Share

الفصل الخامس

last update publish date: 2026-10-18 21:28:33

### الفصل الخامس

حاولت تاليا الوصول إلى هاتفها الموضوع بجوار الطبق، وقد بدأت تشعر بأن شيئًا غريبًا يحدث لجسدها. لم يكن الدوار الذي اجتاح رأسها يشبه ذلك الذي يصيبها حين تتأخر عن تناول الطعام، بل كان أثقل وأكثر حدة، كأن الغرفة بأكملها تدور حولها بينما تحاول هي عبثًا التمسك بثباتها.

مدّت يدها نحو الهاتف، وضيّقت عينيها محاولة التركيز على شكله، لكن المسافة القصيرة بين أصابعها والجهاز بدت أطول مما ينبغي. لامست أطراف أصابعها حافته، فانزلق الهاتف فجأة من فوق الطاولة، وارتطم بالأرض بصوت مكتوم.

تطلعت إليه للحظة، وقد انعقد حاجباها بانزعاج. حتى هاتفها قرر أن يتخلى عنها في هذا التوقيت السيئ!

تنفست بعمق، ثم انحنت ببطء محاولة التقاطه، مستندة بيدها الأخرى إلى حافة الطاولة. لكن ما إن حرّكت رأسها حتى اندفعت موجة عنيفة من الدوار إلى رأسها، فتراجعت الرؤية أمام عينيها، واختلطت ملامح الغرفة بعضها ببعض. شعرت بمعدتها تنقبض، وببرودة غريبة تزحف إلى أطرافها، بينما أخذت الأرض تميل تحت قدميها وكأنها تقف فوق سطح سفينة تتقاذفها الأمواج.

توقفت في منتصف انحنائها، وأطبقت أصابعها على حافة الطاولة بقوة حتى ابيضّت مفاصلها.

«ما الذي يحدث لي بحق الجحيم؟»

خرج صوتها خافتًا، متقطعًا، ولم تسمعه سوى هي.

حاولت الاعتدال، لكن ساقيها لم تستجيبا لها كما ينبغي. كان هناك ثقل غريب يشل حركتها تدريجيًا، فيما أخذ النعاس يتسلل إلى عينيها على نحو غير طبيعي، رغم أنها لم تكن تشعر بالتعب قبل دقائق قليلة.

رفعت يدها إلى جبينها، وضغطت بأطراف أصابعها عليه، محاولة استعادة توازنها. لم تكن تريد استدعاء أحد، ولا سيما في هذا المنزل الذي لم تشعر فيه يومًا بأنها تستطيع الاسترخاء دون أن تكون مستعدة لمعركة جديدة.

لكنها لم تعد تملك رفاهية العناد.

خطت خطوة صغيرة نحو الهاتف، فاختل توازنها مجددًا، واضطرت إلى التشبث بالطاولة بكل ما تبقى لديها من قوة. اصطدمت ركبتها بحافتها، فعضّت على شفتها كي تكتم أنين الألم، ثم أغمضت عينيها لثوانٍ، محاولة السيطرة على أنفاسها المتسارعة.

وفي تلك اللحظة، سمعت صوت خطوات تقترب من الباب.

رفعت رأسها بصعوبة، وحاولت أن تستقيم، لكن جسدها بدا وكأنه لم يعد ملكًا لها. وحين انفتح الباب أخيرًا، ظهرت فريال عند العتبة، مرتدية ثوبًا أنيقًا بلون هادئ، وقد صففت شعرها بعناية، ووضعت من مستحضرات التجميل ما يكفي لتبدو مستعدة لاستقبال ضيوف مهمين، لا لمجرد المرور بغرفة الطعام.

توقفت فريال للحظة حين رأت تاليا متشبثة بالطاولة، ثم اتسعت عيناها قليلًا، ورسمت على وجهها تعبيرًا مصطنعًا من القلق.

«تاليا؟ ما بكِ يا عزيزتي؟»

كان صوتها ناعمًا على نحو مبالغ فيه، حتى إن تاليا شعرت بنفور غريزي وهي تستمع إليه.

حاولت الإجابة، لكنها احتاجت إلى أكثر من محاولة كي تحرّك لسانها. بدت الكلمات ثقيلة في فمها، وكأنها مضطرة إلى انتزاع كل حرف من بين شفتيها.

«أنا... لا أعرف. أشعر بدوار شديد.»

اقتربت فريال بخطوات سريعة، بينما راحت عيناها تتفحصان وجه تاليا الشاحب ويديها المرتجفتين.

«دوار؟ منذ متى؟ هل تناولتِ شيئًا لم يناسبكِ؟»

لم تجب تاليا على الفور. كانت تحاول إبقاء عينيها مفتوحتين، وقد أخذت ملامح فريال تتضاعف أمامها ثم تتداخل، حتى لم تعد قادرة على تمييز حدود وجهها بوضوح.

ومع ذلك، لم يفتها أن فريال ألقت نظرة سريعة على الكأس الموضوع فوق الطاولة.

كانت نظرة خاطفة، لا تستغرق أكثر من لحظة، لكنها بدت مختلفة عن نظرات القلق التي حاولت إظهارها.

تتبعت تاليا اتجاه عينيها ببطء، ثم أعادت نظرها إليها.

الكأس.

عصيرها الذي كانت تشربه قبل قليل.

شعرت بشيء بارد يمر عبر صدرها، وتراجعت في ذهنها صورة اللحظات القليلة الماضية. لم يكن بها أي شيء غير مألوف قبل أن تبدأ بالشرب، ثم لم تمضِ سوى دقائق حتى شعرت بأن رأسها يثقل، وأن أطرافها تفقد قدرتها على الحركة.

لم تكن تريد القفز إلى استنتاجات سخيفة، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور المقلق الذي بدأ يتشكل داخلها.

«أنا... كنت بخير منذ قليل.»

قالتها وهي تحاول تثبيت نظرها على فريال، غير أن صوتها خرج ضعيفًا، بالكاد بلغ مسامعها هي.

اقتربت فريال أكثر، ومدّت يدها نحو ذراعها.

«حسنًا، لا تقلقي. يبدو أنكِ مرهقة فحسب. تعالي، سأساعدكِ على الجلوس.»

وقبل أن تتمكن تاليا من الاعتراض، قبضت فريال على ذراعها، وحاولت سحبها إلى الأعلى.

لكن ساقي تاليا خانتاها تمامًا.

مال جسدها إلى الأمام، فاصطدمت ركبتها بالأرض، وكادت تسقط على وجهها لولا أنها تشبثت بحافة الطاولة في اللحظة الأخيرة. انطلقت منها شهقة متألمة، بينما انحنت فريال نحوها، وقد ارتفع صوتها فجأة وهي تنادي الخدم.

«أحدكم يأتي إلى هنا! بسرعة!»

ثم عادت تنظر إلى تاليا، لكن القناع الذي ارتدته على وجهها لم يستطع إخفاء كل شيء.

في اللحظة التي انخفض فيها رأس تاليا، وبدت عاجزة حتى عن رفعه، ارتسمت على شفتي فريال ابتسامة خاطفة.

ابتسامة صغيرة، باردة، لم تستمر سوى ثانية واحدة قبل أن تختفي، ويحل محلها ذلك التعبير القلق نفسه.

لكن تاليا رأتها.

رأتها بوضوح كافٍ لتشعر بأن قلبها يهبط إلى أعماق صدرها.

لم تكن تاليا من النوع الذي يثق بالآخرين بسهولة، وكانت تعرف جيدًا أن فريال لا تكن لها أي مودة حقيقية. ومع ذلك، لم يخطر ببالها أن تصل الأمور إلى هذا الحد.

حاولت رفع رأسها، لكن عضلات رقبتها بدت عاجزة عن حمله، فاستند خدها للحظة إلى ساعدها، بينما راحت أنفاسها تخرج متقطعة.

«أنتِ...»

لم تتمكن من إكمال الجملة.

اقتربت فريال من أذنها، وراحت تتحدث بصوت منخفض، مختلف تمامًا عن نبرتها المرتفعة التي كانت تستخدمها لاستدعاء الخدم.

«لا تتحركي كثيرًا يا عزيزتي. ستسقطين وتؤذين نفسكِ.»

كان في كلماتها ما يكفي لإثارة الريبة، لكن تاليا لم تعد تملك القدرة على مواجهتها. حاولت تحريك يدها نحو الهاتف مرة أخرى، إلا أن أصابعها ارتعشت ثم استقرت فوق الأرض دون أن تصل إلى شيء.

وفي أعماق رأسها المثقل، لمعت فكرة واحدة بوضوح مؤلم.

هناك شيء في هذا العصير.

وللمرة الأولى منذ دخولها هذا المنزل، لم يكن غضبها من فريال هو ما يشغلها.

بل الخوف مما قد تفعله بها.

في الطابق العلوي، كان يزن يجلس خلف مكتبه العريض، وقد انحنى قليلًا فوق مجموعة من المستندات التي انتشرت أمامه بترتيب دقيق.

كان ضوء الصباح يتسلل عبر النوافذ الممتدة خلفه، ويلقي بخطوط ذهبية على سطح المكتب الخشبي، فيما بدت الغرفة هادئة على نحو يتناسب مع طبيعتها الرسمية. أرفف الكتب المصطفة بمحاذاة الجدار، واللوحات ذات الألوان الداكنة، والمقاعد الجلدية المحيطة بالطاولة الصغيرة، كلها عكست ذوقًا عمليًا لا يهتم بالزخارف بقدر اهتمامه بالنظام.

رفع يزن عينيه عن الأوراق، ثم مرر إصبعه على حافة الصفحة الأخيرة، متوقفًا عند فقرة تتعلق ببعض البنود القانونية الواردة في الوصية.

لم يكن يحب المفاجآت، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالأمور العائلية والمال. ومنذ وفاة والده، أصبحت كل ورقة تحمل توقيعًا أو بندًا قانونيًا سببًا إضافيًا للحذر، خصوصًا مع إصرار بعض أفراد العائلة على التدخل في أمور كان يفضّل التعامل معها بنفسه.

طرق أحد الموظفين الباب، ثم دخل بعد أن سمع الإذن.

«عذرًا على المقاطعة، سيدي.»

أغلق يزن الملف أمامه، وأسند ظهره إلى المقعد.

«ماذا هناك؟»

تقدم الموظف خطوتين، حاملًا ملفًا رفيعًا بين يديه.

«اتصل مكتب المحامي للتو. أكدوا أنه سيصل خلال أقل من ساعة لمراجعة المستندات المتعلقة بالوصية، وقد طلبوا أن تكون جميع الأوراق المطلوبة جاهزة قبل بدء الاجتماع.»

ألقى يزن نظرة على الساعة الموضوعة بجوار حاسوبه، ثم أعاد نظره إلى الموظف.

«أخبره أنني سأكون جاهزًا. وتأكد من أن النسخة الأخيرة من المستندات موجودة في الملف الأزرق، لا النسخة القديمة.»

«حاضر، سيدي.»

استدار الموظف استعدادًا للمغادرة، لكنه توقف حين تذكر أمرًا آخر.

«هناك طلب إضافي، سيدي.»

رفع يزن حاجبًا واحدًا.

«تفضل.»

«السيدة فريال طلبت أن تنضم السيدة تاليا إلى الاجتماع أيضًا. قالت إن المحامي قد يحتاج إلى التحدث معها بشأن بعض الإجراءات المتعلقة بالوصية.»

ساد الصمت للحظة.

تبدلت ملامح يزن تبدلًا طفيفًا، واختفت تلك الراحة المحدودة التي ظهرت على وجهه قبل قليل. لم يكن طلب فريال غريبًا في حد ذاته، لكنه أثار لديه التساؤل المعتاد: لماذا تصر على إدخال تاليا في أمور لا تحتاج بالضرورة إلى وجودها؟

مرر إبهامه على حافة الملف، ثم أغلقه تمامًا.

«هل أوضحت السبب؟»

«لا، سيدي. قالت فقط إن وجودها سيكون أفضل.»

أطلق يزن زفرة قصيرة، وأمال رأسه قليلًا إلى الخلف، بينما راحت أفكاره تتجه إلى زواجه الذي لم يمر عليه وقت طويل بما يكفي ليعتاد وجود تاليا في تفاصيل حياته اليومية.

لم يكن زواجهما، من وجهة نظره، سببًا يجعل كل ما يخصه شأنًا يخصها أيضًا. كانت هناك حدود واضحة أراد لكل منهما احترامها، وكان يفضّل أن تسير الأمور وفق ما اتفقا عليه، دون تدخلات عائلية أو محاولات لتحويل زواج فرضته الظروف إلى علاقة مختلفة عما هي عليه.

ومع ذلك، لم يكن من الحكمة تجاهل طلب المحامي أو تأجيل مراجعة الوصية لمجرد أنه لا يرغب في مناقشة الأمر.

نهض من مقعده، وأغلق أزرار سترته الخفيفة، ثم التقط هاتفه من فوق المكتب.

«حسنًا. سأذهب لإحضارها بنفسي.»

أومأ الموظف باحترام، ثم غادر الغرفة، تاركًا يزن يتجه نحو الباب بخطوات ثابتة.

كان يعرف أن تاليا ستستقبل الأمر على الأرجح ببعض الاعتراضات، وربما ستلقي عليه تعليقًا ساخرًا حول رغبته المفاجئة في اصطحابها إلى اجتماع عائلي ممل. لم يكن يستبعد ذلك منها؛ فالفتاة تملك قدرة مزعجة على تحويل أبسط المواقف إلى مشادة كلامية، خصوصًا حين يتعلق الأمر به.

ورغم أنه لم يكن يعترف بذلك بصوت مرتفع، فقد بدأ يتعرف إلى طريقتها في الكلام، وإلى تلك النظرة التي تسبق عادةً تعليقًا يستفزه، وإلى الطريقة التي ترفع بها ذقنها كلما قررت أنها لن تسمح له بفرض رأيه عليها.

أحيانًا، كان يتساءل كيف تستطيع أن تكون عنيدة إلى هذا الحد دون أن تتعب.

ثم يتذكر أنه هو الآخر ليس شخصًا سهل المراس، فيقرر أن المشكلة لا تستحق التفكير.

خرج إلى الممر، وأغلق الباب خلفه، ثم اتجه نحو الدرج المؤدي إلى الطابق السفلي.

كانت خطواته منتظمة في البداية، إلا أنها تباطأت قليلًا حين وصل إلى الممر المؤدي إلى غرفة الطعام الصغيرة.

كان المكان هادئًا على نحو غير مألوف، ثم اخترق ذلك الهدوء صوت ارتطام مكتوم، أعقبه صوت فريال المرتفع وهي تنادي أحد الخدم.

توقف يزن.

عقد حاجبيه، وأدار رأسه نحو مصدر الصوت، محاولًا استيعاب ما يحدث.

ثم سمع صوت فريال مجددًا، وهذه المرة كان أكثر حدة واضطرابًا.

«أسرعوا! تاليا لا تستطيع الوقوف!»

اختفى أي أثر للامبالاة من وجهه.

تحرك فورًا نحو الباب، ودفعه بقوة جعلته يرتطم بالجدار خلفه.

وما إن دخل حتى وقعت عيناه على المشهد أمامه.

كانت تاليا جالسة على الأرض بجوار الطاولة، وقد مال جسدها إلى أحد الجانبين بصورة غير طبيعية، فيما ارتخت إحدى يديها فوق السجادة، بينما كانت الأخرى تحاول التشبث بحافة الكرسي. بدا شعرها مبعثرًا حول وجهها، وانسدل بعضه فوق عينيها، أما بشرتها التي اعتادت أن يراها محتفظة بحيويتها، فقد اكتسبت شحوبًا أثار انتباهه على الفور.

كانت فريال واقفة إلى جوارها، منحنية فوقها، تمسك بذراعها وتحاول رفعها، بينما أخذت تتحدث بصوت مرتفع إلى إحدى الخادمات التي وصلت للتو.

«أمسكي بها من الجانب الآخر! لا تقفي هكذا!»

لكن يزن لم يهتم بما تقوله.

كل ما رآه كان تاليا.

وتلك الهيئة المرتخية التي لم يرها عليها من قبل.

«ما الذي حدث؟»

خرج صوته حادًا، فالتفتت فريال إليه بسرعة، وبدت على وجهها علامات ارتياح مصطنع.

«يزن! الحمد لله أنك جئت. لا أعرف ماذا أصابها، كانت تجلس هنا، ثم بدأت تشعر بالدوار فجأة، وبعدها لم تعد قادرة على الوقوف. حاولت مساعدتها، لكنها—»

لم يمنحها فرصة لإكمال كلامها.

كان قد تحرك بالفعل نحو تاليا، وانحنى أمامها، ثم جثا على إحدى ركبتيه فوق السجادة.

«تاليا؟»

لم تستجب.

اقترب منها أكثر، ورفع إحدى يديه إلى كتفها، محاولًا جعلها ترفع رأسها إليه.

«تاليا، انظري إليّ.»

تحركت رموشها ببطء، وانفرجت شفتاها قليلًا، لكن عينيها لم تستطيعا التركيز على وجهه. بدا أنها تسمع صوته من مكان بعيد، وأنها تحاول الوصول إليه دون أن تعرف كيف.

شعر يزن بانقباض مفاجئ في صدره.

لم يكن معتادًا على رؤيتها بهذه الحالة. حتى حين كانت غاضبة، أو متعبة، أو تتظاهر بأنها لا تكترث بشيء، كانت تحتفظ بتلك الطاقة المزعجة التي تجعلها مستعدة للجدال معه في أي لحظة.

أما الآن، فقد كانت ساكنة على نحو أثار قلقه رغمًا عنه.

«تاليا، هل تسمعينني؟»

حرك أصابعه برفق فوق كتفها، ثم مرر نظره على وجهها بحثًا عن أي علامة تفسر ما يحدث. كانت أنفاسها متقطعة، وملامحها مشوشة، كما بدت غير قادرة على تثبيت رأسها في وضع مستقيم.

أجابته فريال من خلفه:

«ربما لم تتناول طعامًا كافيًا هذا الصباح. أخبرتها أن ترتاح، لكنها أصرت على الجلوس هنا.»

التفت إليها يزن بنظرة سريعة.

«هل كانت بخير قبل ذلك؟»

ترددت فريال لجزء من الثانية، ثم هزت رأسها.

«نعم، بالطبع. كانت بخير تمامًا، ثم حدث كل شيء فجأة.»

عاد ينظر إلى تاليا، ولم يبدُ مقتنعًا بأن الأمر مجرد دوار عابر.

مد ذراعه خلف كتفيها، ثم وضع الأخرى تحت ركبتيها، ورفعها عن الأرض بحركة واحدة ثابتة، حريصًا على ألا يصطدم رأسها بحافة الطاولة.

كان جسدها أخف مما توقع، ومرتخيًا بصورة أربكته. استقرت إحدى يديها فوق صدره دون إرادة منها، بينما مال رأسها إلى جانبه، وانسدل شعرها على ساعده. حاولت أن ترفع رأسها، لكن رقبتها لم تطاوعها، فعادت تستند إليه، وقد انكمشت ملامحها كما لو كانت تحاول مقاومة شيء لا تستطيع فهمه.

ضمها إلى صدره بدرجة أكبر، ثم نظر إلى وجهها.

«تاليا!»

ارتفع صوته هذه المرة، واختفت منه نبرة الأمر المعتادة، لتحل محلها خشونة رجل بدأ يشعر بأن الوضع أخطر مما ظن.

«افتحي عينيكِ. هل تسمعينني؟»

تحركت شفتاها، وخرج منها صوت خافت لم يتمكن من فهمه.

اقترب بوجهه منها، حتى صار بإمكانه سماع أنفاسها المتقطعة.

«ماذا قلتِ؟»

حاولت تاليا فتح عينيها على اتساعهما، لكنها لم تنجح إلا في رفع جفنيها قليلًا. راحت تتأمل ملامحه المشوشة أمامها، حاجبيه المعقودين، وفكه المتصلب، وتلك النظرة القلقة التي لم تعتد رؤيتها في عينيه.

بدت لها ملامحه مألوفة على نحو غريب، ومع ذلك لم تستطع منع نفسها من الشعور بالانزعاج من ذلك الوجه المتجهم الذي ظهر أمامها في أسوأ لحظة ممكنة.

تحركت شفتاها مرة أخرى.

«أنت...»

توقف يزن عن الحركة للحظة، وأمال رأسه نحوها.

«أنا ماذا؟ تكلمي، تاليا.»

حاولت رفع يدها عن صدره، لكنها لم تستطع سوى تحريك أصابعها حركة ضعيفة، ثم عبست كما لو أنها تذكرت شيئًا بالغ الأهمية.

«يا بارد...»

تجمدت ملامحه.

رمش مرة واحدة، ثم انحنى أكثر محاولًا التأكد من أنه سمعها على نحو صحيح.

«ماذا؟»

ابتلعت تاليا بصعوبة، ثم جمعت ما تبقى لديها من قوة، وأكملت بصوت متثاقل، تتخلله فواصل قصيرة بين الكلمات:

«يا ابن... الباردة...»

ساد الصمت لثانيتين كاملتين.

حدق يزن في وجهها، غير قادر على استيعاب أن هذه الفتاة التي تكاد تفقد وعيها بين ذراعيه لا تزال تجد في نفسها ما يكفي لإهانته.

ثم أطبق فكيه، ونظر إليها بنفاد صبر واضح.

«أنتِ بالكاد تستطيعين فتح عينيكِ، ومع ذلك لم تنسي كيف تهينينني؟»

لم تجبه تاليا، بل اكتفت بتقطيب حاجبيها قليلًا، وكأنها مستاءة من نبرته أكثر من استيائها من حالتها.

حاولت أن تحرك رأسها بعيدًا عنه، لكن الحركة جعلتها تشعر بدوار أشد، فشهقت بخفوت، وانقبضت أصابعها على قماش قميصه دون وعي.

تغير وجه يزن على الفور.

«مهلًا... لا تتحركي.»

انخفض صوته، وأحكم تثبيت ذراعه خلف كتفيها حتى لا يميل جسدها، ثم نظر إلى الخادمة الواقفة قرب الباب.

«اتصلي بالطبيب فورًا. أخبريه أن يأتي بأسرع ما يمكن، ولا تضيعي الوقت في الشرح.»

«حاضر، سيدي.»

انطلقت الخادمة لتنفيذ الأمر، بينما رفع يزن عينيه نحو فريال، التي كانت لا تزال واقفة بجوار الطاولة.

«منذ متى وهي بهذه الحالة؟»

بدت فريال مرتبكة للحظة، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.

«قلت لك إنها شعرت بالدوار منذ دقائق قليلة. حاولت مساعدتها، لكنني لم أستطع حملها وحدي.»

لم يرد عليها فورًا.

كانت عيناه تتنقلان بين وجه تاليا الشاحب، والكأس الموضوع فوق الطاولة، والهاتف الملقى على الأرض بالقرب من قدم الكرسي.

لم يكن هناك ما يكفي ليصل إلى استنتاج واضح، لكنه لم يحب الصورة التي أمامه، ولا ذلك الشعور المزعج الذي بدأ يتسلل إلى داخله.

أما تاليا، فقد حاولت رفع رأسها مرة أخرى، ثم همست بصوت لم يكد يتجاوز أنفاسها:

«العصير...»

انحنى يزن نحوها بسرعة.

«ماذا قلتِ؟»

تحركت عيناها بصعوبة باتجاه الطاولة.

«أنا... شربت...»

توقفت الكلمات في حلقها، وانخفض رأسها فوق ذراعه، بينما أخذت جفونها تثقل من جديد.

شد يزن ذراعه حولها، وناداها بحدة:

«تاليا! ابقي معي.»

لكنها لم تجبه.

حدق في وجهها لثانية، ثم رفع رأسه نحو فريال، وقد اختفت آخر ذرة من الهدوء عن ملامحه.

«لا أحد يلمس هذا الكأس.»

تراجعت فريال خطوة صغيرة، واتسعت عيناها.

«يزن، ما الذي تقوله؟ إنها مجرد كأس عصير!»

نهض يزن بحذر، حاملًا تاليا بين ذراعيه، ثم نظر إليها نظرة باردة لم تستطع تفسيرها بسهولة.

«قلت إن أحدًا لن يلمسه.»

وبعد لحظة صمت قصيرة، أضاف وهو يتجه نحو الباب:

«وسنعرف ما الذي حدث هنا بالضبط.»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لعبة الورثة    66

    بقي واقفاً أمام باب دورة المياه.لم يكن باباً نظيفاً، ولا لامعاً كأبواب قصر الورثة التي كان يمسحها الخدم كل ساعة. كان باباً خشبياً قديماً، طلاؤه متقشر، مقبضه ساخن من شمس الصحراء. ورائحة المطهر الرخيص تخرج منه. وكان يزن الورثة، الذي لم يدخل في حياته استراحة كهذه على طريق صحراوي، الذي اعتاد أفخم الفنادق والطائرات الخاصة، واقفاً أمامه الآن كأنه يقف أمام باب الجنة أو باب النار، لا يعرف أيهما سيفتح.مرت دقيقة.نظر إلى ساعته. كانت الثانية تمر كأنها ساعة. وضع يده في جيبه، أخرجها، وضعها على قلبه، لم يستطع الوقوف ثابتاً. بدأ يذرع الممر الصغير ذهاباً وإياباً، ثلاث خطوات يميناً، ثلاث خطوات يساراً. كلما مرت سيارة مسافرة ونظر إليه ركابها باستغراب، لم يهتم. كان يسمع فقط صوتاً واحداً قادماً من الداخل: لا شيء. صمت.مرت دقيقتان.طرق على الباب برفق، برفق شديد كأنه يطرق على قلبها.قال بصوت خافت:- تاليا؟ حبيبتي؟ هل أنتِ بخير؟جاءه صوتها من الداخل، مرتجفاً، مبحوحاً:- لحظة... لحظة يا يزن...كانت الكلمة "يا يزن" كافية لتجعله يبقى. جلس على الأرض، نعم، جلس على الأرض المتسخة للاستراحة، ببنطاله الغالي وقميصه

  • لعبة الورثة    65

    لم يناما تلك الليلة إلا قليلاً.بقي الخاتم الجديد في إصبع تاليا يلمع كلما تحركت يدها في الظلام، وكانت ترفعه بين الحين والآخر إلى ضوء القمر لتتأكد أنه لا يزال موجوداً، أنه ليس حلماً. وكان يزن كلما استيقظ للحظة، يبحث بيده عن يدها، يجدها، يقبض عليها، ثم يعود ليغفو مطمئناً.عند الفجر، قبل أن تشرق الشمس، استيقظ يزن. جلس على حافة السرير الخيزراني، نظر إلى تاليا النائمة، إلى وجهها الهادئ، إلى شعرها المنتشر، إلى الخاتم في يدها. تنهد تنهيدة طويلة. كان يعلم أن هذه الرحلة يجب أن تنتهي. أسبوعان كاملان بلا هواتف، بلا ورثة، بلا فريال، بلا محامين، بلا قصر يراقب أنفاسهما. أسبوعان كانا كحلم سرقه من الزمن. لكن الورثة لا يزال هناك، والقصر لا يزال ينتظرهما، والحياة الحقيقية لا تهرب إلى الأبد.مد يده وأيقظها برفق. مرر إصبعه على وجنتها.قال بصوت خافت:- تاليا. حبيبتي. استيقظي.فتحت عينيها ببطء، نصف نائمة، نصف مستيقظة. ابتسمت حين رأته.قالت بصوت ناعس:- صباح الخير.قال:- صباح الخير. يجب أن نعود اليوم.تغير وجهها فجأة. اختفت الابتسامة. اعتدلت جالسة، ضمت الغطاء إلى صدرها.قالت بقلق واضح:- نعود؟ إلى القصر؟ق

  • لعبة الورثة    64

    مر النهار كله وهما لا يغادران البيت إلا قليلاً. لم يذهبا إلى السوق، ولم ينزلا إلى البحر كما فعلا في اليوم الأول. بقيا في الداخل، كأنهما يخافان أن يخرجا فيسرقهما العالم مرة أخرى ويعيدهما إلى القصر والورثة والعقود.كانت تاليا تجلس على الأرض الخشبية، ترتب الأصداف الصغيرة التي جمعتها بالأمس في صحن فخاري، وكان يزن يجلس خلفها، ظهره إلى الحائط، وهي مسندة ظهرها إلى صدره، بين ساقيه. كان يلف ذراعيه حولها، يضع ذقنه فوق كتفها، يراقب أصابعها الصغيرة وهي تقلب الصدف.قالت تاليا دون أن تلتفت:- هذه تشبه قلباً.قال يزن وهو ينظر حيث تشير:- أين؟رفعت صدفة صغيرة بيضاء، فيها انحناءة تشبه القلب فعلاً.قالت بابتسامة:- هنا. خذها.أخذها يزن ووضعها في جيب قميصه، فوق قلبه.قال:- سأحتفظ بها.سكتت قليلاً، ثم قالت فجأة، وكأن الفكرة خطرت لها للتو، لكنها في الحقيقة كانت تدور في رأسها منذ الصباح:- يزن.- همم؟- لو لم يجبرنا جدك على الزواج... لو لم يكن هناك ورث، ولا عقد، ولا فريال تراقبنا... هل كنا سنحب بعضنا؟ هل كنت ستنظر إلي أصلاً؟سكت يزن. كان السؤال أعمق مما يبدو. أغمض عينيه، وضمها أكثر، كأن السؤال أيقظ خوفاً

  • لعبة الورثة    63

    استيقظ يزن قبلها.هذه عادته منذ صغره في قصر الورثة، يستيقظ في الخامسة فجراً، يراجع الأوراق، يصدر الأوامر، لا يسمح لأحد أن يراه نائماً، ضعيفاً. كان النوم بالنسبة له حالة مؤقتة من فقدان السيطرة، وكان يكره فقدان السيطرة.لكنه هذا الصباح لم ينهض. بقي مستلقياً على ظهره، ينظر إلى سقف الخشب، ويستمع.كان هناك ثقل لطيف فوق صدره. دفء. أنفاس منتظمة تلامس عنقه.خفض بصره ببطء.كانت تاليا نائمة فوقه تماماً، كما غفت الليلة الماضية. شعرها الأسود منكوش، منتشر فوق صدره العاري، وفوق وجهه، وبعضه ملتصق بشفتيها. قميصه هو يغطي جسدها، لكنه انحسر قليلاً عن كتفها، فبدا الكتف أبيض تحت ضوء الصباح. يدها الصغيرة موضوعة فوق قلبه تماماً، كأنها تحرسه. وشفاهها مفتوحة قليلاً، تتنفس بهدوء طفل صغير.لم يرها هكذا من قبل.في القصر، كانت تاليا تستيقظ قبله، تضع مساحيقها، ترتدي قناع القوة، وتخرج لتواجهه كندّ. كان يراها دائماً مستعدة للقتال. أما الآن فكانت بلا قناع، بلا مساحيق، بلا قوة مصطنعة. كانت نائمة بسلام، بثقة مطلقة، كأنها تعلم أن هذا الصدر الذي تنام عليه لن يؤذيها أبداً.مد يزن يده بتردد شديد، وبحذر كأنه يخشى أن يكسر شي

  • لعبة الورثة    62

    لم يكن الليل كأي ليل مر عليهما في قصر الورثة.في القصر، كان الليل طويلاً، بارداً، مقسماً. غرفتان، بابان مغلقان، وممر طويل بينهما كانت تمشيه فريال كل صباح لتتأكد أن كلاً منهما نام في غرفته، التزاماً ببنود العقد. كان زواجهما في القصر ورقة، توقيعاً، شرطاً للورث. كانت تاليا تنام ويدها تحت خدها، تبكي بصمت، وكان يزن يجلس في غرفته على حافة السرير، يدخن سيجارة لا يحبها، وينظر إلى الحائط الذي يفصله عنها، يحدث نفسه: غداً ستلين، غداً ستنظر إلي.أما الليلة في بيت دهب الصغير، فلم يكن هناك حائط. لم يكن هناك عقد. لم يكن هناك شرط. كانت النافذة مفتوحة، ونسيم البحر يدخل حاملاً رائحة الملح، والقمر يرسم مربعاً من الضوء على الأرض الخشبية، وصوت الموج يطرق الباب كضيف بعيد.كانت تاليا مستلقية، وشعرها المبلل ينتشر فوق الوسادة، وعيناها مثبتتان على يزن. لم تكن ترتجف. هذه هي المرة الأولى التي لا ترتجف فيها أمامه. في كل المرات السابقة، حتى حين كان يمسك يدها أمام المحامي ليمثلا أنهما زوجان سعيدان، كانت يدها باردة، مرتجفة. أما الآن فكانت يدها دافئة، تبحث عن يده.قال يزن بصوت خافت، وهو يمرر ظهر يده على وجنتها برفق ك

  • لعبة الورثة    61

    لم يخرجا من البيت بعد شجار الصباح. بقي يزن جالساً على الأرض، رأسه على ركبتي تاليا، وهي تمرر أصابعها في شعره بصمت. كان صمتاً ثقيلاً، لكنه لم يكن صمت الخصام الذي اعتاداه في قصر الورثة، حيث كان كل منهما ينام في غرفة ويغلق الباب. كان صمتاً مليئاً بالاعتراف، كأن كل منهما يخاف أن يتكلم فيفسد ما قيل.قالت تاليا أخيراً بصوت خافت:- يزن.قال دون أن يرفع رأسه:- همم؟قالت:- ظهري يؤلمني من الجلوس هكذا.ضحك، رفع رأسه ونظر إليها، عيناه لا تزال حمراء قليلاً من الغضب والندم. نهض وجلس بجانبها على السرير، أسند ظهره إلى الحائط الخشبي.قال:- نامي قليلاً. سأذهب لأصطاد لنا شيئاً، كما وعدتك.قالت بسرعة وتمسكت بكم قميصه:- لا تذهب. ابقَ.نظر إليها متفاجئاً. كانت تاليا دائماً هي التي تطلب الابتعاد، تطلب مساحة، تطلب باباً مغلقاً. هذه أول مرة تطلب منه البقاء بهذا الوضوح.قال بابتسامة صغيرة:- سأبقى. لن أذهب إلى أي مكان.مر النهار بطيئاً، هادئاً. طبخا معاً بيضاً احترق نصفه، فضحكا عليه كثيراً. جلسا أمام البيت يشاهدان الغروب، لم يتحدثا عن الورثة، ولا عن فريال، ولا عن القصر، ولا عن المحامي الذي ينتظرهما في القاه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status