登入بعد عام كامل، تلقت جمانة رسالة من ليانة. كانت صديقتها المقربة ستتزوج، بل ودعتها لتكون إحدى وصيفات العروس! كادت جمانة تطير من الفرح. فتركت كل ما كان في يدها، وبدأت فورًا تحجز تذكرة السفر لتلحق بها. ومن خلال أخته، علم فراس بهذا الخبر أيضًا.توقفت يده لحظة، ثم خفض عينيه وسأل متظاهرًا بعدم الاكتراث:"أبهذه السرعة تستعد للزواج؟"خلال هذا العام، كان كثيرًا ما يعرف أخبار ليانة عن طريق أخته، وكان يعلم أيضًا أن لها حبيبًا يحبها كثيرًا، لكنها فجأة أصبحت على وشك الزواج. ولم يعرف فراس ما الذي يشعر به بالضبط، كل ما عرفه أن ما أمامه بدأ يتشوش، وأنه لم يعد يرى ما يخطه قلمه بوضوح. وفي تلك اللحظة، سمع من هاتف جمانة الموضوع على مكبر الصوت صوتًا رقيقًا هادئًا يأتي من الطرف الآخر."نعم، لقد حان وقت الزواج. وبعد أن التقيت أخيرًا بالشخص المناسب، لم أعد أرغب في الانتظار."كانت ليانة، صوتها هادئ، لكن داخله خفة ابتسامة واضحة، يكفي أن يسمعه المرء ليعرف أنها تعيش بسعادة حقيقية.كانت جمانة ترتب أمتعتها وهي تتحدث معها."صحيح، لكن هل تنويان الاستقرار في الخارج وعدم العودة؟ وتتركينني أركض ذهابًا وإيابًا، ولا يخطر ب
خلال هذه الفترة، ذاقت لُجين من العذاب ما لم تتخيله يومًا. لم تكن تشبع من الطعام، ولا تنعم بالنوم، وكل ما فعلته بليانة عاد إليها مضاعفًا أضعافًا كثيرة.كانت ترتجف في القبو، جسدًا وروحًا. وحين انفتح الباب ودخل الضوء، لم تستوعب في البداية ما الذي يحدث. لكن ما إن رأت فراس يدخل، حتى استفاقت كأنها كانت في حلم، وزحفت نحوه بسرعة، تتشبث به كما يتشبث الغريق بخشبة النجاة."فراس، أخطأت! سامحني، أرجوك! لن أعود إلى التدخل بينك وبين ليانة، وسأبتعد عنكما تمامًا، ولن أقف في طريقكما مرة أخرى. فقط دعني أذهب، أنا حقًا عرفت خطئي!"كانت تبكي وتستجدي، وقد تمزق صوتها من كثرة النحيب، حتى بدا منظرها بائسًا إلى حد كبير.أما فراس، فلم ينطق بشيء. كان يحدق في وجهها طويلًا، في ذلك الوجه الذي فقد ما كان يراه فيه يومًا من براءة وجمال، ولم يبقَ فيه الآن إلا الجشع والرغبة التي لا تنتهي. كيف خسر أهم إنسانة في حياته بسبب هذه المرأة؟ما إن خطرت له هذه الفكرة حتى اشتعل الغضب في صدره، وكاد يود لو يفتك بلُجين. لكن جمانة وليانة لم تكونا مخطئتين، فحين يعود إلى أصل الأمر، يجد أن السبب الحقيقي هو أنه هو من أعمته لحظة من الوهم، أم
لم يمضِ وقت طويل حتى وصلت جمانة. فما إن تلقت اتصال ليانة حتى أسرعت بالمجيء فورًا. وكان قد مر شهر كامل منذ آخر مرة التقتا فيها، لذلك ما إن دخلت حتى ارتمت في حضن صديقتها بقوة."ليانة!"ولانت ملامح ليانة في الحال، وفتحت ذراعيها لها."جمانة، لقد جئتِ."جلستا معًا وتبادلتا بضع كلمات، لكن حين حان وقت الوداع، لم تستطع جمانة أن تخفي شعورها بالذنب."آسفة يا ليانة، لم يكن عليّ أن ألين وأسمح لأخي بأن يأتي إليك. لقد سببت لك متاعب كثيرة."فمدت ليانة يدها وقرصت خدها برفق."لا بأس. حتى لو لم تخبريه أنتِ، كان سيجد طريقته بنفسه. ثم إن مواجهة الألم دفعة واحدة أهون من إطالته. من الجيد أن الأمور اتضحت هذه المرة."ومع ذلك، لم يخفف هذا كثيرًا من تأنيب جمانة لنفسها. فهي نفسها لم تكن تتوقع أن يصل أخوها إلى هذا الحد من الجنون، حتى يقف تحت المطر طوال ليلة كاملة كأنه لم يعد يعبأ بحياته. ثم التفتت تنظر إلى الرجل القائم غير بعيد، يحدق نحوهما بشوق مكبوت وتردد ظاهر، وسألت السؤال الذي ظلت تريد أن تعرف جوابه منذ زمن."ليانة… لو… أقصد لو فقط… لو أن لُجين لم تظهر أصلًا، هل كنتِ ستبقين مع أخي؟"وكان فراس أيضًا يتوق إلى م
ظل فراس جالسًا في المقهى على تلك الحال، حتى أُغلقت الأبواب واضطر إلى المغادرة.لم يكن يعرف ماذا يفعل. كان الألم يملأ داخله إلى حد يكاد يخنقه، وكلما ازداد هذا الألم، ازداد يقينه بمدى أهمية ليانة في حياته، وأنه فقدها هكذا بيديه.لو أن لُجين لم تعد…لو أنه أدرك حبه لليانة قبل ذلك بقليل…لو أنه لم يخذلها…مرت في ذهنه احتمالات لا حصر لها، لكن لم يعد هناك طريق للعودة.راح يتسكع في شوارع المدينة الغريبة عليه، تائهًا. وفجأة شق البرق السماء، ثم انهمر المطر بغزارة. أسرع المارة إلى بيوتهم ومداخل الأبنية اتقاءً للمطر، أما فراس فلم يكن يعرف إلى أين يذهب.ظل يمشي تحت المطر وهو يردد اسم ليانة، حتى ابتل جسده كله.وفجأة، رن هاتفه. تناوله بسرعة ولهفة، لكنها كانت رسالة من جمانة."أخي، عد."نظر إلى الجملة القصيرة، وشعر فجأة بعجز هائل. كيف وصلت الأمور بينه وبين ليانة إلى هذا المصير؟وفي قلب العاصفة، خرّ على ركبتيه، يبكي ويصرخ، لكن صوت المطر كان أعلى من كل شيء، حتى من وجعه.سار مترنحًا حتى بلغ البناية التي تقيم فيها ليانة. كان الباب الخارجي مغلقًا، ولم يجرؤ على طرقه، فاكتفى بأن ينكمش عند المدخل. هناك، عند ب
كان المكان الذي اتفقا على اللقاء فيه مقهًى صغيرًا. وحين دفع فراس الباب، رن جرس معلق فوقه رنة خفيفة. دخل إلى الداخل، وما إن رفع عينيه حتى رآها ليانة، كانت تجلس في زاوية هادئة من المكان.لم يمضِ على آخر مرة رآها فيها سوى شهر واحد، لكنه في شعوره كان أشبه بعام كامل من العذاب. حتى إنه، في اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها أخيرًا، انتابه إحساس غريب بالدوار وعدم التصديق.لقد تغيرت كثيرًا.حين كانت إلى جانبه، وبحكم كونها سكرتيرته، كانت غالبًا لا ترتدي إلا الملابس الرسمية، وحتى بعد انتهاء الدوام، ورغم ما كان يحدث بينهما من لحظات خاصة في المنزل، ظلت ليانة في نظره دائمًا امرأة رزينة ومتماسكة.أما الآن، فقد كانت ترتدي ملابس بسيطة ومريحة، وشعرها مرفوع يكشف عن عنق أبيض ناعم. وبمشهدها هذا، شعر وكأنه عاد إلى البداية، إلى تلك الأيام الأولى، حين كانت فتاة خجولة تحبه في صمت.توقف لثوانٍ قبل أن يقترب منها. ثم قال مبتسمًا:"ليانة، لم أركِ منذ وقت طويل."وكان يقاوم بكل ما فيه رغبة جامحة في أن يضمها إلى صدره فورًا، بينما عيناه تتشبثان بملامحها بشغف لا يخفيه.لكنها لم تكن في مزاج يسمح بأي حديث عن الذكريات. ار
أرسلت جمانة رسالة إلى ليانة، لكن فارق التوقيت بين الداخل والخارج كان عدة ساعات.وحاولت أن تقنعه بأن يعود أولًا، وأكدت له أنها ستخبره فورًا ما إن يصلها رد منها، لكن فراس رفض أن يغادر مهما قيل له.ظل في منزل أخته بإصرار، ينام على الأريكة، وما إن يسمع أي حركة بسيطة حتى يستيقظ، على أمل أن تكون قد وصلت أخبار من ليانة.ولم يصل الرد إلا في مساء اليوم التالي."حسنًا، سأقابله مرة واحدة."كانت كلمات قليلة جدًا، لكنها وحدها منحت فراس بصيص أمل جديد. ليانة ما تزال مستعدة لأن تراه! وهذا يعني أن الباب بينهما لم يُغلق تمامًا بعد!وقد اشتعل في صدره أمل لا يكاد يُحتمل، فسارع في الحال إلى حجز أقرب رحلة جوية.لكن جمانة أمسكت به، وعقدت حاجبيها اعتراضًا:"أخي، ارتح يومًا واحدًا أولًا ثم اذهب. يبدو أنك لم تنم جيدًا منذ أيام، أليس كذلك؟ ما دامت ليانة قد قالت إنها ستراك، فهي لن تخلف وعدها."لكن فراس أفلت يده من يدها."لم أعد أستطيع الانتظار. منذ أن رحلت ليانة عني، وأنا لا أكف عن التفكير فيها ليلًا ونهارًا. الآن لا أريد إلا أن أراها." كان في صوته، وفي عينيه، من الرقة ما جعل جمانة تنظر إليه بحيرة لا تخلو من مرار







