LOGINالفصل السابع:
وفي تلك اللحظة، أخرج هاتفه واتصل بأحد رجال الأمن المسؤولين عن القصر.
جاءه الرد بعد رنينتين.
«نعم، سيدي؟»
قال يزن بصوت منخفض، لكنه حاسم:
«أريدك أن تمنع أي شخص من دخول غرفة الطعام الصغيرة أو إخراج أي شيء منها حتى أصل. لا تسمح لأحد بتنظيف المكان، ولا تلمسوا أي أدوات أو أكواب موجودة هناك.»
تردد الرجل.
«هل حدث شيء، سيدي؟»
ثبت يزن عينيه على باب الطوارئ.
«زوجتي تعرضت لوعكة مفاجئة بعد شرب العصير. أريد أن أعرف كل شخص دخل الغرفة هذا الصباح، وكل شخص اقترب من ذلك الكأس. مفهوم؟»
«مفهوم، سيدي.»
أنهى المكالمة، ثم رفع عينيه نحو الطبيب.
«أريد معرفة ما الذي حدث لها بالضبط.»
أجابه الطبيب بهدوء:
«سنبذل كل ما نستطيع، لكن علينا انتظار نتائج الفحوصات قبل الجزم بأي سبب.»
أومأ يزن ببطء.
ثم استدار نحو باب الطوارئ، وأخرج هاتفه مجددًا، هذه المرة ليتصل بفريال.
ردت بعد رنينتين، وجاء صوتها محملًا بقلق مصطنع:
«يزن! كيف حال تاليا؟ هل استعادت وعيها؟ كنت خائفة جدًا عليها!»
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم سألها:
«من أعدَّ لها العصير؟»
توقفت فريال عن الكلام.
كانت لحظة قصيرة، بالكاد استغرقت ثانية واحدة، لكنها كانت كافية كي يلاحظها.
ثم أجابت:
«إحدى الخادمات، على ما أظن. لماذا تسأل؟»
ابتسم يزن ابتسامة باردة لم ترها.
«لأنني أريد أن أعرف.»
«يزن، لا داعي لتضخيم الأمر. ربما لم تأكل جيدًا، أو تناولت شيئًا لم يناسبها. أنت تعرف أنني لم أقصد إلا الاهتمام بها.»
أغمض عينيه للحظة، ثم قال:
«بالطبع يا عمتي. أنا أعرف جيدًا كم تهتمين بها.»
أنهى المكالمة قبل أن تجيبه.
ظل واقفًا في الممر، يحدق في شاشة هاتفه السوداء، بينما أخذت الشكوك تتجمع في رأسه كقطع أحجية لم تكتمل بعد.
كان يعرف فريال منذ طفولته.
ويعرف أنها قادرة على التلاعب بالآخرين حين يتعلق الأمر بمصالحها.
لكنه لم يكن يملك دليلًا واحدًا يربطها بما حدث لتاليا.
والأهم أنه لم يكن يعرف بعد إن كان ما حدث مجرد محاولة لإخافتها، أم أن شخصًا ما قرر بالفعل أن وجودها في هذا القصر يجب أن ينتهي.
بعد قرابة ساعة، فتحت تاليا عينيها ببطء.
كان الضوء الأبيض المنبعث من المصباح فوق رأسها مزعجًا، ورأسها ثقيلًا على نحو جعلها تتمنى لو تستطيع العودة إلى النوم لبضع ساعات أخرى.
حركت أصابعها، ثم أدارت وجهها نحو الجانب، لتجد يزن جالسًا على المقعد المجاور للسرير، وقد خلع سترته ووضعها على ظهر المقعد، بينما استند بمرفقيه إلى ركبتيه، ممسكًا بهاتفه.
رفعت حاجبيها بصعوبة.
«هل متُّ؟»
رفع يزن رأسه فورًا.
وحين رآها مستيقظة، اعتدل في جلسته.
«ليس بعد، على ما يبدو.»
أغمضت عينيها مجددًا، ثم تمتمت:
«يا للأسف. كنت أتمنى أن أموت وأتركك تعيش مع ضميرك لبقية حياتك.»
حدق فيها طويلًا، ثم أطلق زفرة حادة.
«هل يمكنك التوقف عن إهانتي لمدة خمس دقائق فقط؟»
فتحت عينًا واحدة ونظرت إليه.
«هل يمكنك التوقف عن الوجود أمامي لمدة خمس دقائق فقط؟»
كاد يرد، لكنه لاحظ أنها تحاول رفع رأسها، فمد يده إلى الوسادة خلفها وعدلها بحذر، ثم سحب يده فورًا وعاد إلى مقعده، كأنه لم يفعل شيئًا.
راقبته تاليا بشك.
«هل أحضرتني إلى المستشفى؟»
«لا، أحضرتك إلى مدينة الملاهي. نحن الآن في الجزء الخاص بالأشباح.»
نظرت حولها، ثم عادت إليه.
«أنت حقًا رجل لا يُطاق.»
«وأنتِ زوجة لا تُطاق.»
«إذن نحن متعادلان.»
صمت للحظة، ثم سألها بجدية:
«ماذا حدث هذا الصباح؟»
اختفت ابتسامتها قليلًا.
حاولت استعادة ما تتذكره، فعادت صورة الكأس إلى ذهنها، ثم صوت فريال، والدوار الذي اجتاحها فجأة.
«تناولت رشفة من عصير البرتقال في غرفة الطعام. وبعدها بدأت أشعر بالدوار، ثم لم أعد قادرة على الوقوف.»
«هل كان هناك أحد معك؟»
«الخادمة أحضرت العصير وغادرت. وبعد ذلك جاءت عمتك.»
تصلبت ملامحه.
«وماذا فعلت؟»
نظرت تاليا إليه لثوانٍ، ثم قالت:
«كانت تتصرف وكأنها قلقة عليَّ، لكنني رأيتها تبتسم.»
لم يتكلم.
تابعت تاليا، وقد استعادت بعضًا من تركيزها:
«لا أعرف إن كان ذلك بسبب ما حدث لي، ولا أملك دليلًا. لكنني لا أثق بها، وأعتقد أنها تعرف أكثر مما تقول.»
شبك يزن أصابعه أمامه، وظل ينظر إليها.
«هل تتهمين عمتي بتسميمك؟»
«أنا أقول إنني شربت العصير، ثم سقطت أرضًا، وإن عمتك كانت موجودة عندما حدث ذلك. أما إذا كنت تريد مني أن أتهمها دون دليل، فهذا لن يحدث.»
تأمل وجهها للحظة.
كانت لا تزال شاحبة، وصوتها أضعف من المعتاد، لكنها لم تحاول استغلال الموقف لكسب تعاطفه، ولم تطلب منه الوقوف إلى جانبها دون سبب.
لقد أخبرته بما رأته، وتركت له مهمة الوصول إلى الحقيقة.
وهذا، على نحو غريب، جعل كلامها أكثر إقناعًا.
نهض يزن من مقعده، وأخذ سترته.
«سأعود إلى القصر.»
قطبت حاجبيها.
«الآن؟»
«سأتحقق مما حدث.»
ثم أضاف، بعد لحظة صمت:
«لن أسمح لأحد بالعبث بهذا الأمر.»
راقبته تاليا وهو يتجه نحو الباب، ثم نادته:
«يزن.»
توقف دون أن يلتفت.
«ماذا؟»
ترددت للحظة، قبل أن تقول بصوت أخفض:
«شكرًا لأنك أحضرتني إلى هنا.»
بقي ساكنًا لثانيتين.
ثم التفت إليها، وعاد ذلك التعبير البارد إلى وجهه.
«لا تشكريني. لو حدث لك شيء، فستصبح إجراءات الميراث أكثر تعقيدًا.»
تأملته تاليا بصمت، ثم رفعت حاجبها.
«بالطبع. كنت أعرف أن الأمر يتعلق بالمال. كدت أظن للحظة أنك إنسان لديه مشاعر.»
«احتفظي باستنتاجاتك لنفسك.»
«واحتفظ أنت بملالتك لنفسك.»
خرج من الغرفة قبل أن يسمع ردًا آخر، لكنه لم يستطع منع نفسه من الالتفات نحوها مرة أخيرة قبل أن يغلق الباب.
كانت تنظر إلى السقف، وقد اختفت ابتسامتها الساخرة، وحل محلها إرهاق واضح لم تستطع إخفاءه.
وللمرة الأولى منذ زواجهما، لم يكن غضبه منها هو الشعور الذي يسيطر عليه.
بل كان غضبًا من فكرة أن أحدًا قد يمد يده إليها داخل القصر، ثم يعتقد أنه يستطيع الإفلات من العقاب.
عندما عاد يزن إلى قصر الجارحي، كان أول ما فعله هو التوجه إلى غرفة الطعام الصغيرة.
لكن الغرفة لم تكن كما تركها.
كانت الطاولة نظيفة تمامًا، والكراسي مرتبة، والأكواب قد اختفت، حتى إن الأرضية بدت وكأن أحدًا قضى وقتًا طويلًا في تنظيفها بعناية.
توقف عند الباب، وراح يتفحص المكان بعينين ضيقتين.
ثم التفت إلى رجل الأمن الذي كان ينتظره في الممر.
«من سمح بتنظيف الغرفة؟»
أجاب الرجل بتوتر:
«وصلتني تعليمات متأخرة يا سيدي. عندما دخلت، كان كل شيء قد نُظف بالفعل.»
اشتد فك يزن.
«ممن جاءت التعليمات؟»
تردد الرجل قبل أن يجيب:
«من السيدة فريال.»
ساد الصمت.
لم يتحرك يزن، لكنه شعر بأن شيئًا داخله قد حسم موقفه قبل أن يحصل على أي دليل.
لم يكن ذلك كافيًا لاتهام فريال.
لكنه كان كافيًا ليبدأ التحقيق معها.
استدار نحو الرجل، وقال بصوت منخفض:
«أريد تسجيلات كاميرات المراقبة من الممر المؤدي إلى الغرفة، ومن المطبخ، ومن كل مكان مرت به الصينية منذ إعداد العصير حتى وصوله إلى الطاولة. أريدها خلال ساعة.»
«حاضر، سيدي.»
خطا يزن نحو مكتبه، لكنه توقف عندما لمح فريال تقف عند نهاية الممر، وقد بدت وكأنها تنتظره منذ وقت طويل.
اقتربت منه ببطء.
«يزن، كنت أنتظرك. كيف حال تاليا؟»
نظر إليها دون أن يجيب.
تابعت، وهي تحاول الحفاظ على هدوئها:
«لقد شعرت بالذنب لأنني لم أكن بجوارها عندما احتاجت إلى المساعدة. كان ينبغي أن أكون أكثر انتباهًا.»
رفع يزن يده، فأجبرها على التوقف عن الكلام.
«عمتي، أريدك أن تجيبي عن سؤال واحد فقط.»
تغيرت ملامحها قليلًا.
«ما هو؟»
اقترب منها خطوة، ثم قال:
«لماذا أصدرتِ أوامر بتنظيف غرفة الطعام قبل أن يعرف الأطباء سبب ما حدث لتاليا؟»
اتسعت عيناها للحظة، قبل أن تستعيد هدوءها.
«لأنني لم أكن أعرف أن الأمر خطير! لقد رأيتها تسقط، وكنت خائفة من أن يكون هناك شيء ملوث على الطاولة أو الأرض. أردت فقط تنظيف المكان.»
راقبها يزن بصمت.
كانت إجابتها معقولة ظاهريًا.
لكنها جاءت سريعة أكثر مما ينبغي، ومليئة بالتبريرات التي لم يطلبها منها.
قال أخيرًا:
«حسنًا.»
بدت الراحة على وجهها للحظة.
ثم أضاف:
«من الآن فصاعدًا، لن يقترب أحد من طعام تاليا أو شرابها دون علمي. وأي شخص يحاول إخفاء شيء يتعلق بما حدث هذا الصباح، سيحاسب أمامي شخصيًا.»
تجمدت ابتسامتها.
«هل تشك فيَّ يا يزن؟»
نظر إليها نظرة طويلة، ثم أجاب:
«أنا لا أشك في أحد دون سبب. لكنني لا أثق بأحد لمجرد أنه يحمل اسم عائلتي أيضًا.»
تركها واقفة في الممر، وتابع طريقه نحو المكتب.
أما فريال، فبقيت تنظر إلى ظهره، وقد اختفت كل آثار الهدوء من وجهها.
لقد نجحت في التخلص من الكأس.
ونجحت في تنظيف الغرفة.
لكنها لم تستطع التخلص من الشك الذي بدأ يتسلل إلى عقل يزن.
والأسوأ من ذلك، أنها لم تكن تعرف ما إذا كان سيكتشف الحقيقة قبل أن تتمكن من تنفيذ خطوتها التالية.
في المساء، وبينما كانت تاليا تستريح في المستشفى، جلست فريال في غرفتها الخاصة بالقصر، وأغلقت الباب بالمفتاح قبل أن تخرج هاتفًا صغيرًا من درج مكتبها.
فتحت سجل المكالمات، ثم ضغطت على رقم محفوظ باسم مختصر.
جاءها صوت رجل بعد لحظات.
«هل حدث شيء؟»
خفضت فريال صوتها.
«الأمور لم تسر كما خططنا.»
ساد الصمت في الطرف الآخر.
ثم جاء السؤال:
«هل اكتشف يزن شيئًا؟»
نظرت فريال إلى الباب المغلق، ثم أجابت:
«إنه يشك في الأمر. لا أعتقد أنه يعرف الحقيقة، لكنه بدأ يطرح الأسئلة.»
«إذن عليكِ أن تكوني أكثر حذرًا.»
أغمضت عينيها بغضب.
«أنا أعرف ذلك. لكن تاليا لن تغادر القصر بسهولة، ويزن أصبح يتدخل في كل شيء يتعلق بها.»
ضحك الرجل ضحكة قصيرة خالية من المرح.
«إذن اجعلي تدخله هو المشكلة. إذا اضطر إلى الاختيار بين الفتاة وعائلته، فسنرى أيهما سيختار.»
توقفت فريال عن الحركة.
كانت تعرف أن يزن يكره تاليا، وأنه لم يتزوجها إلا من أجل الميراث، لكنها لم تكن مستعدة للمخاطرة بمكانتها إذا قرر الوقوف في وجهها.
قالت بحذر:
«وماذا لو وقف إلى جانبها؟»
جاءها الرد ببرود:
«عندها لن تكون المشكلة في تاليا وحدها.»
انتهت المكالمة.
بقيت فريال ممسكة بالهاتف، تنظر إلى شاشته السوداء، وقد بدأت تدرك أن ما خططت له لن يكون بالسهولة التي توقعتها.
ففي البداية، ظنت أن تاليا ستكون مجرد عقبة يمكن إزاحتها بحيلة صغيرة.
لكنها لم تحسب حسابًا لرجل بدأ، رغم كراهيته لها، يتعامل مع سلامتها وكأنها مسألة شخصية.
ولم تكن تعرف أن يزن، في تلك اللحظة نفسها، كان يقف أمام شاشة كاميرات المراقبة في مكتبه، يشاهد تسجيلًا أعيد تشغيله للمرة الخامسة.
ظهرت إحدى الخادمات وهي تدخل غرفة الطعام حاملة صينية العصير.
وبعدها بدقائق، ظهرت فريال وهي تدخل الغرفة، وتتوقف بجوار الطاولة، ثم تنظر نحو الباب قبل أن تمد يدها إلى الكأس.
تجمدت الصورة للحظة، ثم عادت الحركة.
اقترب يزن من الشاشة، وحدق في يد عمته وهي ترفع الكأس، وتخرج من حقيبتها شيئًا صغيرًا، ثم تنحني فوقه قبل أن تضعه في مكانه مجددًا.
لم يكن يعرف بعد ما الذي أضافته إلى العصير.
لكنه لم يعد بحاجة إلى التخمين بشأن الشخص الذي لمس الكأس.
تراجع ببطء عن الشاشة، وقد تحولت ملامحه إلى قناع من البرود القاتل.
ثم التقط هاتفه واتصل بالطبيب.
وحين جاءه الرد، قال جملة واحدة:
«أريد أن أعرف إن كانت المادة التي وُجدت في عينة دم زوجتي تتطابق مع أي شيء يمكن أن يكون قد أُضيف إلى العصير.»
صمت ليستمع إلى الإجابة.
ثم رفع عينيه نحو الصورة المتجمدة على الشاشة.
لأن الليلة التي بدأت باعتبار تاليا عبئًا على إمبراطوريته، كانت على وشك أن تتحول إلى أول حرب يخوضها يزن الجارحي ضد أقرب الناس إليه.
بقي واقفاً أمام باب دورة المياه.لم يكن باباً نظيفاً، ولا لامعاً كأبواب قصر الورثة التي كان يمسحها الخدم كل ساعة. كان باباً خشبياً قديماً، طلاؤه متقشر، مقبضه ساخن من شمس الصحراء. ورائحة المطهر الرخيص تخرج منه. وكان يزن الورثة، الذي لم يدخل في حياته استراحة كهذه على طريق صحراوي، الذي اعتاد أفخم الفنادق والطائرات الخاصة، واقفاً أمامه الآن كأنه يقف أمام باب الجنة أو باب النار، لا يعرف أيهما سيفتح.مرت دقيقة.نظر إلى ساعته. كانت الثانية تمر كأنها ساعة. وضع يده في جيبه، أخرجها، وضعها على قلبه، لم يستطع الوقوف ثابتاً. بدأ يذرع الممر الصغير ذهاباً وإياباً، ثلاث خطوات يميناً، ثلاث خطوات يساراً. كلما مرت سيارة مسافرة ونظر إليه ركابها باستغراب، لم يهتم. كان يسمع فقط صوتاً واحداً قادماً من الداخل: لا شيء. صمت.مرت دقيقتان.طرق على الباب برفق، برفق شديد كأنه يطرق على قلبها.قال بصوت خافت:- تاليا؟ حبيبتي؟ هل أنتِ بخير؟جاءه صوتها من الداخل، مرتجفاً، مبحوحاً:- لحظة... لحظة يا يزن...كانت الكلمة "يا يزن" كافية لتجعله يبقى. جلس على الأرض، نعم، جلس على الأرض المتسخة للاستراحة، ببنطاله الغالي وقميصه
لم يناما تلك الليلة إلا قليلاً.بقي الخاتم الجديد في إصبع تاليا يلمع كلما تحركت يدها في الظلام، وكانت ترفعه بين الحين والآخر إلى ضوء القمر لتتأكد أنه لا يزال موجوداً، أنه ليس حلماً. وكان يزن كلما استيقظ للحظة، يبحث بيده عن يدها، يجدها، يقبض عليها، ثم يعود ليغفو مطمئناً.عند الفجر، قبل أن تشرق الشمس، استيقظ يزن. جلس على حافة السرير الخيزراني، نظر إلى تاليا النائمة، إلى وجهها الهادئ، إلى شعرها المنتشر، إلى الخاتم في يدها. تنهد تنهيدة طويلة. كان يعلم أن هذه الرحلة يجب أن تنتهي. أسبوعان كاملان بلا هواتف، بلا ورثة، بلا فريال، بلا محامين، بلا قصر يراقب أنفاسهما. أسبوعان كانا كحلم سرقه من الزمن. لكن الورثة لا يزال هناك، والقصر لا يزال ينتظرهما، والحياة الحقيقية لا تهرب إلى الأبد.مد يده وأيقظها برفق. مرر إصبعه على وجنتها.قال بصوت خافت:- تاليا. حبيبتي. استيقظي.فتحت عينيها ببطء، نصف نائمة، نصف مستيقظة. ابتسمت حين رأته.قالت بصوت ناعس:- صباح الخير.قال:- صباح الخير. يجب أن نعود اليوم.تغير وجهها فجأة. اختفت الابتسامة. اعتدلت جالسة، ضمت الغطاء إلى صدرها.قالت بقلق واضح:- نعود؟ إلى القصر؟ق
مر النهار كله وهما لا يغادران البيت إلا قليلاً. لم يذهبا إلى السوق، ولم ينزلا إلى البحر كما فعلا في اليوم الأول. بقيا في الداخل، كأنهما يخافان أن يخرجا فيسرقهما العالم مرة أخرى ويعيدهما إلى القصر والورثة والعقود.كانت تاليا تجلس على الأرض الخشبية، ترتب الأصداف الصغيرة التي جمعتها بالأمس في صحن فخاري، وكان يزن يجلس خلفها، ظهره إلى الحائط، وهي مسندة ظهرها إلى صدره، بين ساقيه. كان يلف ذراعيه حولها، يضع ذقنه فوق كتفها، يراقب أصابعها الصغيرة وهي تقلب الصدف.قالت تاليا دون أن تلتفت:- هذه تشبه قلباً.قال يزن وهو ينظر حيث تشير:- أين؟رفعت صدفة صغيرة بيضاء، فيها انحناءة تشبه القلب فعلاً.قالت بابتسامة:- هنا. خذها.أخذها يزن ووضعها في جيب قميصه، فوق قلبه.قال:- سأحتفظ بها.سكتت قليلاً، ثم قالت فجأة، وكأن الفكرة خطرت لها للتو، لكنها في الحقيقة كانت تدور في رأسها منذ الصباح:- يزن.- همم؟- لو لم يجبرنا جدك على الزواج... لو لم يكن هناك ورث، ولا عقد، ولا فريال تراقبنا... هل كنا سنحب بعضنا؟ هل كنت ستنظر إلي أصلاً؟سكت يزن. كان السؤال أعمق مما يبدو. أغمض عينيه، وضمها أكثر، كأن السؤال أيقظ خوفاً
استيقظ يزن قبلها.هذه عادته منذ صغره في قصر الورثة، يستيقظ في الخامسة فجراً، يراجع الأوراق، يصدر الأوامر، لا يسمح لأحد أن يراه نائماً، ضعيفاً. كان النوم بالنسبة له حالة مؤقتة من فقدان السيطرة، وكان يكره فقدان السيطرة.لكنه هذا الصباح لم ينهض. بقي مستلقياً على ظهره، ينظر إلى سقف الخشب، ويستمع.كان هناك ثقل لطيف فوق صدره. دفء. أنفاس منتظمة تلامس عنقه.خفض بصره ببطء.كانت تاليا نائمة فوقه تماماً، كما غفت الليلة الماضية. شعرها الأسود منكوش، منتشر فوق صدره العاري، وفوق وجهه، وبعضه ملتصق بشفتيها. قميصه هو يغطي جسدها، لكنه انحسر قليلاً عن كتفها، فبدا الكتف أبيض تحت ضوء الصباح. يدها الصغيرة موضوعة فوق قلبه تماماً، كأنها تحرسه. وشفاهها مفتوحة قليلاً، تتنفس بهدوء طفل صغير.لم يرها هكذا من قبل.في القصر، كانت تاليا تستيقظ قبله، تضع مساحيقها، ترتدي قناع القوة، وتخرج لتواجهه كندّ. كان يراها دائماً مستعدة للقتال. أما الآن فكانت بلا قناع، بلا مساحيق، بلا قوة مصطنعة. كانت نائمة بسلام، بثقة مطلقة، كأنها تعلم أن هذا الصدر الذي تنام عليه لن يؤذيها أبداً.مد يزن يده بتردد شديد، وبحذر كأنه يخشى أن يكسر شي
لم يكن الليل كأي ليل مر عليهما في قصر الورثة.في القصر، كان الليل طويلاً، بارداً، مقسماً. غرفتان، بابان مغلقان، وممر طويل بينهما كانت تمشيه فريال كل صباح لتتأكد أن كلاً منهما نام في غرفته، التزاماً ببنود العقد. كان زواجهما في القصر ورقة، توقيعاً، شرطاً للورث. كانت تاليا تنام ويدها تحت خدها، تبكي بصمت، وكان يزن يجلس في غرفته على حافة السرير، يدخن سيجارة لا يحبها، وينظر إلى الحائط الذي يفصله عنها، يحدث نفسه: غداً ستلين، غداً ستنظر إلي.أما الليلة في بيت دهب الصغير، فلم يكن هناك حائط. لم يكن هناك عقد. لم يكن هناك شرط. كانت النافذة مفتوحة، ونسيم البحر يدخل حاملاً رائحة الملح، والقمر يرسم مربعاً من الضوء على الأرض الخشبية، وصوت الموج يطرق الباب كضيف بعيد.كانت تاليا مستلقية، وشعرها المبلل ينتشر فوق الوسادة، وعيناها مثبتتان على يزن. لم تكن ترتجف. هذه هي المرة الأولى التي لا ترتجف فيها أمامه. في كل المرات السابقة، حتى حين كان يمسك يدها أمام المحامي ليمثلا أنهما زوجان سعيدان، كانت يدها باردة، مرتجفة. أما الآن فكانت يدها دافئة، تبحث عن يده.قال يزن بصوت خافت، وهو يمرر ظهر يده على وجنتها برفق ك
لم يخرجا من البيت بعد شجار الصباح. بقي يزن جالساً على الأرض، رأسه على ركبتي تاليا، وهي تمرر أصابعها في شعره بصمت. كان صمتاً ثقيلاً، لكنه لم يكن صمت الخصام الذي اعتاداه في قصر الورثة، حيث كان كل منهما ينام في غرفة ويغلق الباب. كان صمتاً مليئاً بالاعتراف، كأن كل منهما يخاف أن يتكلم فيفسد ما قيل.قالت تاليا أخيراً بصوت خافت:- يزن.قال دون أن يرفع رأسه:- همم؟قالت:- ظهري يؤلمني من الجلوس هكذا.ضحك، رفع رأسه ونظر إليها، عيناه لا تزال حمراء قليلاً من الغضب والندم. نهض وجلس بجانبها على السرير، أسند ظهره إلى الحائط الخشبي.قال:- نامي قليلاً. سأذهب لأصطاد لنا شيئاً، كما وعدتك.قالت بسرعة وتمسكت بكم قميصه:- لا تذهب. ابقَ.نظر إليها متفاجئاً. كانت تاليا دائماً هي التي تطلب الابتعاد، تطلب مساحة، تطلب باباً مغلقاً. هذه أول مرة تطلب منه البقاء بهذا الوضوح.قال بابتسامة صغيرة:- سأبقى. لن أذهب إلى أي مكان.مر النهار بطيئاً، هادئاً. طبخا معاً بيضاً احترق نصفه، فضحكا عليه كثيراً. جلسا أمام البيت يشاهدان الغروب، لم يتحدثا عن الورثة، ولا عن فريال، ولا عن القصر، ولا عن المحامي الذي ينتظرهما في القاه







