LOGINتقدم رجل ضخم، عريض الكتفين، تتخلل شعره الأشقر خصلات بيضاء. كان يرتدي بدلة رمادية، وعلى وجهه ابتسامة لا تخلو من الاستهزاء.«أهذا هو السبب الذي جعل آخر الليكان يرفض حضور اجتماعات القطيع طوال الأشهر الماضية؟»لم يجبه آسر.انتقلت عينا الرجل إلى سيلين، ثم استقرتا على علامتها.ضحك بصوت مرتفع.«فتاة بشرية؟ هل فقدت عقلك يا آسر؟ أم أن وحدتك الطويلة جعلتك تتوهم أن أي فتاة تحمل أثر عضة تصلح لتكون لونا؟»تجمدت سيلين في مكانها، لكنها لم تنظر إلى الأرض.قال آسر ببرود:«احذر كلماتك يا رايان.»رفع الرجل يديه متظاهرًا بالاستسلام.«لم أقل شيئًا يستحق الغضب. أنا فقط أتساءل كيف ستجلس هذه الفتاة على عرش القطعان، وهي لا تستطيع حتى تحمل رائحة الدم الأسود دون أن يغمى عليها.»انطلقت ضحكات متفرقة من بين الحاضرين.شعرت سيلين بحرارة تتصاعد في صدرها، لكن آسر تحرك خطوة إلى الأمام، فأسكتهم بنظرة واحدة.«اجتمعتم الليلة للاحتفال بتجدد عهد القطعان، ولأقدم لكم لونا الجديدة.»أمسك بيد سيلين، ورفعها أمام الجميع.«سيلين، لونا الدم الأسود.»ساد الصمت لثانية واحدة، ثم انفجرت الساحة بالاعتراضات.«هذا مستحيل!»«البشر لا يمكنه
حفلة القطعانلم تكن سيلين تتوقع أن يكون أول صباح لها في عالم الليكان أكثر غرابة من الليلة التي تحولت فيها إلى ذئبة سوداء، لكن آسر بدا مصممًا على إثبات أن الأسوأ لم يأتِ بعد.وقفت أمام المرآة الكبيرة في غرفتها، تحدق في الفستان الأسود الذي وضعته إحدى الخادمات على السرير قبل قليل. كان طويلًا، يلتف حول خصرها بانسيابية، ويكشف ظهره عن العلامة الممتدة خلف أذنها حتى أعلى كتفها. لم تكن العلامة مجرد أثر عضة؛ فقد تحولت إلى خطوط سوداء دقيقة تشبه أغصان شجرة، تتوهج كلما اقترب اكتمال القمر.مررت أصابعها فوقها بحذر، فانقبض جلدها تحت لمستها.ثمانية أيام.ثمانية أيام فقط تفصلها عن عيد ميلادها العشرين، وعن الموت الذي ينتظرها إن لم تقبل برابطة آسر الأبدية.طرقت الخادمة الباب، ثم دخلت بعدما سمحت لها سيلين.«السيد آسر ينتظركِ في الأسفل، يا سيدتي.»استدارت سيلين نحوها.«أخبريني بشيء واحد قبل أن أذهب. هل توجد في هذا القصر امرأة لم تتزوج ذئبًا، أو لم يختطفها ذئب، أو لم تحاول الذئاب أكلها؟»اتسعت عينا الخادمة، ثم أخفضت رأسها بسرعة.«لا أعرف يا سيدتي.»تنهدت سيلين.«إجابة ممتازة. يبدو أنني سأكون أول من يكتب مذك
«سأعيدكِ إلى القاهرة، إذا كان هذا ما تريدينه.» «وسأموت هناك.» لم ينكر. امتلأت عيناها بالدموع، فاستدارت نحو النافذة كي لا يراها. «أكرهك.» خرجت الكلمات هامسة، لكنها كانت صادقة بما يكفي لتجعله يصمت. وبعد لحظات، سمعت صوته خلفها. «من حقكِ أن تكرهيني. لكنني لن أعتذر عن إنقاذ حياتكِ حين كنتِ طفلة، ولن أترككِ تموتين الآن من دون أن أحاول.» التفتت إليه. «لماذا عضضتني وأنا في التاسعة؟» تغيرت ملامحه، وكأنه لم يتوقع أن تسأله عن ذلك الآن. «لأن أحدهم حاول قتلكِ.» تجمدت. «من؟»«لا أعرف حتى الآن.»«وكيف وجدتني؟»خفض عينيه للحظة.«هذه قصة أطول مما أستطيع أن أحكيه لكِ الآن.»ضحكت بمرارة.«بالطبع. هناك دائمًا شيء لا تستطيع أن تحكيه لي.»استدارت وخرجت إلى الممر قبل أن يجيبها.لم يمنعها.في منتصف الليل، لم تستطع سيلين النوم.كانت كلما أغمضت عينيها، رأت صورة الذئاب التي هاجمتها، وسمعت صوت عظامها وهي تتكسر، ثم تذكرت كلمات العجوز: تسعة أيام فقط.نهضت من سريرها، وفتحت الباب بهدوء.كان الممر غارقًا في الظلام، باستثناء ضوء خافت يتسلل من أسفل باب الغرفة المقابلة. تقدمت نحوه، ثم توقفت حين رأت آسر مست
«ستموت هذه الفتاة قبل عيد ميلادها العشرين!» كان ذلك أول ما سمعته سيلين حين فتحت عينيها في صباح اليوم التالي. انتفضت فوق السرير، وشدت الغطاء إلى صدرها، بينما التفتت نحو مصدر الصوت. كانت امرأة عجوز تقف قرب النافذة، ترتدي ثوبًا رماديًا طويلًا، وشعرها الأبيض مربوطًا خلف رأسها. وبجوارها وقف آسر، عاقدًا ذراعيه أمام صدره، وملامحه لا تبشر بالخير. حدقت سيلين في المرأة، ثم في آسر. «من هذه؟ ولماذا تتحدث عن موتي؟» التفتت العجوز إليها، وما إن وقعت عيناها على العلامة خلف أذنها حتى شهقت، ثم هوت على ركبتيها. «يا إلهي... إنها حقيقية! لونا الدم الأسود... الأسطورة لم تكن كذبة!» تراجعت سيلين إلى الوسادة. «هل فقدتم جميعًا عقولكم؟ انهضي أرجوكِ! لماذا تركعين أمامي؟» لكن المرأة لم تنهض. ظلت تحدق في العلامة التي بدأت تتوهج تحت جلد سيلين، ثم رفعت عينيها إلى آسر. «ألفا، يجب أن تخبرها بالحقيقة كاملة. لا يمكننا إضاعة المزيد من الوقت.» قال آسر بصرامة: «أخبرينا أولًا بما اكتشفتِه.» نهضت العجوز ببطء، وأخرجت من حقيبتها صندوقًا خشبيًا صغيرًا. فتحته، وأخرجت منه قارورة زجاجية وأداة معدنية دقيقة. «أحتاج إل
«افتحي الباب يا سيلين! الآن!» انتفضت سيلين على صوت آسر، الذي دوّى من خلف باب الغرفة، فاندفعت نحوه وفتحته بعنف. «ما الذي يحدث؟! وما معنى أن دمي ليس أحمر؟! لقد سئمت ألغازك! أريد إجابة واحدة مفهومة!» لم يجبها. أمسك بيدها وسحبها إلى داخل الغرفة، ثم أغلق الباب وأدار المفتاح. «ابتعدي عن النوافذ، ولا تخرجي مهما سمعتِ.» حدقت فيه بذهول. «هل جننت؟ أتغلق الباب عليَّ؟» «أنا أحاول إبقاءكِ حية.» «توقف عن ترديد هذه الجملة وكأنها تبرر كل ما تفعله!» أرادت أن تتابع صراخها، لكن ألمًا مفاجئًا شق جسدها من الداخل. انحنت وهي تضغط على بطنها، وشهقة حادة أفلتت من فمها. «آه!» التفت آسر إليها في اللحظة نفسها. «بدأ التحول.» رفعت رأسها إليه، ووجهها يشحب أمام عينيه. «أي تحول؟!» لم يُجب. ركع أمامها، وأمسك بكتفيها كي يمنعها من السقوط. «سيلين، استمعي إليَّ جيدًا. سيؤلمكِ الأمر، لكن عليكِ أن تتنفسي ببطء. لا تقاومي ما يحدث لجسدكِ.» «أنت تتحدث وكأنك تعرف ما سيحدث!» «لأنني أعرف.» صرخت حين اجتاح الألم أطرافها، ثم دفعت يديه بعيدًا. «ابتعد عني!» لكن ساقيها خانتاها، فسقطت على ركبتيها فوق الأرضية الحجرية.
ستجدين إجابة عن سؤال واحد على الأقل.»استدار ليغادر، لكنها أسرعت إلى الإمساك بكم قميصه.«انتظر! ما الذي يوجد خلف أذني؟»نظر إلى يدها الممسكة به، ثم إلى وجهها.«علامة.»«أي علامة؟»«علامة تركتها لكِ منذ سنوات.»سحبت يدها، وقد بدأ الخوف يتحول إلى غضب حقيقي.«أنت تعرفني منذ سنوات؟»لم يجب مباشرة. اكتفى بالنظر إليها بتلك العينين الرماديتين اللتين بدتا الآن أكثر قتامة.«تحققي بنفسكِ يا سيلين.»وغادر الغرفة.اندفعت إلى الحمام وأغلقت الباب، ثم وقفت أمام المرآة، تحاول تثبيت أنفاسها. رفعت شعرها عن رقبتها، وراحت تتحسس المنطقة خلف أذنها اليمنى.في البداية، لم تجد شيئًا.ثم تذكرت موضع الألم الذي شعرت به في حفل الزفاف، وأمالت رأسها نحو الضوء.هناك، خلف أذنها مباشرة، ظهرت علامتان صغيرتان متوازيتان، كأن أسنانًا حادة غرست في جلدها منذ زمن بعيد.لكن هذا لم يكن كل شيء.كانت العلامة محاطة بخطوط سوداء رفيعة، تمتد تحت جلدها كعروق دقيقة، تنبض بوميض خافت كلما اقتربت من المرآة.شهقت وتراجعت.«مستحيل...»لم تكن تتذكر إصابة كهذه. لم تكن لديها ندبة في ذلك المكان، ولم تخبرها أمها يومًا أنها تعرضت لعضة في طفولتها







