Share

البارت الرابع

Penulis: Faten Aly
last update Tanggal publikasi: 2026-05-19 00:25:02

يتصفح ماجد الأسيوطي بعض الصحف بهدوءٍ بينما يتناول طعام الإفطار، تجلس إلى جواره زوجته إلهام، وعلى الطرف الآخر من الطاولة تجلس كايلا بصمتٍ بارد، بينما تتخذ دينا مكانها بجوار والدتها، ترمقها بين الحين والآخر بنظراتٍ مترقبة.

كانت نظراتٌ خفية تتبادل بين إلهام ودينا، إشارات صغيرة لا تخفى على كايلا، لكنها لم تُبدِ أي اهتمام، فقط تابعت تناول طعامها بفتورٍ وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد.

تنحنحت إلهام وهي تعدل جلستها، ثم قالت بنبرةٍ بدت هادئة ظاهريًا لكنها تحمل الكثير من الضغط الخفي

- قولّي يا ماجد… إنت فاتحت سادن في موضوع الخطوبة؟ولو كان مش عاوزها… ابن عمها عاوزها.

ما إن نطقت بجملتها الأخيرة حتى رفعت كايلا عينيها نحوها بدهشةٍ واضحة، فهي تعلم جيدًا أن حديث والدتها لا يمت للحقيقة بصلة، وإنما محاولة جديدة للضغط على والدها.

التقت أعينها بعيني إلهام التي أرسلت إليها نظرة تحذيرية صريحة تأمرها بالصمت، لكن كايلا لم تكن يومًا قادرة على الوقوف متفرجة، خاصة حين يتعلق الأمر بسادن.

وضَع ماجد الصحيفة جانبًا أخيرًا، ثم نظر إلى زوجته بهدوءٍ قائلاً

- سيبي الموضوع للأيام يا إلهام… سادن مش طفل ولا مراهق علشان أفرض عليه جوازه من مين.

تبدلت ملامح إلهام سريعًا، وانكمش وجهها بضيقٍ واضح، لترد بنبرة ممتزجة بالغضب والعتاب

- يعني إيه الكلام ده؟بنتي مش وحشة ولا ناقصها حاجة علشان يبقى ده رد فعلك

ساد الصمت للحظة، قبل أن تدفع كايلا مقعدها بعنفٍ خفيف وهي تنهض واقفة، تتطلع إليهم جميعًا بعينين مشتعلة بالرفض، حتى توقفت عيناها عند والدتها مباشرة، وقالت بتحدٍ واضح

- سادن أخويا… ومش هيتجوز دينا...... اقفلوا بقى على الموضوع ده

اشتعل وجه إلهام غضبًا، وكادت أن تنهرها، لكن كايلا لم تمنحها الفرصة، إذ التقطت حقيبتها وغادرت المكان بخطواتٍ سريعة.

تابعتها دينا بنظراتٍ ملؤها الحقد والغيظ، بينما همهمت إلهام بكلماتٍ غاضبة تلعن بها تمرد كايلا الدائم وانحيازها الكامل لشقيقها.... أما داخلها… فقد كانت تقسم بصمت، وبإصرارٍ مخيف، أن دينا ستكون من نصيب سادن مهما حدث.

✨✨✨✨✨✨✨

كان المنزل يعجّ بالحركة كخلية نحلٍ لا تهدأ، الأصوات تتداخل، ورائحة الطعام تمتزج بعطور النساء، والضحكات المتناثرة بالخارج توحي وكأن الجميع يحتفل بحدثٍ سعيد… إلا تلك الغرفة الصغيرة التي كانت تختنق بالصمت.

اليوم هو الموعد المحدد لقراءة فاتحة فيروز على ابن عمها.

داخل الغرفة، جلست فيروز على طرف الفراش، منكفئة على نفسها، تحدّق في نقطةٍ وهمية أمامها وكأن روحها قد غادرت جسدها منذ ساعات. كانت شاردة بصورةٍ موجعة، لا تسمع ضجيج المنزل، ولا تشعر بوقع الأقدام حولها، فقط ذلك الثقل الجاثم فوق صدرها، يخنق أنفاسها ببطء.

دلفت فريدة إلى الغرفة بخطوات مترددة، وما إن وقعت عيناها على أختها حتى انقبض قلبها. اقتربت منها ببطء وجلست جوارها، تتأمل ملامحها الباهتة وعينيها المتورمتين من كثرة البكاء، ثم مدت يدها تتحسس كفها البارد محاولة أن تمنحها شيئًا من الطمأنينة التي تفتقدها هي الأخرى.

همست بصوتٍ خافت

- قومي يا فيروز… عشان خاطري. قبل ما بابا يطلع ويعمل مشكلة.

لكن فيروز التفتت إليها ببطء، وكأنها تعود من مكانٍ بعيد، ثم خرج صوتها متهالكًا، مثقلًا بالقهر

- هيعمل إيه أكتر من اللي إحنا فيه؟… مش كفاية عمرنا اللي مشوفناش فيه منه أي حنان؟ كمان بيقرر مستقبلنا كأننا… كأننا مواشي بتتباع وتتشرى.

ارتجفت شفتاها في اللحظة الأخيرة، وانكسرت الكلمات داخل حلقها.

شعرت فريدة بوخزةٍ مؤلمة في صدرها، فاحتضنتها سريعًا، تربت على ظهرها بحنانٍ عاجز، وكأنها تحاول جمع شظايا روحها بين ذراعيها.

- مروان بيحبك يا فيروز… من زمان وهو عينه عليكي، يمكن فعلًا يقدّر يسعدك.

رفعت فيروز عينيها إليها بنظرةٍ غامضة، نظرة جعلت فريدة تشعر للحظة أنها لا ترى أختها، بل ترى إنسانة تُساق إلى مصيرٍ لا تريده، وتحاول عبثًا أن تبدو متماسكة قبل انهيارها الأخير.

دون أن تنطق بحرف، نهضت فيروز متجهة نحو خزانتها، وبدأت تبدل ملابسها بحركاتٍ بطيئة جامدة، كآلةٍ فقدت الإحساس، تنفذ الأوامر فقط لأنها لا تملك رفاهية الرفض.

وبعد قليل…جلست فيروز في منتصف والدتها وشقيقتها، بثوبها الهادئ وملامحها الشاحبة، تبدو كعروسٍ أُطفئت الحياة من عينيها قبل ليلة زفافها. بينما كان والدها يتحدث بفخرٍ ظاهر وهو يقرأ الفاتحة على مروان، الذي بدت السعادة مشتعلة في ملامحه بصورةٍ واضحة.

كان ينظر إليها طوال الوقت، بعينين لا تريان سواها، وكأن العالم كله قد انكمش واختصر نفسه داخل وجودها.

أما هي… فكانت تشعر أن الجدران تضيق حولها أكثر فأكثر.... تمر الدقائق عليها ثقيلة كأنها سنوات، حتى تفاجأت بمروان يقترب منها ويجلس إلى جوارها بابتسامة واسعة، قائلاً بحماسٍ صادق

- مبروك يا فيروز… أخيرًا بقيتي ليا.

ارتبكت أنفاسها فور اقترابه، وشعرت بقلبها ينتفض داخل صدرها بعنف، بينما أكمل هو حديثه بحماس طفلٍ حقق حلمه أخيرًا، يخبرها كم انتظر تلك اللحظة، وكم يبدو العالم أجمل الآن.

لكن كلماتها خرجت متقطعة، مذعورة

- فين… فين ماما وفريدة؟

ابتسم ببساطة وهو يجيب

- سابونا شوية لوحدنا… قالوا نتكلم براحتنا.

وما إن أنهى جملته حتى شعرت وكأن الهواء اختفى من الغرفة.... نهضت فجأة، بعينين متسعتين وارتباكٍ واضح، تبتعد عنه بخطواتٍ سريعة حتى جلست على مقعدٍ بعيد، لكنها سرعان ما انتفضت واقفة مرة أخرى، وكأن المقعد يخفي أشواكًا تمزقها.

بدأت تتحرك في المكان بتوترٍ واضح، أنفاسها متسارعة، ويداها ترتجفان بصورةٍ فضحت حالة الذعر التي اجتاحتها.

أما مروان… فبقي مكانه يحدق بها في حيرة، عاجزًا عن فهم ذلك الخوف الهائل الذي يشتعل داخل عينيها كلما اقترب منها خطوة

✨✨✨✨✨✨

ظلّ سادن متسمّرًا في مكانه، وعيناه معلّقتان بذلك الفراغ البارد أمامه، بينما كانت الأفكار تتلاطم داخل رأسه كأمواج بحرٍ هائج لا يعرف السكون.

لم يكن الأمر عن هايدي… ولا عن قبولها المفاجئ بذلك العرض الوقح الذي ألقاه أمامها بثقةٍ مستفزة.

بل كان عن نفسه.

عن ذلك الشعور الغريب الذي بدأ يتسلل إليه كلما اقترب من عاصم أكثر… وكأنّه يحاول الوصول لشيءٍ أبعد من مجرد انتقامٍ قديم أو لعبة مصالح قذرة.

أغمض عينيه للحظات، لتعود إلى ذاكرته نظرة هايدي المرتبكة حين همس بجوار أذنها. كانت خائفة… مرتبكة… لكنها لم ترفضه تمامًا.

وهو يعرف جيدًا هذا النوع من النساء. يعرف متى يبدأ التردد بالتحول إلى فضول… ومتى يتحول الفضول إلى سقوطٍ كامل.مرر يده على وجهه بإرهاق، ثم اعتدل في جلسته فجأة وكأن فكرة ما صفعته بقوة.

هل حقًا يريد هايدي؟أم يريد استخدامها فقط للوصول إلى عاصم؟ابتسم بسخرية مريرة من نفسه، قبل أن يلتقط هاتفه مرة أخرى ويعبث به بين أصابعه الطويلة، ثم فتح نافذة الرسائل للحظات… لكنه لم يكتب شيئًا.

توقفت أنفاسه قليلًا وهو يتذكر تلك النظرة التي كانت بعينيها قبل أن يغادر… تلك النظرة التي لم تكن رفضًا كاملًا… ولا قبولًا صريحًا.

بل كانت بداية كارثة.... رفع رأسه نحو سقف السيارة مطلقًا زفرة طويلة، ثم همس بصوتٍ خافت يحمل شيئًا من القسوة وشيئًا من الضياع

- اللعبة ابتدت… ومبقاش ينفع حد فينا يرجع.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • مدن لا تشبه الحب    144 والأخير

    في ذلك الركن الدافئ من بيت الأب، كان لقاء الأختين الأسبوعي ينساب كأنه نهر غسيل للهموم، تجمعٌ عائلي يلتف حول الأب الذي انشرح صدره أخيرًا بعد سنوات الجفاء، وكأن جدران المنزل القديم تنفست الصعداء مع كل ضحكة تخرج من قلوبهن. وسط هذا الصفو، التفت فاروق صوب ابنته فيروز. ضاقت عيناه بنظرة فاحصة امتزج فيها الفضول الأبوي بظلال الشك القديم، ثم باغتها بنبرة حاول جعلها عادية لكنها حملت ثقل السنين - بت يا فيروز... أنا من زمان عاوز أسألك وسكتُّ كتير. إنتِ عرفتِ سادن ده إزاي؟ وهربتِ ليه بالمنظر ده؟ قولي، قولي ما تتكسفيش.. خلاص، بقالك خمس سنين معاه وعشتوا حياتكم. وقعت الكلمات كالصاعقة. شهقت فيروز، واهتزت ملامحها برفض قاطع. انتفضت واقفة، وجسدها يثقل بانتفاخ بطنها الواضح وهي تخطو نحو الشهر الثامن من حملها بطفلها الثاني. اقتربت منه بخطوات وئيدة، ثم جلست بجواره مباشرة لتكون في مواجهة عينيه. حاولت جاهدة أن ترتدي قناع الهدوء، لكن صوتها كان يرتعش تحت وطأة التبرير المتكرر - يا بابا... يا حبيبي، أقسم لك بالله قولتلك ميت مرة أنا مهربتش... والله العظيم ما هربت. أنا في اليوم ده كنت رايحة لصاحبتي فعلاً، وكايلا

  • مدن لا تشبه الحب    143

    عقب انتهاء حفل الزفاف الأسطوري وتوديع العروسين بـمباركات صاخبة، عاد سادن بـفيروز إلى الفيلا في ساعة متأخرة من الليل. كان الصمت يلف السيارة، وكان يلمح بـطرف عينيه الرماديتين ذلك الطيف الخفيف من الشجن المرتسم على ملامح فجره؛ فـهو يشعر بـعمق حزنها الداخلي لـفراق كايلا، التي غادرت عش الزوجية الليلة، فـقد كانت العلاقة بينهما قوية جداً، وتعدت حدود الصداقة لـتصبحا شقيقتي روح لا تفترقان. ما إن دلفا من باب الفيلا الفخم، وأُغلق خلفهما لـيعزلهما عن الكون بـأكمله، حتى التفت سادن إليها بـأكمله؛ مد يده القوية وطوق كتفها بـحنو، ممتصاً بـلمسته الدافئة بقايا حزنها. وبلا أي مقدمات، انحنى بـجذعه الفخم لـيرفعها بـخفة بـين يديه كـأنها فراشة لا وزن لها، ودار بها في أرجاء الردهة الواسعة بـعنفوان عاشق ملهوف. تلاشت غيوم الشجن في ثوانٍ، لـتطلق فيروز ضحكاتها النغمة، العذبة التي تؤسر قلبه وتزلزل حصونه؛ أخذ يدور ويدور بـها بـين ذراعيه، بـينما كان قلبه الصلب يخفق بـشدة وإيقاع صاخب، يتعالى ويتسارع مع كل بحّة دلال تخرج مع ضحكاتها الفاتنة، كـأن ميكانيكية جسده بـأكملها لا تنبض إلا لأجل إسعادها. أنزلها سادن بـرفق شد

  • مدن لا تشبه الحب    142

    يجلس سادن بجوار فراشها بـشموخ عاشق انزاح عن صدره جبل من الهم، محتضناً يدها الصغيرة بـكلتا كفيه بـإحكام وتملك يفيض بـالحنان، ويخصها بـتلك الابتسامة الرقيقة، الدافئة التي تحمل بـين ثناياها وعوداً أبحر بها في وادي عشقهما، وعبارات شكر صامتة لـله الذي أعاد له فجره بـسلام. بينما كانت رقية تقف على مقربة منهما، والبهجة تضيء وجهها الوقور وهي تحمل الصغير بين يديها بـحرص وأمومة، تقبله بـسعادة غامرة وشكر لاهث لـرب العالمين، قبل أن تتقدم كايلا بـخطوات لاهثة لـتحمله منها بـشغف وفرحة عارمة، وتردد بـحب وهي تتأمل ملامحه الدقيقة بـهيام - حبيب عمتو ونور عينيها!.. قمر أوي يا فيروز، بـجد سبحان الله.. نسخة مصغرة من سادن، خد نفس ملامحه الحادة وعيونه ارتفعت ضحكات الجميع الصافية في أركان الغرفة على كلماتها المندفعة وعفويتها؛ لـتتقدم حياة بـخطوات حانية وتتناول حفيدها الغالي من كايلا بـأذرع مفتوحة، تقبله بـشغف الجدات وتضمه لـصدرها وهي تردد بـأثوراتها الشعبية العذبة وحب يتدفق من نبرتها - من إيد لإيد تكبر وتزيد يا حبيب تيتة.. ربنا يجعلك من الذرية الصالحة ويبارك في عمرك وعمر أمك. في تلك الأثناء، كان فهد يقف ب

  • مدن لا تشبه الحب    141

    اليوم هو الموعد الموعود، موعد المتابعة الأخيرة التي حانت تفاصيلها لـتضع حداً لـأيام الانتظار؛ اصطحبها سادن إلى عيادة الطبيب بـخطوات تحفها الرعاية والبهجة، وعيناه الرماديتان لا تفارقان وجهها الساحر الذي عاد إليه نبض العافية والدلال في أحضانه. دلفا إلى غرفة الكشف بـوقار، وتقدم سادن بـجسده الفخم لـيساعدها بـحنو بالغ على التمدد فوق سرير الكشف الحريري، عازلاً إياها بـجسده عن الكون بـأكمله؛ انحنى بـرأسه وطبع قبلة طويلة، شغوفة تقطر عشقاً ويقيناً على كفها الصغيرة المرتعشة، ثم ردد بـنبرة رجولية دافئة تفيض بـالثقة والاشتياق - خلاص هانت يا فجر حياتي.. مـبقاش فاضل غير خطوة واحدة، والبيه الصغير يشرف بـسلامته ويملا علينا الدنيا. ابتسمت له فيروز بـملامح يكسوها العشق والأمان الطاغي بـوجوده؛ تقدم الطبيب بـخطواته العملية الهادئة، وقام بـوضع ذلك السائل البارد على بطنها المنتفخة بـالكامل بـرفق، ثم بدأ بـتحريك جهاز السونار بـتمهل وهو يتابع الشاشة بـأعين فاحصة خبيرة. وفجأة.. تبدلت ملامح الطبيب، واختفت ابتسامته الهادئة لـتحل محلها ملامح الجدية والـحسم؛ وتوقف جهاز السونار بـأجزاء من الثواني عند زاوية معي

  • مدن لا تشبه الحب    140

    دلف سادن من باب الجناح الملكي بـخطواته العسكرية المعهودة، ملامحه الصارمة متشحة بـالتجهم والبرود كـالعادة في الأيام الماضية؛ ولم يلتفت نحوها أو يخصها بـنظرة واحدة تهدئ من روع قلبها، بل تحرك بـخطواته الواسعة ليدلف إلى الحمام مباشرة، ومنه إلى غرفة الملابس لتبديل ثيابه الرسمية بـملابس بيتية مريحة. كل هذا وفيروز تتابعه بـعيونها النيلتية الذابلة، وتشعر بـالغليان والغيظ ينهش صدرها من فرط جفائه القاسي وتجاهله المتعمد الذي بات يفوق قدرتها على التحمل؛ فـاستجمعت أنوثتها المتمردة وتوعدت له في سرها، مقررة الليلة أن تستخدم أسلحتها الأنثوية الفتاكة، والتي تدرك يقيناً أنها سـتأتي بـثمارها وتذيب جبال ثلجه. انقطع الصمت بـدخول الخادمة بـخطوات حذرة، حاملة صينية الطعام الفاخرة كـعادتهم اليومية، وبـجوارها كوب اللبن الدافئ الخاص بـالمتابعة الصحية؛ وضعتها على الطاولة جانباً بـأدب ثم انصرفت. تحرك سادن بـصمت، وحمل صينية الطعام لـيضعها أمامها على الفراش، واجفاً في أثره بـانتظار أن تتناوله بـنفسها حتى يقدم لها جرعتها الدوائية بـانتظام. ولكن، صدمته فيروز بـحركة متمردة ساحرة؛ إذ مدت يدها ونقلت الصينية بـلا مبال

  • مدن لا تشبه الحب    139

    تتمدد فيروز على الفراش الوثير بـجسدها الذي أثقله الحمل في شهوره الأخيرة، وتستند بـرأسها على الوسائد الحريرية، تاركة عينيها النيلتية تسبحان في سقف الغرفة، لـتستعيد بـتفصيل تفاصيل ذكريات ذلك اليوم المشهود؛ فـتطفو على شفتيها الكرزيتين ابتسامة عذبة تفيض بـالانتصار والتشفي. تتذكر كـيف انتفض سادن كـالأسد الهائج لـينتقم لـكرامتها وعشقها الجريح من تلك الحية الرقطاء "هايدي"؛ كيف جاء بها ذليلة، مكسورة، تذرف الدموع الحارة وتتمرغ عند الأقدام تطلب العفو والغفران بـلا طائل، بـصحبة والدها الذي جثا هو الآخر بـكبريائه لـيطالب بـالرحمة بـعد أن هدده سادن بـسحقه بـالنفوذ وإعلان إفلاس شركاته بـالكامل جزاءً وفاقاً لـما اقترفته يدا ابنته الخبيثة من دمار. أما ذلك الشاب الأجير الذي اشترك معها في التقاط الصور وتزييف الحقائق، فـقد كان أهون عليه بـمليون مرة إن كان سادن قد سلمه لـرجال الشرطة والقانون، من ذلك العذاب والـجحيم الذي لاقاه وتجرعه بـين جدران المخزن المظلم على يد سادن الأسيوطي، الذي لقنه درساً في الرجولية جعل عظام جسده ترتعد بـالرعب كلما مر طيف الأسيوطي بـمخيلته. ولكن.. وبالرغم من ثبوت براءته الطاهرة

  • مدن لا تشبه الحب    البارت السادس

    وقفت هايدي متصلبة، تتأمله بعينين جاحظتين وصدمة ألجمت لسانها إزاء هذا التحول المباغت. عجزت تماماً عن سبر أغوار عقله أو فهم ما يرمي إليه سادن في هذه اللحظة. غير أن كبرياءها الجريح انتفض فجأة؛ فنهضت في مواجهته، غارزة قدميها في الأرض وثبتت عينها في عينه بتحدٍ شرس وهي تهتف بنبرة حادة- قول كده بقى.. إنت

  • مدن لا تشبه الحب    البارت الخامس

    ظلّ سادن متسمّرًا في مكانه، كأن الجسد نفسه رفض أن يشاركه حركة الحياة من حوله، بينما عيناه معلّقتان بفراغٍ باردٍ ممتدّ أمامه، فراغٌ لا يشبه السكون بقدر ما يشبه الانفصال عن كل ما هو حقيقي.داخل رأسه، لم تكن الأفكار تمرّ… بل كانت تتصادم بعنف، كأن كل فكرة تحاول أن تقتل الأخرى لتنجو وحدها.هايدي…لم تكن

  • مدن لا تشبه الحب    البارت الثالث

    في الخارج، كانت أجواء المبنى أكثر خفة مما في الداخل، كأن الجدران الزجاجية لا تعكس فقط ضوء النهار، بل تخفف من حدة ما يدور خلفها من توتر. وقف "آدم" بالقرب من المدخل، ينتظرها. وما إن ظهرت "كايلا" حتى تغيّر شيء في ملامحه تلقائيًا؛ ذلك الهدوء المتزن الذي يرتديه عادةً انكسر للحظة، لتحلّ محله نظرة أعمق،

  • مدن لا تشبه الحب    البارت الثانى

    بعد وقتٍ ليس بالقليل… انفتح باب المكتب بهدوء محسوب، ودلف آدم. شاب وسيم الملامح، يحمل في خطواته مزيجًا من الوقار والراحة، كأنه الوحيد القادر على كسر الجمود الذي يملأ هذا المكان دون أن يدفع ثمنًا لذلك. تنحنح بخفة قبل أن يلقي تحية الصباح على "سادن"، بنبرة ودودة لا تشبه برودة هذا المكتب. - صباح الخي

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status