FAZER LOGINلم يتحرك قيد أنملة، واستمر في التركيز على عمله.
صفعت رنيم فخذه بكفها وهي تصرخ: “ق! ص! ي!” مرّت عدة لحظات. ولم يتحرك أيضًا. كانت ساقاها قد بدأتا بالتنميل من جلوسها تحت المكتب، فاشتعل غضبها. وقبل أن تمد يدها لتنتقم منه، أبعد ساقيه فجأة، وانزلق كرسيه إلى الخلف ليمنحها مساحة للخروج. راقبها وهي تزحف خارجة بمظهر مرتبك، وارتفع طرف شفتيه بابتسامة خفيفة. ثم سألها: “هل ما زلتِ تستمتعين بالإثارة، أيتها المحامية رنيم؟” صرّت رنيم على أسنانها، ونهضت وهي تفرك ساقيها المتنملتين. وفي اللحظة التالية، وجهت له ركلة قوية. أطلق تأوهًا مكتومًا وعقد حاجبيه. وكاد يرد لها الصاع صاعين، لكن هاتفه رن فوق المكتب. التقطه ونظر إلى الشاشة قبل أن يجيب: “مرحبًا يا أمي، ماذا هناك؟” جاء صوت السيدة مليكة عبر الهاتف: “قصي، هل تتذكر ابنة عمك جلال؟ لقد عادت من الخارج. اذهب وتناول العشاء معها الليلة وتعرف إليها.” كانت قلقة على ابنها. فقد بلغ السابعة والعشرين، ولم تعرف له أي علاقة عاطفية علنية. أما حلمها بحمل حفيد، فقد صار أشبه بانتظار المطر في الصحراء. قال ببرود: “لا أهتم.” ردت والدته بغضب: “كيف لا تهتم وأنت لم ترها حتى؟ إذا لم تذهب، فسأرسلها إلى مكتبك بنفسي!” ثم أغلقت الخط. قطّب قصي حاجبيه، ثم نظر إلى رنيم وقال: “ستأتين معي هذا المساء.” عقدت ذراعيها أمام صدرها: “ولماذا عليّ أن أذهب معك؟” أجابها ببرود: “إذا كنتِ ما زلتِ ترغبين في رؤية " سـولـي "مستقبلًا.” ⸻ بعد انتهاء الدوام… أمام مطعم ويلز الفاخر. ترجل قصي من سيارته، ونظر إلى ساعته. ثم اتكأ على باب السيارة وأشعل سيجارة. كانت إحدى يديه في جيبه، بينما كان يزفر الدخان بهدوء. وبسبب وسامته اللافتة ونظارته ذات الإطار الرفيع، إضافة إلى هالته الباردة التي تدفع الغرباء للابتعاد، كانت النساء المارات يحدقن به بإعجاب واضح لكنه تجاهل الجميع. داخل المطعم… لمحت امرأة ترتدي فستانًا أسود ضيقًا الرجل الواقف في الخارج. تأملت حذاءه الأسود اللامع وبنطاله الرسمي الأنيق. كانت أناقته الصارمة أكثر لفتًا للنظر من أي قطعة مجوهرات. شعرت بأن قلبها يتسارع. أتمنى أن يكون هو موعدي الليلة… وبعد نحو عشر دقائق… توقفت سيارة بيضاء فاخرة خلف سيارته. فتحت رنيم الباب ونزلت منها. التفت قصي نحوها بلا اهتمام في البداية. لكنه توقف للحظة. كانت ترتدي فستانًا أبيض ناعمًا بحمالات رفيعة، وقد استبدلت بدلتها الرسمية الصارمة بإطلالة أكثر رقة. انسدل شعرها الأسود الطويل على كتفيها، وزاد مكياجها الخفيف من إشراقها. بدت مختلفة تمامًا عن المحامية الحادة التي عرفها الجميع. اقترب منها، وأمسك يدها. نظرت إلى يده التي تشبك أصابعها، وشعرت بانقباض غريب في قلبها. فعادةً ما كانت استفزازاتهما مجرد ألعاب لا تحمل معنى. لكن الإمساك بالأيدي… كان يشبه تصرف العشاق حقًا. همّت بسحب يدها، لكنه قال بهدوء: “لا تفسدي الأمر لاحقًا. كوني لطيفة قليلًا. تصرفاتك ستحدد ما إذا كنتِ سترين "سـولـي"مجددًا.” نظرت إليه بصمت. ثم فكرت في نفسها: يستمر باستخدام "سـولـي" لتهديدي… يجب أن أستعيد حضانتها يومًا ما. دخلا المطعم. توجه قصي إلى الطاولة المحجوزة وسأل المرأة التي ترتدي الفستان الأسود: “الآنسة رهف؟” نهضت بسرعة وقالت بابتسامة مشرقة: “مرحبًا، المحامي قصي. أنا رهف. التقينا عندما كنا صغيرين.” لكن فرحتها خفتت قليلًا عندما لاحظت المرأة التي تمسك بيده. من تكون هذه؟ مدّت يدها للمصافحة. صافحها قصي بأدب، ثم جلس إلى جانب رنيم. وبعد أن طلبوا الطعام، قال مباشرة: “في الحقيقة، ليست هناك حاجة لمواصلة هذا اللقاء. كما ترين، لديّ حبيبة.” ابتسمت رهف بهدوء: “لكنكما لم تتزوجا بعد. الحبيبات قد يكنّ مجرد عابرات. لا أحد يعلم من سيدخل معك إلى قاعة الزواج في النهاية.”أراد أن يرد عليها. أراد أن يوبخها. لكن المشكلة المؤلمة أنها لم تقل إلا الحقيقة. ولهذا كان الرد صعبًا. تنفس ببطء لكبح غضبه، ثم قال: «عودي أنت أولًا يا محامية رنيم.» ثم أضاف: «السيد غسان ما زال موجودًا في الفندق. سأذهب للتحدث معه بشأن الأمر.» ألقت عليه نظرة سريعة دون أن تعلق. في اللحظة نفسها، وصل المصعد. دخلت رنيم واختفى وجهها خلف الأبواب المعدنية المغلقة. لكن ذهنها لم يكن منشغلًا بالقضية. بل بشيء آخر تمامًا. هل تمكن قصي من معالجة تسجيلات المراقبة؟ هل اختفت الأدلة كلها؟ أم أن ذلك الثعلب العجوز سيعثر على شيء؟ كانت تأمل فقط ألا يخرج قصي من الغرفة الآن. وإلا فكل شيء سينهار. في الطابق العلوي… ظل رامي واقفًا مكانه حتى اختفى المصعد عن الشاشة الرقمية. ثم استدار ببطء. وتوجه نحو الزاوية المقابلة للممر. وقف هناك متخفيًا كصياد يترقب فريسته. كانت عيناه مثبتتين على باب غرفة رنيم. يريد فقط أن يرى من سيخرج. دقيقة… خمس دقائق… عشر دقائق… لكن الباب ظل مغلقًا. لا أحد دخل. ولا أحد خرج. ازدادت حيرته. وفي النهاية، ضاق صبره. فاستدار مباشرة وا
وخوفًا أكبر من أن يفقد مكانته نهائيًا أمام غسان بل إن الشركة المنافسة لم تكتفِ بالمطالبة بالتعويضات وإعادة حقوق التصميمات فحسب، وإنما طالبت أيضًا بأن تصدر القمه اعتذارًا رسميًا وعلنيًا. كانت ضربة موجعة. ولهذا السبب تحديدًا لم يكن رامي واثقًا من الفوز. فالقضية معقدة، والأدلة في صالح الطرف الآخر إلى حد كبير. ولو خسرها… فقد لا يقتصر الأمر على غضب غسان هذه المرة، بل قد يخسر مكانته بالكامل داخل المجموعة. لذلك أراد أن يجر رنيم الى جانبه. فإن فازا، اقتسم معها المجد. وإن خسرا، اقتسم معها المسؤولية. لكن رنيم لم تكن غبية إلى هذا الحد. ابتسمت ابتسامة مهنية مهذبة وقالت: «أعتذر يا مدير رامي، لدي عدة قضايا بين يدي حاليًا، ولا أظن أن لدي الوقت الكافي لتولي قضية إضافية. يمكنك البحث عن محامٍ آخر.» رفضٌ مباشر. دون أي مجال للمساومة. وفي داخلها كانت تسخر بشدة. أساعد القنه؟ وأتقاسم الأتعاب مع هذا العجوز الماكر؟ يحلم كثيرًا. اقترب المصعد من الطابق، فواصل رامي إقناعها: «لكن قضية السيد ماهر ما زال موعد جلساتها بعيدًا، أليس كذلك؟» ثم أضاف بسرعة: «هذه القضية وحدها أت
كلمتان لا غير: 【توسّلي إليّ.】 توقفت خطواتها للحظة. ثم كادت تطحن أسنانها من الغيظ. ذلك الرجل! كان يستمتع باستفزازها أكثر من أي شيء آخر. دائمًا يريد أن يسمع منها كلمة طلب. وكأنه يتمنى أن يراها يومًا ما راكعة أمامه تستجديه. حسنًا… فليفرح الآن ما دام يستطيع. لكن إن وقعت هي يومًا على نقطة ضعفه… فستجعله يذوق المر نفسه. بل ستجعله هو من يتوسل إليها. تنفست بعمق، ثم كتبت بعصبية: 【أرجوك!!!!】 وأتبعتها بعدد مبالغ فيه من علامات التعجب. داخل الغرفة، نظر قصي إلى الرسالة. ارتفع طرف شفتيه قليلًا. وكان ذلك كافيًا ليشعر بالرضا. أما رامي، فظل واقفًا أمام الغرفة المغلقة لبعض الوقت. نظر إلى الباب مرة أخرى. وبما أن الطرف الآخر لا يريد الظهور، فلا يمكنه إجباره على ذلك. لكن… هل كان يحتاج فعلًا إلى خروجه؟ ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيه ببطء. فهذا الطابق بأكمله مليء بكاميرات المراقبة. وإن أراد معرفة هوية ذلك الرجل… فالأمر قد يكون أسهل بكثير مما يبدو لكن في الحقيقة… هل كان من الصعب فعلًا معرفة هوية ذلك الرجل؟ أبدًا. فهذا الطابق وحده مليء بكاميرات المراقبة. يكفي أن يراجع التسجيلات ل
كانت تعرف أن هذا الثعلب العجوز بدأ يشك بالفعل. وإذا اكتشف أن قصي خرج من غرفتها صباحًا… فلن تكون تلك مجرد إشاعة عابرة. بل فضيحة كفيلة بقلب موازين كثيرة داخل مكتب المحاماة ابتسمت رنيم ابتسامة خفيفة وهي تكبح توترها، ثم قالت بنبرة طبيعية قدر الإمكان: «مصادفة فعلًا… يبدو أنك عائد إلى المدينة الآن يا مدير رامي؟ هيا، لننزل معًا.» كانت تحاول إبعاده عن هذا الطابق بأي وسيلة. فما إن نطق قصي قبل قليل من داخل الغرفة، حتى بدأ جرس الإنذار يدق في رأسها. إن كان ذلك الثعلب العجوز قد التقط الصوت أو بدأ يربط الأمور ببعضها، فالمشكلة ستكون أكبر مما تتخيل. والأهم من كل شيء… يجب التخلص من تسجيلات المراقبة في هذا الطابق. في أسرع وقت ممكن. لكن رامي لم يكن ينوي المغادرة بهذه السهولة. بل نظر إليها نظرة تحمل الكثير من الفضول والخبث، ثم قال مبتسمًا: «أخبريني يا محامية رنيم… أليس هناك رجل داخل غرفتك؟» توقف قليلًا ثم تابع ضاحكًا: «لماذا لا تدعينه يخرج لنتناول الإفطار معًا؟ لا داعي للخجل، فنحن جميعًا بالغون هنا، وأفهم مثل هذه الأمور جيدًا.» كان يتوق لرؤية ذلك الرجل. بل كان فضوله يلتهمه من الداخل. م
بصعوبة أخفى الابتسامة التي ارتسمت عند طرف شفتيه، وأمسك بمعصمها قبل أن تعبث أكثر بحزامه. وقال بهدوء: “أنتِ من جلستِ أمامي هكذا بإرادتك، فما علاقتي أنا بالأمر؟” ازدادت رنيم غضبًا. “لا يهمني! هل تظن أنني سأسمح لك بالنظر مجانًا؟!” كانت تشعر بظلمٍ فادح. كيف يكون هو المستفيد الوحيد من هذا الموقف؟ أين كرامتها إذًا؟ دفعت يده جانبًا وأصرت على شد الحزام مرة أخرى. لكن هذه المرة، خفض قصي رأسه قليلًا ونظر إليها نظرة عميقة. ثم قال بصوت منخفض: “هل أنتِ متأكدة حقًا أنك تريدينني أن أخلعه؟” توقفت يدها في منتصف الحركة. وكان هناك شيء خطير في نبرته. شيء جعل قلبها ينبض أسرع دون إرادتها. تابع وهو يحدق بها مباشرة: “لأنني لست من النوع الذي يسمح للآخرين بالنظر ثم يكتفي بذلك.” ساد الصمت. وفهمت رنيم فورًا ما يقصده. فتصلب جسدها. وأطبقت شفتيها بقوة. ورغم أنها كانت غاضبة للغاية، إلا أنها لم تجرؤ على المتابعة. من يدري ماذا قد يفعل هذا الرجل لو استمرت في استفزازه؟ رآها تلوذ بالصمت، فارتسمت في عينيه لمعة خافتة من التسلية. ثم قال ببرود متعمد: “إذا كنتِ خائفة، فتوقفي عن افتعال المشاكل.” وأردف و
كانت مستلقية داخل حوض الاستحمام وقد غلبها النوم. الماء الصافي يحيط بجسدها. وشعرها الأسود منتشر حولها. للحظة، تجمد في مكانه. ثم أبعد نظره بسرعة. وأفرغ الماء البارد من الحوض. بعدها أحضر منشفة وجفف قطرات الماء عن جسدها بحذر. ثم حملها بين ذراعيه إلى السرير. في صباح اليوم التالي… كانت الستائر الثقيلة لا تزال مسدلة، إلا أن خيوط الشمس تسللت من بينها إلى الغرفة. أطلقت رنيم همهمة خافتة وهي تفتح عينيها ببطء. التفتت حولها. ثم وقع بصرها على الأريكة القريبة من النافذة. هناك… كان قصي لا يزال نائمًا. ساقاه الطويلتان متقاطعتان. ورأسه مستند إلى ظهر الأريكة. وقد فُكت ثلاثة أزرار من قميصه الأبيض، كاشفة جزءًا من صدره. بدا وسيمًا بصورة مستفزة. كسولًا. هادئًا. ومع ذلك، يحمل ذلك السحر البارد الذي يصعب تجاهله. حدقت فيه للحظات. ثم شتمت نفسها في سرها وأبعدت نظرها بسرعة. جلست على السرير وهي تمرر أصابعها بين خصلات شعرها المبعثرة. “كيف انتهى بي الأمر على السرير؟” تمتمت بحيرة. “ولماذا لا أتذكر شيئًا؟” ثم اتسعت عيناها فجأة. “لا تقل لي إنه هو من حملني؟!” رفعت الغطاء بسرعة ونظرت إلى نفسه







