Masukالبيت مرة أخرى.
ترجلت من السيارة وتوقفت أمام البوابة البيضاء المائلة للصفرة، البيت متوسط الحجم من طابقين، حديقة صغيرة تحاوطه، مرآب مُهمل بداخله سيارة قديمة تعود لزوج عمتها الأول.
أضواء خافتة تصدر من الطابق الأول، تنفست بحدة والتوتر يضرب معدتها، تقدمت حتى توقفت في الشرفة الأمامية، أخذت نفسًا عميقًا وطرقت الباب بهدوء وانتظرت، سمعت خطوات قادمة ثم سمعت مزلاج الباب يفتح ثم استدار المقبض ثم نظرة من عين عمتها البنية تتطلع إليها. تحولت من نظرة عادية نحو نظرة متفاجئة، ليس مفاجأة سعيدة ولا حزينة، فقط متفاجئ.
"مارال!" نطقت اسمها بتفاجئ.
"مرحبًا عمتي كاثرين." قالتها بابتسامة باهتة. "هل يمكنني القدوم؟"
تنهدت السيدة التي تخطت الخمسون، رغم أنها تجيد الحفاظ على شكلها لحدًا ما، ثم تنحت جانبًا سامحة لها بالعبور للداخل.
وضعت الحقيبة جانب الباب واستقبلت نبرتها المتفاجئة الاستفهامية. "أين كنتِ؟ لماذا انقطعت اتصالاتكِ وقفل هاتفكِ؟" تطلعت في وجهها وملامحها التي يبدو عليها الإجهاد والبؤس. "وماذا بحق الجحيم حدث لكِ؟"
"أعتقد أننا علينا الجلوس لأن هذا سوف يأخذ وقتًا طويلًا." قالتها بنصف ابتسامة باهتة.
أشارت لها عمتها نحو الأريكة في الغرفة المجاورة للبهو، تابعتها وجلست قبالها تحاول ترتيب ما سوف تقوله. كانت متعبة ومُجهدة وقادمة من شعور مستعمر بالخوف لذا لم تملك في عقلها سوى الحقيقة. الكذب لم يكن أبدًا من شيامها، كانت تفعل الكارثة وتكون صريحة بشأنها، والصراحة أنقذتها في كل مرة. كم كان ليكون هذا جيدًا إذا فكرت فيه حينما اقنعتها رئيستها الغبية السابقة أن تذهب بشكل متخفي لتكشف صفقات رياضية مشبوهة.
"لقد قمت بقرار خاطئ وأحمق وسيء للغاية." قالتها وتراجعت للخلف تسرد الحكاية دون تفاصيل ليس في حاجة أن يسمعها أحد. تفاصيل ليسَت واثقة بأنها يمكنها مشاركتها في الوقت الراهن أو أي وقت آخر، تفاصيل من الأفضل أن تبقي مدفونة كي تحاول أن تنساها أو تتناسها عمدًا لأنه ما مَن سبيل آخر للتعامل معها لأن هذه النوعية من الأشياء لا يمكن للمرء أن يتصالح معها أو يتقبلها، هو فقط يحاول تناسيها.
"أوه مارال.." تمتمت عمتها بجملة معلقة تبعتها بانفعال يشبهها. "أنتِ دومًا تعتقدين أنكِ سوف تصنعين أشياء عظيمة، وعلى استعداد لمطاردة ذلك إلى نهاية العالم وأنظري إلى ماذا أوصلكِ هذا!" تطلعت إليها بانزعاج لم تحدد ماهيته. "كيف أوقعتِ نفسكِ مع شخص كهذا؟"
" أنا لا أعرف كيف فعلت بنفسي ذلك". ضحكت ساخرة بقاتمة، لم تحب ردة فعلها ولكنها عمتها كما عاهدتها. "لقد اقترفت خطأ، ربما أكثر من واحد، أنا معترفة بذلك ولقد دفعت ثمن أخطائي، صدقيني لقد فعلت."
"كل ما كنتِ تريدينه هو الخروج من هنا، وأنظري كيف هذا أعادكِ مرة أخرى." مطت كاثرين شفتيها. "لقد رحلتِ دون أن تقولي أي شيء، أخذتِ حقيبتكِ والمال القليل الذي استطعتِ ادخاره ورحلتِ، وبعد أربعة سنوات عدتِ مجددًا مع حقيبتكِ."
"أجل، ساخر للغاية كم حياتي تعيسة." تهكمت مارال.
"لا تتحذلقي معي." نهرتها كاثرين بابتسامة متسلية.
"آسفة." رفعت مارال كفها في اعتذار.
"في الواقع أنا يمكنني الاستفادة من وجود أحد ما في المنزل." قالتها وهي تنظر لها، تمنحها لمحة عما حدث في غيابها. "أتعرفي أنني قد تزوجت بعد رحيلكِ بستة أشهر."
"أوه، مبروك، أنا سعيدة لأجلكِ." قالتها بتفاجئ وليس تعجب.
"وحصلت على الطلاق بعد ثمانية أشهر." قالتها بابتسامة سخيفة لمباركتها.
"أوه، آسفة، أنا حزينة لأجلكِ." قالتها وهي تحاول كتم ضحكتها.
"توقفي عن التذاكي معي." شابكت ذراعيها أمام صدرها بنظرة تحذيرية. "لم أحب ردودكِ الجاهزة المتحذلقة منذُ أن كنتِ صغيرة."
"آسفة؛ لكنكِ تقولين الخبر على قطع." دافعت عن نفسها.
هذه كاثرين بين بروس، امرأة في الخمسينيات من عمرها، ربما أكبر ولكنها لا تفصح عن ذلك، هي شخص لطيف في أغلب الأحيان، خاصًا حين يكون هناك جمهور لذلك. آتت لتعيش في كايد فيلج مع زوجها الأول، وبعد أحدي عشر عامًا مات لأسباب طبيعية، وهي علقت في المدينة ولم تستطع المغادرة. لم تعمل
من قبل أبدًا، ليست لديها هوايات سوى البوكر والجلوس أمام المسبح في الشمس، ليسَت جميلة للغاية وليست صغيرة للغاية، لذا قررت أن المدينة الصغيرة تحمل فرص أفضل لها.
حينما توفى شقيقها مع زوجته في حادث سيارة قررت أن تأخذ ابنته الوحيدة للعيش معها ولترحمها من أن تدخل نظام التبني، والمال القليل الذي تركه والدها استخدمته لأجل تكاليف تعليمها. لم تكن المرأة المثالية ولكنها كذلك لم تكن الأسوأ، كانت لطيفة ومهتمة في الحدود الطبيعية، منحتها بيت وطعام ووجود آمن، ومارال كانت طفلة ذكية فلم تطلب المزيد.
المشكلة الوحيدة كانت أنها تجعل منها السبب في كونها لم تتزوج بعد زوجها الأول، ومارال لأنها ذكية لم تخبرها بالأسباب الحقيقية لعدم عثورها على الرجل المناسب، لم تخبرها أنها مدينة صغيرة والرجال المناسبين لها بالفعل متزوجين ولديهم أسرة، والبقية القليلة يبحثون عن نوعية نساء مختلفة.
"إذا أنتِ عدتِ هنا كي تبدئين من جديد؟ من المكان الذي رحلتِ عنه دون أن تقولي أي شيء" قطعت عمتها فترة الصمت بسؤال لئيم.
"لقد عدت إلى هنا لأنها المكان الذي أعرفه." لم يعجبها التعليق لكنها منحتها الصراحة. "لقد تربيت هنا، كبرت هنا وأنهيت جامعتي هنا، أنتِ وأصدقائي وكل شخص آخر هنا، لا أعرف مكان آخر للذهاب."
"لكان شيئا جيدًا أن تخبرينا قبل رحيلكِ، أو على الأقل تستمرين في التواصل معنا." أنبتها بنظرة مباشرة.
"كل شخص يعرف أنني أردت الرحيل، البحث عن فرص أكبر ومدينة كبيرة، حياة مختلفة، ولا يهم عدد المرات التي أخبركم فيها كنتوا تحطوا من عزمي للبقاء، لذا أخذت القرار وفعلته." زفرت بإجهاد تسلل إلى كل عظمة في جسدها.
"وأنظري إلى ماذا أوصلكِ هذا!" كانت كأم تقرع طفلها لأنه لم يسمع ما قالته، وأكتشف لاحقًا أنها على حق.
"أجل لقد كنتُ صغيرة وحمقاء وبلا تجارب أو خبرة واصطدمت بالحياة في المدينة الكبيرة، ودخلت في مغامرة لم يكن علىَّ الدخول فيها وقد تحولت بالسوء علىَّ." هزت رأسها، ضغطت بأصبعيها فوق جبهتها ورفعت عينيها نحوها. "وكنت لأحب أن أظل على تواصل معكِ ومع أًصدقائي، لكن كما أخبرتكِ لم أستطيع لأنني لم أكن أرغب في أن يعرف أي شيء عني أو أن أورط أي شخص فيما أوقعت نفسي فيه، حتى قابلت ماريان وقررت مساعدتي وها أنا ذا تركت كل شيء وعدت للمكان الذي رحلت عنه مع حقيبة بها ثياب لا تخصني."
"حسنًا مارال، غرفتكِ لازلت كما هي، نظيفة ومرتبة كالعادة، اصعدي للأعلى وأفرغي حقيبة الثياب التي لا تخصكِ، خذي حمامًا وأنا سوف أتابع تحضير طعام العشاء ويمكننا متابعة حديثنا." نهضت كاثرين معلنة قبولها من جديد في منزلها.
"أشكركِ عمتي، أنا حقًا أقدر ذلك." تابعت نهوضها بابتسامة صغيرة مجهدة.
اتجهت مارال نحو الدرج بينما ذهبت عمتها إلى حيث المطبخ. صعدت للطابق الثاني والوحيد، واتجهت للغرفة الثالثة التي تعرفها جيدًا جدًا. عندما دخلت الغرفة شعرت كأنها عادت كما رحلت، كما لو أن السنوات الأربعة كانوا يوم، وهذا جعلها تشعر البؤس أكثر.
تجولت بعينيها في الغرفة، الفراش الذي يتوسطها وخزانة الثياب، بجانبها المرآة المزينة بإطار أبيض، مكتبها في الجهة الأخرى وخلفه مكتبة بطول الحائط وعرض متوسط، والمقعد الكبير الإسفنجي بجانب النافذة. هي عاشت هنا وعادت هنا.
أفرغت الأشياء القليلة من الحقيبة في الخزانة التي لازلت تحوي بعض ثيابها القديمة، أخرجت منامة قطنية زرقاء وخرجت من الغرفة نحو الحمام في نهاية الطابق. أخذت حمامًا سريعًا وتنفست الصعداء، يمكنها التعامل مع أي شيء طالما هي ليسِت في هذا المنزل.
عادت للغرفة ومشطت شعرها المُبتل، ثم انضمت لعمتها في المطبخ. جلست معها على الطاولة المستديرة الصغيرة. أمامها طبق من السباجتي وكرات اللحم، وتذكرت أمامه أنها لم تأكل شيئا طوال اليوم ولا في اليوم السابق لذا تناولته بجوع.
"هذا لذيذ جدًا." قالت وهي تشير بالشوكة للطبق.
"تبدين جائعة للغاية، ألم تأكلي شيئا طوال اليوم؟" سألتها وهي تنظر إليها.
"ربما يومين ونصف." قالتها ببساطة. "كنتُ قلقة ومضطربة ولم أستطع الأكل، فقط شربت الماء وعلبة عصير في القطار."
"لا أصدق الوضع التي وضعتي نفسكِ فيه." كررت بذات التبكَيتْ.
أدارت عينيها بسأم. "أخبريني عمتي ما الجديد في المدينة؟ ماذا حدث لأصدقائي؟" رفعت عينيها نحوها في محاولة لتغير الموضوع. "لقد سمعت أن جوان تزوجت."
"أجل تزوجت بيتر ابن السيدة إستيرد، أصبح يملك مصنع والده لإنتاج قطع غيار السيارات." وجدت نفسها تنساق معها في الحديث، الناس في المدن الصغيرة لا تقاوم الثرثرة، المدينة بأكملها مبنية عليها. "سوف تسعد بعودتكِ ولقائكِ."
"أنا أيضًا، سوف أحاول أن أقابلها غدًا بالتأكيد." أكدت مارال رغبتها في لقاء صديقتها.
"ولوانا تزوجت جراح وانتقلت معه إلى إنجلترا." تابعت عمتها تناول أخبار صديقاتها.
"فتاة محظوظة." علقت بنصف ضحكة.
"سوزانا تزوجت كريج كابتن الفريق ابن السيد ديفيد كابتن المدرسة، كريج يعمل الآن في المبيعات، وميلوني أصبحت مدرسة علوم في المدرسة الإعدادية لكن جان تركها ورحل عن المدينة." تابعت عمتها الثرثرة عن أحوال أصدقائها. "كارين تعمل في مكتبة البلدة العامة الآن، شقيقها منعزل للغاية ولا يتحدث مع أحد وليس لديه أصدقاء، لوانا تزوجت من ابن شريك أبيها وهو طبيعي في العائلات الغنية."
شردت للحظة بين حديثها، لم تهتم بأخبار هؤلاء، كان في عقلها شخص آخر حينما سألت، ولم تستطع الالتفاف حول الأمر. "وماذا عن هاري؟"
توقفت عمتها عن الثرثرة، نظرت لعينيها بصمت ثم همست ببطء. "هاري." نهضت عن مقعدها حاملة طبقها، استدارت نحو المغسلة. "أصبح الآن يدير كافة أعمال والده، وهو يقوم بعمل جيد للغاية، لقد جعل المؤسسة أكبر، بني أكثر من مصنع لصناعة وتعليب وتصدير منتجات مزارعهم، وأيضًا مصانع لتصنيع آلات زراعية وميكانيكية، هو يملك السوق هنا وفي أماكن أخرى، وحتى أنه أشترى شركة تكنولوجيا صغيرة."
"وهو فعل كل هذا من هنا، من هذه المدينة." نهضت بدورها تحمل طبقها إلى المغسلة، كان فارغ لأنها التهمته كله.
"بالنسبة لكِ هذه مدينة صغيرة مع فرص محدودة، ولكن له قصة أخرى." أخذت منها الطبق في بادرة لطيفة. "عائلته واحدة من الثلاث عائلات التي أسست المدينة، وهي أكبرهم وأغنهم، هو حرفيًا يملك المدينة أو على الأقل نصفها من ممتلكاته."
استندت على حافة الرخام تدير عينيها في تبرم. "أجل أعلم، السيدة هيلين كانت تقول لي هذا كل مرة تراني فيها مع ابنها منذُ أن كنا أطفالًا."
"لا يزال يعيش في قصر عائلته مع أمه." قالت كاثرين ضاحكة.
"بالطبع." تهكمت بابتسامة ساخرة.
"ولا يزال وسيم كالجَحِيم، ومعظم فتيات المدينة يحاولون لفت انتباهه، وكان لديه بعض فتيات وربما أحدهن علاقة جدية." قالت كاثرين قاصدة بنظرة جانبية خبيثة.
ابتلعت لعابها واختفي المزاح والتهكم من صوتها، لا يمكنها تخيل ذلك، لم تكن تسأل لتعرف هذا. لم تستطع التقدم أكثر في رغبتها بأن تعرف أخباره، لا يمكنها التعامل مع ذلك.
"هل لازلتِ تفكرين في هاري؟" جابهتها دون مواربة بنظرة من طرف عينيها.
"شكرًا على العشاء عمتي." استقامت متجنبة قول أي إجابة على سؤالها. "ولكنني متعبة جدًا وأحتاج للنوم، ربما يمكننا متابعة الحديث في وقت أخر."
"إذا ليلة سعيدة." جففت يدها واستدارت بنظرة ثاقبة لها كأنها تكشف ما في عقلها.
هزت رأسها وتمتمت بالمثل، ورحلت من أمامها قبل أن تقول أي شيء أخر يجعلها عاجزة عن النوم، وهي تحتاج كثيرًا لليلة نوم في فراش آمنة بعيدة عن أنفاسه القذرة ورائحته التي تبغضها.
لكنها لم تستطيع منع إجابة السؤال من أن تتدفق في عقلها؛ هي لم تعد تفكر في هاري لأنه لم يغادر عقلها من الأصل، لم تنسى أي شيء، فمَن يمكنه نسيان الشخص الوحيد الذي يشعره بالأمان، هذا النوع من الأشخاص لا تنساهم أبدًا.
التفتت آن لتغادر، لكن كلماتها تركت في الهواء هدوءًا مخيفًا. كانت هيلين تراقب ظهرها وهي تبتعد، وتفكر بتمعن في هذه الفتاة الشابة التي تظن أنها تستطيع السيطرة على كل شيء. بالنسبة لهيلين، كانت آن خيارًا ممتازًا وأمن؛ لأنها كانت تعرف أن هاري لا يحبها، بل يتخذها كشريكة عملية يعوض بها غياب مارال. هيلين كانت سعيدة بهذا البرود؛ لأن المرأة التي لا تمتلك قلب ابنها لن تستطيع أبدًا أن تبعده عن أمه. آن كانت المناسبة تمامًا لأنها لم تكن منافسة عاطفية، بل مجرد واجهة اجتماعية ممتازة لشركات العائلة، وامرأة جميلة مع ابنها. لكن ما لم تكن هيلين تدركه بالكامل، هو ما كان يدور في عقل آن سيجال في تلك اللحظة بالذات. بينما كانت آن تمشي مبتعدة في الرواق، كان عقلها القيادي، الذي صقلته دراستها في هارفارد، يعمل كآلة حاسبة دقيقة. آن لم تكن غبية؛ كانت تفهم تمامًا نظرات هيلين، وتفهم سبب رغبتها العارمة في إتمام هذا الزواج، كانت تقرأ أنانية هيلين وحب التملك الخانق الذي تمارسه على هاري ككتاب مفتوح. كانت تعلم أن هيلين تفضلها هي لأنها مناسبة، ولأنها تظن أنها لن تجهل هاري يرحل ويتركها. "تظنين أنكِ ذكية
تفرست في وجوهن لنصف دقيقة قبل تضيف. "لكنها مجرد شبح من الماضي يا ماريان، وشبح الماضي لا يملك أثر، ولا صوت، في الحاضر الذي نصنعه بأيدينا اليوم، فقط مجموعة من الذكريات، هاري يعرف تمامًا أين تقع مسؤولياته تجاه عائلته وتجاه المدينة والعمل وحبيبته، ويعرف ما تعنيه التقاليد والوعود التي قطعناها لعائلة سيجال." صمتت هيلين للحظة، تركت كلماتها تستقر في عقولهن، ثم تابعت وعيناها تدوران على كل سيدة جالسة بتهديد مبطن ومباشر في آن واحد: "كايد فيلج بنيت على أسس متينة من الالتزام والصورة المشرفة، والنسيج الذي يربط عائلاتنا الأربع أقوى من أن تهزه أو تبعثره عودة عابرة لشخص لم يكن يومًا جزءًا من هذا النسيج، ولن يكون، لن أسمح لأي شائعة، أو لأي شخص كائنًا من كان، أن يهدد الاستقرار العائلي الذي حاربنا طويلًا للحفاظ عليه بعد وفاة زوجي.. لن يحدث هذا أبدًا ما دمت أتنفس." تبادلت السيدات نظرات سريعة ومرتبكة، وهززن رؤوسهن بالموافقة السريعة تحاشيًا غضب هيلين وتأكيدًا على كلام "السيدة الأولى" للمدينة، التي تجمعها بمارال تاريخ قبيح، ليس لأنها تمردت عليها، ولكن لأنها لم تمنح أي من ذلك اعتبار، بل جابهتها كأنها امرأة
تجلس السيدات في الشرفة الزجاجية الفسيحة للنادي الريفي لمدينة "كايد فيلج"، حيث تطل الطاولات ذات المفارش البيضاء الناصعة على ملاعب الغولف الممتدة خلف الزجاج المصقول. من يرى المشهد من بعيد، عبر تلك الواجهة الزجاجية الضخمة، يظنها لوحة كلاسيكية من خمسينيات القرن الماضي؛ شمس صباحية دافئة تلعق حواف الكؤوس الكريستالية، طقس مثالي، وضحكات خافتة تتطاير في الهواء كفقاعات الصابون. لكن خلف هذا النقاء الظاهري، وفي العمق من هذا المجتمع الصغير المعزول، كانت تدور طاحونة خفية من النميمة والحرب الباردة. طاحونة لا تصدر صوتًا، لكنها تطحن السمعة، والتاريخ، والعلاقات، وتجبر الجميع على ارتداء قناع مثالي مشوه ليناسب الصورة التي رسمها الأجداد للمدينة. ترأست "هيلين إدوارد" الطاولة بجسدها الرشيق الذي تحدى سنواتها الخمسة والخمسين بضراوة ناتج نظام شديد الصرامة. كانت ترتدي فستانًا من الحرير الأخضر الداكن، يلتف حول قوامها بعناية فائقة، ويتماشى بدقة مع خضرة عينيها القاتمتين اللتين تحرسان كل شاردة وواردة في المكان. لم تكن هناك خصلة شعر واحدة في غير مكانها؛ فاللون الذهبي لشعرها مصبوغ بعناية دورية صارمة تعكس هوسها
لكنها تعلم بوجود شقيقة لإيثان، في الماضي القريب كانت محض ثرثرة تسمعها، هوية مجهولة لشقيقة لا تعيش في أمريكا من الأساس، ولكنها التقت به في أحدى عطلاته التي لم تستطيع مرافقته إليها بفضل أمه أولًا ثم كرامتها تاليًا، وحينها أعجبها، اللطف أحيانا يفسر على إنه هوى أو بداية على الأقل، وحاولت ولكن هاري مخلص، قديس في زمن لا يحيا فيه سوى الخائنون أرباب الشياطين، ثرثرة في هيئة مزحة عن رفضه للمرأة التي لا ترفض رغم رغبتها الواضحة، وعلى ما يبدو كسبت في النهاية. دفعت شعرها خلف كتفها بحركة مستعرضة، سارت تجاهها وكعب حذائها يطرق الأرضية بنغمة منخفضة. “عندما قرر هاري أن يعثر لكِ على عمل، عرضت عليه وكالة إيثان لأنه في حاجة لشخص يستطيع العمل وأقنعته بذلك." عبرت لتجلس فوق رأس طاولة الاجتماعات المستديرة، في منتصفها بالضبط تعلن السيطرة، حركت الأخرى رأسها. "أنتِ مقنعة جيدة." استدارت لتواجهها، تضع كفيها فوق العقد التي فقدت الرغبة في توقيعه، لكنها لا تستطيع العودة، لا يمكنها أن تنهزم أمامها بهذه الطريقة المُهينة، هي عليها أن تعمل لدي شقيقها، لقد أحضرتها هنا لهذا العرض، وهي سوف تمنحه لها. "كل امرأة لديها طُ
عبرت إلى المكتب ببطء، المكتب ضخم وأنيق وعصري ويدل على الثراء، هذه هي نوعية الناس الذي يعرفهم هاري، لكن الشخص التي رأته كانت تعرفه، لذا رفعت رأسها ودلفت للحجرة وابتسامة كبيرة ممتلئة بالتعجب على محياها. "إيثان!" نهض ضاحكًا يبسط يده مرحبًا بها بابتسامة، كان طويل للغاية وهي تتذكره بهذا الطول، كان أكثر ما يميزه مع عينيه الخضراء. "صباح الخير مارال.. مرحبًا بعودتكِ." التقطت أنامله الممدود في مصافحة بسيطة، ابتسمت وهي تجلس حيث يشير لها. “لقد مر وقت طويل منذ أن رأيتكِ أخر مرة." هزت رأسها بابتسامة مجاملة، هزت كتفيها بلا معني وهي تتذكر إيثان أحد أصدقاء هاري المقربين رغم أنه يكبره بخمسة سنوات، لقد التقت به مررًا مع هاري في الحفلات وعلى الشاطئ، كان يدرس في لندن لسنوات وكان يعمل في نيويورك لفترة قبل أن يقرر العودة نحو كايد فليج، ليس لأنه يحبها بل لأنه قد خسر المال الذي أعطاه له والده ليبدأ مشروعه، وقد شرط عليه أن يأتي للعمل في المدينة تحت عيناه كي يمنحه المزيد، وعلى ما يبدو قد عاد بفكرة الوكالة الصحافية في مؤسسة والده التي تملك المبني. "أعتقد مدى دهشتك أن هاري لم يخبرك أن العمل معي." هزت
أنت فقط تعود وكل الفوضى تحدث. استيقظت مبكرًا جدًا عُقب ليلة لم تنال فيها النوم إلا متقطعًا، الأمس كان يوم سيء للغاية لدرجة أنها اقتصته من منتصفه واختبأت في غرفتها حتى شمس اليوم التالي. كل شيء كان فوضوي بشكل مربك حتى أنها لم تحصل على الوقت الكافي لإعادة تأهيل نفسها، كانت لفترة طويلة في جحيم ولم يمهلها أحد الفرصة لترميم ذاتها ولملمة شتات نفسها. لم تصدق كيف لهذه المدينة الصغيرة أن تكون غارقة في تعاستها لهذا الحد، الجميع يدور في دائرة دون أن يحطمها، كأنهم ضحايا لعنة ما ألقيت في زمان غابر ولم يعد أحد يهتم لكسرها. لم تحب أبدًا ما حدث مع جوان بالأمس، لم تحب موضع الخائنة ولا مساواتها بها لرغبة سوداء طفت على سطح لسانها في أن تتساوى بها.حسنًا؛ كل شخص لديه خطاياه وأخطائه. لم تحاسبها أبدًا حتى أنها في بعض الأحيان توقفت عن نُصحها، ليس لأنها لا تهتم بها ولكن كي لا تخدشها بحديثها، كي لا تترفع عنها بالأفضلية، طالما ساعدتها دون أن تتحدث، لأجلها احتملت الشجارات مع عائلتها وذهبت إلى أماكن معها لَمَ تتصور أبدًا أن تذهب إليها، لقد ساعدتها لتتخلص من طفلين حينما كان أصغر من يتعاملا مع الأمر، حينما كان







