LOGINعندما تلقى بهجت خبر وفاة لينا، صُدم طويلًا قبل أن يهرع ليودّعها في رحلتها الأخيرة. وبعد أن غادر الجميع المقابر، لمس شاهد قبرها، مترددًا في الرحيل."لينا."استند إلى شاهد القبر وجثا على ركبتيه ببطء، رافعًا عينيه اللتين لم تعودا شابّتين، وأخذ يحدّق بشدة في صورة تلك المرأة."لم تتوقعي ذلك، أليس كذلك؟"رفع حاجبيه وبدأ يتمتم لنفسه قائلًا: "اتضح أنني عندما أحب أحدًا، أستطيع أن أحبه لهذه المدة الطويلة. حتى أنا نفسي لم أكن أعلم أنني شخصٌ عاطفيٌّ إلى هذا الحد."حدّق في الصورة، وابتسم قائلًا: "حبي كان عميقًا إلى درجة أن نساء هذا العالم كلهن لم يرقن لي. لذلك يا لينا، أنا لست أقلّ من أنس، أليس كذلك؟"لم ُيجبه سوى صوت الطيور التي تحلّق فوق القبر. وعندما ابتعدت كل الطيور والحيوانات، لم يبقَ سوى صمت مطبق، تمامًا كالحب الذي دفنه في قلبه طوال هذه السنوات ولم يبح به.لم يكن يمكن لتلك المشاعر الجياشة المدفونة في أعماق قلبه أن ترى النور، ولم يجرؤ على زيارة قبرها وإخبارها أنه أيضًا أحبها حبًا عميقًا إلا عندما فارقت الحياة.لكل شخص ما يندم عليه، وندمه كان أن لينا قبل وفاتها لم تعلم أن هناك أحمقًا في هذا الع
في اللحظات الأخيرة قبل أن تنطفئ حياة لينا، كان كل ما يمرّ في ذهنها على عجل هو ذلك الحب الذي أخفاه أنس طوال تلك السنوات الخمس، حبٌ لم يدعها تراه.كانت حين تتقلب في الفراش وتستيقظ، ترى جسدها محاطًا بذراعين قويتين مشدودتين حولها بإحكام. ذلك القدر من القوة إن لم يكن حبًا، فماذا عساه أن يكون؟وأثناء تناول الطعام في عطلات نهاية الأسبوع، كانت تراه جالسًا قبالتها، يسترق النظر إليها بهدوء بين الحين والآخر. إن لم يكن ذلك عشقًا كتمه طويلًا، فماذا عساه أن يكون؟كما كانت تراه يحملها بعد أن يضاجعها، ويجعلها تستلقي فوقه، ثم يرفع أصابعه الطويلة ويضعها على ظهرها، ويهدئها حتى تغفو كالأطفال.كان حبه مختبئًا في أدقّ التفاصيل. ربما بالنظرة العابرة إليه لن ترى ذلك الحب بوضوح. وحده هو من كان يعلم كم كان يكبت مشاعره وكم كان يحبّها آنذاك.لم تعد لينا تقوى على فتح عينيها، وشعرت كأن روحها قد انتُزعت منها، فلم تعد تملك القوة للنهوض ولا القدرة على إلقاء نظرة أخيرة على هذا العالم.تحسّست الهاتف في جيبها، واتصلت برقم عشوائي، ولحسن الحظ مريم هي من أجابت.شاخت مريم أيضًا مع مرور تلك السنوات، ولم يعد صوتها واضحًا كما ك
ربتت لينا بأصابعها على مؤخرة رأس رعد، وكأنها قد تقبّلت هذه الحقيقة منذ وقت طويل، فبدت هادئة جدًا وهي تقول: "متى ستتزوج؟"تصلب جسده ورفع ببطء عينيه اللتين كانتا تفيضان بالدموع، ثم أفلت لينا ببطء وقال: "أمي، لم ألتقِ بعد بالفتاة التي أحبها."رأت لينا نفسها في حدقتيه، فمدّت يدها ولمست وجهه، وقالت: "انظر، حياتي صارت أصعب من موتي. أليس من الأفضل أن تتركني أذهب لأبيك؟"عندما كان صغيرًا، كان والداه يقيدانه، ولكن بعد أن كبر، أصبح هو من يقيدهما. وإلا، فسيصبح يتيمًا، لذا فليدعاه يكون أنانيًا لمرة واحدة.أمسك رعد بذراعها، وتوسل إليها قائلًا: "أمي، انتظري قليلًا، وسأقابل قريبًا فتاة تعجبني وأتزوج منها، حسنًا؟"في النهاية، لم تستطع كسر قلب ابنها، فأومأت برأسها كعادتها قائلة: "إذن، سأدعو لك غدًا لتجد فتاة تعجبك قريبًا."أجابها رعد بـ"حسنًا"، لكن في داخله كان يدعو ألا تتحقق أمنية والدته. إنه مستعد لأن يتخلى عن الزواج طوال حياته لينال حبها.قام بتأجيل الزواج وأعاد الروبوت الذي تركه أنس، وأخبر والدته أن كلمات والده الأخيرة مُبرمجة كلها في الروبوت، وأنه سيقول لها بعضًا منها كل يوم في وقت محدد. فإذا أراد
في النهاية، لم تلحق لينا بأنس من أجل ابنها، غير أنّ شعرها شاب في ليلة واحدة، وكأنها شاخت عشر سنوات فجأة. وذلك الوجه الذي لم تكن تبدو عليه آثار الزمن أصبح الآن مليئًا بالتجاعيد الكثيفة، وتلك العينان اللتان أدهشتا الزمن يومًا غدتا فارغتين لا لون فيهما.قالت إنها بكونها أمًا، لم تستطع فعل ما يحلو لها كما في السابق، لذا طلبت من أنس أمام قبره أن ينتظر حتى يتزوج ابنهما، ثم ستأتي إليه. كما قالت أيضًا إنه إن لم ينتظرها، ستتراجع عن وعدها بلقائه في الحياة الأخرى، ولن يلتقيا أبد الدهر.لم تحضر لينا جنازته، لكنها لاحقًا استفاقت فجأة، وسارت بخطوات غير ثابتة حتى وقفت أمام قبره. لم يتذكر أحد ما ثرثرت به سوى رعد الذي كان يسندها لرؤية والده.في تلك الليلة، سقطت فجأة فوق الثلج وفقدت وعيها. نُقلت على الفور إلى المستشفى لإسعافها، ولم تستفق إلا بعد سبعة أيامٍ وليالٍ.ولأنها لم تكن حاضرة، وُضع أنس في تابوت مُبرد، وبقي جثمانه سبعة أيام دون أن يجرؤ أحد على دفنه. لكن حين أفاقت، ألقت عليه نظرة واحدة فقط بعينين شاردتين وشعرٍ أبيض يغطي رأسها، ثم استدارت على عجل.لم تشارك لينا في كيفية دفنهم له أو تجهيز مقبرته أو
ارتجفت رموش لينا ورفعت عينيها الخاليتين من الحياة، ونظرت في الأفق قائلة: "لا، لن أذهب إلى أي مكان، سنبقى أنا وهو هنا حتى أتجمد وأموت، ولن يستطيع أحد أن يفرق بيننا."انقبضت قلوب الجميع حين سمعوها تقول إنها ستتجمد وتموت، وأخذوا يقنعونها واحدًا تلو الآخر ألا تفعل شيئًا طائشًا. لكنها لم تصغِ لكلمة، واحتضنت أنس بثبات وعناد، وجلست فوق الثلج تنتظر الموت.كان رعد هو من أمسك بيدها، وضغط بقوة على كفها ليجعلها تنظر إليه، ثم قال: "أمي، أعلم أنكِ تحبين والدي بشدة، ولا تستطيعين تقبّل رحيله الآن، لكنني فقدت أبي بالفعل، ولا أستطيع أن أفقدكِ أنتِ أيضًا. أرجوكِ، لا تفعلي شيئًا طائشًا."عندما بلغ صوت ابنها وهو يناديها مسامعها، تحرّكت نظراتها ببطء نحو وجهه. وحين رأت وجهه الذي كان نسخة طبق الأصل من وجه أنس، ارتفعت زاوية شفتيها قليلًا بابتسامة جميلة كالزهور."كنت قد هيّأت نفسي منذ وقت طويل لرحيل والدك. والآن وقد رحل حقًا، سألحق به بطبيعة الحال. أنت تعلم ذلك؛ إن عاش عشت، وإن مات متّ، ولا أحد يستطيع منع ذلك."في السابق، كان رعد يعتقد أن والده هو الأكثر حبًا لوالدته، لكنه أدرك في هذه اللحظة أن حب والدته لا يقل
انهمرت الدموع فجأة من عينيها، بلا عويلٍ يمزّق القلب، بل في صمتٍ، وفتحت شفتيها لتقول شيئًا، لكنها شعرت أن كل ما كان ينبغي أن يُقال في هذه الحياة، قد قالته بالفعل له، فأسدلت رموشها وحدّقت في وجهه الشاحب دون أي أثر للحياة."أيها الأحمق، حتى لو كنت تنزف هكذا، فأنت زوجي، فكيف لي أن أخاف؟ أنا لست خائفة، فلماذا كان عليك أن تهرب إلى مكان كهذا وحدك؟"لقد تسبب ذلك في أنها لم تودعه الوداع الأخير، يا له من ندم! لكن عزيزها أنس لم يكن يعنيه الندم، ولم يكن يهمه سوى إخفاء الأمر عنها.لكن ماذا لو... لم تتعرف على أنس المزيف؟ أكان هذا يعني أنها لن تعثر على جسده أبدًا، وأنه كان سيتجمّد مع الجليد والثلج ويُدفن في الجبل الثلجي؟كان أنس قد هيّأ نفسه للموت بين السماء والأرض، لكنه كان يخشى أن تلحق به، لذا صنع روبوتًا مزيفًا ليخدعها طوال حياتها، لكن يا أنس...حتى لو صنعتَ روبوتًا مطابقًا لك تمامًا، فهو في النهاية ليس أنت. ولو كنتَ قادرًا على خداعي طيلة حياتي، لكنت قبلت بذلك. لكن الآن، الكذب انكشف في لحظة، فهل تسمح لي أن آتي إليك الآن؟أنت بالتأكيد لن تسمح لي بذلك، وإلا لما صنعتَ روبوتًا مزيّفًا لتخدعني، ولما كن



![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)



