Masukالبيت مرة أخرى.
ترجلت من السيارة وتوقفت أمام البوابة البيضاء المائلة للصفرة، البيت متوسط الحجم من طابقين، حديقة صغيرة تحاوطه، مرآب مُهمل بداخله سيارة قديمة تعود لزوج عمتها الأول.
أضواء خافتة تصدر من الطابق الأول، تنفست بحدة والتوتر يضرب معدتها، تقدمت حتى توقفت في الشرفة الأمامية، أخذت نفسًا عميقًا وطرقت الباب بهدوء وانتظرت، سمعت خطوات قادمة ثم سمعت مزلاج الباب يفتح ثم استدار المقبض ثم نظرة من عين عمتها البنية تتطلع إليها. تحولت من نظرة عادية نحو نظرة متفاجئة، ليس مفاجأة سعيدة ولا حزينة، فقط متفاجئ.
"مارال!" نطقت اسمها بتفاجئ.
"مرحبًا عمتي كاثرين." قالتها بابتسامة باهتة. "هل يمكنني القدوم؟"
تنهدت السيدة التي تخطت الخمسون، رغم أنها تجيد الحفاظ على شكلها لحدًا ما، ثم تنحت جانبًا سامحة لها بالعبور للداخل.
وضعت الحقيبة جانب الباب واستقبلت نبرتها المتفاجئة الاستفهامية. "أين كنتِ؟ لماذا انقطعت اتصالاتكِ وقفل هاتفكِ؟" تطلعت في وجهها وملامحها التي يبدو عليها الإجهاد والبؤس. "وماذا بحق الجحيم حدث لكِ؟"
"أعتقد أننا علينا الجلوس لأن هذا سوف يأخذ وقتًا طويلًا." قالتها بنصف ابتسامة باهتة.
أشارت لها عمتها نحو الأريكة في الغرفة المجاورة للبهو، تابعتها وجلست قبالها تحاول ترتيب ما سوف تقوله. كانت متعبة ومُجهدة وقادمة من شعور مستعمر بالخوف لذا لم تملك في عقلها سوى الحقيقة. الكذب لم يكن أبدًا من شيامها، كانت تفعل الكارثة وتكون صريحة بشأنها، والصراحة أنقذتها في كل مرة. كم كان ليكون هذا جيدًا إذا فكرت فيه حينما اقنعتها رئيستها الغبية السابقة أن تذهب بشكل متخفي لتكشف صفقات رياضية مشبوهة.
"لقد قمت بقرار خاطئ وأحمق وسيء للغاية." قالتها وتراجعت للخلف تسرد الحكاية دون تفاصيل ليس في حاجة أن يسمعها أحد. تفاصيل ليسَت واثقة بأنها يمكنها مشاركتها في الوقت الراهن أو أي وقت آخر، تفاصيل من الأفضل أن تبقي مدفونة كي تحاول أن تنساها أو تتناسها عمدًا لأنه ما مَن سبيل آخر للتعامل معها لأن هذه النوعية من الأشياء لا يمكن للمرء أن يتصالح معها أو يتقبلها، هو فقط يحاول تناسيها.
"أوه مارال.." تمتمت عمتها بجملة معلقة تبعتها بانفعال يشبهها. "أنتِ دومًا تعتقدين أنكِ سوف تصنعين أشياء عظيمة، وعلى استعداد لمطاردة ذلك إلى نهاية العالم وأنظري إلى ماذا أوصلكِ هذا!" تطلعت إليها بانزعاج لم تحدد ماهيته. "كيف أوقعتِ نفسكِ مع شخص كهذا؟"
" أنا لا أعرف كيف فعلت بنفسي ذلك". ضحكت ساخرة بقاتمة، لم تحب ردة فعلها ولكنها عمتها كما عاهدتها. "لقد اقترفت خطأ، ربما أكثر من واحد، أنا معترفة بذلك ولقد دفعت ثمن أخطائي، صدقيني لقد فعلت."
"كل ما كنتِ تريدينه هو الخروج من هنا، وأنظري كيف هذا أعادكِ مرة أخرى." مطت كاثرين شفتيها. "لقد رحلتِ دون أن تقولي أي شيء، أخذتِ حقيبتكِ والمال القليل الذي استطعتِ ادخاره ورحلتِ، وبعد أربعة سنوات عدتِ مجددًا مع حقيبتكِ."
"أجل، ساخر للغاية كم حياتي تعيسة." تهكمت مارال.
"لا تتحذلقي معي." نهرتها كاثرين بابتسامة متسلية.
"آسفة." رفعت مارال كفها في اعتذار.
"في الواقع أنا يمكنني الاستفادة من وجود أحد ما في المنزل." قالتها وهي تنظر لها، تمنحها لمحة عما حدث في غيابها. "أتعرفي أنني قد تزوجت بعد رحيلكِ بستة أشهر."
"أوه، مبروك، أنا سعيدة لأجلكِ." قالتها بتفاجئ وليس تعجب.
"وحصلت على الطلاق بعد ثمانية أشهر." قالتها بابتسامة سخيفة لمباركتها.
"أوه، آسفة، أنا حزينة لأجلكِ." قالتها وهي تحاول كتم ضحكتها.
"توقفي عن التذاكي معي." شابكت ذراعيها أمام صدرها بنظرة تحذيرية. "لم أحب ردودكِ الجاهزة المتحذلقة منذُ أن كنتِ صغيرة."
"آسفة؛ لكنكِ تقولين الخبر على قطع." دافعت عن نفسها.
هذه كاثرين بين بروس، امرأة في الخمسينيات من عمرها، ربما أكبر ولكنها لا تفصح عن ذلك، هي شخص لطيف في أغلب الأحيان، خاصًا حين يكون هناك جمهور لذلك. آتت لتعيش في كايد فيلج مع زوجها الأول، وبعد أحدي عشر عامًا مات لأسباب طبيعية، وهي علقت في المدينة ولم تستطع المغادرة. لم تعمل
من قبل أبدًا، ليست لديها هوايات سوى البوكر والجلوس أمام المسبح في الشمس، ليسَت جميلة للغاية وليست صغيرة للغاية، لذا قررت أن المدينة الصغيرة تحمل فرص أفضل لها.
حينما توفى شقيقها مع زوجته في حادث سيارة قررت أن تأخذ ابنته الوحيدة للعيش معها ولترحمها من أن تدخل نظام التبني، والمال القليل الذي تركه والدها استخدمته لأجل تكاليف تعليمها. لم تكن المرأة المثالية ولكنها كذلك لم تكن الأسوأ، كانت لطيفة ومهتمة في الحدود الطبيعية، منحتها بيت وطعام ووجود آمن، ومارال كانت طفلة ذكية فلم تطلب المزيد.
المشكلة الوحيدة كانت أنها تجعل منها السبب في كونها لم تتزوج بعد زوجها الأول، ومارال لأنها ذكية لم تخبرها بالأسباب الحقيقية لعدم عثورها على الرجل المناسب، لم تخبرها أنها مدينة صغيرة والرجال المناسبين لها بالفعل متزوجين ولديهم أسرة، والبقية القليلة يبحثون عن نوعية نساء مختلفة.
"إذا أنتِ عدتِ هنا كي تبدئين من جديد؟ من المكان الذي رحلتِ عنه دون أن تقولي أي شيء" قطعت عمتها فترة الصمت بسؤال لئيم.
"لقد عدت إلى هنا لأنها المكان الذي أعرفه." لم يعجبها التعليق لكنها منحتها الصراحة. "لقد تربيت هنا، كبرت هنا وأنهيت جامعتي هنا، أنتِ وأصدقائي وكل شخص آخر هنا، لا أعرف مكان آخر للذهاب."
"لكان شيئا جيدًا أن تخبرينا قبل رحيلكِ، أو على الأقل تستمرين في التواصل معنا." أنبتها بنظرة مباشرة.
"كل شخص يعرف أنني أردت الرحيل، البحث عن فرص أكبر ومدينة كبيرة، حياة مختلفة، ولا يهم عدد المرات التي أخبركم فيها كنتوا تحطوا من عزمي للبقاء، لذا أخذت القرار وفعلته." زفرت بإجهاد تسلل إلى كل عظمة في جسدها.
"وأنظري إلى ماذا أوصلكِ هذا!" كانت كأم تقرع طفلها لأنه لم يسمع ما قالته، وأكتشف لاحقًا أنها على حق.
"أجل لقد كنتُ صغيرة وحمقاء وبلا تجارب أو خبرة واصطدمت بالحياة في المدينة الكبيرة، ودخلت في مغامرة لم يكن علىَّ الدخول فيها وقد تحولت بالسوء علىَّ." هزت رأسها، ضغطت بأصبعيها فوق جبهتها ورفعت عينيها نحوها. "وكنت لأحب أن أظل على تواصل معكِ ومع أًصدقائي، لكن كما أخبرتكِ لم أستطيع لأنني لم أكن أرغب في أن يعرف أي شيء عني أو أن أورط أي شخص فيما أوقعت نفسي فيه، حتى قابلت ماريان وقررت مساعدتي وها أنا ذا تركت كل شيء وعدت للمكان الذي رحلت عنه مع حقيبة بها ثياب لا تخصني."
"حسنًا مارال، غرفتكِ لازلت كما هي، نظيفة ومرتبة كالعادة، اصعدي للأعلى وأفرغي حقيبة الثياب التي لا تخصكِ، خذي حمامًا وأنا سوف أتابع تحضير طعام العشاء ويمكننا متابعة حديثنا." نهضت كاثرين معلنة قبولها من جديد في منزلها.
"أشكركِ عمتي، أنا حقًا أقدر ذلك." تابعت نهوضها بابتسامة صغيرة مجهدة.
اتجهت مارال نحو الدرج بينما ذهبت عمتها إلى حيث المطبخ. صعدت للطابق الثاني والوحيد، واتجهت للغرفة الثالثة التي تعرفها جيدًا جدًا. عندما دخلت الغرفة شعرت كأنها عادت كما رحلت، كما لو أن السنوات الأربعة كانوا يوم، وهذا جعلها تشعر البؤس أكثر.
تجولت بعينيها في الغرفة، الفراش الذي يتوسطها وخزانة الثياب، بجانبها المرآة المزينة بإطار أبيض، مكتبها في الجهة الأخرى وخلفه مكتبة بطول الحائط وعرض متوسط، والمقعد الكبير الإسفنجي بجانب النافذة. هي عاشت هنا وعادت هنا.
أفرغت الأشياء القليلة من الحقيبة في الخزانة التي لازلت تحوي بعض ثيابها القديمة، أخرجت منامة قطنية زرقاء وخرجت من الغرفة نحو الحمام في نهاية الطابق. أخذت حمامًا سريعًا وتنفست الصعداء، يمكنها التعامل مع أي شيء طالما هي ليسِت في هذا المنزل.
عادت للغرفة ومشطت شعرها المُبتل، ثم انضمت لعمتها في المطبخ. جلست معها على الطاولة المستديرة الصغيرة. أمامها طبق من السباجتي وكرات اللحم، وتذكرت أمامه أنها لم تأكل شيئا طوال اليوم ولا في اليوم السابق لذا تناولته بجوع.
"هذا لذيذ جدًا." قالت وهي تشير بالشوكة للطبق.
"تبدين جائعة للغاية، ألم تأكلي شيئا طوال اليوم؟" سألتها وهي تنظر إليها.
"ربما يومين ونصف." قالتها ببساطة. "كنتُ قلقة ومضطربة ولم أستطع الأكل، فقط شربت الماء وعلبة عصير في القطار."
"لا أصدق الوضع التي وضعتي نفسكِ فيه." كررت بذات التبكَيتْ.
أدارت عينيها بسأم. "أخبريني عمتي ما الجديد في المدينة؟ ماذا حدث لأصدقائي؟" رفعت عينيها نحوها في محاولة لتغير الموضوع. "لقد سمعت أن جوان تزوجت."
"أجل تزوجت بيتر ابن السيدة إستيرد، أصبح يملك مصنع والده لإنتاج قطع غيار السيارات." وجدت نفسها تنساق معها في الحديث، الناس في المدن الصغيرة لا تقاوم الثرثرة، المدينة بأكملها مبنية عليها. "سوف تسعد بعودتكِ ولقائكِ."
"أنا أيضًا، سوف أحاول أن أقابلها غدًا بالتأكيد." أكدت مارال رغبتها في لقاء صديقتها.
"ولوانا تزوجت جراح وانتقلت معه إلى إنجلترا." تابعت عمتها تناول أخبار صديقاتها.
"فتاة محظوظة." علقت بنصف ضحكة.
"سوزانا تزوجت كريج كابتن الفريق ابن السيد ديفيد كابتن المدرسة، كريج يعمل الآن في المبيعات، وميلوني أصبحت مدرسة علوم في المدرسة الإعدادية لكن جان تركها ورحل عن المدينة." تابعت عمتها الثرثرة عن أحوال أصدقائها. "كارين تعمل في مكتبة البلدة العامة الآن، شقيقها منعزل للغاية ولا يتحدث مع أحد وليس لديه أصدقاء، لوانا تزوجت من ابن شريك أبيها وهو طبيعي في العائلات الغنية."
شردت للحظة بين حديثها، لم تهتم بأخبار هؤلاء، كان في عقلها شخص آخر حينما سألت، ولم تستطع الالتفاف حول الأمر. "وماذا عن هاري؟"
توقفت عمتها عن الثرثرة، نظرت لعينيها بصمت ثم همست ببطء. "هاري." نهضت عن مقعدها حاملة طبقها، استدارت نحو المغسلة. "أصبح الآن يدير كافة أعمال والده، وهو يقوم بعمل جيد للغاية، لقد جعل المؤسسة أكبر، بني أكثر من مصنع لصناعة وتعليب وتصدير منتجات مزارعهم، وأيضًا مصانع لتصنيع آلات زراعية وميكانيكية، هو يملك السوق هنا وفي أماكن أخرى، وحتى أنه أشترى شركة تكنولوجيا صغيرة."
"وهو فعل كل هذا من هنا، من هذه المدينة." نهضت بدورها تحمل طبقها إلى المغسلة، كان فارغ لأنها التهمته كله.
"بالنسبة لكِ هذه مدينة صغيرة مع فرص محدودة، ولكن له قصة أخرى." أخذت منها الطبق في بادرة لطيفة. "عائلته واحدة من الثلاث عائلات التي أسست المدينة، وهي أكبرهم وأغنهم، هو حرفيًا يملك المدينة أو على الأقل نصفها من ممتلكاته."
استندت على حافة الرخام تدير عينيها في تبرم. "أجل أعلم، السيدة هيلين كانت تقول لي هذا كل مرة تراني فيها مع ابنها منذُ أن كنا أطفالًا."
"لا يزال يعيش في قصر عائلته مع أمه." قالت كاثرين ضاحكة.
"بالطبع." تهكمت بابتسامة ساخرة.
"ولا يزال وسيم كالجَحِيم، ومعظم فتيات المدينة يحاولون لفت انتباهه، وكان لديه بعض فتيات وربما أحدهن علاقة جدية." قالت كاثرين قاصدة بنظرة جانبية خبيثة.
ابتلعت لعابها واختفي المزاح والتهكم من صوتها، لا يمكنها تخيل ذلك، لم تكن تسأل لتعرف هذا. لم تستطع التقدم أكثر في رغبتها بأن تعرف أخباره، لا يمكنها التعامل مع ذلك.
"هل لازلتِ تفكرين في هاري؟" جابهتها دون مواربة بنظرة من طرف عينيها.
"شكرًا على العشاء عمتي." استقامت متجنبة قول أي إجابة على سؤالها. "ولكنني متعبة جدًا وأحتاج للنوم، ربما يمكننا متابعة الحديث في وقت أخر."
"إذا ليلة سعيدة." جففت يدها واستدارت بنظرة ثاقبة لها كأنها تكشف ما في عقلها.
هزت رأسها وتمتمت بالمثل، ورحلت من أمامها قبل أن تقول أي شيء أخر يجعلها عاجزة عن النوم، وهي تحتاج كثيرًا لليلة نوم في فراش آمنة بعيدة عن أنفاسه القذرة ورائحته التي تبغضها.
لكنها لم تستطيع منع إجابة السؤال من أن تتدفق في عقلها؛ هي لم تعد تفكر في هاري لأنه لم يغادر عقلها من الأصل، لم تنسى أي شيء، فمَن يمكنه نسيان الشخص الوحيد الذي يشعره بالأمان، هذا النوع من الأشخاص لا تنساهم أبدًا.
غادت الغرفة ودون أن تلقى نظرة فوق الآخر الذي يقف ممتلئ بجحيمه الخاص أمام غرفة زوجته التي أجهضت طفل لا يخص لأنه لا يمكن أن يكون أب، وتركت كفها لهاري يقودها إلى خارج هذه المدينة كلها. قطعت الأوصال رحلة نجاة طويلة من طبقات جحيم دانتي السبعة. قصص هذه المدينة قبيحة، متشابكة بين ماضي وحاضر وأكاذيب وأسرار في المنتصف، حين تعلق فيها لن تتركك حتى تحتبرك في طبقات الجحيم، والفوز هو النجاة منها. سوف يتركان كل شيء في هذه المدينة، سوف يرحلان معًا كما تمني كلاهما حينما رأي بعضهما لأول مرة. لقد رأي كلاهما وجه الحياة القبيح، والآن ينتظران بحماس طفولي وجهها المشرق. -- "ألن تسأليني إلى أين نحن نذهب؟" داعبها هاري بمزاح وهو يقود سيارته بثبات على الطريق العام، حيث تمتد جانبهما الصحاري الصفراء اللا متناهية تحت أشعة الشمس الدافئة. كانت هي تتضجع فوق نافذة السيارة، تسند رأسها الثقيل فوق ذراعيها وتنظر نحو الفراغ الممتد في الأفق. كان يعلم جيدًا أن الأحداث الأخيرة والأمسية الثقيلة في تلك المدينة كانت حملاً كئيبًا على قلبها، لكنه أخذ على نفسه عهدًا ألا يسمح لأي شخص، أو ذكريات، أو حوادث من هذه الم
لم يجيب أسئلتها عن سبب قدومهما، فقد قادها نحو الطابق التاسع منها، أخرج مفتاح ودخل الشقة، أفسح لها فعبرت ممتلئة بالحيرة، نظرت حولها ثم استدارت نحوه حينما أغلق الباب. "هل استعرت مفتاح الشقة من أحد أصدقائك لتنفرد بي؟" ضحك عاليًا وقفز خطوة تجاهها. "ماذا؟ ماذا تفكرين بي؟ ثم استطيع شراء شقة بدلًا من استعارتها." ضحكت وهي تهز كتفيها تسأله. "أجل أنت ثري، إذا ما هذه الشقة؟" تنهد واقترب منها خطوة بخطوة. "لقد اشتريتها قبل رحيلكِ بيوم واحد، كنت أريد أن تكون هذه شقتنا، لكن بعد رحيلك كنت آتي هنا كثيرًا وحدي، كان هذا المكان الوحيد الذي يمكنني احتمال الحياة فيه لأنني أتخيلك هنا ومئات المواقف التي كانت من الممكن أن تجمعنا." “إذا أعتقدت أننا يمكننا التسلل والعيش هنا ساعتين كل يوم في خيال ما ثم نعود للحجيم." “كنت ممزق وقتها لكنني أعلم أنني أريدك." كانت أنفاسها مٌعلقة مع كلماته، حينما انتهى أفرغتها ببطء، كانت غبية وما فعلت لم يقدم لهما سوى الألم. "أنا أسفة, إذا استمعنا لبعضنا حقًا." وضع أنامله فوق شفتيها المرتعشة. "لا، لقد أتيت بكِ هنا كي أخبركِ أن هذا سيكون بيتنا حينما نعود للزيارة هنا،
انتظرها أمام سيارته ذات الدفع الرُباعي، لقد ترك السيارة الأخرى في جراج البيت وأخذ السيارة التي يفضلها والتي لم تنُاسب المدينة الصغيرة، ولم تناسب رئيس مجلس إدارة شركة ترافقه آن سيجال، وحتى وإن كان ما بينهم ليس علاقة حقيقية، أمَا هذه السيارة تمثل شخصيته التي لم يسمح لها بالظهور، تلك السيارة من المال الذي يملكه هو نتاج عمله لسنوات وليس مال أبيه الذي هو يخص أمه في الأساس. وصندوقه القادم من مكتب والده الذي جلس فيه بعده، ينتظرها أمام بيت عمتها تمامًا كأيام المدرسة والتي كانا فيها سعيدان بالفعل، يعتقد السبب أن في النضوج تتكالب المسئوليات فتمنعك عن استشعار لذة الأشياء لكن الآن يستعد ذلك الشعور من جديد. انتبه من وقفته المُرتخية على مقدمة السيارة لإغلاق الباب العنيف، أبصره بعد أن دفعت الباب لأنها تحمل حقيبة ثقيلة وتحاول أن تخطو بها، كانت ترتدي جينز فاتح وكنزه شبه فضفضة مُخططة بين الأبيض والبرتقالي، خصلاتها السوداء التي يحبها مُجدلة في اثنتين واحدة على كل جانب، ابتسمت حينما رأته رغم أنها لا تستطيع جر الحقيبة، فسار نحوها عابرًا البوابة وسحب منها الحقيبة، تنهَدت بدلال يعجبه، ونظرت للأعلى نحوه
تهز بعنف وملامحه هادئة، مرتاحة لأول مرة في حضورها من سنين طويلة. "لأنه لن يعود، أنتِ تتمسكين بصورة في رأسك عن حياة لم يعد هناك أي أثر لها، حين أدركتِ أنه لن يعود ولن نصبح العائلة المثالية التي تتمسكين بصورتها من الماضي، قررتِ محوه من عقلك، وحاصرتني كي أحقق أنا هذه الصورة المثالية المزيفة، لقد رفضتِ أي لمحة تغير لأنكِ حبستني في إطار، وفي كل مرة أحاول تمزيقه تبكلين بالذنب، نوبات الهياج العنيفة والتهديد بأنكِ سوف تتنحرين." أغمض عيناه على دمعة صغيرة، يتنفض هاري الأصغر حين انتاب أمه نوبة الهياج الأولى عقب حديث المحقق، أطباء ومنومات ومهدئات، انسحاب أبوه جزئيًا شيئا فشيء، وانفرادها به. “أنت فقط مثل والدك." فحيح صوتها جعل القشعريرة تسري في جسده، كأنها فقدت السيطرة على أدائها وما يظهر إلا الحقيقة. "تريد أن تتخطى، تتصرف كما لو أن شيء لم يحدث، تتحدث عنه في كل عشاء شكر بكلمات أقل كل عام حتى يصبح ظل، وتتركني وحدي وتعيشي حياتك بعيد عن هنا." هز رأسه وشبح راحة غريب يطل من وجه. "أليس هذا ما تفعلوه العائلات الطبيعية عندما يقفدون فردًا منها." تتمسك بقميصه بهياج، تصرخ برفض عنيف. "أي جزء مما حدث كا
هز رأسه بنفي وهو ينهض ليستدير حول المكتب، جلس على عاقبيه يمسك بيده ليهدئها، يمنحها الواقع الذي ترفضه. "لا أحد يستطيع أخذي بعيدًا عنكِ أو إبعادي عنك، أنتِ أمي وسوف أظل أحبك وأعود إليكِ، لكنه حان الوقت لي كي أكتشف نفسي، كي أعيش بعيدًا عن هذه المدينة مع الفتاة التي أحبها، أن أخرج من هذه الدائرة وأختبر الحياة بعيدًا وحدي، وسوف أظل دائمًا أعود إليكِ." حاولت سحب يديها منه لكنه قبض عليها كي لا تفلتها، ترفض منطقه وحديثه وقراره. "لماذا لا تستطيع فعل كل هذا هنا بجانبي؟" يبتسم في وجهها ويحاول أن يجعلها تسمعه وتفهمه، محاولة بائسة. "لأنني أحتاج لفعله في مكان آخر، وأحتاج أن أكون معها وحدي؛ هذا ما أريده، ومن المفترض أنكِ ترغبين بسعادتي فقط." تهز رأسها برفض، تتجمع طبقة دموع في عينيها، تستعطفه ليبقي. "لا، أحتاجك هنا لأجل شركة والدك ولأجلي، أنا سوف أكون وحدي إذا غادرت، هل سوف تجعلك تترك والدتك العجوز؟ هل ستكون سعيد بعيدًا عني؟" نفس الطريقة، البكاء وإشعاره بالذنب، التقصير، بأنه أناني لا يفكر سوى بنفسه، هز رأسه وهو يترك يديها، يتوسلها كما كان يجب أن يفعل حين كان طفلًا. "لا تفعلي هذا ماما، لا تستخدم
وقفت تلتقط أنفاسها بعد أن أنهت الاتصال، المحصلة صفر، طاقة مستهلكة في الفراغ، صداع يهدد بتفتيت عظام ججمتها وذكريات تعود لصندوق خلفي مغلق ولكن ليس بإحكام، ذكريات بائتة شكلتها ولكنها لم تعد مفتاح قرارتها، تشعر بنفسها كجزيرة تتعرض لتصدع في صفائحها التكتونية لتعيد خلق جزيرة أخرى، وهي لا تمانع أبدًا، لأنها تريد خلق جزيرة جديدة لهما تاركين كل شيء مؤذي وقاسي في قاع الجزيرة القديمة. بعد أن رطبت وجهها بالماء خرجت من المطبخ، كان لا يزال جالس مكانه ينظر نحو اللا شيء، اقتربت ومدت يدها تمنحه هاتفه ثم استدارت تتجه نحو حقيبتها بجانب الباب. “لقد كان أسوأ مما تخيلت." سمعت تعليقه الهادئ النصف متسلي ونصف الغرابة متعاطف، استدارت ترمقه بنظرة نصف فاحصة نصف غير مهتمة. "هل سمعت كل شيء؟" “الحوائط رقيقة للغاية." إجابة كسولة سخيفة قررت مجاراتها. "أجل، أنا متأكدة أنك سمعت الحديث كله بسبب الحوائط الرقيقة." رفع يده باستسلام مصطنع مازح. "أنا لستُ عدوكِ." “أنا لستُ لدي أعداء لكنك تملك على الأقل واحد." ردود تلقائية ذكية وحادة. استرخ يترك الهاتف جانبه فوق الدرج، يستفهم بنبرة متسلية للغاية. "حقًا؟ مَنْ؟
نظرت نحو جوان التي بالكاد يمكنها فتح عينيها، لا تصدق ما تفعله تلك الغبية بنفسها وتزج بها معها، عادت نحو الطبيب بحاجبين معقودين. "دون إساءة لكن أتحتاج للذهاب إلى مشفي." "ربما هذه ليست مشفى فاخرة كما تحبين لكننا متخصصون هنا في هذا النوع من الأشياء." شقت ملامحها القبيحة ابتسامة ساخرة. "أجل، لم أخذ
كيف نتدمج في مكان نشعر بأننا لا ننتمي له؟ الإجابة أننا لا ننتمي؛ فقط نذهب معه، تنفس ونتحرك ونفعل ما يتوجب علينا فعله لنهاية الأمر. الشيء الأغرب والأفظع أننا نضع كامل حياتنا على الانتظار، ننتظر أن نكبر، ننتظر الوقت المثالي، ننتظر أن نصبح أثرياء، ننتظر الفرصة المثالية، ننتظر الشخص المثالي، العمل
في الشوط التالي، كانت آن تتحرك في الملعب ببراعة مذهلة. لم تكن تلعب لمجرد التسلية، بل كانت تسدد الكرات بقوة وتركيز شديدين، تدافع عن رقعتها بضراوة، وعندما تعثرت ستايسي وكادت تسقط وهي تحاول اللحاق بكرة سريعة، ركضت آن نحوها فورًا، وأمسكت بذراعها بقوة وثبات، وسحبتها نحو الأعلى بحركة حامٕ ومسيطر. "أرك
التفتت آن لتغادر، لكن كلماتها تركت في الهواء هدوءًا مخيفًا. كانت هيلين تراقب ظهرها وهي تبتعد، وتفكر بتمعن في هذه الفتاة الشابة التي تظن أنها تستطيع السيطرة على كل شيء. بالنسبة لهيلين، كانت آن خيارًا ممتازًا وأمن؛ لأنها كانت تعرف أن هاري لا يحبها، بل يتخذها كشريكة عملية يعوض بها غياب مارال.







