مشاركة

الفصل 5

مؤلف: مجهول
عندما استعادت أميرة وعيها مرة أخرى، كان قد مضى أسبوع كامل.

رأتها الممرضة مستيقظة، فأبلغت الطبيب بحماس ليفحصها.

"سيدة أميرة، لقد استيقظتِ أخيرًا!"

"لقد استدعى السيد شهاب والسيد الصغير تيم تقريبًا جميع الأطباء في المدينة. ومن أجل الدعاء لسلامتكِ، تبرع السيد شهاب أيضًا بمليون دولار لصندوق خيري، على أمل أن تعود بركة هذا العمل الصالح إليكِ، فتستعيدي وعيكِ في أقرب وقت."

"سيكونان في غاية السعادة عندما يعلمان أنكِ استيقظتِ."

وما إن أنهت الممرضة كلامها، حتى فتح شهاب وتيم باب الغرفة ودخلا.

وعندما رأياها مستيقظة، عانقاها بشدة وعيناهما تفيضان بالحزن.

"أميرة، لقد استيقظتِ أخيرًا. هل تعلمين كم كنت قلقًا عليكِ طوال هذا الأسبوع؟"

كانت عينا تيم محمرتين، وصوته يختنق بالبكاء.

"أمي، كنت خائفًا جدًا ألا تستيقظي أبدًا."

يقال إن الرجال لا يذرفون الدموع بسهولة، لكنها في تلك اللحظة شعرت بقطرة ساخنة تسقط على ظاهر يدها.

وكانت دموع تيم تدور في عينيه على وشك الانهمار.

لكن دموعهما لم تحرك في قلبها أي مشاعر.

وكل ما شعرت به كان السخرية المريرة.

فعندما داهمهم الخطر، كانت سمر هي من هرعا لحمايتها دون تردد.

وحين رأت ذلك المشهد بعينيها، كان من المستحيل ألا ينفطر قلبها.

لقد منحت أميرة شهاب قلبها بإخلاص، وأحبته بكل ما تملك، أما تيم فقد ربته بيديها منذ صغره.

لكن سمر التي لم يمض على ظهورها سوى بضعة أشهر، استطاعت بسهولة أن تمحو كل ذلك وتحتل مكانها.

عند رؤية ذلك، شعر شهاب وتيم بذعر مفاجئ وسارعا إلى الشرح.

"أميرة، كان الوضع طارئًا للغاية ذلك اليوم، ولم أتمكن من تمييزكِ في اللحظة الأولى، لذلك حميت الشخص الخطأ."

"أمي، أنا وأبي لن نسمح أبدًا بأن تتعرضي للخطر مرة أخرى. لقد أخطأنا هذه المرة."

كان جسد أميرة لا يزال ضعيفًا بعد استعادتها الوعي، ولم تعد تملك أي طاقة لفضح أكاذيبهما السخيفة.

لم يتبقَ لها سوى أسبوع واحد لتغادر هذا العالم، وسترحل عن هذا الأب وابنه اللذين عاشا خلف أقنعة زائفة.

وخلال الأيام التالية، ولعل ذلك بدافع الشعور بالذنب، لم يفارق شهاب وتيم المستشفى، وظلا يلازمانها باستمرار.

إلا أن هاتف شهاب لم يتوقف عن الرنين؛ كانت الاتصالات تتوالى يوميًا، لكنه لم يجب على أي منها.

إلى أن اهتز هاتفه في أحد الأيام معلنًا وصول رسالة، فانقبضت حدقتاه وتبدلت ملامحه للحظة.

وبعد بضع ثوانٍ، قال معتذرًا:

"أميرة، هناك أمر عاجل في الشركة. عليّ الذهاب لإنجازه."

اقترب تيم من شاشة الهاتف، وما إن قرأ الرسالة حتى قال على عجل: "أمي، أريد الذهاب إلى الشركة مع أبي أيضًا."

لاحظت أميرة تعابير وجهيهما.

فما الذي قد يكون في الشركة ويريد تيم الذهاب إلى هناك لأجله؟

إنها سمر فحسب.

ولم يغادرا على عجل إلا بعدما رأياها تومئ بالموافقة.

نهضت أميرة من سريرها ولحقت بهما.

وعند منعطف أحد ممرات المستشفى، رأت سمر تبكي بحرقة وهي ترتمي في أحضان شهاب.

لكن وجه شهاب كان قاتمًا، فأبعد يديها عنه، وقال بنبرة تحمل تحذيرًا:

"ماذا تفعلين في المستشفى؟ لقد أخبرتكِ أن أميرة لم تتعافَ تمامًا. يجب أن تبقي في المنزل خلال الأيام القليلة القادمة ولا تظهري أمامها!"

وعند سماع ذلك، اشتد بكاء سمر، وارتمت في حضنه من جديد، وعانقت خصره بكلتا يديها وهي تقول بحزن:

"لقد اشتقت إليكما كثيرًا. مضت عشرة أيام وأنا لم أركما. ألم نتفق من قبل على أن تقضيا معي ساعتين على الأقل كل يوم؟"

رأى تيم سمر تبكي، فسارع إلى شرح الأمر:

"أختي سمر، أنا وأبي نشتاق إليكِ أيضًا، لكن أمي لم تتعافَ بعد، وعلينا البقاء معها."

"أبي، أسرع وواسِ الأخت سمر."

وحين شعر شهاب بدموعها تبلل صدره، وسمع كلمات ابنه، أطلق تنهيدة طويلة، ثم لانت ملامحه.

"لا تبكي، عندما تبكين يؤلمني قلبي أيضًا. سأقضي اليومين القادمين معكِ، حسنًا؟"

توقف بكاء سمر على الفور.

"حقًا؟"

وبعد أن تلقت تأكيد شهاب، تبدلت دموع سمر إلى ابتسامة، وأحاطت عنقه بذراعيها، بينما امتلأت عيناها بالمودة.

أظلمت نظرات شهاب وتحركت تفاحة آدم في عنقه، ثم أمسك بمؤخرة رأسها وجذبها إليه، وقبّلها بقوة.

كانت قبلتهما حارة وطويلة، وأصوات أجسادهما وهي تتلامس تعبر عن كل الشوق الذي شعرا به طوال الأيام العشرة الماضية.

وعندما رأى تيم هذا المشهد، غطى عينيه وأدار وجهه، لكنه قال بنبرة يغلب عليها المرح:

"أبي وأختي سمر، يا لكما من محرجين!"

عادت أميرة إلى غرفتها كدمية تحركها الخيوط، وانزلقت الدموع من زاوية عينيها لتبلل الوسادة، بينما كانت تعض شفتها السفلى بقوة حتى لا يخرج منها أي صوت بكاء.

ثم ظلت تردد في نفسها: اصبري قليلًا، لم يبقَ سوى القليل، وبعدها سترحلين. وهذه ستكون آخر مرة تذرف فيها الدموع من أجل شهاب وتيم.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • لا شيء أشد مرارة من الحب   الفصل 26

    "أميرة، حتى إن لم تستطيعي مسامحتنا، فإن تيم هو الطفل الذي حملتِ به عشرة أشهر وأنجبتِه.""سنرحل قريبًا، فهل يمكنكِ معانقته لمرة أخيرة؟"أمسك تيم بطرف ثوب أميرة بحذر."أمي، أعلم أنني أخطأت، أرجوكِ عانقيني لمرة أخيرة؟"وقف خالد وهو يحمل يارا بين ذراعيه، ولم يتدخل في الحديث.وفجأة، فتحت يارا فمها وتحدثت."أمي، هل هذا الأخ الكبير ابنكِ حقًا؟"وعندما سمع خالد هذا السؤال، شدّ جسده لا إراديًا.فكرت أميرة قليلًا."كان ابني يومًا ما، أما الآن فلم يعد لي أبناء سواكِ يا يارا."وما إن انتهت كلماتها حتى انهار تيم باكيًا بحرقة."لا يا أمي، أنا ابنكِ."شعرت يارا بوخزة شفقة لرؤيته يبكي بحزن شديد."أمي، هل ارتكب هذا الأخ خطأً؟ ألا تستطيعين مسامحته؟"ابتسمت أميرة بخفة وقرصت خد يارا."يارا، عندما تكبرين، ستفهمين أن بعض الأخطاء لا تُغتفر."كانت هذه الكلمات بمثابة حكم نهائي على شهاب وتيم.لن ينالا غفرانها أبدًا.وفي النهاية، لم تعبأ أميرة بردة فعلهما، وأخذت يارا من بين ذراعي خالد، ثم غادرا معًا."أمي، لا تتركيني!"راقب تيم رحيلهما، وهو يمد يده وينادي بيأس.ولم يكن أمام شهاب سوى أن يضم ابنه بقوة، والدموع تنه

  • لا شيء أشد مرارة من الحب   الفصل 25

    لم يفهم شهاب.كيف له ألا يحبها؟منذ رحيلها، لم يذق طعم النوم ليلة واحدة، حتى أنه كان مستعدًا للتضحية بصحته ليجدها.كيف تظن أميرة أنه لا يحبها؟نظر إلى أميرة، وعيناه تفيضان بألم لا ينتهي."أميرة، كيف لي ألا أحبكِ؟"ضحكت أميرة ضحكة خفيفة. "هل لقاء سمر سرًا من وراء ظهري يُسمى حبًا؟""وهل ذهابكما معها للتزلج في دولة الثلج يوم عيد ميلادي يُسمى حبًا؟""وهل حمايتك لسمر دون تردد أثناء الانهيار الثلجي يُسمى حبًا؟"ومع كل جملة تنطق بها، كان وجه شهاب يزداد شحوبًا.شعر شهاب وكأن كل كلمة تنطق بها أميرة تحولت إلى نصلٍ حاد يخترق صدره.وفي تلك اللحظة، كره شهاب نفسه.فلو أنه تمسك بمبادئه منذ البداية وأبعد سمر، لما حدث كل ما تلا ذلك.ورغم الألم الذي ملأ عيني شهاب، لم يتحرك في قلب أميرة أي شعور."أعلم أنكما جئتما إلى هنا لإعادتي.""شهاب، تيم، استمعا جيدًا. منذ اللحظة التي غادرت فيها، لم يعد يربطني بكما أي علاقة."عندما سمع شهاب كلماتها الحاسمة، ترنح بضع خطوات دون وعي، وامتلأ وجهه باليأس."أميرة، ألا يمكنكِ مسامحتنا حقًا؟"أما تيم الصغير، فلم يفهم كل ما قيل قبل ذلك، لكنه فهم الجملة الأخيرة التي قالتها أم

  • لا شيء أشد مرارة من الحب   الفصل 24

    لم يرَ تيم أميرة طوال شهرين، وبعد مشقة كبيرة تمكن أخيرًا من العثور عليها، لكنه لم يسمع طفلة أخرى تناديها "أمي" فحسب، بل اكتشف أيضًا أن الأم التي كانت تغمره بالحنان لم يبقَ منها الآن سوى البرود، فلم يعد قادرًا على تحمل ما يعتصر قلبه من ألم، وانفجر في بكاءٍ مرير."أمي، ألا تريدينني بعد الآن؟ أنا ابنكِ!"في السابق، كلما بكى تيم، كانت أميرة تواسيه بصبر. أما الآن، فهي تقف هناك صامتة تراقبه.انتظر طويلًا أن تمتد يد أمه الدافئة لتمسح دموعه، لكنها لم تفعل، وحين فتح عينيه وجد أميرة لا تزال واقفة في مكانها، تنظر إليه ببرود."هل انتهيت من البكاء؟""الآن، هل فهمت كيف كان شعوري عندما علمت أنك كنت تنادي سمر بأمي؟"منذ ولادة تيم، كانت أميرة تربيه بنفسها، وأغدقت عليه من الحب ما أغدقته على شهاب.وعندما كان يمرض، كانت تسهر إلى جواره الليل كله.وفي أول يوم له في الروضة، لم تستطع مقاومة رغبتها، فتسللت لرؤيته.وعندما كان يعاني من الكوابيس ويعجز عن النوم، كانت تتكئ على رأس السرير، تربّت على ظهره برفق وتغني له أغاني الأطفال حتى يغفو.لذلك عندما اكتشفت في البداية خيانة شهاب، كانت تواسي نفسها قائلة إن لديها ا

  • لا شيء أشد مرارة من الحب   الفصل 23

    لم يتوقع شهاب وتيم أبدًا أن يكون لقاء أميرة بعد شهرين على هذا النحو.فقبل رؤية أميرة، كان شهاب يعتقد دائمًا أنهما عاشقان منذ عشر سنوات، وأن تيم هو طفلها الذي حملته في أحشائها لعشرة أشهر.وحتى لو لم يهدأ غضبها بعد، فما دام هو وابنه سيعتذران لها بصدق، فلا بد أنها ستسامحهما.وكان واثقًا أن أسرتهما الصغيرة ستعود كما كانت، سعيدة من جديد.وسيحبها بكل قلبه، ولن تغويه أي امرأة أخرى أبدًا.لكنه لم يتوقع أبدًا أنه في غضون شهرين فقط، ستجد أميرة رجلًا آخر؛ رجل يحمل طفلة وتناديها "أمي"، وكأنهم عائلة مكوّنة من ثلاثة أفراد.تشتت ذهنه، ولم يعد قادرًا على التفكير بوضوح.أما تيم، فقد غمره الحزن.والدته التي أحبته كثيرًا غابت عنه لشهرين، وبعد عناءٍ كبير تمكن هو ووالده أخيرًا من العثور عليها.لكن الآن هناك طفلة أخرى تناديها "أمي".اندفع تيم نحوها كالسهم، محاولًا الارتماء في حضن أميرة."أمي، اشتقت إليكِ كثيرًا!"لكن أميرة كانت قد استعادت هدوءها منذ اللحظة الأولى، فانحرفت بجسدها لتتجنب عناقه."كيف وصلتما إلى هنا؟"وفي تلك اللحظة، عاد النظام الذي ظنت أميرة أنه اختفى إلى الأبد ليتحدث من جديد."أيتها المضيفة،

  • لا شيء أشد مرارة من الحب   الفصل 22

    بعد شهر آخر من البحث، لم يعثر شهاب على شيء.وكان الجميع من حوله يحثونه على الاستسلام.حتى جده المتقاعد منذ زمن طويل نصحه بالتوقف عن البحث.فبما أن أميرة قد عقدت العزم على الرحيل، فمن الطبيعي أنها لن تترك وراءها أي أثر يمكنه أن يقوده إليها.والآن وقد أصبحت الشركة على وشك الانهيار، كان عليه العودة.لكن شهاب رفض الاستسلام.وكان هو وتيم يؤمنان إيمانًا راسخًا بأنهما سيعثران على أميرة.نظر الجد عثمان إلى حفيده العنيد، فامتلأ غضبًا وعجزًا في آنٍ واحد.لو كان يعلم أنه سينتهي به المطاف في هذا الموقف المؤلم، فلماذا خان أميرة من البداية؟ولم يستطع الجد عثمان أن يقف مكتوف الأيدي أمام انهيار الشركة، لذا كان عليه أن يتدخل ويتولى شؤونها بنفسه.أما شهاب، فمنذ ذلك الحين، كرّس كل طاقته للبحث عنها.وكان تيم يرافق والده في البحث طوال الوقت.وما إن تصلهما أي معلومة يُحتمل أن تكون عن أميرة، حتى يسرعا إليها دون توقف.لكن بعد شهرٍ كامل، لم يحصدا سوى خيبة تلو الأخرى.حتى شهاب الذي لم يكن متدينًا قط، اصطحب تيم إلى كل دور العبادة.كانا يقومان بالصلاة والسجود، على أمل رؤية أميرة مجددًا.وأخيرًا، دوّى صوت آلي في ذ

  • لا شيء أشد مرارة من الحب   الفصل 21

    اختفت أميرة فجأة، وكل ما كان يعرفه من في الجامعة هو أن والديها أنهيا إجراءات إجازة دراسية لها، ومنذ ذلك الحين لم يرَ أحد لها أثرًا.لم تستطع تفسير ما حدث لخالد، فاكتفت بابتسامة اعتذار.ولم يكن خالد من النوع الذي يتطفل، فلكل إنسان أسراره.وكان يكفيه أنه استطاع لقاءها مجددًا بعد أربع سنوات.ثم دار الحديث بينهما عن يارا.وعرفت أميرة أن خالد أصبح طبيبًا، وأن انشغاله بالعمل كثيرًا ما يمنعه من التفرغ ليارا.حاول توظيف مربية، لكن المربية الأولى التي وظفها أساءت معاملة يارا سرًا.ومنذ ذلك الحين، لم يجرؤ على ترك يارا في رعاية أي شخص آخر، وأصبح يتنقل باستمرار بين عمله وبينها.ورغم صغر سن يارا، فإنها كانت شديدة التفهم؛ فبعد انتهاء الدوام المدرسي كانت تنتظر خالد عند الأرجوحة ليصطحبها، أما في عطلات نهاية الأسبوع فكانت تبقى في المنزل بهدوء.زاد ذلك من شفقة أميرة عليها.فعندما كان تيم في الرابعة من عمره، لم تكن تفارقه لحظة.أما يارا فكانت كثيرًا ما تبقى وحدها في المنزل.رأى خالد الحزن الواضح على وجهها، فتحدث إليها بتردد:"أميرة، لدي طلب قد يكون ثقيلًا بعض الشيء...""أرى أن يارا تحبكِ كثيرًا، فهل يمكن

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status