياجُ الإلكترونيّ والبرمجيّ يزأرُ في ردهاتِ قاعةِ الاحتفالاتِ الفندقيةِ بجنيف، والعدادُ الرقميُّ القرمزيُّ على شاشةِ "مروان" الخائنِ يقتطعُ من كسرِ الثواني العشرِ الأخيرةِ بنقراتٍ لاهثةٍ جافةٍ لا ترحمُ، محولاً فخامةَ المكانِ إلى ساحةِ فناءٍ وشيك. تساقطت الكتلُ الخرسانيةُ من السقفِ المخمليّ كأنها كسرٌ من شواهدَ تترنحُ تحت ضرباتِ القذائفِ، والدخانُ الأسودُ يزحفُ ليعشي الأبصارَ ويضيقَ الخناقَ على الصدور. في هذا الأتونِ المستعرِ، كان معصمُ "حور" لا يزالُ مقيداً بمعصمِ "عاصم" الفولاذيِّ بذلك الرباطِ المخمليِّ الأسودِ؛ الرباطِ الذي غدا كالعقدِ الأبديِّ الذي صهرتْهُ العواصفُ ليربطَ أجساداً ترفضُ القسمةَ حتى على شفيرِ المقبرةِ.تحت وطأةِ الأدرينالين الذي تدفقَ في عروقِها كالنارِ إثر الرصاصاتِ التي أطلقتْها لإنقاذِ طاغيتِها من قناصِ الشرفةِ، أصابت حورَ رجفةٌ عنيفةٌ تداخلَ فيها وجعُ الجسدِ بصراعٍ نفسيٍّ وجدانيٍّ هزَّ أركانَ روحِها. انكمشت برأسِها داخل جوفِ صدرِ عاصمِ العريضِ العاري، بينما كان هو يقفُ كالماردِ الجريحِ، يتبادلُ الطعناتِ واللكماتِ بجبروتٍ ضارٍ لا يعرفُ الهوادةَ لي

  • لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم   الفصل السادس والسبعون: مواجهة الدماء والذهب

    كان العدادُ الرقميّ يلهثُ باللون القرمزيّ على شاشةِ "مروان" الخائن كأنّه معولُ هدمٍ ينحتُ في ثواني البقاءِ الأخيرة، بينما تحوّلت قاعةُ الاحتفالاتِ الفارهةِ في جنيف—بثرياتِها الكريستاليةِ المتأرجحةِ وستائرِها المخمليةِ الداكنةِ—إلى فخٍّ تكنولوجيّ وعسكريّ يعجّ بنذرِ الفناء. انقشعَ الغبارُ المتصاعدُ من الجدارِ المهدمِ عن وجهِ "أدهم الشافعي" الكالح، والغلّ يقطرُ من عينيهِ النمريتينِ وهو يتقدّمُ كالحوتِ الذي أبى إلّا أن يبتلعَ عرشَ الشافعيّ المستعاد. لم يكن وحده، بل أحاطت به فرقةٌ كاملةٌ من القتلةِ المأجورينَ ذوي الستراتِ التكتيكيةِ السوداء، رجالٌ صيغت ضمائرُهم في مسالخِ منظمةِ العقربِ السوداء، يحملونَ بنادقَ أوتوماتيكيةً قصيرةَ المدى ولواقطَ الليزرِ الحمراء التي بدأت ترسمُ خطوطَ الموتِ فوق الأجساد. "صفّوا الطاغيةَ.. وجرّدوا الفتاةَ من سلاحِها حية!" دوت الصرخةُ الوحشيةُ من حنجرةِ أدهم. في تلك اللحظةِ الصاعقة، انهارَ الصمتُ الدبلوماسيّ تماماً، وانفجرَ جحيمُ الرصاصِ العنيفِ في أرجاءِ القاعة. انطلقَ رجالُ "عاصم" المتنكرونَ برداءِ المدعوينَ كالأشباحِ من خلفِ أع

  • لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم   الفصل الخامس والسبعين: رقصة الموت

    كان صريرُ الثواني الستّين اللاهثة على شاشة الهاتف المجهول ينحتُ في جوف الصمتِ نذيرَ الفناء، والأنوارُ المرمريةُ لمدينة "جنيف" تنعكسُ على زجاج النوافذ الشاهقة كشظايا نيزكٍ استقرّ على حافة الهاوية. انقشع غبارُ المعارك الرقمية الماضية ليترك "عاصم الشافعي" في مواجهة النصل الأكثر حدّة في ترسانة الأقدار؛ فابنُ عمّه والخصمُ اللدود "أدهم الشافعي" يقبع أسفل الفندق، يطوّق مخرج النجاة الوحيد ببنادق الليزر والوعيد الدمويّ الكاسح.لم يكن الوجومُ الذي اعتلى الملامح الصخرية لعاصم استسلاماً، بل كان السكونَ الطاغي الذي يسبقُ انبثاقَ المارد الكامن في عرينه. والتفتَ نحو "حور" التي كانت تدثر جسدها النحيل اللدن بسترتِهِ العسكرية الثقيلة، وعيناها المتسعتان ببريق الذعر والشغف الاستماتي تلاحقان مسار تفكيره. كان معصمها النحيل يرتجف، لكن الصراع النفسي في صدرها تحول بفعل فلاش باك الفصول الماضية إلى عقيدةٍ راسخة من الولاء المطلق؛ لم تعد الضحية التي تبكي قسوة السجّان، بل غدت العروسَ التي ترتضي الفناء في محراب الطاغية."انتهى زمنُ الهرب يا حوري..." همس عاصم بصوتٍ منخفض، كأنه فحيحُ أفعى ترسم مسار الد

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status