LOGINوقفت هايدي متصلبة، تتأمله بعينين جاحظتين وصدمة ألجمت لسانها إزاء هذا التحول المباغت. عجزت تماماً عن سبر أغوار عقله أو فهم ما يرمي إليه سادن في هذه اللحظة. غير أن كبرياءها الجريح انتفض فجأة؛ فنهضت في مواجهته، غارزة قدميها في الأرض وثبتت عينها في عينه بتحدٍ شرس وهي تهتف بنبرة حادة
- قول كده بقى.. إنت جايبني هنا عشان تذلني؟ لسه واجعك أوي إني فضلت عاصم عليك؟ لأ فوق يا سادن.. عاصم أحسن منك مليون مرة، إنت الغل اللي ماليك من ناحيته معميك.. بكره هيقوم ويرجع الشركة أحسن من الأول بالرغم من ثورتها العارمة وصوتها الذي رجّ أركان المكان، إلا أن سادن استقبل هذا الإعصار ببرود ثلجي مستفز. أدار لها ظهره بإهمال، ثم عاد وجلس على الأريكة، متكئاً بمرفقيه بأريحية تامة وكأنه سيد الموقف. رمقها بنظرة محتقرة، طافت بتفاصيلها من أعلاها إلى أسفلها، قبل أن يرمي كلماته بهدوء قاتل - مجيك النهاردة هنا كان آخر مسكن لوجع رفضك ليا زمان.. لأنك طلعتي واحدة رخيصة بتبيعي شرف جوزك عشان تنقذى شوية فلوس.. أما موضوع إن عاصم أحسن مني فعندك حق، عاصم أحسن مني مليون مرة.. تعرفي في إيه؟ في كل حاجة مشبوهة فيها.. فعلاً إنتوا الاتنين لايقين على بعض. سكت برهة، ثوانٍ ممتدة ثقيلة، قبل أن يضيف بنبرة تقطر قسوة - خمس دقايق ومش عاوز أشوف وشك هنا، وإلا هتصل بحبيب القلب ييجي ياخدك زي ما أنتي كده ببدلة الرقص دي.. حتى لايقة أوي عليكي. انقبض قلبها وهرعت من أمامه لاهثة قبل أن يحول وعيده إلى فعل. دلفت إلى الغرفة المغلقة، وفي صدرها غليان كحمم بركانية توشك أن تلتهم الأخضر واليابس، لكن الخوف من فضيحة محققة دفع أناملها المرتجفة إلى تبديل ملابسها بحمى وهلع. رأيتُ انعكاسي في المرآة وأنا أرتدي ثيابي على عجل، وشعرتُ بغثيان يجتاح روحي. كيف انحدرتُ إلى هذا القاع؟ كنتُ أشعر بمدى حقارتي وخِفتي؛ لكن الطعنة الأشد إيلاماً والتي نزفت لها كرامتي، كانت رفضه لي كأنثى، ونظرته التي جردتني من كل شيء.. كلماته لم تكن عتاباً، بل مدى سكاكين تمزق لحمي بلا رحمة. لم تستغرق هايدي سوى لحظات معدودة حتى كانت تدفع باب الغرفة وتهم بالخروج. استقبلها في الصالة بابتسامة تهكمية باردة رسمت خطاً ساخراً على شفتيه، ومد يده نحوها يحمل جسماً صغيراً، قائلاً بنبرة منتصرة - الفلاشة دي عليها حاجات هتعجبك أوي.. وكده يا هايدي نبقى خالصين. ولم يكد يُنهي عبارته، حتى تحرك بخطوات واثقة وفتح لها باب الشقة على مصراعيه، مطوحاً بها إلى الخارج معلناً نهاية اللعبة. ✨✨✨✨✨✨✨✨ استسلمت تماماً للأمر الواقع، وأرخت دفاعاتها لتترك تيار القدر يجرفها حيث يشاء. بدأت رحلة التعايش المريرة، وانطلقت في جولتها بين المتاجر لتنتقي الفستان الذي ستزف فيه، في ليلة عقد قرانها المنتظرة. اصطحبت معها صديقتها منار وشقيقتها فريدة، وظللن يذرعن الشوارع وينتقلن من محل إلى آخر في طواف منهك، حتى استقرت عيناها أخيراً على ما يليق بها؛ فستان قرمزي غامق، تلفه طبقة رقيقة من الشيفون الأحمر المنسدل باتساع وانسيابية كشلال هادئ. كانت منار تتابع حركاتها بوجل، وتتطلع إلى وجهها محاولةً سبر أغوار هذا التبدل الصادم؛ كيف تحول ذلك الرفض القاطع والمستميت إلى قبول مباغت، بل وإلى بهجة زيف متقنة تصطنعها وهي تختار أغراضها؟ مالت عليها وهدست بنبرة حائرة - مش مرتاحالك.. منين كنتِ هتموتي وتفركشي الجوازة دي، ومنين النزول والشوبنج والضحكة اللي مالية وشك فجأة؟ خبي عليّا خبي، بس أنا عارفاكي كويس. في تلك الأثناء، كانت فريدة معزولة تماماً عن صخبهما، شاخصة ببصرها نحو أثواب الزفاف بنظرات تائهة حزينة. تمنت في سرها ألا تذوق من ذات الكأس المريرة، وألا تلقى مصير شقيقتها؛ كانت تحلم بليلة يطرق فيها الحب بابها، قصة عاصفة تهز كيانها وتروي ظمأ قلبها البكر. لكن، وفي ذروة أمنياتها المعلقة، قفزت صورة والدها إلى مخيلتها كشبح جاف، لتتبخر أحلامها في لحظة، وتدرك بيقين قاطع أنه لا مفر من واقعها المأزوم، وأنها عاجلاً أم آجلاً.. ستساق إلى المصير ذاته. ✨✨✨✨✨✨✨✨ بالرغم من مشقة الأعمال المتراكمة وكثرتها، إلا أن السعادة كانت تغمر قلبها، وتجعلها تشعر وكأنها فراشة خفيفة تحلق في سماء من الأحلام الوريدية. كيف لا، وهي تعمل تحت جناح أخيها الأكبر، في صرح شركته العملاقة التي يطمح الكثيرون بمجرد المرور من أمامها، والأهم من ذلك كله، أنها تتقاسم ذات الجدران والمكان مع حبيبها وسر بهجتها. أعلنت عقارب الساعة عن موعد الاستراحة، فشرعت تلملم أشياءها المبعثرة على المكتب بنشاط، استعداداً لتناول وجبة سريعة تمدها بالطاقة لاستئناف العمل. لكن خططها تبخرت حين انفتح الباب فجأة، ودلف آدم بهيبته المعتادة، داعياً إياها لتناول الطعام معه. توجست كايلا خيفة، واختلج صدرها برهبة الأخ الأكبر، فاعتذرت بوجل - مش هينفع يا آدم.. افرض سادن دخل علينا فجأة وشافنا؟ ابتسم آدم مطمئناً إياها، وتقدم خطوة وهو يقول بنبرة واثقة - يا ستي ما تقلقيش، أخوكي عنده مأمورية شغل بره الشركة ومش راجع تاني النهاردة.. ريحتي بقى؟ رفرفت كايلا بأهدابها في دلال ساحر، ومالت برأسها قليلاً قائلة بنبرة تفيض غنجاً - يعني.. أنا وأنت في الشركة لوحدنا؟ أطلق آدم ضحكته الرجولية الدافئة التي خطفت أنفاسها، وعقد ذراعيه محاكياً نبرتها بمرح - آه يا ستي.. أنا وأنتِ لوحدنا. اتسعت ابتسامتها لطريقته المداعبة، بينما اقترب منها خطوة أخرى، وهتف بعينين تلمعان ببريق مميز - وعشان القعدة تحلو.. هطلبلك البيتزا اللي بتموتي فيها، ومعاها الحاجة الساقعة اللي بتعدل مزاجك. قفزت كايلا مكانها كالأطفال، وصفقت بيديها بحماس طفولي وهي تهتف بسعادة - بيتزا! ياللا بسرعة. التقطت حقيبتها وحاذت خطواته نحو الباب، وقبل أن تمتد يده لفتح المقبض، غافلته وطبعت قبلة خاطفة على وجنته.. ويا ليتها ما فعلت كانت تلك القبلة كشرارة نار سرت في أوردته، فزجرت الدماء في عروقه بعنف، وخفق قلبه دقات متتالية كطبول الحرب. بالرغم من بساطة فعلتها وتلقائيتها، إلا أن تأثيرها كان طاغياً؛ تجمد آدم في مكانه يتطلع إليها بعشق جارف، وجد نفسه يقترب منها دون إرادة، كأنه مسلوب القوة أمام مغناطيس جاذبيتها. ولم تكن هي بأفضل حال، إذ شعرت بضعف يجتاح ركبتيها وهي تنجذب إليه مستسلمة، لتجد نفسها فجأة غارقة بين أحضانه. دفن آدم وجهه في عنقها، مستنشقاً عبير شعرها المتطاير كأنه يتنفس الحياة، وطفق يقبلها قبلات رقيقة متلاحقة نزولاً حتى التقت شفتاه بشفتيها، فأطبق عليهما بعشق أعمى تاهت معه حدود الزمان والمكان. مرت الدقائق كأنها ثوانٍ، حتى حرر شفتيها أخيراً وهو يلهث، وهس بجوار أذنها بصوت مخمور بالهوى: — "بعشقك يا كايلتي.." ابتعد عنها ببطء، متأملاً ملامحها المستسلمة وحمرتها الخجولة. حاولت كايلا بـأنامل مرتعشة تعديل هندامها وخصلات شعرها الثائرة، بينما تنهد هو وقال بنبرة نادمة اعتراها الصدق - أنا أسف إني عملت كده.. بس حقيقي مقدرتش أمسك نفسي قدامك. ابتسمت له بنعومة، محاولة كسر التوتر، ودعته للمشي قائلة - حصل خير.. ياللا بينا بقى عشان نلحق ناكل البيتزا قبل ما تبرد. بادلها الابتسامة وأشار لها بيده متنازلاً: - اتفضلي يا ستي، أميرتي تفوت الأول. جلسا معاً، وكانت تتناول قضماتها بسعادة غامرة، سعادة لم تدرك مصدرها الحقيقي؛ أهي لذة البيتزا التي تعشقها، أم ذلك السحر الذي اختبرته قبل قليل ولا يزال يداعب خيالها؟ كانت تشعر بدفء شفتيه كأنه ما زال مطبوعاً فوق شفتيها، في شعور بكر يزورها لأول مرة. لم يقطع هذه الحالة الحالمة إلا رنين هاتفها الحاد. التقطته وأجابت على الفور، ليتبدد ذلك الدفء في ثوانٍ، وتحل محله غيمة سوداء انقشعت عن ملامح آدم التي تيبست بغضب مكتوم. أنهت المكالمة على عجل، محاولة تجنب نظراته النارية التي اخترقتها، لكنه لم يكن لينفس عن ضيقه صمتاً؛ فقد كانت المتصلة إحدى صديقات الدراسة التي لا يطيقها، وتدعوها لحضور حفل عيد ميلادها. تطلعت كايلا إلى وجهه المتجهم، وضقيت عيناها بمرح وهي تحاول تلطيف الأجواء، فمالت عليه قائلة بنبرة رجاء دلالية - خلاص بقى يا دومي.. هي نص ساعة بالعدد وهرجع بسرعة، مش هأخر خالص والله. لم تكن كلماتها الرقيقة لتخمد عاصفة الغضب التي ثارت في صدره؛ فهو لا يشعر بالارتياح مطلقاً لتلك الفتاة ولا لسلوكها الفج. ألقى بالمحرمة الورقية على الطاولة بعنف، وزفر بضيق شديد، فقد سئم وعيل صبره من تكرار الحديث في ذات الأمر دون جدوى.في ذلك الركن الدافئ من بيت الأب، كان لقاء الأختين الأسبوعي ينساب كأنه نهر غسيل للهموم، تجمعٌ عائلي يلتف حول الأب الذي انشرح صدره أخيرًا بعد سنوات الجفاء، وكأن جدران المنزل القديم تنفست الصعداء مع كل ضحكة تخرج من قلوبهن. وسط هذا الصفو، التفت فاروق صوب ابنته فيروز. ضاقت عيناه بنظرة فاحصة امتزج فيها الفضول الأبوي بظلال الشك القديم، ثم باغتها بنبرة حاول جعلها عادية لكنها حملت ثقل السنين - بت يا فيروز... أنا من زمان عاوز أسألك وسكتُّ كتير. إنتِ عرفتِ سادن ده إزاي؟ وهربتِ ليه بالمنظر ده؟ قولي، قولي ما تتكسفيش.. خلاص، بقالك خمس سنين معاه وعشتوا حياتكم. وقعت الكلمات كالصاعقة. شهقت فيروز، واهتزت ملامحها برفض قاطع. انتفضت واقفة، وجسدها يثقل بانتفاخ بطنها الواضح وهي تخطو نحو الشهر الثامن من حملها بطفلها الثاني. اقتربت منه بخطوات وئيدة، ثم جلست بجواره مباشرة لتكون في مواجهة عينيه. حاولت جاهدة أن ترتدي قناع الهدوء، لكن صوتها كان يرتعش تحت وطأة التبرير المتكرر - يا بابا... يا حبيبي، أقسم لك بالله قولتلك ميت مرة أنا مهربتش... والله العظيم ما هربت. أنا في اليوم ده كنت رايحة لصاحبتي فعلاً، وكايلا
عقب انتهاء حفل الزفاف الأسطوري وتوديع العروسين بـمباركات صاخبة، عاد سادن بـفيروز إلى الفيلا في ساعة متأخرة من الليل. كان الصمت يلف السيارة، وكان يلمح بـطرف عينيه الرماديتين ذلك الطيف الخفيف من الشجن المرتسم على ملامح فجره؛ فـهو يشعر بـعمق حزنها الداخلي لـفراق كايلا، التي غادرت عش الزوجية الليلة، فـقد كانت العلاقة بينهما قوية جداً، وتعدت حدود الصداقة لـتصبحا شقيقتي روح لا تفترقان. ما إن دلفا من باب الفيلا الفخم، وأُغلق خلفهما لـيعزلهما عن الكون بـأكمله، حتى التفت سادن إليها بـأكمله؛ مد يده القوية وطوق كتفها بـحنو، ممتصاً بـلمسته الدافئة بقايا حزنها. وبلا أي مقدمات، انحنى بـجذعه الفخم لـيرفعها بـخفة بـين يديه كـأنها فراشة لا وزن لها، ودار بها في أرجاء الردهة الواسعة بـعنفوان عاشق ملهوف. تلاشت غيوم الشجن في ثوانٍ، لـتطلق فيروز ضحكاتها النغمة، العذبة التي تؤسر قلبه وتزلزل حصونه؛ أخذ يدور ويدور بـها بـين ذراعيه، بـينما كان قلبه الصلب يخفق بـشدة وإيقاع صاخب، يتعالى ويتسارع مع كل بحّة دلال تخرج مع ضحكاتها الفاتنة، كـأن ميكانيكية جسده بـأكملها لا تنبض إلا لأجل إسعادها. أنزلها سادن بـرفق شد
يجلس سادن بجوار فراشها بـشموخ عاشق انزاح عن صدره جبل من الهم، محتضناً يدها الصغيرة بـكلتا كفيه بـإحكام وتملك يفيض بـالحنان، ويخصها بـتلك الابتسامة الرقيقة، الدافئة التي تحمل بـين ثناياها وعوداً أبحر بها في وادي عشقهما، وعبارات شكر صامتة لـله الذي أعاد له فجره بـسلام. بينما كانت رقية تقف على مقربة منهما، والبهجة تضيء وجهها الوقور وهي تحمل الصغير بين يديها بـحرص وأمومة، تقبله بـسعادة غامرة وشكر لاهث لـرب العالمين، قبل أن تتقدم كايلا بـخطوات لاهثة لـتحمله منها بـشغف وفرحة عارمة، وتردد بـحب وهي تتأمل ملامحه الدقيقة بـهيام - حبيب عمتو ونور عينيها!.. قمر أوي يا فيروز، بـجد سبحان الله.. نسخة مصغرة من سادن، خد نفس ملامحه الحادة وعيونه ارتفعت ضحكات الجميع الصافية في أركان الغرفة على كلماتها المندفعة وعفويتها؛ لـتتقدم حياة بـخطوات حانية وتتناول حفيدها الغالي من كايلا بـأذرع مفتوحة، تقبله بـشغف الجدات وتضمه لـصدرها وهي تردد بـأثوراتها الشعبية العذبة وحب يتدفق من نبرتها - من إيد لإيد تكبر وتزيد يا حبيب تيتة.. ربنا يجعلك من الذرية الصالحة ويبارك في عمرك وعمر أمك. في تلك الأثناء، كان فهد يقف ب
اليوم هو الموعد الموعود، موعد المتابعة الأخيرة التي حانت تفاصيلها لـتضع حداً لـأيام الانتظار؛ اصطحبها سادن إلى عيادة الطبيب بـخطوات تحفها الرعاية والبهجة، وعيناه الرماديتان لا تفارقان وجهها الساحر الذي عاد إليه نبض العافية والدلال في أحضانه. دلفا إلى غرفة الكشف بـوقار، وتقدم سادن بـجسده الفخم لـيساعدها بـحنو بالغ على التمدد فوق سرير الكشف الحريري، عازلاً إياها بـجسده عن الكون بـأكمله؛ انحنى بـرأسه وطبع قبلة طويلة، شغوفة تقطر عشقاً ويقيناً على كفها الصغيرة المرتعشة، ثم ردد بـنبرة رجولية دافئة تفيض بـالثقة والاشتياق - خلاص هانت يا فجر حياتي.. مـبقاش فاضل غير خطوة واحدة، والبيه الصغير يشرف بـسلامته ويملا علينا الدنيا. ابتسمت له فيروز بـملامح يكسوها العشق والأمان الطاغي بـوجوده؛ تقدم الطبيب بـخطواته العملية الهادئة، وقام بـوضع ذلك السائل البارد على بطنها المنتفخة بـالكامل بـرفق، ثم بدأ بـتحريك جهاز السونار بـتمهل وهو يتابع الشاشة بـأعين فاحصة خبيرة. وفجأة.. تبدلت ملامح الطبيب، واختفت ابتسامته الهادئة لـتحل محلها ملامح الجدية والـحسم؛ وتوقف جهاز السونار بـأجزاء من الثواني عند زاوية معي
دلف سادن من باب الجناح الملكي بـخطواته العسكرية المعهودة، ملامحه الصارمة متشحة بـالتجهم والبرود كـالعادة في الأيام الماضية؛ ولم يلتفت نحوها أو يخصها بـنظرة واحدة تهدئ من روع قلبها، بل تحرك بـخطواته الواسعة ليدلف إلى الحمام مباشرة، ومنه إلى غرفة الملابس لتبديل ثيابه الرسمية بـملابس بيتية مريحة. كل هذا وفيروز تتابعه بـعيونها النيلتية الذابلة، وتشعر بـالغليان والغيظ ينهش صدرها من فرط جفائه القاسي وتجاهله المتعمد الذي بات يفوق قدرتها على التحمل؛ فـاستجمعت أنوثتها المتمردة وتوعدت له في سرها، مقررة الليلة أن تستخدم أسلحتها الأنثوية الفتاكة، والتي تدرك يقيناً أنها سـتأتي بـثمارها وتذيب جبال ثلجه. انقطع الصمت بـدخول الخادمة بـخطوات حذرة، حاملة صينية الطعام الفاخرة كـعادتهم اليومية، وبـجوارها كوب اللبن الدافئ الخاص بـالمتابعة الصحية؛ وضعتها على الطاولة جانباً بـأدب ثم انصرفت. تحرك سادن بـصمت، وحمل صينية الطعام لـيضعها أمامها على الفراش، واجفاً في أثره بـانتظار أن تتناوله بـنفسها حتى يقدم لها جرعتها الدوائية بـانتظام. ولكن، صدمته فيروز بـحركة متمردة ساحرة؛ إذ مدت يدها ونقلت الصينية بـلا مبال
تتمدد فيروز على الفراش الوثير بـجسدها الذي أثقله الحمل في شهوره الأخيرة، وتستند بـرأسها على الوسائد الحريرية، تاركة عينيها النيلتية تسبحان في سقف الغرفة، لـتستعيد بـتفصيل تفاصيل ذكريات ذلك اليوم المشهود؛ فـتطفو على شفتيها الكرزيتين ابتسامة عذبة تفيض بـالانتصار والتشفي. تتذكر كـيف انتفض سادن كـالأسد الهائج لـينتقم لـكرامتها وعشقها الجريح من تلك الحية الرقطاء "هايدي"؛ كيف جاء بها ذليلة، مكسورة، تذرف الدموع الحارة وتتمرغ عند الأقدام تطلب العفو والغفران بـلا طائل، بـصحبة والدها الذي جثا هو الآخر بـكبريائه لـيطالب بـالرحمة بـعد أن هدده سادن بـسحقه بـالنفوذ وإعلان إفلاس شركاته بـالكامل جزاءً وفاقاً لـما اقترفته يدا ابنته الخبيثة من دمار. أما ذلك الشاب الأجير الذي اشترك معها في التقاط الصور وتزييف الحقائق، فـقد كان أهون عليه بـمليون مرة إن كان سادن قد سلمه لـرجال الشرطة والقانون، من ذلك العذاب والـجحيم الذي لاقاه وتجرعه بـين جدران المخزن المظلم على يد سادن الأسيوطي، الذي لقنه درساً في الرجولية جعل عظام جسده ترتعد بـالرعب كلما مر طيف الأسيوطي بـمخيلته. ولكن.. وبالرغم من ثبوت براءته الطاهرة
يتصفح ماجد الأسيوطي بعض الصحف بهدوءٍ بينما يتناول طعام الإفطار، تجلس إلى جواره زوجته إلهام، وعلى الطرف الآخر من الطاولة تجلس كايلا بصمتٍ بارد، بينما تتخذ دينا مكانها بجوار والدتها، ترمقها بين الحين والآخر بنظراتٍ مترقبة. كانت نظراتٌ خفية تتبادل بين إلهام ودينا، إشارات صغيرة لا تخفى على كايلا، لكن
في الخارج، كانت أجواء المبنى أكثر خفة مما في الداخل، كأن الجدران الزجاجية لا تعكس فقط ضوء النهار، بل تخفف من حدة ما يدور خلفها من توتر. وقف "آدم" بالقرب من المدخل، ينتظرها. وما إن ظهرت "كايلا" حتى تغيّر شيء في ملامحه تلقائيًا؛ ذلك الهدوء المتزن الذي يرتديه عادةً انكسر للحظة، لتحلّ محله نظرة أعمق،
بعد وقتٍ ليس بالقليل… انفتح باب المكتب بهدوء محسوب، ودلف آدم. شاب وسيم الملامح، يحمل في خطواته مزيجًا من الوقار والراحة، كأنه الوحيد القادر على كسر الجمود الذي يملأ هذا المكان دون أن يدفع ثمنًا لذلك. تنحنح بخفة قبل أن يلقي تحية الصباح على "سادن"، بنبرة ودودة لا تشبه برودة هذا المكتب. - صباح الخي
ما بين عشيةٍ وضُحاها… وبين لحظةٍ كانت عابرة، وأخرى غيّرت مجرى العمر بأكمله… تتبدّل الأقدار في صمتٍ مهيب، كأن السماء تُعيد ترتيب القلوب دون استئذان. فذاك الذي أقسم ألّا يميل… أصبح أسير نظرة. وتلك التي كانت تُحسن الهروب من المشاعر… أغرقتها المحبة حتى آخر نبضة. العشق لا يطرق الأبواب برفق، بل ي







