Masukاستيقظتُ على ضوء الصباح يتسلل عبر الستائر، خافتاً ودافئاً، وأول ما لمسته يدي لم يكن الهاتف الذي كان يملأ كل صباحاتي السابقة بقلق جديد، بل كتف كريم، نائماً بجانبي، أنفاسه هادئة ومنتظمة، كأن الليلة الماضية محت من وجهه كل أثر للأيام الثقيلة التي سبقتها. بقيتُ ساكنة لدقائق طويلة، أتأمل وجهه في ضوء الصباح الخافت. كان نائماً بسلام لم أره عليه من قبل، حتى في أهدأ لحظاتنا السابقة، كأن جسده، بعد كل تلك الأسابيع من الحساب والتوتر والهروب، وجد أخيراً مكاناً يستطيع أن يستسلم فيه بالكامل. تذكرتُ كل شيء حدث الليلة الماضية، الكلمات التي قالها، الوعد الذي قدمه، اللمسات التي محت أثر كل خوف تراكم فيّ طوال أيام انتظاره. شعرتُ بابتسامة تتشكل على وجهي بلا قصد، ابتسامة امرأة تستيقظ على شيء جديد كلياً في حياتها، شيء لم تعرف من قبل كيف تسميه: صباح لا يحمل قلقاً معلقاً. تحركتُ بحذر، حاولتُ أن أنزل من السرير دون أن أوقظه، لكن يده، حتى في نومه، أحاطت بمعصمي بلطف، كأنه يرفض، حتى وهو غارق في نومه، أن يتركني أبتعد. "إلى أين تذهبين؟" سأل بصوت مبحوح بالنوم، عيناه نصف مفتوحتين. "كنتُ أفكر أن أحضّر قهوة." قلتُ، و
وقفتُ أمام بابها بعد ثلاثة أيام، أحمل في يدي وردة واحدة، بسيطة، لا باقة كاملة، لأنني أردتُ أن تكون الإشارة بسيطة كصدقي، لا مبالغة تحاول أن تعوّض غياباً طويلاً. طرقتُ الباب، وانتظرتُ، وقلبي ينبض بسرعة لم أعهدها، حتى عند أصعب اللحظات بيننا. فتحت الباب، ووقفت أمامي، وجهها يحمل مزيجاً من الدهشة والانتظار الذي طال أكثر من أسبوع، عيناها تتفقدان وجهي كأنها تتأكد أنني فعلاً أنا، الرجل الذي وعد بالعودة. "كريم." "أنا هنا." قلتُ ببساطة، ومددتُ يدي بالوردة. "كما وعدتُك." أخذتها بيد مرتجفة قليلاً، ونظرت إليّ، وفي عينيها رأيتُ كل الأسئلة التي لم تُطرح بعد، وكل الخوف الذي حملته طوال أيام انتظاري. "تعال." قالت أخيراً، وابتعدت عن الباب لتفسح لي المجال. دخلتُ، وأغلقتُ الباب خلفي بهدوء، وللحظة، وقفنا كلانا في صمت، ننظر إلى بعضنا في تلك الصالة التي شهدت كل شيء: لحظة الإرسال، مواجهتي معها، عودتي المتأخرة. "لقد فكرتُ في كل ما قلته على الهاتف." قالت أخيراً، وخطت خطوة نحوي. "في صدقك، في اعترافك عن سارة، عن دافعك الأول. وأدركتُ أنني، لأول مرة منذ بدأ كل هذا، أشعر أنني أعرفك حقاً، لا الصورة المثالية ال
رنّ الهاتف في الليل، واسمه على الشاشة جعل قلبي يتسارع بطريقة لم أتوقعها بعد كل هذه الأيام من محاولة أن أعتاد غيابه. تركتُه يرنّ مرتين، ليس عناداً، بل لأنني احتجتُ ثانيتين لأجمع نفسي قبل أن أسمع صوته من جديد. نظرتُ إلى الاسم على الشاشة، أتذكر آخر مرة رأيتُه فيها يخرج من بابي بكلمة "سأعود" معلقة بلا وعد محدد، وشعرتُ بقلبي يتأرجح بين رغبة في الرد فوراً وخوف من أن يكون هذا الاتصال خيبة جديدة تُضاف إلى قائمة طويلة بدأت تتشكل في داخلي دون أن أشعر. أجبتُ أخيراً. "كريم." "راما." قال اسمي بنبرة لم أعرفها فيه من قبل، أهدأ من كل المرات السابقة، أثقل بشيء يشبه الوضوح. "أعرف أنني تركتُك أياماً بلا كلمة. وأعرف أن هذا لم يكن عادلاً." "لم يكن." قلتُ بصدق، بلا غضب، فقط حقيقة عارية بيننا. شعرتُ بحاجة لأن أضيف شيئاً، أن أخفف من حدة الجملة، لكنني توقفتُ. تذكرتُ نصيحتي لنفسي في تلك الليالي الطويلة: لا مزيد من تلطيف الحقائق لإرضاء من حولي. "أحتاج أن أقول لك أشياء، وأحتاج أن تسمعيني كاملاً، قبل أن تردي." قال، وفي صوته شيء من التوسل الهادئ، لا التوسل الذي عرفتُه منه ليلة الصور، بل توسل أكثر نضجاً، توسل
وصلتُ إلى غرفته في السكن الجامعي، في ذلك المبنى الذي عرفه كل طلاب كليتنا، بلا اتصال مسبق، كما لم أفعل منذ زمن، منذ أول أسابيعنا هنا حين كان بابه مفتوحاً لي في كل أزمة لم أعرف كيف أحملها وحدي. طرقتُ، وفتح زياد الباب، بملابس البيت البسيطة، وزميل غرفته يجلس على سريره الآخر بسماعات في أذنيه، غارقاً في شاشة حاسوبه، لا ينتبه إلينا. نظر زياد إليّ للحظة، ولم يطرح سؤالاً واحداً عن سبب وجودي، فقط قال: "تبدو كأنك لم تنم منذ أسبوع." ثم أشار برأسه نحو السلم. "تعال، لنخرج إلى السطح. نحتاج هواء، وهو يحتاج هدوءاً ليكمل واجبه." صعدنا إلى سطح المبنى، المكان الذي عرفناه جيداً منذ سنتنا الأولى معاً، حيث جلسنا مرات لا تُحصى نهرب من ضيق الغرف المشتركة. جلستُ على الحافة الإسمنتية المنخفضة، وأدركتُ، للمرة الأولى منذ بدأت هذه الكارثة، أنني في مكان لا يحمل أي أثر من راما، أو أحمد، أو أبي. سطح بسيط، خالٍ من كل الأشباح التي تتبعني في كل مكان آخر، حتى في غرفتي الخاصة التي أصبحت، منذ أسابيع، تحمل رائحتها هي. "تحدث." قال زياد ببساطة، وجلس بجانبي، يحمل كوبين من الشاي السريع الذي أعدّه قبل أن نصعد، كأنه يعرف أن ال
طرق الباب بنبرة لم أعرفها فيه من قبل، ثلاث طرقات متباعدة، هادئة، لا تحمل أي استعجال، كأن الرجل الذي يقف خلف هذا الباب ليس الرجل الذي توسل إليّ منذ أيام أن أوقف نفسي، ولا الرجل الذي اختفى بعدها بصمت قاسٍ. فتحتُ الباب، ووجدتُه واقفاً، هادئاً، بارداً، بطريقة أزعجتني أكثر من أي غضب كان يمكن أن يحمله. وجهه لم يكن غاضباً، ولا مكسوراً كما تخيلتُه طوال أيام صمته، بل كان وجهاً مغلقاً، محسوباً، وجه رجل قرر، قبل أن يطرق الباب، ما الذي سيقوله، وكيف. "كريم." قلتُ، وشعرتُ بصوتي يخرج أخف مما قصدت، كأن أسابيع القلق المتراكمة فيّ خرجت كلها في تلك الكلمة الواحدة. لم يجب. دخل، تجاوزني، ووقف في وسط الصالة، يديره عينيه في المكان الذي كان شاهداً على كل ما حدث، كأنه يبحث عن أثرٍ تركه هو نفسه، أثرٍ يثبت أن شيئاً حقيقياً حدث بيننا في هذا البيت. "أين كنتَ؟" سألتُ، وأغلقتُ الباب خلفي. "اتصلتُ بك عشرات المرات، كريم. كتبتُ لك رسائل. اختفيتَ." استدار ببطء، ونظر إليّ، وعيناه تحملان شيئاً لم أره فيهما من قبل، شيء يشبه التحقيق أكثر مما يشبه الحب. "لماذا لم تخبريني؟" السؤال جاء هادئاً، بلا صراخ، بلا انفعال، وهذ
لم أعرف لماذا فتحتُ اسمها في هاتفي. لم أعرف، حتى وأنا أضغط على زر الاتصال، ماذا سأقول لها، أو لماذا، من بين كل الأشخاص الذين يمكن أن أتصل بهم في هذه اللحظة، اختار عقلي الغارق أن يذهب إليها. سارة. رنّ الهاتف مرتين، ثلاثاً، وكنتُ على وشك أن أغلق الخط، أن أتراجع عن قرار لم يكن قراراً حقيقياً بقدر ما كان غريزة هاربة، حين سمعتُ صوتها أخيراً. "كريم؟" اسمي في فمها بدا غريباً بعد كل هذه الأسابيع من الصمت بيننا. تردّدتُ قبل أن أجيب، وشعرتُ بصمتي يمتد أطول مما ينبغي. "سارة. أعرف أن هذا غريب، أن أتصل بعد كل هذا الوقت، لكنني..." توقفتُ، أبحث عن كلمات لا تخون حجم ما أحمله. "أحتاج أن أراك. إن كان هذا ممكناً." صمتت من جهتها هي أيضاً، وشعرتُ بثقل ذلك الصمت يمتد عبر الخط، كأنها تزن السؤال، تزن العلاقة التي تركناها معلقة بلا نهاية واضحة، بلا كلمة فراق حقيقية، فقط تباعد بطيء لم يجرؤ أحدنا على تسميته بنهايته الحقيقية. "لماذا؟" سألت أخيراً، وصوتها حمل حذراً لم أعهده فيها من قبل، حذر امرأة تعلمت، ولو متأخرة، أن لا تفتح بابها لكل من يطرقه بصوت متعب. "لا أعرف بالضبط." قلتُ بصدق غريب، صدق لم أخطط له.
اتصلتُ به للمرة الخامسة، والهاتف يرنّ، يرنّ، ثم يصمت، كأن الصوت نفسه يستسلم لاستحالة الوصول إليه. لم أتركه يذهب إلى البريد الصوتي هذه المرة. أغلقتُ المكالمة بنفسي قبل أن يفعل النظام ذلك، كأنني أحاول أن أحتفظ بآخر قطعة من السيطرة في يدٍ بدأت تشعر، للمرة الأولى منذ ضغطتُ "إرسال"، بأنها لا تملك شيئاً
اتصلتُ بهما معاً، أبي وأمي، عبر مكالمة فيديو لم أستطع أن أنظر فيها إلى وجهيهما طويلاً. كان أبي يجلس في صالته المعتادة، الكرسي الذي لا يتغير مكانه منذ سنوات، وأمي بجانبه، يداها متشابكتان في حجرها بشكل بدا، حتى قبل أن أبدأ، كأنها تستعد لخبرٍ لا تريد أن تسمعه. "أحمد، ما بك؟ وجهك..." بدأت أمي، وصوتها
اتصلتُ بليلى لأنني لم أعرف بمن أتصل غيرها. لم أكن أبحث عن حل، ولا عن نصيحة، كنتُ فقط أحتاج صوتاً لا يحاكمني، صوتاً لا يعرف كيف وصلتُ إلى هذه اللحظة لأنه لا يملك الحق في أن يسأل. ليلى ردّت من النفس الثاني، كأنها كانت تنتظر، كأن جسدها بأكمله مهيأ دائماً لاستقبال انكساري. "أحمد؟ ما بك؟ صوتك..." لم
رنّ الهاتف، وعلى الشاشة اسم واحد جعل معدتي تنقبض قبل أن ألمسها: "أبي." لم أرد فوراً. تركتُه يرنّ مرتين، ثلاثاً، أحاول أن أجمع نفسي من شتات لم أتوقع أن يأتي بهذه السرعة. عرفتُ، في اللحظة التي رأيتُ فيها الاسم، أن أحمد قد تكلّم. لم يكن هناك طريق آخر ليصل الخبر بهذه السرعة. أجبتُ أخيراً. "أبي." "ك







