Share

الفصل الخامس 5

last update publish date: 2026-09-30 23:18:08

كان الضباب الفيكتوري الرمادي يزحف كالأفعى فوق أرصفة العاصمة الخشنة،

يبتلع البيوت الحجرية المتآكلة ويضفي على شوارعها كآبة سرمدية لا تنتهي

. ولكن في قلب هذا السواد،

كانت صالة "دار النخبة"

للمزادات السرية تتلألأ بأضواء الثريات الكريستالية الضخمة،

التي تعكس بريقها الطنان على الجدران المكسوة بالمخمل القرمزي الفاخر.

هنا،

حيث تفوح رائحة التبغ الفاخر المستورد،

والخمور المعتقة،

والعطور الباريسية الثمينة،

يجتمع صفوة المجتمع؛

رجال البلاط الملكي،

الكونتات،

والوجهاء الذين يملكون السلطة والثروة المطلقة،

ويتنافسون بنهم خلف الأبواب المغلقة على شراء كل ما هو نادر وثمين ومحرم في هذا العالم.

كان الضجيج الخافت المليء بالهمسات الأرستقراطية والمنافسات المكتومة يملأ أركان القاعة،

والجميع يتبادلون الابتسامات الزائفة والنظرات الجشعة.

وفجأة،

انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة للصالة

، وحلّ صمت مفاجئ وثقيل جمد الأنفاس في الصدور،

وتوقفت الكؤوس في الهواء وكأن الزمن قد توقف عن الدوران.

دلف الدوق هيكتور إلى القاعة.

كان يتقدم بخطوات بطيئة، منتظمة،

ومحاطة بهالة من الهيبة الطاغية والوقار الأرستقراطي الصارم الذي يجعل الحشود تتراجع غريزياً إلى الجانبين لفتح طريق واسع له دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب.

كان يرتدي حلته الرسمية السوداء الفاخرة ذات الياقة المرتفعة الشامخة،

وشعره الفاحم مصففاً بعناية فائقة تبرز حدة ملامحه الرجولية التي تشبه الصخر البركاني،

وشاربه الكثيف الصارم يضفي على وجهه وقاراً مرعباً ومظلماً.

ولكن أكثر ما كان يلفت الأنظار ويجبر الجميع على التزام مسافة الأمان،

هما كفّاه المغطتان بالقفازات الحريرية السوداء الفخمة التي لا يخلعها أبداً عن جلده.

لم يوجه هيكتور نظرة واحدة إلى أي من النبلاء المتواجدين؛

كانت عيناه الباردتان اللتان تحملان زرقة جليدية تشبه ليالي الشمال تمران فوق الحشود باحتقار دفين وقرف مرضى لا يحاول إخفاءه.

صعد بخطواته الثابتة نحو الشرفة الملكية المخصصة له والمطلة مباشرة على منصة العرض،

وجلس على مقعده المخملي الداكن واضعاً ساقاً فوق الأخرى بكبرياء نرجسي طاغٍ،

بينما وقف حراسه خلفه كتماثيل حجرية صامتة لا تتحرك.

أدار هيكتور كأسه الكريستالي بين أصابعه المغطاة بالحرير الأسود،

وارتسمت على شفتيه خلف شاربه الصارم ابتسامة باردة،

ساخرة،

ومليئة بالاحتقار والازدراء لكل هذا التجمع الأرستقراطي المنافق.

تمتم في نفسه بصوت منخفض ورخيم جمد الهواء في دائرته الخاصة:

"ياللسخرية... يتزاحمون كالحيوانات الجائعة من أجل قطع قماش ملطخة بالألوان ليداروا عورات نفوسهم الدنيئة.

العالم كله غارق في القذارة،

والجشع،

والابتذال.

مستحيل أن يلمس أحد جسدي أو يقترب من حصني".

بالنسبة له،

كان التلامس البشري دَنساً مقززاً،

والنساء الذين اقتربو منه يعرف انه جميعهم لسنا سوى مخلوقات جشعة تسعى للمس جاهه وماله و استخدام سلطته لاجل مصالحهم الماديه و النفوذيه و هذا اكثر شي مقرف بالنسباله،

لذلك كان يكتفي بالمراقبة والسيطرة عن بُعد،

محركاً الجميع كقطع شطرنج دون أن يجرؤ أحد على وضع إصبع واحد عليه.

على الجانب الآخر من الصالة الساخنة،

صعد الدلال الفخم إلى منصة العرض،

معلناً بضربة مطرقته الخشبية عن بدء المزاد الأكبر لهذا العام.

بدأت التحف الفنية واللوحات النادرة تُعرض واحدة تلو الأخرى،

والمبالغ الفلكية تُقذف في الهواء من قِبل اللوردات والكونتات الذين يتنافسون بامتلاك كل شيء،

بينما كان الدوق هيكتور يجلس في شرفته الملكية يراقب المشهد ببرود كلي وملل قاتل يكاد يفتك بروحه،

ولم يرفع يده أو يفتح فمه مرة واحدة للمشاركة.

كان كل ما يُعرض يبدو تافهاً ومكرراً بنظره،

حتى أعلن الدلال فجأة بنبرة غامضة، مشحونة بالتشويق والإثارة،

عن المفاجأة الكبرى والسرية للمزاد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لوحة الهوس العاري   الفصل الثالث عشر 13

    ومع حلول المساء، بدأت عواصف الشمال الثلجية تشتد بالخارج، تضرب بعنف جدران القلعة الحجرية السوداء، وتطلق عويلاً مخيفاً يتردد صداه عبر الممرات المظلمة. كانت الشموع الطويلة قد أُوقدت في الممرات، ترسم ظلالاً راقصة ومشوهة على الجدران. في الجناح الشرقي، كانت لوسيندا تقف أمام مرآتها، ترتب ياقة ثوبها الداكن الثقيل بثبات. نظرت نحو السرير حيث كانت لومينا تنام بسلام، وجهها بدأ يستعيد بعضاً من حيويته بفضل جرعات الأعشاب النقية التي يُشرف عليها طبيب القصر."أنا أفعل هذا من أجلكِ أنتِ فقط يا حبيبتي،" همست لوسيندا بصوت منخفض حمل شجاعة لا تلين. أخذت السجل الطبي الجلدي الكبير من فوق الطاولة، وضمته إلى صدرها كدرع، ثم خرجت متوجهة نحو الجناح الخاص بالدوق في الطابق العلوي، وكل خطوة تخطوها كانت تعلن عن كبرياء يرفض الانكسار أو الانحناء مهما كانت الظروف خانقة.عندما وصلت إلى الأبواب الخشبية الضخمة لجناحه، لم تتردد؛ بل رفعت يدها وطمقت الباب بضربات حادة وقوية أعلنت عن حضورها الشامخ قبل أن تفتح الأبواب. فتح أحد الحراس الباب بوقار وتراجع للخلف، لتدلف لوسيندا إلى الداخل وتجد نفسها في حيز المراقبة المظلم لهيكتور

  • لوحة الهوس العاري   الفصل الثاني عشر 12

    كانت خيوط الفجر الشمالي البارد تنساب عبر النوافذ الزجاجية الضخمة للمكتبة الأرشيفية، ترسم ظلالاً رمادية شاحبة فوق الطاولات الرخامية ومجلدات الجرد الطبية. كانت الأجواء هادئة، لكنه كان هدوءاً أشبه بالوقوف على أرض ملغومة. تقف لوسيندا بالقرب من السلم الخشبي المتحرك، مرتدية ثوبها الكورسيه(المشد الذي يحدد الخصر) معه كرينولين واسعه جدا(الهيكل للتنوره) مع الكورسيه ترتدي بوديس(الجزء العلوي الضيق من الفستان ) ذي الياقة المغلقة، بينما انشغلت يداها بترتيب مخطوطات الخرائط الجغرافية للمقاطعات. لم تكن هناك ذرة تراجع في تعبيرات وجهها، ولسانها الحاد كان في حالة تأهب دائم كخنجر مستعد للاستخدام.فجأة، تحرك هيكتور في الطرف الآخر من الغرفة الواسعة. لم يكن يجلس على مقعده المعتاد؛ بل كان يقف أمام خريطة حائطية ضخمة، يمسك بيده اليمنى المغطاة بالحرير الأسود قلماً فضياً طويلاً، يرسم به حدود التحركات العسكرية وإمدادات المستودعات. حركاته كانت هادئة، مدروسة، وتنم عن هيبة طبيعية لا تحتاج لكلمات لتثبت حضورها.التفت ببطء، ولم ينظر إليها مباشرة، بل وجّه نظراته نحو رئيس خدمه الذي كان يقف عند عتبة الباب بنوع من الرعب

  • لوحة الهوس العاري   الفصل الحادي عشر 11

    كان جناح الدوق هيكتور الخاص في الطابق العلوي من القصر الشمالي يشبه حصناً داخل حصن، مكاناً لا تجرؤ حتى أنفاس الخدم على المرور به دون إذن مسبق. وفي أقصى ذلك الجناح،كانت تقع المكتبة الأرشيفية السرية. كانت الغرفة شاسعة، ذات سقف شاهق الارتفاع تتشابك فيه الأخشاب الداكنة العتيقة، وتصطف على جدرانها رفوف خشبية عملاقة تمتد من الأرض إلى السقف، محملة بآلاف المخطوطات والكتب الجلدية النادرة، وخرائط المقاطعات، وسجلات جرد المستودعات الطبية للحصن بأكمله. كانت النوافذ الزجاجية الطويلة تطل على المنحدرات الثلجية، بينما كان ضوء الشموع الكثيفة والموقد الرخامي يضفيان على المكان ظلالاً ذهبية وغموضاً فيكتوريّاً حابساً للأنفاس.في صباح اليوم الأول لاستلام عملها، كانت لوسيندا تقف وسط هذا الحيز الفخم بكامل شموخها وقامتها المنتصبة. لم تضيع ثانية واحدة في تأمل الفخامة؛ بل كانت قد رفعت شعرها الذهبي المحمر على شكل كعكة فرنسيه أعلى رأسها لتكشف عن عنقها العاجي النقي وخطوط كتفيها الشامخين، وبدأت بالفعل في فرز وتجميع سجلات المستودعات الطبية المتناثرة على الطاولة الرخامية الضخمة. كانت تمسك بالريشة وتخط الأرقام بجفاف

  • لوحة الهوس العاري   الفصل العاشر 10

    داخل القاعة الكبرى، كان الدوق هيكتور يجلس على عرشه المخملي الداكن، كان يقراء اخر الاخبار عن المدينه و عن الحرب التي ستبدا قريباً مع امبراطورية أوريكس. كان الجو في القاعة مشبعاً ببروده المعتاد، وعيناه الجليديتان تراقبان النيران المشتعلة في الموقد الرخامي، يمرر أصابعه المغطاة بالحرير الأسود على مسند المقعد ببطء كاريزمي. لم يكن يتوقع مواجهتها بهذه السرعة، حتى انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة بعنف صاعق أثار دهشة حراسه. دلت لوسيندا إلى القاعة. تقدمت بخطوات ثابتة وثقيلة لا تعرف التراجع، وتوقفت على بعد بضع خطوات من عرشه المرتفع، ورمقته بنظرة جانبية حادة كالنصل، جمدت الهواء في أنحاء المكان. أشار هيكتور لحراسه ببرود بطرف إصبعه ليغادروا فوراً، ليغلق الباب ويبقى وحيداً أمام هذا الجبل من الكبرياء المتمرد. "أرى أنكِ لم تضيعي الوقت في استكشاف سجنكِ الفخم يا ملهمتي الشامخة،" قال هيكتور بصوت عميق، رخيماً، ويحمل نبرة تملّك مستبدة وهو يتأمل شموخ قامتها ونظراتها الجافة التي ترفض الانحناء لسطوته. "هل جئتِ لتشكريني على الرعاية الطبية التي بدأت ابنة أختكِ لومينا في تلقيها، أم أن لسانكِ الحاد يفتقد ال

  • لوحة الهوس العاري   الفصل التاسع 9

    كانت العربة الملكية السوداء الفخمة تشق ضباب الليل الكثيف بسرعة رهيبة، تحفّها حوافر جياد الحرس الخاص التي تقرع الرصيف الحجري للعاصمة بنغمات عسكرية منتظمة ومنذرة. في الداخل، كانت الأجواء أشبه بغرفة محاكمة مغلقة تفوح منها رائحة الجلد الفاخر، والتحدي المكتوم، والبرود الذي يكاد يجمد الأنفاس.على المقعد المخملي المريح والمطرز بخيوط الفضة، كانت ترقد الطفلة الصغيرة لومينا، مستسلمة لنوم عميق وهادئ بعد أن وُضعت فوقها أغطية صوفية دافئة أحضرها الحرس بأمر من سيدهم. وبجانبها تماماً، كانت تجلس لوسيندا. كانت قامة لوسيندا منتصبة بشموخ جبار، وظهرها مسنود بقوة إلى المقعد وعيناها الزرقاوان الحادتان تشعان بنور من الكراهية والأنفة الجافة وهي تنظر مباشرة إلى الرجل الجالس أمامها في مواجهتها. لم تكن تبدو كفتاة معدمة أُجبرت على ترك حيّها؛ بل كانت نظراتها تعلن في كل ثانية أنها ملكة تقود معركتها الخاصة بشروطها الصارمة التي لن تنحني أبداً.أما في المقابل، فكان الدوق هيكتور يجلس بمنتهى الهيبة والوقار الأرستقراطي الطاغي. كان واضعاً ساقاً فوق الأخرى بكبرياء نرجسي، يلف معطفه الأسود الطويل حول بنيته الص

  • لوحة الهوس العاري   الفصل الثامن 8

    تراجع الضباب الرمادي قليلاً خلف نوافذ الغرفة المتواضعة، وكأن الطبيعة نفسها كانت تترقب النتيجة المحتومة لهذا الصدام الناري. كانت لوسيندا تقف في منتصف الغرفة، جسدها مشدود كوتر قوسي مستعد للإطلاق، وعيناها الزرقاوان تطلقان شرارات من التحدّي الجاف الذي لم يجرؤ أحد على مجابهته من قبل. أما الدوق هيكتور، فظل واقفاً بقامته الشاهقة، يمرر نظراته الجليديتان الثاقبتان فوق ملامحها الشامخة. لم يتكلم فوراً؛ بل اكتفى بالنظر إلى شفتيها اللتين قذفت في وجهه أعنف الكلمات. أشار ببرود بطرف إصبعه المغطى بالقفاز الحريري الأسود نحو حراسه الواقفين عند الباب، وبحركة خاطفة ورشيقة، انسحب الحراس إلى الخارج وأغلقوا الباب خلفهم، ليتركا وحيدين وسط هذا الصمت المشحون. "تظنين أن هذه القوة المصطنعة ستحميكِ مني؟" قال هيكتور بصوت عميق ورخيم، يتحرك ببطء حولها دون أن يقلص مسافة الأمان، وعيناه تلاحقان انسياب خصلات شعرها الذهبية المحمرة. "العربة بالخارج لا تنتظر إذناً من أحد، ولوسيندا... أنا لا أطلب، أنا آخذ ما أريد." رفعت لوسيندا ذقنها بحدة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حادة وجافة مليئة بالازدراء، وقالت بنبرة قا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status