INICIAR SESIÓN
الـفـصـل الأول
**اليوم 0 من 365** غداً عند التاسعة صباحاً، سيصعد رجلان على سلّم متحرك إلى واجهة الطابق الثاني والعشرين وينتزعان اسم أبي عن الحجر. كانت سيلا المنصوري تعرف الموعد بالدقيقة. ليس لأن الإنذار الأحمر على مكتبها يقوله، بل لأنها منذ ثلاثة أشهر لم تفعل شيئاً سوى العدّ. في تلك الأشهر الثلاثة طرقت عشرة أبواب. بنوكاً بأسمائها الرنانة، ومستثمرين يبتسمون ابتسامة من يعرف أن الغريق لا يساوم، ومحامين أشفقوا عليها ولم يفعلوا شيئاً. وكانوا يقولون لها جميعاً بنبرة مهذبة واحدة: «أبوكِ كان رجلاً عظيماً، ولكن الأرقام لا تحب العظماء.» وكانت تهزّ رأسها وتشكرهم، ثم تعود إلى مكتبها وتحدّق في الجدار حتى يهدأ ارتجاف يديها. وقفت أمام طاولة الرسم الخشبية القديمة، تلك التي عمل عليها عادل المنصوري ثلاثين عاماً، وأمرّت إصبعها على خدش صغير في زاويتها. أحدثته هي حين كانت في العاشرة، بقلم رصاص حادّ، ثم بكت خوفاً من العقاب. ضحك أبوها يومها وقال: «الخدوش يا سيلا هي ما يجعل البيت بيتاً.» لم يبقَ من البيت إلا هذا الخدش. «لن أذهب.» التفتت. كانت ميرنا واقفة عند الباب بمعطفها نصف المغلق وحقيبتها على كتفها، وعيناها محمرّتان. ثلاث سنوات وهذه الفتاة الصغيرة تتعلم منها كيف تحوّل الخطوط إلى مبانٍ. «اذهبي.» «ثلاث سنوات يا سيلا. إن سقطتِ فسأسقط معكِ.» «ستعلّقين اللافتة التالية.» ابتسمت سيلا ابتسامة لم تبلغ عينيها. «وعدٌ مني. اذهبي، لا أريد أن يراني أحد غداً.» عانقتها ميرنا طويلاً، ثم خرجت دون أن تلتفت، وبقيت الأضواء الباردة تهمهم في الممر الفارغ. بقيت وحدها في الطابق الذي كان يعجّ بالحياة. مشت بين المكاتب المرتبة كمن يتفقد قبراً: مكتب ميرنا بوردته الذابلة، ومكتب المحاسبة بآلته الحاسبة التي ما زالت أزرارها تحمل بقايا الحبر، وغرفة الاجتماعات حيث وقف أبوها قبل عامين يعلن فوز الشركة بمشروع الكورنيش. أطفأت الأضواء واحداً بعد آخر، وفي كل مرة شعرت أنها تطفئ سنة من عمره. في الحادية عشرة والنصف طُرق الباب طرقتين، كعادة طارقٍ واحد في العالم. «العم سالم؟» دخل سالم الجبري بمعطفه الصوفي الرمادي، وتسبقه رائحة السيجار الباردة التي تلازمه منذ عرفته. خلع قفازيه ببطء، ولمع عند معصمه زرّ ذهبي صغير. كان محامي العائلة وصديق أبيها الوفي، والرجل الذي حمل معها النعش. «يا ابنتي.» وضع يده على كتفها كما يفعل منذ كانت طفلة. «لم أستطع أن أتركك وحدك هذه الليلة.» «شكراً.» جلست على حافة المكتب. «لكن لا شيء يمكن فعله، أليس كذلك؟ قلتَها لي أمس.» «قلتُ إن البنوك رفضت.» جلس قبالتها وفتح حقيبته الجلدية. «ولم أقل إن الأبواب كلها مغلقة.» رفعت رأسها. «ديونكِ كلها، يا سيلا. الأربعون مليوناً.» ثبّت عينيه عليها. «لم تعد في ملكية البنوك. اشتراها رجل واحد قبل ثلاثة أشهر، دفعة واحدة.» «رجل؟» «اسمه أمير كرم.» حاولت أن تتذكر. لا شيء. لا وجه ولا خبر ولا حتى إشاعة. فتشت في ذاكرتها عن إعلان أو صورة أو إشاعة سمعتها في سهرة ما، فلم تجد إلا فراغاً أبيض كورقة لم يمسها حبر. وفكرت أن الرجال الذين لا يتركون أثراً هم الأخطر في هذه المدينة. «لا أعرفه.» «لا أحد يعرفه.» ابتسم سالم ابتسامة متعبة. «ولا صورة له في الصحف ولا في السجلات. رجل أعمال بلا وجه، ثروته في ازدياد وقصته تبدأ منذ تسع سنوات فقط. وهو من طلب لقاءً معكِ الليلة.» «الليلة؟ ولماذا لم يتصل بي؟» «يظن أنكِ لن تردّي.» وضع ورقة أمامها. «عرضه بسيط، وصادم. سيمحو كل ديونك ويرد لك الشركة سليمة... مقابل أن تتزوجيه.» ضحكت. ضحكة قصيرة خرجت منها كالسعال. «تمزح.» «لقد قلتُ لهم ذلك بنفس الكلمة.» «عقد زواج؟ لمدة...؟» «عام واحد.» نهضت وسارت إلى النافذة. تحتها مدينة كاملة تتلألأ، لا تعرف أن اسماً على وشك أن يُنتزع من واجهتها. حدّقت في زجاج ينعكس عليه وجهها الشاحب. حدّقت في المدينة الواسعة وفكرت أن هذا الزجاج هو أكثر ما تحبّه في المبنى: يتيح لمن يقف أمامه أن يرى كل شيء، ولا يتيح لأحد أن يسمعه. حين كانت في الثانية عشرة، بعد جنازة أمها، وقفت هنا بالذات، وأبوها يضع يده على كتفها ويقول: «إن ضاق بكِ الأمر يا سيلا، فعُدّي المصابيح.» وكانت تعدّها كل ليلة، حتى حفظت عددها كما تحفظ ألواح المخطط. «ثلاثة أشهر.» قالت ببطء. «اشتراها قبل ثلاثة أشهر. أي قبل أن يقع الحجز، وقبل أن أعرف أنني سأحتاج إلى أحد.» «نعم.» «من يفعل ذلك يا عمّ سالم؟ من يشتري ديون امرأة لا يعرفها قبل أن تسقط؟» «أنتِ أذكى مني. هذا هو السؤال بعينه.» رفع كتفيه. «أنا لا أقترحه عليكِ. أنا أنقل ما قيل لي.» «هل تثق به؟» «لا.» قالها بسرعة أثارت انتباهها. ثم لان وجهه. «لكنني أثق بشيء آخر: أنكِ أذكى منه. وإن كان وراء هذه الصفقة سرٌّ... فمن داخل بيته وحده تعرفينه.» التفتت إليه ببطء. «أنت تقول لي أن أتزوجه لأكتشفه؟» «أقول إنكِ ابنة عادل المنصوري.» وقف وجمع أوراقه وارتدى قفازيه. «وأبوكِ لم يهرب يوماً من سؤال.» ثم أضاف عند الباب، وهو يلتفت نصف التفاتة: «سيصل بعد قليل. فكّري يا ابنتي.» أُغلق الباب، وبقيت رائحة السيجار معلّقة في الهواء كظلّ. اقتربت سيلا من مكتب أبيها، وأخذت صورته الصغيرة في إطارها الخشبي. كان يبتسم كأنه لا يعلم شيئاً. «قل لي ماذا أفعل.» همست. لم يجبها أحد. لكن في الممر، عند المصعد، سمعت رنين وصول. ثم خطوات هادئة لا تعجل ولا تتردد، تقترب من الباب، وتتوقف. وفي مكان آخر من المدينة، في قصر معزول بين الأشجار، كانت ساعة معلّقة تقول إنه الثالثة والسبع دقائق فجراً. وفي مكتب مظلم جلس رجل أمام ملف رمادي، وكتب بقلم رصاص في دفتر صغير: --- **سجلّ الأرق: الليلة 3,284** *3:07 فجراً* كل شيء جاهز: الأوراق، والقصر، والباب. لم يبقَ إلا هي. وإن عرفت الحقيقة يوماً... فلن تغفر لي. --- **من دفتر سيلا:** *السطر الأول: إن وقّعتُ، فسأوقّع وعيناي مفتوحتان.*الـفـصـل الـثـامـن**البند 4: أمام الناس، الزواج حقيقي، اليوم 4 من 365**مرّ اليوم الثالث بلا أحداث: صمت على المائدة، وقفل جديد على نافذة، وأمير الذي يختفي كل صباح قبل أن تستيقظ. ثم جاء اليوم الرابع بدعوة لم تستطع أن ترفضها.«ستمسكين بيدي حين ندخل. وستبتسمين.»«وإن لم أفعل؟»«سيُصدّق الناس أن الزواج كذبة. وهذا ما يريده نصف من في القاعة.»لم تجادل. وفي اللحظة التي لامست فيها أصابعه أصابعها، شعرت بحرارة غريبة تسري في ذراعها، فتمنّت لو أن البند الرابع كُتب بلغة أخرى.دخلا من باب الخدمة. لم يمرّا من تحت الأضواء ولا من أمام الصحافة، وكأن أمير يعرف كل ممر خفي في فندق «الجوهرة» كما يعرف الخرائط. وحين انفتح الباب الأخير على قاعة الغداء الواسعة، رفعت مئتا عين رؤوسها دفعة واحدة، ثم ساد همس كهمس البحر.كان الفندق من النوع الذي يعرف كيف يخفي أسراره: ممرات خدمة مبطنة بالسجاد، وأبواب رمادية بلا أرقام، وعمال يقفون إلى الجدار حين يمر أمير، كأنهم ورثوا الجملة عن أجدادهم: لا تنظر إليه.«هذه هي؟» «تزوجها فجأة.» «قيل إنه لا يتزوج.» «قيل إن شركتها كانت ستُحجز أمس.»ابتسمت. كما أُمرت. لكن ابتسامتها كانت م
الـفـصـل الـسـابـع**بند غير مكتوب: ما لا يُقال، اليوم 2 من 365**«سُجّل دخول إلى الأرشيف عند الثانية والربع فجراً.»قالتها ميرنا بصوت منخفض وهي تسحب سيلا من المصعد إلى ركن الممر، وعيناها تدوران خلفها كأن الجدران تصغي. «بمفتاح رئيسي. لا اسم، لا بصمة. لم يدخل الأرشيف أحد منذ ثلاثة أشهر.»«ربما موظف نسي شيئاً.»«في الثانية فجراً؟» رفعت ميرنا حاجبها. «وكاميرا المدخل مطفأة منذ العاشرة مساءً. قال الفني إنه عطل عادي.»لم تعلّق سيلا. نظرت إلى حارسيها الواقفين عند المصعد بوجهين محايدين، ثم إلى الممر الذي تعرفه منذ طفولتها. هنا تعلمت المشي بين المكاتب على كتف أبيها. وهنا، للمرة الأولى منذ أشهر، شعرت أن المكان ليس آمناً.كانت الطوابق العليا هادئة على غير عادتها: ممرات طويلة بأضواء بيضاء، وأبواب مغلقة، وموظفون يتبادلون النظرات حين تمر بهم كأنها نصب تذكاري. لم تعد تسمع ضحكات المطبخ الصغير، ولا طرقات الطابعات، ولا صوت أبيها يصيح من آخر الممر: «من أخذ قلمي الأزرق؟»«سأنزل.»«سيلا...»«وحدي. ثلاث دقائق.»كان الأرشيف في الطابق السفلي الثاني: ممر ضيق طويل تصطف على جانبيه رفوف حديدية، والأضواء كلها بل
الـفـصـل الـسـادس**الشرط الإضافي: لا تكذب عليّ، اليوم 2 من 365**استيقظت سيلا على صمت مختلف: صمت قصرٍ لا أحد فيه.«السيد خرج قبل الفجر، سيدتي.» قال ناصر وهو يضع فنجان القهوة أمامها، قهوة هذه المرة، دون قرفة. «يعود مساءً. وطلب أن أخبركِ أن القصر كله تحت تصرفكِ، ما عدا...»«الممر الشرقي. أعرف.»ابتسم ناصر ابتسامة خفيفة لم تكن موافقة ولا رفضاً. وحين انصرف، أخرجت سيلا من حقيبتها دفتراً صغيراً وورقة شفافة ومسطرة وقلم رصاص، وفعلت ما تفعله منذ كانت في العاشرة: بدأت تقيس.ثم أضاف وهو يهمّ بالخروج: «السيدة ستجد في المكتبة كل ما تريد.» وكان في كلمته نبرة من يعرف أن أحداً سيبحث عن شيء بعينه.كانت تعرف أن الأبنية تكذب. الجدران تخفي، والأبواب تبتلع، لكن الأبعاد لا تكذب أبداً. تحتاج فقط إلى من يصبر على عدّ الخطوات.كان أبوها يقول إن المبنى جسد، والمهندس طبيب يقرأ نبضه بالمسطرة والعين. وقد علّمها أن تبدأ من الأطراف: من الجدران الخارجية قبل الداخلية، ومن الأبواب قبل الغرف، ومن الصمت قبل الكلام.مشت في الممر الشرقي من بدايته. خطوتها عندها خمسة وسبعون سنتيمتراً بالتمام، كما قاسها أبوها يوماً بشريط معد
الـفـصـل الـخـامـس**البند 3، اليوم 1 من 365**كانت مائدة العشاء تتسع لعشرين شخصاً، وجلس عليها اثنان.وضع ناصر الأطباق ثم انسحب بخطوات خافتة، فبقيت سيلا وأمير يفصلهما ثلاثة أمتار من الخشب المصقول وشمعدانان فضيان. لم يتكلم أحد. كان صوت الشوكة على الصحن أعلى صوت في القصر.كانت الشمعدانات الفضية تُلقي ضوءاً مرتجفاً على وجهه، فتبدو ملامحه كأنها منحوتة في حجر بارد. لاحظت أنه يأكل ببطء شديد، كمن يتذوق الطعام لأول مرة منذ سنين، أو كمن يخاف أن يكتشف أنه جائع.«هل تتناول كل وجباتك هكذا؟» قالت أخيراً.«نعم.»«وحدك؟»«نعم.»«ما أجمل الحياة.»كانت تعرف هذا الصمت. هو صمت أبيها حين يفكر في صفقة، وصمت من يحمل شيئاً أكبر من الحديث وأقل من البكاء.لم يضحك، لكنها رأت زاوية فمه تهتز اهتزازة لا تكاد تُرى. ثم أدار رأسه نحو الباب. «ناصر.»ظهر ناصر فوراً، يحمل إبريقاً من الفضة وفنجانين. صبّ الشاي وانصرف. تصاعد البخار برائحة دافئة مألوفة، فرفعت سيلا الفنجان إلى أنفها وتجمدت.قرفة.«شاي بالقرفة؟»«ظننتُ أنكِ...» توقف فجأة، وشيء مرّ في عينيه، كأنه أخطأ في خطوة على درج مظلم. «إن لم يعجبكِ، أخبري ناصر.»«كنتُ أ
الـفـصـل الـرابـع . **البند 2، اليوم 1 من 365** لم يكن القصر كما تخيّلته. كانت تنتظر كابوساً من الرخام، فوجدت بيتاً صامتاً. استغرقت الرحلة ساعة بين الطرق الجبلية والغابة، ثم ظهرت البوابة الحديدية بين الأشجار، وانفتحت ببطء كأنها تتنفس. خلفها ممرّ طويل مرصوف بالحصى، وعلى جانبيه رجال بملابس داكنة لا يتحركون، وفي آخره بناء حجري رمادي بنوافذ طويلة ضيقة. أوقف السائق السيارة عند الدرج، وفتح لها الباب شاب نحيل بملابس الحرس السوداء، بعينين سوداوين لامعتين وابتسامة خجولة. حمل حقيبتها الصغيرة قبل أن تطلب، وقال بصوت مهذب: «أهلاً بالسيدة. اسمي فارس.» ثم، حين لاحظ نظرتها إلى المسدس على حزامه، أضاف كمن يعتذر: «لا نستخدمه يا سيدتي. هو للزينة غالباً.» «أهلاً بالسيدة.» كان ناصر ينتظر عند الدرج، وللمرة الأولى رأته في ضوء النهار: رجل في الستين، شعره فضي مرتب، عيناه هادئتان كمن رأى كثيراً ولم يقل. انحنى لها انحناءة صغيرة محترمة، وقد خلعت عنه القاعة الرسمية قناعها. «أنا ناصر، سيدتي. أي شيء تحتاجينه، أي شيء، فقط قولي.» «أنا في هذا البيت منذ قبل أن يسكنه السيد.» أضاف وهو يرى نظرتها تجول في ا
الـفـصـل الـثـالـث **البند 4، اليوم 1 من 365** في التاسعة إلا دقيقتين، وصل الرجلان بالسلّم المتحرك إلى واجهة الطابق الثاني والعشرين. وقفت سيلا خلف الزجاج تراقبهما. معهما أمر الحجز وأدوات الخلع، وخلفهما موظف البنك بوجه من اعتاد أن ينتزع الأسماء عن الجدران. تحت قدميها كان قلبها يخفق كأنه يريد أن يسبقهما إلى السقوط. ثم رنّ هاتف الموظف. أصغى. تغيّر وجهه. قال: «نعم... نعم... أفهم.» وأغلق الخط بيد غير ثابتة. نظر إلى الأوراق، ثم رفع رأسه نحو النافذة التي تقف خلفها، وانحنى انحناءة صغيرة محرجة. بعد دقيقة كان السلّم يهبط، واللافتة في مكانها. وعلى مكتبها، ورقة مختومة بالأحمر: «تم سداد كامل المديونية.» وفي الأسفل اسم واحد، يبدو لها الآن كأنه ختم على جلدها: أمير كرم. لم تشعر بالانتصار. شعرت بأن أحداً سلّمها قطعة أرض وهي لا تعرف أن تحتها بئراً. جلست على حافة مكتبها وأعادت قراءة الاسم المطبوع أسفل الختم. أمير كرم. اسمان بلا تاريخ. كان في وسعها أن تبحث عن رجل بهذه المواصفات في كل سجلات المدينة ولن تجد أكثر مما وجدت: ثروة تبدأ منذ تسع سنوات فقط، كأن الرجل وُلد قبل تسع سنوات رجلاً كاملا







