LOGINالفصل الثامن:
لم تكن تاليا تعرف أن دخولها إلى قصر الجارحي سيغيّر حياتها بهذه السرعة، لكنها لم تتوقع أيضًا أن تصبح أولى مهامها اليومية هي محاولة النجاة من زوجها الذي يتعامل معها كأنها كارثة طبيعية أصابت ممتلكاته الخاصة، لا امرأة فُرض عليها الزواج منه كما فُرض عليها كل شيء آخر منذ لحظة اكتشافها أنها وريثة إمبراطورية الجارحي.
وفي صباح اليوم التالي لعودتها من المستشفى، كانت قد اتخذت قرارًا مصيريًا.
ستعيش في هذا القصر بطريقتها، وستأكل ما تريد، وترتدي ما تريد، وتدخل الغرف التي تريدها، ولن تسمح لأحد بأن يعاملها كأنها ضيفة ثقيلة الظل تنتظر الإذن حتى تتنفس.
أما يزن الجارحي، فكان آخر شخص تنوي استئذانه.
وقفت تاليا أمام باب الحمّام، تضغط على مقبضه للمرة الثالثة، ثم تدفعه بكتفها في محاولة يائسة لإغلاقه.
تحرك الباب قليلًا، وأصدر صوتًا مزعجًا، ثم عاد وانفتح بمقدار شبر كامل.
حدقت فيه بغيظ.
«رائع! رائع جدًا! قصر بملايين الجنيهات، وثروة تستطيع شراء نصف البلد، وفي النهاية لا يوجد باب حمّام صالح للإغلاق!»
أعادت المحاولة، هذه المرة بعنف أكبر، فاهتز الباب في إطاره الخشبي، بينما انفلتت من فمها شتيمة مكتومة.
كانت قد قضت نصف ساعة في البحث عن قطعة ملابس مناسبة، ونصف ساعة أخرى في محاولة العثور على فرشاة شعرها التي اختفت بطريقة غامضة، ثم اكتشفت أن قفل الحمّام لا يعمل. والآن، بعد كل هذا، كان عليها أن تقرر بين الاستحمام مع إبقاء الباب مواربًا، أو تأجيل الأمر حتى يتكرم أحد أفراد العائلة بإرسال نجار لإصلاحه.
وبما أنها لم تكن من النوع الذي يؤجل مشكلاته انتظارًا لرحمة الآخرين، فقد مدت يدها إلى مقعد صغير وسحبته نحو الباب، ثم وضعته أمامه لتمنعه من الانفتاح.
تراجعت خطوتين، تأملت اختراعها الهندسي، ثم أومأت بإعجاب.
«عبقرية. لو كنت أمتلك شركة مثل يزن، لكنت الآن أغنى منه.»
حملت ملابسها النظيفة ودخلت الحمّام، وأغلقت الباب قدر الإمكان، ثم دفعت المقعد خلفه حتى استقر في مكانه.
كان الحمّام واسعًا، بأرضيته الرخامية الفاتحة وحوض الاستحمام الكبير المحاط بأرفف تحمل مستحضرات باهظة الثمن، لكن تاليا لم تنبهر بشيء من ذلك. كانت لا تزال غاضبة من كل ما حدث خلال اليومين الماضيين؛ من زواجها الإجباري، إلى المؤامرة التي كادت تودي بها إلى المستشفى، وصولًا إلى ذلك الرجل الذي جلس بجوار سريرها طوال الوقت ثم أفسد اللحظة الوحيدة التي شعرت فيها بالامتنان له.
فتحت صنبور المياه، واختبرت حرارتها بأطراف أصابعها، ثم رفعت شعرها عن رقبتها وتنهدت براحة حين بدأت قطرات الماء الدافئ تنساب فوق كتفيها.
للمرة الأولى منذ وصولها إلى هذا القصر، شعرت بأنها تستطيع أن تتوقف عن التفكير قليلًا.
لم تكن تعرف أن هدوءها لن يستمر أكثر من دقائق معدودة.
في الطابق الآخر من القصر، كان يزن يقف أمام مكتبه، يراجع رسائل العمل التي تراكمت خلال اليومين الماضيين، بينما كان هاتفه ملقى بجوار مجموعة من الملفات.
لم ينم جيدًا في الليلة السابقة.
لم يكن السبب تاليا، كما أقنع نفسه أكثر من مرة، بل التحقيق الذي بدأه بشأن العصير، والمعلومات التي جمعها رجاله، والشكوك التي لم يستطع التخلص منها منذ أن رأى عمته تمد يدها إلى الكأس في تسجيل المراقبة.
كان الطبيب قد أخبره أن نتائج الفحوصات الأولية لا تسمح بتحديد المادة التي تسببت في الأعراض على نحو قاطع، وأن التحاليل الإضافية ستحتاج إلى وقت. ولم يكن ذلك كافيًا لإرضائه.
لقد أراد إجابة واضحة، واسمًا للمادة، ودليلًا لا يستطيع أحد إنكاره.
لكنه لم يحصل على أي منها بعد.
أغلق الملف الذي بين يديه، ثم التقط ورقة صغيرة كانت قد بقيت فوق المكتب منذ الأمس.
كانت إحدى ملاحظات المحامي بشأن إجراءات الوصية، وقد كتب في أسفلها أن بعض المستندات الأصلية لا تزال محفوظة في الخزانة الموجودة داخل جناحه.
قطب حاجبيه.
لقد ترك المستندات هناك قبل أيام، ثم نسي نقلها إلى المكتب بعد عودته من المستشفى.
لم يكن يرغب في النزول إلى الطابق السفلي أو استدعاء أحد الخدم من أجل أوراق يستطيع إحضارها بنفسه، ولذلك أخذ مفاتيحه، وغادر مكتبه متجهًا إلى الجناح.
كان يعرف أن تاليا غالبًا ما تكون في الغرفة في هذا الوقت، لكنه لم يتوقع أن تكون المشكلة الحقيقية في الباب المجاور.
وصل إلى الجناح، ودفع الباب الرئيسي، ثم ألقى نظرة سريعة على السرير.
لم يجدها.
كانت حقيبتها مفتوحة فوق المقعد، وملابسها مبعثرة على أحد جانبي الغرفة، بينما استقر جهازها اللوحي فوق الوسادة التي أعلنت في الليلة الأولى أنها ملكها.
تمتم بضيق:
«فوضى لا تنتهي.»
اتجه إلى الخزانة، أخرج الملف المطلوب، ثم عاد نحو المكتب الصغير المجاور للحمّام بحثًا عن قلم تركه هناك في الليلة السابقة.
وفي اللحظة التي مر فيها أمام الباب، سمع صوت ارتطام مكتوم من الداخل.
توقف.
نظر إلى الباب، ثم إلى الأرض، حيث كان المقعد الصغير موضوعًا خلفه بطريقة غير مألوفة.
عبس، ومد يده إلى المقبض.
«ما هذا؟»
أدار المقبض ودفع الباب.
انفتح بمقدار ضئيل، ثم اصطدم بالمقعد الذي وضعته تاليا خلفه.
دفعه مرة أخرى، هذه المرة بقوة أكبر، فانزلق المقعد فوق الأرض، وانفتح الباب فجأة.
وفي اللحظة نفسها، وصل إليه صوت الماء.
تجمد مكانه.
كان الزجاج المشبر الذي يفصل مساحة الاستحمام عن بقية الحمّام يحجب التفاصيل، لكنه لم يترك مجالًا للشك في أن تاليا موجودة بالداخل.
استدار يزن فورًا، وأغلق عينيه للحظة، ثم تراجع إلى الخارج وهو يسب نفسه بصوت منخفض.
«ما الذي تفعله هذه المجنونة؟!»
مد يده إلى الباب وأغلقه بعنف، ثم صاح من خلفه:
«أنتِ لا تغلقين الأبواب أبدًا؟!»
جاءه صوت تاليا من الداخل، مرتفعًا بما يكفي ليجعل الصدى يتردد في الممر.
«ماذا؟!»
«الباب! ألا تعرفين كيف تغلقين الباب؟!»
ساد صمت قصير، ثم جاء صوتها غاضبًا:
«الباب مغلق أصلًا!»
نظر يزن إلى المقبض، ثم إلى المقعد الذي استقر بعيدًا عنه.
«إنه لا يُغلق!»
«أهنئك على اكتشافك العظيم! هل تريد جائزة؟»
ضغط على جسر أنفه محاولًا السيطرة على أعصابه.
«كان بإمكانك إخباري بأن القفل معطل.»
«وكان بإمكانك طرق الباب قبل أن تقتحمه، يا صاحب القصر!»
«لم أكن أعرف أنكِ بالداخل!»
«وهل هذا يمنحك الحق في دخول أي مكان دون استئذان؟!»
فتح فمه ليرد، لكنه أغلقه مجددًا.
كانت محقة في هذه النقطة، وهو يكره الاعتراف بذلك.
ألقى نظرة على الساعة في معصمه، ثم قال بنبرة مقتضبة:
«سأرسل أحدًا لإصلاح القفل.»
«لا، شكرًا! أرسل أحدًا ليصلح عقلك أولًا، ثم اهتم بالأبواب!»
أغمض عينيه.
هذه المرأة ستدفعه إلى ارتكاب جريمة قبل أن ينتهي الشهر الأول.
وكان ينوي الرد عليها بكلمات تجعلها تندم على كل حرف نطقت به، لولا أنه سمع صوتها يتحرك داخل الحمّام، ثم صوت شيء يسقط على الأرض.
وبعد ثوانٍ، انفتح الباب فجأة.
خرجت تاليا من الحمّام مرتدية رداء الاستحمام، وقد لفت منشفة حول شعرها المبتل، بينما كانت قطرات الماء تنساب من أطراف خصلاتها إلى كتفيها.
توقفت عند العتبة، وما إن رأت يزن واقفًا أمامها حتى اتسعت عيناها.
أما هو، فاستدار إليها في اللحظة نفسها، ثم تجمد مكانه.
لم تكن تتوقع وجوده هناك، ولم يكن يتوقع أن تخرج إليه بهذه السرعة. للحظة قصيرة، تبادلا نظرة صامتة، قبل أن تستوعب تاليا ما حدث، فتشهق وتشد طرف الرداء حول جسدها.
«أنت!»
رفع يزن يديه فورًا، وأدار وجهه إلى الجانب.
«أنا لم أفعل شيئًا! أنتِ التي خرجتِ فجأة!»
حدقت فيه بذهول، ثم انفجرت غاضبة:
«أخرجتَ الباب من مكانه، ثم تقف هنا وتلقي اللوم عليَّ؟!»
«قلت لكِ إنني لم أكن أعرف أنكِ بالداخل!»
«وكان بإمكانك أن تطرق الباب!»
«وكان بإمكانك أن تضعي لافتة كبيرة تقول إنكِ بالداخل!»
«أضع لافتة؟! هل تريدني أن أكتب لك رسالة رسمية أيضًا؟ عزيزي السيد يزن الجارحي، أحيطك علمًا بأنني أستحم الآن، يرجى عدم اقتحام الحمّام حتى إشعار آخر؟!»
كاد يلتفت إليها من شدة انفعاله، لكنه تذكر حالتها، فأبقى وجهه في الاتجاه الآخر.
«أنتِ مستحيلة!»
«وأنت قليل الأدب!»
«أنا قليل الأدب؟!»
بقي واقفاً أمام باب دورة المياه.لم يكن باباً نظيفاً، ولا لامعاً كأبواب قصر الورثة التي كان يمسحها الخدم كل ساعة. كان باباً خشبياً قديماً، طلاؤه متقشر، مقبضه ساخن من شمس الصحراء. ورائحة المطهر الرخيص تخرج منه. وكان يزن الورثة، الذي لم يدخل في حياته استراحة كهذه على طريق صحراوي، الذي اعتاد أفخم الفنادق والطائرات الخاصة، واقفاً أمامه الآن كأنه يقف أمام باب الجنة أو باب النار، لا يعرف أيهما سيفتح.مرت دقيقة.نظر إلى ساعته. كانت الثانية تمر كأنها ساعة. وضع يده في جيبه، أخرجها، وضعها على قلبه، لم يستطع الوقوف ثابتاً. بدأ يذرع الممر الصغير ذهاباً وإياباً، ثلاث خطوات يميناً، ثلاث خطوات يساراً. كلما مرت سيارة مسافرة ونظر إليه ركابها باستغراب، لم يهتم. كان يسمع فقط صوتاً واحداً قادماً من الداخل: لا شيء. صمت.مرت دقيقتان.طرق على الباب برفق، برفق شديد كأنه يطرق على قلبها.قال بصوت خافت:- تاليا؟ حبيبتي؟ هل أنتِ بخير؟جاءه صوتها من الداخل، مرتجفاً، مبحوحاً:- لحظة... لحظة يا يزن...كانت الكلمة "يا يزن" كافية لتجعله يبقى. جلس على الأرض، نعم، جلس على الأرض المتسخة للاستراحة، ببنطاله الغالي وقميصه
لم يناما تلك الليلة إلا قليلاً.بقي الخاتم الجديد في إصبع تاليا يلمع كلما تحركت يدها في الظلام، وكانت ترفعه بين الحين والآخر إلى ضوء القمر لتتأكد أنه لا يزال موجوداً، أنه ليس حلماً. وكان يزن كلما استيقظ للحظة، يبحث بيده عن يدها، يجدها، يقبض عليها، ثم يعود ليغفو مطمئناً.عند الفجر، قبل أن تشرق الشمس، استيقظ يزن. جلس على حافة السرير الخيزراني، نظر إلى تاليا النائمة، إلى وجهها الهادئ، إلى شعرها المنتشر، إلى الخاتم في يدها. تنهد تنهيدة طويلة. كان يعلم أن هذه الرحلة يجب أن تنتهي. أسبوعان كاملان بلا هواتف، بلا ورثة، بلا فريال، بلا محامين، بلا قصر يراقب أنفاسهما. أسبوعان كانا كحلم سرقه من الزمن. لكن الورثة لا يزال هناك، والقصر لا يزال ينتظرهما، والحياة الحقيقية لا تهرب إلى الأبد.مد يده وأيقظها برفق. مرر إصبعه على وجنتها.قال بصوت خافت:- تاليا. حبيبتي. استيقظي.فتحت عينيها ببطء، نصف نائمة، نصف مستيقظة. ابتسمت حين رأته.قالت بصوت ناعس:- صباح الخير.قال:- صباح الخير. يجب أن نعود اليوم.تغير وجهها فجأة. اختفت الابتسامة. اعتدلت جالسة، ضمت الغطاء إلى صدرها.قالت بقلق واضح:- نعود؟ إلى القصر؟ق
مر النهار كله وهما لا يغادران البيت إلا قليلاً. لم يذهبا إلى السوق، ولم ينزلا إلى البحر كما فعلا في اليوم الأول. بقيا في الداخل، كأنهما يخافان أن يخرجا فيسرقهما العالم مرة أخرى ويعيدهما إلى القصر والورثة والعقود.كانت تاليا تجلس على الأرض الخشبية، ترتب الأصداف الصغيرة التي جمعتها بالأمس في صحن فخاري، وكان يزن يجلس خلفها، ظهره إلى الحائط، وهي مسندة ظهرها إلى صدره، بين ساقيه. كان يلف ذراعيه حولها، يضع ذقنه فوق كتفها، يراقب أصابعها الصغيرة وهي تقلب الصدف.قالت تاليا دون أن تلتفت:- هذه تشبه قلباً.قال يزن وهو ينظر حيث تشير:- أين؟رفعت صدفة صغيرة بيضاء، فيها انحناءة تشبه القلب فعلاً.قالت بابتسامة:- هنا. خذها.أخذها يزن ووضعها في جيب قميصه، فوق قلبه.قال:- سأحتفظ بها.سكتت قليلاً، ثم قالت فجأة، وكأن الفكرة خطرت لها للتو، لكنها في الحقيقة كانت تدور في رأسها منذ الصباح:- يزن.- همم؟- لو لم يجبرنا جدك على الزواج... لو لم يكن هناك ورث، ولا عقد، ولا فريال تراقبنا... هل كنا سنحب بعضنا؟ هل كنت ستنظر إلي أصلاً؟سكت يزن. كان السؤال أعمق مما يبدو. أغمض عينيه، وضمها أكثر، كأن السؤال أيقظ خوفاً
استيقظ يزن قبلها.هذه عادته منذ صغره في قصر الورثة، يستيقظ في الخامسة فجراً، يراجع الأوراق، يصدر الأوامر، لا يسمح لأحد أن يراه نائماً، ضعيفاً. كان النوم بالنسبة له حالة مؤقتة من فقدان السيطرة، وكان يكره فقدان السيطرة.لكنه هذا الصباح لم ينهض. بقي مستلقياً على ظهره، ينظر إلى سقف الخشب، ويستمع.كان هناك ثقل لطيف فوق صدره. دفء. أنفاس منتظمة تلامس عنقه.خفض بصره ببطء.كانت تاليا نائمة فوقه تماماً، كما غفت الليلة الماضية. شعرها الأسود منكوش، منتشر فوق صدره العاري، وفوق وجهه، وبعضه ملتصق بشفتيها. قميصه هو يغطي جسدها، لكنه انحسر قليلاً عن كتفها، فبدا الكتف أبيض تحت ضوء الصباح. يدها الصغيرة موضوعة فوق قلبه تماماً، كأنها تحرسه. وشفاهها مفتوحة قليلاً، تتنفس بهدوء طفل صغير.لم يرها هكذا من قبل.في القصر، كانت تاليا تستيقظ قبله، تضع مساحيقها، ترتدي قناع القوة، وتخرج لتواجهه كندّ. كان يراها دائماً مستعدة للقتال. أما الآن فكانت بلا قناع، بلا مساحيق، بلا قوة مصطنعة. كانت نائمة بسلام، بثقة مطلقة، كأنها تعلم أن هذا الصدر الذي تنام عليه لن يؤذيها أبداً.مد يزن يده بتردد شديد، وبحذر كأنه يخشى أن يكسر شي
لم يكن الليل كأي ليل مر عليهما في قصر الورثة.في القصر، كان الليل طويلاً، بارداً، مقسماً. غرفتان، بابان مغلقان، وممر طويل بينهما كانت تمشيه فريال كل صباح لتتأكد أن كلاً منهما نام في غرفته، التزاماً ببنود العقد. كان زواجهما في القصر ورقة، توقيعاً، شرطاً للورث. كانت تاليا تنام ويدها تحت خدها، تبكي بصمت، وكان يزن يجلس في غرفته على حافة السرير، يدخن سيجارة لا يحبها، وينظر إلى الحائط الذي يفصله عنها، يحدث نفسه: غداً ستلين، غداً ستنظر إلي.أما الليلة في بيت دهب الصغير، فلم يكن هناك حائط. لم يكن هناك عقد. لم يكن هناك شرط. كانت النافذة مفتوحة، ونسيم البحر يدخل حاملاً رائحة الملح، والقمر يرسم مربعاً من الضوء على الأرض الخشبية، وصوت الموج يطرق الباب كضيف بعيد.كانت تاليا مستلقية، وشعرها المبلل ينتشر فوق الوسادة، وعيناها مثبتتان على يزن. لم تكن ترتجف. هذه هي المرة الأولى التي لا ترتجف فيها أمامه. في كل المرات السابقة، حتى حين كان يمسك يدها أمام المحامي ليمثلا أنهما زوجان سعيدان، كانت يدها باردة، مرتجفة. أما الآن فكانت يدها دافئة، تبحث عن يده.قال يزن بصوت خافت، وهو يمرر ظهر يده على وجنتها برفق ك
لم يخرجا من البيت بعد شجار الصباح. بقي يزن جالساً على الأرض، رأسه على ركبتي تاليا، وهي تمرر أصابعها في شعره بصمت. كان صمتاً ثقيلاً، لكنه لم يكن صمت الخصام الذي اعتاداه في قصر الورثة، حيث كان كل منهما ينام في غرفة ويغلق الباب. كان صمتاً مليئاً بالاعتراف، كأن كل منهما يخاف أن يتكلم فيفسد ما قيل.قالت تاليا أخيراً بصوت خافت:- يزن.قال دون أن يرفع رأسه:- همم؟قالت:- ظهري يؤلمني من الجلوس هكذا.ضحك، رفع رأسه ونظر إليها، عيناه لا تزال حمراء قليلاً من الغضب والندم. نهض وجلس بجانبها على السرير، أسند ظهره إلى الحائط الخشبي.قال:- نامي قليلاً. سأذهب لأصطاد لنا شيئاً، كما وعدتك.قالت بسرعة وتمسكت بكم قميصه:- لا تذهب. ابقَ.نظر إليها متفاجئاً. كانت تاليا دائماً هي التي تطلب الابتعاد، تطلب مساحة، تطلب باباً مغلقاً. هذه أول مرة تطلب منه البقاء بهذا الوضوح.قال بابتسامة صغيرة:- سأبقى. لن أذهب إلى أي مكان.مر النهار بطيئاً، هادئاً. طبخا معاً بيضاً احترق نصفه، فضحكا عليه كثيراً. جلسا أمام البيت يشاهدان الغروب، لم يتحدثا عن الورثة، ولا عن فريال، ولا عن القصر، ولا عن المحامي الذي ينتظرهما في القاه







