LOGINالفصل الرابع:
في قصر الجارحي، لم تكن الصباحات تبدأ بصوت العصافير، ولا برائحة القهوة الطازجة التي تتسلل من المطابخ إلى الغرف، بل كانت تبدأ بالأوامر الصارمة، والخطوات المحسوبة، والوجوه التي تتقن إخفاء ما يدور خلف ابتساماتها.
أما في الجناح الشرقي، حيث تقيم الوريثة الجديدة وزوجها الذي لا يطيق النظر إليها، فقد بدأ الصباح بمعركة صغيرة على جهاز التحكم في المكيّف، وانتهى بتهديدات متبادلة لم يسمع بها أحد سواهما.
«أطفئي هذا الشيء!»
دوّى صوت يزن في الغرفة، بينما كان يقف أمام السرير مرتديًا بنطالًا أسود وقميصًا أبيض لم يُغلق أزراره العليا بعد، وقد انعقد حاجباه وهو ينظر إلى جهاز التحكم الذي تحمله تاليا بين أصابعها.
كانت تجلس في منتصف السرير، وقد جمعت شعرها في كعكة فوضوية أعلى رأسها، وارتدت قميصًا قطنيًا واسعًا بلون بنفسجي باهت، بينما استقرت إحدى الوسائد فوق حجرها. بدت مسترخية إلى حد استفزازه، خصوصًا أنها كانت تتناول قطعة من البسكويت وكأنها لا تسمع صوته أصلًا.
رفعت عينيها إليه ببطء، ثم نظرت إلى جهاز التحكم، وعادت تنظر إليه.
«هل تقصد المكيّف؟»
أجابها بحدة:
«لا، أقصد القنبلة النووية التي تخفينها تحت الوسادة. بالطبع أقصد المكيّف! أطفئيه.»
نظرت إلى الشاشة الصغيرة التي تشير إلى درجة الحرارة، ثم قالت بجدية مصطنعة:
«درجة الحرارة أربع وعشرون. إذا كنت تشعر بالحرارة، يمكنك خلع قميصك.»
توقفت عيناه عند وجهها.
«تاليا...»
قاطعته على الفور:
«أوه! لقد تذكرت اسمي! هل أصفق لك أم نحتفل بهذه المناسبة في المساء؟»
تصلب فكه.
«أنا أحاول التحلي بالصبر معك منذ استيقظت.»
«وأنا أحاول منذ استيقظت أن أفهم كيف يمكن لرجل في الحادية والثلاثين أن يكون بهذا القدر من التذمر. يبدو أنك قضيت حياتك كلها تتلقى الأوامر من نفسك، فنسيت أن العالم لا يدور حولك.»
وضعت قطعة البسكويت في فمها، ثم رفعت جهاز التحكم وضغطت الزر، فانطفأ المكيّف أخيرًا.
ابتسم يزن ابتسامة خالية من الدفء.
«أحسنتِ. يبدو أنك قادرة على تنفيذ الأوامر عندما تريدين.»
ألقت إليه جهاز التحكم فوق السرير، ثم نهضت وهي تتمتم:
«ويبدو أنك قادر على إزعاج الآخرين عندما تستيقظ. لكل منا موهبته.»
التقط الجهاز قبل أن يسقط على الأرض، ثم راقبها وهي تتجه إلى الحمام، تتوقف في منتصف الطريق لتلتقط مشطًا من فوق الطاولة، ثم تعود إلى حقيبتها بحثًا عن ربطة شعر.
كانت تتحرك في الغرفة كأنها تقيم فيها منذ سنوات، لا منذ ليلة واحدة، بينما لم يستطع هو حتى العثور على ساعته التي وضعها على الطاولة المجاورة لمقعده.
وحين لمح نصف الملاءة المقطوعة مطويًا فوق المقعد، شعر بصداع خفيف يعود إلى رأسه.
هذه الفتاة ستدمر أعصابه قبل أن ينتهي الشهر الأول.
لكن ما لم يكن يعرفه أن شخصًا آخر في القصر كان ينتظر بالفعل اللحظة التي تفقد فيها تاليا أعصابها إلى الأبد.
ولم يكن ذلك الشخص ينوي الاكتفاء بتمزيق ملاءة أو إشعال شجار صباحي.
في الطابق السفلي، كانت فريال الجارحي تجلس في الصالون الداخلي، تحرك ملعقتها داخل فنجان القهوة دون أن تتذوق منه شيئًا.
كانت امرأة أنيقة في أواخر الأربعينيات، تحرص على ارتداء الملابس الفاخرة والمجوهرات الهادئة التي تعكس مكانتها داخل العائلة. اعتادت أن تتحدث بابتسامة رقيقة، وأن تختار كلماتها بعناية، حتى إن من يراها للمرة الأولى قد يظنها امرأة لطيفة لا يمكن أن تؤذي أحدًا.
لكن تلك الابتسامة كانت تختفي تمامًا كلما ذُكر اسم تاليا.
وضعت فنجانها على الطاولة، ثم التفتت إلى المرأة الواقفة بجوار الباب.
«هل نُفذ ما طلبته؟»
أجابت المرأة بصوت منخفض:
«نعم، سيدتي. كل شيء جاهز.»
«والخادمة التي ستقدم العصير؟»
«ستفعل ما طلبتِه منها، ولن تتحدث إلى أحد.»
أومأت فريال ببطء، ثم مالت إلى الخلف في مقعدها، وعادت نظراتها إلى النافذة المطلة على الحديقة.
منذ وفاة شقيقها، وهي تنتظر أن تستقر الأمور داخل العائلة. كان من المفترض أن يبقى الميراث تحت سيطرة يزن، وأن تستمر الإمبراطورية في يد الشخص الذي تربى منذ طفولته على أنه وريثها الوحيد.
ثم جاءت تاليا لتقلب كل شيء.
فتاة مجهولة ظهرت فجأة، تحمل اسم العائلة، وحقًا قانونيًا في ثروة لم تتخيل فريال يومًا أن تقترب منها امرأة لا تعرف حتى كيف تتصرف بين أصحاب القصور.
والأسوأ أن الوصية لم تمنح تاليا الميراث فحسب، بل جعلت زواجها من يزن شرطًا لاستمرار حقهما فيه.
لقد أصبحت الفتاة زوجة ابن أخيها، وشريكة له في الميراث، ووجودها وحده كافٍ لتهديد نفوذ فريال ومكانتها.
أما يزن، فقد كان عنيدًا بما يكفي ليرفض الاعتراف بأن جده وضعه في مأزق، لكنه لن يستطيع إنكار الأدلة إذا رآها أمام عينيه.
ابتسمت فريال ابتسامة باردة.
«أريد أن يشاهدها المحامي وهي تفقد السيطرة على نفسها. لا أريد مجرد شجار تافه أو نوبة غضب. أريد شيئًا يجعل الجميع يتساءلون إن كانت هذه الفتاة مؤهلة أصلًا لحمل اسم الجارحي.»
ترددت المرأة للحظة.
«وماذا لو اكتشف السيد يزن الأمر؟»
رفعت فريال عينيها إليها.
«يزن لا يصدق أحدًا بسهولة، لكنه لا يحب أن يبدو أحمق أمام الآخرين. إذا رأى زوجته تتصرف بطريقة تسيء إلى العائلة، فسيتصرف بنفسه. وأنا لا أحتاج إلى أكثر من ذلك.»
ثم أشارت إلى الصينية الموضوعة على الطاولة.
«ضعي العصير في غرفة الطعام الصغيرة. سأهتم بالباقي.»
خرجت المرأة، وبقيت فريال وحدها للحظات، تتأمل انعكاس وجهها في زجاج النافذة.
لم تكن تريد إخافة تاليا فحسب.
كانت تريد إخراجها من القصر، وإعادتها إلى المكان الذي جاءت منه، قبل أن تتمكن من ترسيخ أقدامها داخل العائلة.
وكان لديها استعداد لأن تجعل تلك الفتاة تبدو أسوأ مما يتخيله أحد.
عند العاشرة صباحًا، نزلت تاليا إلى الطابق السفلي وهي تربط شعرها خلف رأسها، بعد أن أمضت وقتًا طويلًا في محاولة إقناع نفسها بأن القصر ليس سجنًا، وأنها تستطيع على الأقل الاستمتاع بوجبة إفطار دون أن تضطر إلى خوض معركة جديدة.
كانت قد ارتدت بنطالًا أسود واسعًا وقميصًا أبيض بسيطًا، وانتعلت حذاءً مريحًا، بينما حملت هاتفها بيدها، تتفقد الرسائل التي وصلتها من إحدى صديقاتها في الملجأ.
ابتسمت حين قرأت الرسالة، وكتبت ردًا سريعًا قبل أن ترفع رأسها وتجد إحدى الخادمات تنتظرها عند مدخل غرفة الطعام.
«صباح الخير، سيدتي تاليا. لقد أعددنا لكِ العصير الذي طلبته السيدة فريال.»
توقفت تاليا.
«أنا لم أطلب عصيرًا.»
ارتبكت الخادمة، ثم أشارت إلى الصينية الموضوعة فوق الطاولة.
«أخبرتني السيدة فريال أنكِ تفضلين عصير البرتقال في الصباح، وأنكِ لم تتناولي شيئًا منذ الأمس.»
حدقت تاليا في كأس العصير، ثم نظرت إلى الخادمة.
لم تكن تثق بفريال، ولم يكن ذلك سرًا. فقد أمضت ليلة زفافها وهي تتلقى منها تعليقات لاذعة عن ماضيها وملابسها وطريقة حديثها، ولم تكن تتوقع أن تستيقظ اليوم لتجدها قد تحولت فجأة إلى عمة حنونة.
ومع ذلك، لم ترغب في إحراج الخادمة التي بدت خائفة من مجرد ارتكاب خطأ صغير.
تنهدت تاليا، ثم ابتسمت لها.
«حسنًا، شكرًا لكِ. لكن أخبري السيدة فريال أنني أستطيع اختيار مشروباتي بنفسي، حتى لا تتعب نفسها في المرة القادمة.»
انحنت الخادمة برأسها وغادرت بسرعة.
جلست تاليا إلى الطاولة، وسحبت الكأس نحوها، ثم توقفت قبل أن ترفعه إلى شفتيها.
كان العصير يبدو طبيعيًا، بل إن رائحته كانت شهية، لكن شيئًا في الموقف كله لم يطمئنها. ظلت تنظر إليه للحظات، قبل أن تهز رأسها لنفسها وتقرر أن تتناول رشفة صغيرة فقط.
كان الطعم حلوًا، مع حموضة خفيفة اعتادتها في عصير البرتقال.
ابتلعت الرشفة، ثم أعادت الكأس إلى الطاولة.
«حسنًا، على الأقل هناك شيء واحد في هذا القصر لا يتصرف بغرور.»
مدت يدها إلى قطعة من الخبز، لكن أصابعها توقفت فجأة فوق الطاولة.
شعرت بثقل غريب في رأسها.
رمشت عدة مرات، ثم رفعت يدها إلى جبينها، محاولة التخلص من الدوار الذي بدأ يتسلل إليها ببطء.
ربما لم تنم جيدًا.
ربما كان الإرهاق هو السبب.
أغمضت عينيها لثانية، ثم فتحتهما، لتجد أن حواف الأشياء أمامها بدأت تبدو غير واضحة.
تجهم وجهها.
«ما هذا...؟»
حاولت النهوض، لكنها شعرت بأن ساقيها لا تحملانها كما ينبغي. أمسكت بحافة الطاولة، وأطلقت ضحكة قصيرة مرتبكة وهي تحاول استعادة توازنها.
«رائع. يبدو أنني سأحتاج إلى فحص طبي بعد ليلة واحدة في هذا القصر.»
لكن صوتها خرج أضعف مما أرادت.
مدت يدها نحو الكأس، ثم سحبتها فجأة، وقد بدأت الشكوك تتسلل إلى عقلها.
لماذا تشعر بهذا الثقل بهذه السرعة؟
لماذا يبدو جسدها وكأنه لا يستجيب لها؟
بعد سنة.نفس البيت الأزرق في دهب، لكنه لم يعد نفس البيت.الباب الأزرق الجديد صار قديمًا، لونه باهت من الشمس والملح، لكنه قوي، لا يحترق.السقف الخشبي المحروق، رممه يزن بيده، بمساعدة نجار من القرية، وصار سقفًا جديدًا، وضع فوقه قشًا، ليبقى باردًا في الصيف.الجدران التي كانت سوداء من الدخان، طلتها تاليا باللون الأبيض، ورسمت عليها بيدها مراكب صغيرة زرقاء، مثل الملاءة التي قصتها أول يوم.والصور القديمة لجدة الجد التي احترقت، رسمها يزن من ذاكرته على ورقة كبيرة وعلقها، امرأة عجوز بملاءة، تبتسم.وفي وسط البيت، سرير صغير من الخشب، صنعه يزن من خشب الصناديق، ينام فيه عثمان الصغير.عثمان الآن عمره سنة، وزنه تسعة كيلو، لا يشبه الطفل الذي كان وزنه كيلين في الحضانة، وجهه مليء، وشعره كثيف أسود، وعيناه سوداوان مثل عيني أمه، ويمشي، يتعلم المشي، يقع ويقوم، ويضحك.وتاليا، لم تعد تلك الفتاة الشاحبة التي تنزف في المستشفى، صارت امرأة قوية، وجهها أسمر من شمس دهب، وشعرها طويل، تلبس جلبابًا أزرق، وتقص الملاءات وتبيعها للسياح الذين يأتون إلى دهب، ملاءات بيضاء عليها مراكب زرقاء، وكتبت عليها بخطها: صنع في البيت ال
لم يصل يزن إلى مستشفى السلام في تلك الليلة كأنه يركب تاكسي.وصل كأنه يطير.كان التاكسي يمر بشوارع القاهرة المزدحمة، والناس في الشوارع تشتري وتتكلم وتضحك، وهو يبكي في المقعد الخلفي، يبكي بلا صوت، لأن الممرضة قالت له: عثمان خرج من الحضانة، وتاليا وقفت.جملتان فقط، لكنهما تساويان عنده كل قصور الورثة وكل شركاتهم وكل الذهب الذي في الأرض.ولما وصل إلى المستشفى، لم ينتظر أن يحاسِب السائق، ألقى له ما بقي في جيبه من مال، وقال له: الباقي عند الله، وركض إلى الداخل حافيًا، مرة أخرى حافيًا، لأن فردة حذائه انقطعت مرة أخرى في الركض.دخل إلى الدور الثاني، فوجد غرفة تاليا مفتوحة، لكنها فارغة، السرير الأبيض مرتب، ولا أحد فيه.فخاف، وقلبه توقف للحظة، وظن أن شيئًا سيئًا حدث، فصرخ:- تاليا!فخرجت الممرضة من غرفة الحضانة المقابلة، وهي تبتسم، وقالت له:- تعال، هما هناك.فدخل إلى غرفة الحضانة، التي لم يعد يدخلها إلا بثوب معقم، لكنه دخل هذه المرة بثيابه المتسخة، ولم يمنعه أحد.فوجد المشهد الذي سيظل محفورًا في قلبه حتى يموت.كانت تاليا جالسة على كرسي خشبي بجانب الحضانة، لأول مرة منذ الولادة والنزيف والعملية، ج
لم يكد يزن يسمع كلمة "حريق" حتى نهض من كرسيه، وكاد يسقط من التعب، فلم ينم منذ ثلاثة أيام إلا ساعة واحدة في السيارة.فقالت تاليا وهي تحاول أن تجلس رغم جرح العملية، وبطنها لا يزال يؤلمها:- ماذا حدث؟فقال يزن وهو يمسك يدها ليطمئنها، لكن يده كانت ترتجف:- لا شيء، نامي أنتِ، سأنزل لأرى الشرطة.ونزل إلى الأسفل، فوجد نفس الضابط الذي اتصل به من دهب، ومعه عم سالم، لكن عم سالم لم يكن واقفًا، كان جالسًا على كرسي متحرك، وذراعه ملفوفة بشاش أبيض، ووجهه أسود من الدخان، وعيناه حمراوان من البكاء.فلما رأى يزن، بكى وقال:- يا بني، سامحني، لم أستطع أن أحميه.فأمسك يزن يده المحروقة برفق وقال:- ماذا حدث يا عم سالم؟فقال الضابط بدلًا منه:- بعدما سافرت أنت إلى القاهرة بساعتين، عاد الرجلان نفسيهما، ومعهما ثلاثة رجال آخرين، ومعهم بنزين، وسكبوا البنزين على الباب الأزرق الخشبي، وأشعلوا النار، وقالوا: إن لم نستطع أن نأخذه، فلن يأخذه أحد.فصرخ يزن:- والبيت؟فقال عم سالم وهو يبكي:- حاولت أن أطفئ النار بجسدي، دخلت إلى الداخل لأحمل سجادة الصلاة، فاحترقت ذراعي، ولو لم يأتِ أهل القرية بالماء، لاحترق البيت كله، لك
لم يركب يزن الأتوبيس هذه المرة.ركب أول سيارة أجرة وجدها أمام البيت الأزرق في دهب، وقال للسائق:- إلى القاهرة، مستشفى السلام، بأي ثمن، بأسرع ما عندك.فقال السائق وهو ينظر إلى وجه يزن الأصفر من الخوف والتعب:- الطريق تسع ساعات يا أستاذ، والمبلغ كبير.فأخرج يزن سوارًا ذهبيًا واحدًا من الكيس القماشي، وقال له:- خذ هذا السوار، ثمنه خمسون ألف جنيه، أوصلك إلى القاهرة واشترِ به ما شئت، فقط أسرع.فأخذ السائق السوار بيد مرتجفة، وانطلق بسرعة جنونية.وكان يزن في المقعد الخلفي، يمسك الكيس القماشي الذي فيه الأربعة أساور الباقية، والصندوق الخشبي الذي فيه عقد البيت الأزرق، ويبكي، ويقرأ القرآن، ويتصل بصديقة تاليا كل عشر دقائق، فتقول له:- لم يدخلوها العمليات بعد، هي ترفض، تقول لن أدخل إلا ويدي في يد يزن.فقال لها:- قولي لها إني قادم، في الطريق، أمسكي يدها أنتِ حتى آتي.ووصل إلى القاهرة بعد سبع ساعات، لأنه كان يدفع للسائق أن يسرع، حتى إن الشرطة أوقفتهم مرتين للسرعة.ودخل المستشفى يركض، بلا حذاء مرة أخرى، لأن حذاءه انقطع في الركض، وقميصه مليء برمال دهب ودموعه.فوجد تاليا على سرير متحرك أمام غرفة العمل
لم يشعر يزن بقدميه وهو يركض من غرفة تاليا إلى غرفة الحضانة.كان الممر الطويل في مستشفى السلام مزدحمًا بالمرضى والممرضات، لكنه كان يركض كالمجنون، يصطدم بالناس، يصرخ: ابني، ابني.وصل إلى باب الحضانة الزجاجي، فوجد ثلاثة أطباء حول صندوق ابنه الصغير، صندوق عثمان، والجهاز يصدر صوتًا حادًا، طويلًا، هو صوت توقف القلب.وكانت إحدى الممرضات تضغط على صدر الطفل الصغير بأصبعين فقط، لأن صدره أصغر من كفها، وطبيب آخر يضع أنبوب أكسجين أكبر.فصرخ يزن من خلف الزجاج:- ماذا حدث له؟فأشارت له الممرضة أن يصمت، وأن ينتظر في الخارج.فوقف خارج الزجاج، يضع جبهته على الزجاج البارد، ويبكي، ويقول بصوت لا يسمعه إلا الله:- يا رب، أخذت مني القصر، وأخذت الشركة، وأخذت الذهب، فلا تأخذ ابني، اترك لي ابني فقط.وبقي على هذا الحال عشر دقائق، كانت أطول عشر دقائق في حياته كلها، أطول من سنة كاملة في قصر الورثة.ثم فجأة، انقطع الصوت الحاد، وعاد الجهاز يصدر صوتًا متقطعًا، هادئًا، منتظمًا، هو صوت تنفس.وعاد صدر الطفل الصغير يعلو ويهبط.فصرخ الطبيب من الداخل وهو يرفع يديه:- عاد! عاد يتنفس! الحمد لله.فسقط يزن على الأرض، ساجدًا،
بقي يزن واقفًا أمام زجاج الحضانة، والهاتف لا يزال في يده، وصوت عم سالم العجوز يبكي على الطرف الآخر ويقول:- يا بني، ضرباني، أخذت الصندوق وهربا، سامحني، أنا عجوز لا أستطيع أن أدافع.وكان ابن يزن الصغير داخل الصندوق الزجاجي أمامه، يتنفس بصعوبة، وصدره الصغير يعلو ويهبط بسرعة، والجهاز يصدر صوتًا متقطعًا، والممرضة تنظر إليه بقلق.فقال يزن لعم سالم بصوت حازم، رغم أنه كان يرتجف من الداخل:- يا عم سالم، لا تتحرك من أمام البيت، اجلس على العتبة، ولا تدع أحدًا يدخل، أنا قادم، لكن ليس الآن، ابني في الحضانة، سأبقى اليوم معه، وسأأتي غدًا، هل تفهم؟فقال عم سالم:- أفهم يا بني، سأجلس، حتى لو هدموا البيت عليّ.وأغلق يزن الهاتف، ووضع يده على زجاج الحضانة مرة أخرى.وجاءه طبيب الأطفال وقال له:- يا أستاذ يزن، ابنك حالته مستقرة الآن، لكنه سيحتاج إلى البقاء في الحضانة عشرة أيام على الأقل، ووزنه قليل، ويحتاج إلى لبن خاص غالٍ، وإلى حضانة خاصة تكلفتها في اليوم ألفا جنيه، هل تستطيع أن تدفع؟فسكت يزن.ألفا جنيه في اليوم، في عشرة أيام، يعني عشرين ألف جنيه، وهو لا يملك في جيبه إلا ثلاثمائة جنيه أخذها من موقع البن







