INICIAR SESIÓNالفصل الثاني:
كانت دخيلة جاءت لتأخذ مكانه.
قال بلهجة قاطعة:
— اسمعي جيدًا، يا أنتِ. هذه الغرفة لي، وهذا القصر بيتي، وأنا لا أنوي تغيير نظام حياتي من أجل زواج فرضه رجل ميت علينا.
تلاشت ابتسامتها ببطء.
يا أنتِ؟
هل هذا اسمها الجديد؟
حسنًا. إذا كان يظن أنه سيعاملها كخادمة جاءت لتستأذن في التنفس، فهو على وشك اكتشاف أنه ارتكب خطأً فادحًا.
وضعت يديها على خصرها، ثم مالت برأسها قليلًا وهي تتأمله.
— انتهيت؟
قطب حاجبيه.
— ماذا؟
— من خطبة الترحيب. هل انتهيت منها، أم تريد أن تخبرني أيضًا أن الهواء في الغرفة ملكك، وأن عليَّ دفع إيجار مقابل كل نفس أتنفسه؟
اشتدت عضلات فكه.
— لا تختبري صبري.
— وأنا أنصحك بألا تختبر أعصابي. صدقني، صبري أكثر تهذيبًا منها بكثير.
نهض يزن من مقعده.
كان أطول منها بوضوح، وحين وقف أمامها بدا الفرق بينهما كافيًا لجعل أي شخص يتراجع خطوة إلى الخلف. لكن تاليا لم تتراجع. رفعت ذقنها قليلًا، رغم الألم الذي بدأ يتسلل إلى قدميها، وثبتت عينيها في عينيه.
لم تكن شجاعة بالمعنى الذي تحبه الروايات.
كانت ببساطة قد سئمت أن يقرر الآخرون عنها، وسئمت أن تتعلم في كل مرة أن النجاة تتطلب منها الانحناء، وأن تصمت كي لا تخسر المكان القليل الذي سمحوا لها بالعيش فيه.
لقد أمضت سنوات طفولتها تتعلم كيف تدافع عن نفسها داخل الملجأ، ثم أمضت السنوات التالية تتعلم أن بعض الناس يبتسمون في وجهك بينما يخفون سكينًا خلف ظهورهم.
ولن يكون يزن الجارحي استثناءً.
اقترب منها خطوة، ثم أشار إلى السرير خلفه.
— ستنامين على الأرض.
حدقت فيه تاليا.
ثانية.
ثانيتان.
ثم أطلقت ضحكة قصيرة خالية تمامًا من المرح.
— ماذا قلت؟
— سمعتِني.
— لا، أريد أن أتأكد فقط. هل طلبت مني، أنا، أن أنام على الأرض؟
— لا أكرر كلامي.
— يا لك من رجل محظوظ! لأنني لا أكرر الضربات أيضًا.
نظر إليها بذهول ممزوج بالغضب، وكأنه لم يستوعب بعد أن المرأة التي تزوجها منذ أقل من ساعة هددته للتو بضربه.
ثم قال ببرود متعمد:
— السرير لي.
أشارت تاليا إلى نفسها، ثم إلى السرير، ثم عادت تنظر إليه.
— ونحن متزوجان، أليس كذلك؟
— على الورق.
— رائع. والورق الذي تتحدث عنه يقول إنني زوجتك، وليس كلبًا ضالًا وجدته عند باب القصر. وبالتالي، لديَّ حق في السرير مثلك تمامًا.
— لن أشارك سريري معك.
— وأنا لن أشارك الأرض معك، لأنني لا أشاركها حتى مع الصراصير، فما بالك برجل يظن نفسه هدية من السماء!
للمرة الأولى، بدا أن يزن فقد القدرة على الرد فورًا.
راقبها وهي تنحني لتخلع حذاءها الأبيض، ثم تطلق تنهيدة ارتياح مبالغًا فيها حين لامست قدماها الأرض الباردة. خلعت الحذاء الآخر وألقته بجوار الأول، قبل أن ترفع رأسها إليه مجددًا.
— حسنًا، بما أنك مصمم على إثارة المشكلات في ليلة يفترض أنها أسعد ليلة في حياتنا، فسأكون كريمة معك وأمنحك فرصة أخيرة.
— لا أحتاج إلى فرصك.
— ستحتاج إليها عندما أبدأ في الصراخ وأستدعي أهل القصر ليشاهدوا العريس العظيم وهو يطرد عروسه من السرير!
ضاقت عيناه.
— لن يصدقك أحد.
ابتسمت ابتسامة واسعة.
— لا يهم. سأصرخ بصوت يكفي لإيقاظ الموتى، وربما يستيقظ جدك من قبره ويأتي ليشرح لك بنفسه معنى الزواج الذي فرضه علينا!
للحظة، ساد الصمت.
ثم رأته يضغط شفتيه بقوة، محاولًا السيطرة على انفعاله.
كان واضحًا أنه لم يعتد هذا النوع من المواجهات. النساء اللواتي عرفهن لم يكنّ يتحدثن إليه بهذه الطريقة، والرجال الذين يعملون تحت إمرته لم يكونوا يملكون الجرأة على الاعتراض، أما أفراد عائلته فكان لكل واحد منهم حساباته الخاصة التي تجعله يختار كلماته بعناية.
لكن تاليا لم تكن تهتم بحسابات أحد.
لقد وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها شيء تخسره يستحق أن تتصرف بأدب زائف من أجله.
أخيرًا، أشار يزن إلى السرير باقتضاب.
— نامي حيث تريدين، لكن لا تقتربي من جانبي.
رفعت تاليا إصبعها أمام وجهه.
— هذا أفضل قرار اتخذته منذ بداية الليلة. أهنئك، هناك أمل في أن تصبح إنسانًا يومًا ما.
ثم استدارت، وسارت نحو السرير، لكنها توقفت فجأة عندما تذكرت أمرًا مهمًا.
التفتت إليه ببطء.
— لحظة.
رفع رأسه بامتعاض.
— ماذا أيضًا؟
— هل لديك مشكلة مع تقسيم الممتلكات؟
نظر إليها كما لو أنه بدأ يشك في سلامة قواها العقلية.
— ماذا تقصدين؟
لم تجبه.
فتحت حقيبتها الصغيرة، وبدأت تعبث بمحتوياتها حتى أخرجت مقصًا معدنيًا متوسط الحجم، ثم رفعته أمام عينيه.
تغيرت ملامح يزن.
نظر إلى المقص، ثم إليها، ثم عاد ينظر إلى المقص.
— ما هذا؟
ابتسمت تاليا ببراءة مستفزة.
— مقص. هل تحتاج إلى درس في الأدوات المنزلية أيضًا؟
— ولماذا تحملين مقصًا في حقيبتك؟
— لأنني امرأة عملية، يا عزيزي. لا أخرج من منزلي دون أدواتي الأساسية.
حدق فيها لثوانٍ، ثم أطلق زفرة طويلة، كأنه يحاول إقناع نفسه بأنه يحلم، وأنه سيستيقظ بعد قليل ليجد نفسه في غرفته القديمة بعيدًا عن هذه الكارثة البشرية.
لكن تاليا لم تمنحه فرصة للتفكير.
اقتربت من السرير، وأمسكت بطرف الملاءة البيضاء، ثم رفعت المقص وبدأت تقصها في خط مستقيم تقريبًا، بينما راح القماش ينفصل تحت النصل شيئًا فشيئًا.
تجمد يزن في مكانه.
— ماذا تفعلين بحق الجحيم؟!
واصلت القص دون أن ترفع رأسها.
— أقسم الممتلكات الزوجية.
— أنتِ تقصين ملاءة سريري!
— كنت أظن أنك ستسعد بهذه الخطوة. أنت لا تريد مشاركتي السرير، وأنا لا أريد مشاركة ملاءتك. هكذا يحصل كل منا على نصفه، وتنام بسلام، وأنام بسلام، ويستطيع القصر أخيرًا الاحتفال بليلة زفاف ناجحة.
وصلت إلى منتصف الملاءة، ثم قصت الجزء الأخير بحركة حاسمة، ورفعت النصف الذي حصلت عليه بانتصار.
أما يزن، فقد ظل واقفًا يحدق في الفراش الذي فقد نصف ملاءته، وكأن أحدهم اقتطع جزءًا من كرامته أمام عينيه.
ثم استدار نحوها ببطء شديد.
— هل جننتِ؟
وضعت تاليا نصف الملاءة فوق جانبها من السرير، ثم فردته بعناية، قبل أن تلتفت إليه وتقول بجدية تامة:
— ليس بعد. لكنني أعتقد أن العيش معك عامًا كاملًا سيحقق ذلك بالتأكيد.
اقترب يزن من السرير، وانتزع النصف الآخر من الملاءة، ثم نظر إليها بغضب مكبوت.
— هل تعلمين كم ثمن هذه الملاءة؟
تأملت القماش بين يديه، ثم رفعت كتفيها بلا مبالاة.
— لا، ولا يهمني. إذا كانت تكلف أكثر من راتب عامل في القصر، فهذا يعني أن جدك كان يملك ذوقًا سيئًا في التسوق.
— هذه ملاءة مستوردة خصيصًا!
— ممتاز. ربما تستطيع استيراد واحدة أخرى، أو تطلب من محاميك أن يضيف ثمنها إلى ديوني الزوجية. هل انتهينا؟
ألقى يزن الملاءة على السرير، ثم مرر يده فوق وجهه.
لم يكن غاضبًا فحسب.
كان مصدومًا.
لقد قضى ثلاثة أعوام كاملة لا يتذكر خلالها أنه ضحك من قلبه، أو حتى ابتسم ابتسامة حقيقية. كانت حياته مرتبة بدقة، وكل شيء فيها يخضع لقواعد واضحة: العمل، الاجتماعات، الصفقات، العائلة، وحتى علاقاته العابرة التي لم تسمح لأي امرأة بالاقتراب من المساحة الخاصة التي بناها حول نفسه.
ثم جاءت هذه الفتاة، خلال ليلة واحدة فقط، لتقلب كل شيء رأسًا على عقب.
والأكثر استفزازًا أنها لا تبدو خائفة منه على الإطلاق.
بل كانت تنظر إليه الآن وكأنه هو المشكلة الوحيدة التي تعترض طريقها إلى النوم.
رفعت تاليا المقص مرة أخرى، وأشارت به إلى منتصف السرير.
— اسمع، حتى لا يحدث سوء تفاهم في منتصف الليل، سنضع حدودًا واضحة.
نظر إلى المقص بحذر.
— اخفضي هذا الشيء أولًا.
— لا تقلق، لن أستخدمه إلا إذا اضطُررت.
— هذا لا يطمئنني إطلاقًا.
— لم يكن القصد أن أطمئنك.
ثم أخذت إحدى الوسائد ووضعتها في منتصف السرير، وأتبعتها بأخرى، وثالثة، حتى صنعت حاجزًا طويلًا يفصل بين الجانبين.
تراجعت خطوة لتتأمل عملها، ثم أومأت برضا.
— ها قد انتهينا. هذا جانبي، وهذا جانبك. لا تتجاوز الخط، ولا تلمس أغراضي، ولا توقظني، ولا تتنفس في وجهي، ولا تحاول إصدار الأوامر لي، ولا...
قاطعها يزن بحدة:
— هل ستكتبين لي لائحة قوانين أيضًا؟
— فكرة ممتازة! أحضر ورقة وقلمًا.
أغمض عينيه للحظة.
وعندما فتحهما، وجدها قد جلست على طرف السرير، تخلع دبابيس شعرها واحدة تلو الأخرى، وتلقيها في حقيبتها، وكأنها لم تكن قبل دقائق تهدد سلامة أثاث القصر وممتلكاته.
كان شعرها قد انفلت من تسريحته جزئيًا، وتدلت بعض الخصلات حول وجهها، بينما ترك تمزق الفستان الأبيض أثرًا واضحًا على مظهرها المرتب. ومع ذلك، لم تبدُ مهزومة أو خجلة، بل بدت كفتاة خرجت للتو من معركة صغيرة وتستعد لخوض المعركة التالية.
لم يستطع منع نفسه من سؤالها:
— هل تتصرفين بهذه الطريقة مع الجميع؟
توقفت أصابعها للحظة، ثم رفعت عينيها إليه.
— بأي طريقة؟
— بهذه الوقاحة.
ابتسمت ابتسامة جانبية.
— لا. أنا أكون أسوأ مع من يستحقون ذلك.
— وهل تعتقدين أنني أستحقه؟
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بنبرة هادئة على نحو مفاجئ:
— لا أعرفك بما يكفي لأحكم عليك كرجل، يا يزن. لكنني أعرف أنك طلبت من امرأة تزوجتها منذ دقائق أن تنام على الأرض، فقط لأنك لا تريد الاعتراف بأنك لست الشخص الوحيد الذي فُرضت عليه هذه الزيجة. فإذا كنت تريد مني أن أحترمك، فابدأ بإعطائي سببًا واحدًا لذلك.
لم يتوقع الإجابة.
وللمرة الأولى منذ دخلت الغرفة، لم يجد ردًا ساخرًا جاهزًا يضعها في مكانها.
كانت كلماتها مزعجة، ليس لأنها وقحة، بل لأنها أصابت موضعًا لم يكن يريد لأحد أن يقترب منه.
فهو بالفعل لم يختر هذه الزيجة.
ولم يختر أن يجد اسمه في وصية تجعله مضطرًا إلى الزواج كي يحتفظ بثروة عائلته.
ولم يختر أن تظهر حفيدة مجهولة، تحمل حقًا قانونيًا في كل ما ظن أنه ملكه وحده.
لكنه، بدلًا من مواجهة عجزه، اختار أن يفرغ غضبه فيها.
وكان يكره أنها تملك من الجرأة ما يكفي لتضع ذلك أمام وجهه دون خوف.
أدار وجهه بعيدًا عنها، ثم قال ببرود:
— أطفئي الضوء عندما تنتهين من تجهيز نفسك.
عادت تاليا إلى العبث بحقيبتها، ثم أجابت:
— حاضر، يا صاحب القصر والملاءة المنقسمة. هل تأمرني بشيء آخر قبل أن أخلد إلى النوم؟
لم يجب.
اكتفى بأخذ كأسه والعودة إلى مقعده قرب النافذة.
راقبته تاليا من طرف عينها، ثم هزت رأسها باستنكار.
يا له من رجل!
وسيم، نعم. ثري، بالتأكيد. لكن غروره يحتاج إلى قصر مستقل حتى يجد مساحة كافية للتمدد.
ومع ذلك، لم تستطع إنكار أنها شعرت بارتياح خفي عندما تركها وشأنها أخيرًا.
فهي لا تعرف ما ينتظرها في هذا المكان، ولا تثق بعمتها فريال، ولا تفهم لماذا قرر جد يزن أن يربط مصير إمبراطوريته بزواج لم يطلبه أحد منهما.
لكنها تعرف شيئًا واحدًا: لن تسمح لأحد بإعادتها إلى حياة لم تخترها، ولن تقبل أن تكون مجرد قطعة في لعبة عائلية قذرة.
حتى لو كان عليها أن تقضي عامًا كاملًا في مواجهة يزن الجارحي نفسه.
رفعت طرف الفستان الممزق، ثم دخلت الحمام لتبدل ملابسها. وبعد دقائق، عادت ترتدي قميصًا قطنيًا واسعًا وبنطالًا مريحًا كانت قد وضعته في حقيبتها تحسبًا لأي طارئ.
وحين خرجت، وجدت يزن لا يزال في مكانه، ينظر إلى هاتفه، وقد استبدل كأسه الفارغ بكأس آخر.
قالت وهي تتجه إلى السرير:
— بالمناسبة، لا تشرب كثيرًا. لا أريد أن أضطر إلى حملك إلى المستشفى في ليلة زفافنا.
لم يرفع عينيه عن الهاتف.
— لا تقلقي. لن أطلب مساعدتك في أي شيء.
— ممتاز. لأنني كنت سأطلب أجرًا مقدمًا.
❈-❈-❈تسللت أشعة الشمس إلى الغرفة في الصباح التالي، وانعكست فوق الأرض حيث تناثرت إحدى الوسائد والغطاء الذي قضى يزن وتاليا ليلتهما فوقه، متعانقين للمرة الأولى دون أن تفصل بينهما وسادة أو مشاجرة تنتهي بإدارة كل منهما ظهره للآخر.كان يزن أول من استيقظ.فتح عينيه ببطء، ثم ظل ساكنًا للحظات، محاولًا استيعاب الدفء الذي استقر بين ذراعيه. وحين خفض رأسه، وجد تاليا نائمة فوق صدره، وشعرها المتناثر يلامس ذقنه، بينما كانت يدها قابضة على قميصه حتى في نومها.ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه.للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يكن أول ما شعر به عند الاستيقاظ هو الرغبة في السيطرة على كل شيء، ولا التفكير في الشركة والميراث ومشكلات العائلة. كان كل ما يشغل باله في تلك اللحظة هو المرأة التي نامت إلى جواره بعدما كادت تضيع منه إلى الأبد.رفع يده بحذر، وأبعد خصلة من شعرها عن وجهها، ثم تمتم بصوت خافت:"صباح الخير، أيتها المشاكسة."تحركت تاليا قليلًا، وقطبت حاجبيها قبل أن تدفن وجهها في صدره أكثر."دعني أنام..."اتسعت ابتسامته."لقد استيقظتِ.""لم أستيقظ.""إذًا كيف تجيبينني؟"فتحت إحدى عينيها، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه
❈-❈-❈ظلّت تاليا جالسة على الأرض إلى جوار يزن، وكتفها يستند إلى كتفه، بينما كانت دموعها تجف ببطء فوق وجنتيها. لم تتوقف عن التفكير في كلماته، ولا في الاعتراف الذي انتزعته منه بعد أن حطّم ثقتها به، لكنها، للمرة الأولى منذ عثرت على ذلك التسجيل اللعين، لم تشعر برغبة في الهرب بعيدًا عنه.كان يزن ساكنًا إلى جوارها، لا يحاول الاقتراب أكثر، ولا يمد يده ليمسح دموعها كما اعتاد أن يفعل. بدا وكأنه يخشى أن تكون أي حركة غير محسوبة كافية لدفعها بعيدًا عنه مرة أخرى.التفتت تاليا نحوه ببطء، وتأملت جانب وجهه. كان شعره مبعثرًا، وعيناه متعبتين، وملامحه التي اعتادت أن تراها متصلبة ومتعالية بدت مختلفة هذه المرة؛ أكثر هدوءًا، وربما أكثر صدقًا.رفعت ذقنها قليلًا، ثم قالت بصوت خافت، لكنه لم يخلُ من عنادها المعتاد:"إذًا أثبت."استدار يزن إليها على الفور، وكأنها منحته فرصة لم يكن يجرؤ على طلبها. ارتسمت في عينيه لمعة حذرة، ثم مال نحوها ببطء، متجهًا إلى شفتيها، لكنه لم يكمل حركته حتى كانت تاليا تضع كفها على صدره وتدفعه بعيدًا.تجمد مكانه، ثم رفع عينيه إليها باستفهام."ما الأمر؟"أبعدت يدها عن صدره، وعدّلت جلستها
❈ ━━━━━━ ❖ ━━━━━━ ❖ ━━━━━━ ❖لم تنم تاليا.كانت مستلقية على جانبها، تحدق في النافذة التي بدأ ضوء الصباح يتسلل من خلف ستائرها، بينما ظل عقلها عالقًا عند الكلمات التي قالها يزن قبل قليل. حاولت إقناع نفسها بأنها لم تعد تهتم بما يشعر به، وأن اعترافاته لن تغير شيئًا من الحقيقة، لكنها كلما أغمضت عينيها رأت وجهه وهو يجلس على الأرض أمام الباب، منهكًا، شاردًا، وكأنه لم يعد يعرف ماذا يفعل كي يصل إليها.التفتت نحوه خلسة.كان لا يزال جالسًا في مكانه، وقد أسند رأسه إلى الباب، بينما استقرت ذراعه المصابة فوق ساقه. بدت عيناه مغمضتين، لكن ملامحه المتعبة أخبرتها أنه لم ينم هو الآخر.أشاحت بوجهها سريعًا، ثم سحبت الغطاء فوق رأسها.لماذا لا يرحل فحسب؟لماذا يصر على البقاء أمامها، ويجعلها ترى ندمه في كل حركة، بينما هي تحاول جاهدة أن تتذكر السبب الذي جعلها تغادر القصر في المقام الأول؟لقد خان ثقتها.وهذه حقيقة لن تتغير لمجرد أنه أحبها.لكنها كانت تتمنى لو أن قلبها يفهم ذلك بالسهولة نفسها التي يفهمها بها عقلها.بعد دقائق، سمعت صوت حركة خافتة، ثم صوت يزن وهو يتنفس بعمق قبل أن يتحدث.— تاليا؟لم تجبه.— أعرف أ
❈ ━━━━━━ ❖ ━━━━━━ ❖ ━━━━━━ ❈ظلت تاليا تحدق في يزن، غير مصدقة أنه يقف أمام الباب وكأنه حارس سجنها الشخصي، بينما المفتاح الذي سيمنحها حريتها يستقر داخل جيب بنطاله.كانت لا تزال ترتجف من الغضب، وقد التصقت بعض خصلات شعرها بوجنتيها المبتلتين، فيما راحت أصابعها تقبض على طرف قميصها المنزلي بعصبية.— هل ستظل واقفًا هكذا طوال اليوم؟لم يجبها يزن.أخرج هاتفه من جيبه، وألقاه فوق الطاولة القريبة، ثم استند بظهره إلى الباب، عاقدًا ذراعيه أمام صدره.رفعت تاليا حاجبيها باستنكار.— أتجاهلني الآن؟ يا لوقاحتك! أنت تحبسني في غرفتي، وتأخذ المفتاح، ثم تقرر أن تتصرف وكأنني غير موجودة؟رفع عينيه إليها.— أنا أسمعكِ.— إذًا افتح الباب.— لا.ضربت تاليا الفراش بكفها، ثم نهضت واقتربت منه بخطوات غاضبة.— يزن الجارحي، أقسم لك إنني سأحطم هذا الباب فوق رأسك إن لم تفتحه!نظر إلى الباب خلفه، ثم عاد ينظر إليها ببرود متعمد.— سيكون من الأفضل أن تختاري شيئًا آخر لتحطميه. هذا الباب مصنوع من خشب متين، وأخشى أن تؤذي يديكِ قبل أن تتمكني من إحداث خدش فيه.حدقت فيه لثانيتين، ثم فتحت فمها بصدمة.— هل تمزح معي؟!— لا، أنا أقدم
❈ ━━━━━━ ❖ ━━━━━━ ❖ ━━━━━━ ❈— أنزلني فورًا يا يزن!انفجر صوت تاليا في أرجاء الملجأ، بينما راحت تضرب كتفه بقبضتيها وتحاول الإفلات من ذراعيه اللتين أحاطتا بها بإحكام. لم تكن تصدق أنه تجرأ على حملها بهذه الطريقة أمام صديقاتها، وكأنها طفلة صغيرة يستطيع أخذها من مكان إلى آخر دون أن يستأذنها!— هل فقدت عقلك؟! أنزلني، وإلا أقسم إنني سأجعلك تندم على اليوم الذي عرفتني فيه!لم يلتفت يزن إلى تهديداتها، بل واصل السير نحو الباب بخطوات سريعة، وقد شد ذراعيه حولها أكثر حين شعر بأنها تحاول الانزلاق من بينهما.— توقفي عن الحركة، تاليا، قبل أن تسقطي!— دعني أسقط! ليس من شأنك!التفت إليها بنظرة حادة، بينما كان أحد طرفي فمه يرتجف من شدة التوتر.— بل من شأني، شئتِ أم أبيتِ!شهقت تاليا من الغضب، ثم رفعت يدها وضربت كتفه المصاب دون أن تنتبه إلى الضماد.تأوه يزن رغماً عنه، وتوقفت خطواته للحظة.تجمدت تاليا بدورها حين رأت الألم يمر على وجهه، وانخفضت عيناها تلقائيًا إلى ذراعه المحترقة. شعرت بوخزة حادة في صدرها، لكن عنادها تدخل قبل أن تسمح لذلك الشعور بالظهور.— جيد! ربما تتعلم ألا تحمل النساء بالقوة بعد الآن!رف
❈ ━━━━━━ ❖ ━━━━━━ ❖ ━━━━━━ ❈— تاليا!تردد صوت يزن في الغرفة، حادًّا ومختنقًا في الوقت نفسه، فالتفتت الفتيات اللواتي كنّ يتحدثن قرب الأسرة نحو الباب، بينما انتفضت تاليا في مكانها فور أن سمعت صوته.عرفته قبل أن تراه.كان صوتًا حفظته من كثرة ما تشاجرت معه، ومن كثرة ما ناداها به في أوقات لم تكن تتوقع أن يكون فيها موجودًا. لكن سماعه الآن جعل قلبها ينقبض بقوة، وكأن الساعات الماضية لم تكن كافية لتقنعها بأن عليها الابتعاد عنه.رفعت رأسها ببطء.كان يزن واقفًا عند الباب، بملابسه المجعدة وشعره المنكوش وعينيه الحمراوين. بدا مختلفًا عن الرجل الذي اعتادت رؤيته في القصر؛ لم يكن ذلك الرجل الأنيق الذي يدخل أي مكان وكأنه يمتلكه، ولا الرجل المتعجرف الذي يتعامل مع الجميع ببرود.كان يبدو مرهقًا، غاضبًا، وخائفًا بطريقة لم ترها فيه من قبل.لكن تاليا لم تهتم.ما إن التقت عيناهما حتى أدارت وجهها عنه، وسحبت الغطاء إلى صدرها.— ارحل.تجمد يزن لحظة، كأنه لم يتوقع أن تكون أول كلمة يسمعها منها بهذه القسوة.ثم تقدم نحوها.— تاليا، علينا أن نتحدث.— قلت لك ارحل!ارتفع صوتها هذه المرة، فالتفتت إحدى الفتيات إلى الأخر







