تسجيل الدخولمدينة صغيرة، بلد كبير؛ الشر في كل مكان، عليك فقط أن تختار أيهما تستطيع مواجهته والنجاة منه.
خمس ساعات تريح رأسها مغلقة عينيها، ليست نائمة وليست متيقظة، تلك الحالة التي تتوسط الاثنين معًا فتجعلك كالمخدر، وعيك لم يغيب لكنه ليس حاضرًا كليًا.
من زمن بعيد لم تشعر بذاك الهدوء، بالتحديد منذ أن غادرت كايد فيلج بعد أن أنهت دراستها للتسويق والإعلان في جامعة البلدة المحلية بعد أن أقنعها هو بذلك لأن والدته لن تتركه يذهب للجامعة في ولاية أخرى، وكان يمكنها أن تدرس في جامعة نيويورك أو كولومبيا وفوردهام وجامعتين أخريين قبلت بهم، والآن لا يسعاها إلا أن تفكر ماذا لو شيئا واحدًا في ماضيها أختلف هل كان لا يزال مستقبلها كما هو الآن؟
نفضت رأسها من الأسئلة، عادت تفكر، كانت الطالبة التي تهوي الإعلانات ولديها ما يكفي للتعبير عن أي شيء، والمدينة الصغيرة لم تناسبها، قررت أن النزول إلى "ستامفورد" العاصمة العملاقة للعمل، تركت الهدوء والراحة والأصدقاء وعمتها العائلة الوحيدة لها وكل شيء كي تكون الأفضل في الإعلانات. كي تعيش في المدينة الواسعة وحدها، ظنت أنها مستعدة لذلك التحول، وكان ما كان لفتاة فتحت ذراعيها للحياة تظن أنها الأقوى والأذكى.
تركت المنزل الكبير لتأجر غرفتين صغيرتين وعملت في مكتب تسويق في قسم إعلانات الكتب، في فترة صغيرة لاقت النجاح المرغوب وطلبتها شركة كبيرة للإعلان عن مباراة مصارعة كبيرة.
متى سأت الأمور؟
ظنت أن هذا سوف يغير حياتها وقد حدث ذلك بالفعل. عملت بأقصى ما تستطيع من جهد، درست الفئة المرغوب توجيه الإعلان إليها من كل اتجاه، ماذا يأكلون وأين يشاهدون التلفاز وفي أي وقت، ومتى يجلسون على الإنترنت، ذهبت مع المصورين لملاقاة المنافسين وليتها لم تفعل هذا.
قابلت دين ولم تكن تعرفه، فهي لا تطيق تلك الرياضية القتالية البشعة، كان ضخم الجسد غليظ الملامح، لم يرفع نظره عنها بعد المقابلة طلب منها الخروج حين شكرته وهمت بالرفض أصر بقوة فذهبت، كانت جريحة ووحيدة وحاولت بناء حياة طبيعية.
نجح ما فعلت واهتم الجميع بالمباراة، ودين الفائز فيها لم يتركها كان يذهب يوميًا لعملها ويحاول بكل اللطف الذي يعرفه كوحش كهذا أن يجعلها تعجب به، ولسبب ما أخبرتها رئيستها أنها يمكنها استغلاله كي تكشف المؤامرات التي تتم في المقر، وهذا السبق سوف يرفع أسهمها بسرعة خرافية، وهي كانت طموحة غبية وحمقاء لدرجة الموافقة.
بعد أحدي مقابلاتهم حبسها في سيارته ومارس الجنس بعنف كأنها ملكه، أو على الأقل حاول، لم يكن رقيق أو حتى حاول أن يبدو كذلك ولم يقبلها أبدًا، لم تترك له شفتيها هي أيضًا، لكنه أبدًا ولا مرة أنهى العلاقة، بالتأكيد هناك شيئا خاطئ به ولكنه كان يداريه بكل هذا العنف. لم تكن أمنة منه ولكن بطريقًا كانت أمنة. لا تتذكر ماذا حدث بعد ذلك وكيف انتقلت لشقته. رئيستها الغبية أقنعتها أنه ليس هناك ما تخسره أو تخشاه منه، وبالفعل هي أصبحت قريبة منه لتكشف تلك الصفقات المشبوهة وحياة الرياضيين المزيفة.
لكنها تتذكر كيف منعها عن العمل وحبسها وعين مجرمين لمراقبتها، أصبحت تحيا في عذاب وقرف، في كل مرة يحاول فعلها كانت تزرف الكثير من الدماء والألم، حتى تعرفت على ماريان ووثقت بها لتسرد لها كل شيء، وكصيدلانية منحتها دواء مخدر أنقذها من محاولاته البائسة المؤلمة، وخططت معها للهرب وساعدتها على تنفيذها.
فتحت عينيها ومسحت دمعة صغيرة تسللت بغتة، ليتها لم تذهب للعاصمة وبقت هنا تحقق حلمها كانت تستطيع أن تفعل ذلك بجانب عمتها وأصدقائها، كانت يمكنها أن تتعامل مع مساوئ أهل المدينة الصغيرة والأسرار الغارقون فيها لأنها تعرفهم، ولكنها لم يمكنها مجاراة المدينة الكبيرة وحدها ودون خبرة ودون شخص تلجأ له.
"دعيني أتوقع وجهتكِ مانهاتن؟ أو ربما كانساس سيتي؟"
أجَفلت على الصوت وأدارت رأسها من النافذة نحوه، كان يصدر من شاب يجلس قبالتها، لم تلاحظ في غمرة شرودها جلوسه في المقعد المقابل، عيناه مُرتكزة على كتاب بين دفتي يده، لم يرفع نظره نحوها، تراجعت في مقعدها تنظر نحوه بتمعُن قبل أن تصدر أي ردة فعل، البشر يميلون لكسر ملل ساعات السفر وحدهم بالحديث، ليس بقصد المضايقة أو المغازلة في أحيانا كثيرة.
"لا، توقع خاطئ." أثارت انتباه الكلمة فرفع عيناه الخضراء نحوها. "أبعد من ذلك بقليل، أنا ذاهبة إلى كايد فيلج."
"أوه، نفس البلدة التي اتجه إليها." أسند معصمه فوق حافة الكتاب الذي أوقفه فوق قدميه. "اعتقدت أنكِ فتاة مدينة أكثر من كونكِ فتاة بلدة صغيرة، هل أنتِ ذاهبة لعطلة هادئة؟"
ضيقت عينيها تحاول اكتشاف ما يريده، وضعت ساقًا فوق الأخر واسترخت تتفحصه. "أنها البلدة التي نشأت فيها."
"نشأتِ فيها يعني أنها ليسَت موطن ولادتك، يعني أنه لازال هناك احتمال أنكِ فتاة مدينة." بدا أنه مهتم بإثبات صحة أسباب توقعه أكثر من كونه يحاول فتح حوار لكسر وحدته.
"يا ألهي، ما هذا؟ هل أنت محقق خاص؟" سخرت من طريقته.
تفحصها بتهذيب، كان شاب طويل ذو وسامة لا يمكن إنكارها، أبيض البشر ذو شعر أشقر كثيف يضمه في كعكة صغيرة برباط أعلى رأسه، عيناه خضراء قاتمة كعشب عُقب صباح ممطر، تتقد عيناه بذكاء لا يمكن إغفاله.
"نوعًا ما." قالها بابتسامة غامضة.
"ما الذي قد يفعله محقق نوعًا ما في كايد فيلج؟" أخذت مجرى الحديث بذكاء نحوه. "كايد فيلج لديها أسرارها وبعض أشخاص سيئين ولكن ليس لدرجة محقق خاص نوعًا ما."
"سخرية ذكية، حسنًا جدًا،" أبدا إعجابه بمحاولتها، هي ذكية وهو يعترف بذلك. "أنتِ لا تعرفين أبدًا مَن فعل ماذا،" هز كتفه بابتسامة وغمزة. "ربما سوف أصادفكِ في البلدة وسوف تعرفين."
"حسنًا آنسة ماربل من جريمة في القرية." قالتها في إشارة لرواية أجاثا كريستي البوليسية. "أنا لا أريد معرفة أي شيء، لدي ما يكفي في حياتي ولا ينقصني معرفة جريمة."
تشارك ضحكة معها عقبتها دقيقة صمت قال بعدها في جدية. "أنتِ تهربين إلى بلدتكِ القديمة."
لم يكن سؤال، كان استنتاج واثق، لم تجادله فيه، لم تنفيه ولم تؤكده. "أليس جمعيًا نهرب؟" شردت عينيها في نقطة وهمية فوق أرضية القطار. "لا أشترى فكرة أنك ذاهب إلى كايد فيلج لحل جريمة أيا كان نوعها لأنك نوعًا ما محقق ذكي، لأن هناك الكثير من الجرائم في المدينة الكبيرة التي أنت قادم منها،" عادت بعينيها نحوه. "أنت تهرب أيضًا من المدينة الكبيرة، ربما من شيئا أو شخصًا ما، أو ربما تطارد شيئا ما يقودك من مدينة لأخرى وأنت تسير معه لأنه يمنحك فرصة للهرب،" تنهدت بابتسامة واثقة لم تصل لعينيها. "جمعيًا نهرب لأسباب مختلفة."
طَال الصمت بين نظراتهما لبعضهما، أعقبها هو بانحناءة رأس. "شارل فيليب." بادلته انحناءة رأسه بانحناءة مشابهة واسمها. "أنا مسافر هادئ إذا كنتِ ترغبين بالصمت، أستطيع مشاركتكِ به فقط للرفقة."
أسدلت أهدابها بقبول صامت، فمَنْ يستطيع يرفض رفقة تشاركه الصَمَت. في النهاية جمعيًا نريد من يشاركنا الصَمَت.
تنهدت وهي تعيد نظرها للطريق الذي يركض خارج نافذة القطار، أفكارها هدأت هينة، حمدت لله أنها نجت وأصبحت حرة مرة أخرى، وأنها أيضًا لم تخبر هذا الكائن المقزز أي شيء عن بلدتها أو عمتها أو أي شيء عنها، أول شيء سوف تفعله حينما تغادر القطار هو الذهاب للكنسية والتضرع بالشكر إلى الله. فهي تخلصت من الشيطان الذي كان يسيطر على حياتها.
**
كايد ڨيلج
في الخامسة وصل القطار، ألقَت تحية وداع على رفيقها المُهذب في الرحلة، احترم مساحتها وغادر دون أن يلح عليها في أي شيء، ربما سوف تلقاه مُصادفة وربما هذه ليسَت قصتها. حملت حقيبتها وسارت في القطار الذي بقي به القليل من الركاب. كلما اقتربت من الباب يدق قلبها كأنه سوف يخرج، وصلت له وعبرته بسرعة كأنها تخشى أن يغلق ثانيًا ويعود من حيثٌ أتى.
جَال نظرها في محطة القطار، تتذكرها جيدًا بلونها النيلي والأصفر الغامق، بوفيه المحطة أقصى اليمين يليه المقهى الصغير الخاص به وينتهي بنوافذ التذاكر، أما شمالًا فمكتب المارشال ضابط المحطة وبعده مكتب إداري كبير وأخيرًا استراحة موظفي القطارات، والبوابة للبلدة أمامها في منتصف كل هذا.
" أتبحثين عن شيئا ما؟." فزعت وانتفضت بعدما شعرت بيد على كتفها، نظرت بسرعة لتجد وجه تعرفه، وجه مستدير أبيض بعيون سوداء وشعر رماديًا ناعمًا، وجه ترتاح إليه تلقائيًا، وجاء صوته ليؤكد ما توصلت إليه.
"السيد الغاضب سام؛ مدير المحطة التي يمنع الأطفال من الصعود فوق القطارات والمغادرة من المدينة الصغيرة." الصوت قد أكمل في ذهنها الصورة ليظهر من هو، ابتسمت في وجه وهي تتذكر مشاكسته هي والأطفال الآخرون منذ زمن بعيد.
"مارال بروس، ها قد عدتي إلى كايد فيلج." ربت فوق كتفها ليهدأ من خضتها، لاحظ بسنوات عمره الطبقة الدمعية فوق عينيها البندقية، الاجهاد الذي يغلف ملامحها. "لا يمكنكِ مغادرة هنا، نحن جمعينا نهرب في أماكن أخرى ثم نعود هنا مرة أخرى هاربين من تلك الأماكن."
"ليتني لم أغادرها أبدًا." تنهدت وهي تتحرك مبتعدة عن القطار بينما يتحرك معها، بدا كأنه يسرد تجربة تخصه أيضًا.
" مهما حدث فقد عدتِ." ربت على ذراعيها برفق وهمس بابتسامة صغيرة.
" هذا صحيح، كيف حال المدينة؟ عمتي وجوان؟ و..." سألته بدافع حوار مهذب، أوشكت على نطق اسمه. هاري؛ قالته في عقلها لكنها استبدلته بكلمة عابرة. "والجميع؟"
"الجميع مثل الجميع هنا، عمتكِ لازلت تستضيف بعض من الجيران والأصدقاء في ليلة الأربعاء وأحيانا السبت للعب البوكر والثرثرة، حاولت محادثتكِ أكثر من مرة ولكن بعد فترة اختفيتِ وهاتفكِ تغير، وجوانا تزوجت بيتر لوديان، وصديقات كثيرة حاولوا الحديث معكِ لكنكِ اختفيتِ." سار معها حتى غادر بوابة المحطة للساحة الأمامية.
“أجل، هناك الكثير من الأشياء قد حدثت وأنا فقط لم يمكنني أن.." تعثرت في إيجاد كلمات مناسبة، فصمتت.
توقفت في الساحة الأمامية، بعض سيارات الأجرة متوقفة أمامها، يعرضون توصيلة وفندق للإقامة. البلدة جميلة إن كنت ترغب بقضاء عطلة رومانسية أو مجرد عطلة هادئة، يمكنك أن تستمتع هنا إن كنت مجرد عابر. ولكن اليوم هي تشتاق كل شيء، كل ذكرياتها هنا، كل لحظاتها الآمنة والسعيدة كانت هنا. اللعنة قصتها حبها كانت هنا، كل قرار أحمق أخذته كان هنا، ولهذا هي حقًا تشتاق هنا، تشتاق المشاعر التي عايشتها هنا. التفت إلى السيد سام وابتسمت لأول مرة منذ زمن بعيد. "أعتقد أنني سوف أتدبر الأمر كي لا أفعل هذا مرة أخرى." نظرت له وجعدت أنفها. "لقد تعلمت درسي."
" هل تريدين سيارة أجرة لمنزل عمتكِ؟" ابتسم بهزة رأس متفهمة ثم سألها بإشارة رأس.
"لا شكرًا". رفضت بأدب، تطلعت حولها بالمكان وتنشقت عبير بداية المساء القادم من حديقة قريبة. "أعتقد سوف أسير قليلًا في البلدة، أستمتع قليلًا بهواء الربيع وأتذكر بعض الذكريات اللطيفة." التفتت له وهي تمد كفها نحوه. "لكنني سوف أراك عند عمتي، أليس كذلك؟"
"بالطبع". تمتم وهو يصفحها بابتسامة محايدة. "مرحبًا بعودتكِ". قالها وعاد للداخل حيث مكتبه الذي يقضي فيه نصف أيام الأسبوع مساءً والنصف الآخر صباحًا. منذُ أربعون سنة إن قال له أحد أن هذه سوف تكون حياته، لكان سخر منه طوال عام كامل، ولكنك لا تعلم أبدًا أن أكثر شيء تهرب منه هو الشيء الذي سوف تعلق معه بقية حياتك.
تمشية حرة مسائية هي أكثر ما تحتاجه، لم تفعل ذلك منذٌ سنتين. هو لم يدعها تخرج من الشقة إلا في أضيق الحدود.
سارت مارال في شوارع البلدة، تعرف كل شيء هنا، مكتب البريد والمقهى الهادئ والمطعم قرب المحطة، سوق الملابس المستعملة، سوق الطعام وعرض منتجات المزارع والمصانع الصغيرة، المتجر الكبير والمدرسة الداخلية البعيدة عن مدارس المدينة العامة ثم الكنسية.
شحذت نفسًا عميقًا ثم دخلت بخطوات واسعة، تركت حقيبتها على الأرضية، وسارت في القاعة الفارغة، حملت شمعة وأشعلتها ثم توقفت تشكر الله لأنها أخيرًا تحررت، تطلب أن يمنحها السكينة، والقوة للشفاء.
" أتمنى أن يمنحكِ الرب كل ما تطلبينه". ألتفت لذلك الصوت المألوف لها.
" الأب ماتيس." تمتمت باحترام وهزة رأس في تحية مهذبة.
"زيارة أم عودة نهائية؟" سألها بابتسامة رزينة غامضة.
تنهدت وهي تنزل عن المذبح ووقفت أمامه، "من يعرف أي شيء عن المستقبل، لكن في الوقت الحالي أنها عودة."
"إذا مرحبًا بعودتكِ." لم تتغير ابتسامته. اقترب خطوة ثم رفع يده بصليب وتمتم فوق رأسها بصلاة قصيرة. " ليبارككِ الرب".
"أشكرك يا أبتي." تمتمت ثم سألت بدافع التهذيب. "كيف حال كارين؟ هل أصبحت روائية كما ترغب؟"
كانت الابنة الكبرى للقس مايتس جورج كانت معها في نفس الصف في المدرسة، كل ما ترغب بها وتتحدث عنه هو رغبتها في أن تكون روائية. لم تدخل الجامعة واختارت أن تبدأ فيما ترغب بعد المدرسة العليا. كانت تعمل أحد المجلات الثلاث المحلية في البلدة، ولم تمنحها الكثير مما ترغب تحقيقه، تتذكر أنها قالت لها ذلك وأن سيبلها لتحقيق طموحها خارج المدينة. لا يمكن أن تصبح روائية هنا، لأن على حد علمها لا يوجد قراء كثيرون هنا أو المجال لذلك.
"لقد حاولت ولكن لم تتلقى أي رد من أي دور نشر أرسلت إليها." مط شفتاه بلا أي انفعال. "أنها تعمل الآن في المكتبة العامة، تساعد السيدة أوليفيا، وأستطيع القول إنها لم تعثر على طريقها بعد، ولم تتزوج أيضًا."
"أوه يا ألهي، لقد كانت تريد أن تصبح روائية." أبدت تأثر صادق، لم يكونان صديقتين ولكنهما على علاقة جيدة.
استدار الأب مايتس يمرر كفه فوق مفرش المذبح ليفرد أي تجعيدة به. "ربما عليها أن تتقبل أنها لا تملك الموهبة لهذا وأن تفعل شيئا آخر بحياتها."
ارتفع حاجبيها بتعجب، هذه ليست الطريقة الأمثل لتشجيع ابنتك على المضي في حياتها. لكنها لم تعلق، لأنها لم تقرأ أي شيء من أعمال كارين، كانت دومًا متحفظة تجاه قصصها، لا تدع أبدًا أي من أصدقائها في المدرسة قرأتها، وأيضًا لأنها لا تملك العقل لتخوض أي نقاش. ابتسمت بنصف افتعال "أود كثيرًا لقاء كارين والتحدث معها."
"أنها تمر على الكنسية في صباح كل اثنين، لقد تركت المنزل وتعيش مع فتاتين في شقة في الحي الغربي." استدار نحوها ولازال يحمل ذات الابتسامة.
"أنها كذلك سوف تحب أن تراكِ حينما تعلم بعودتكِ." شابك ذراعه خلف ظهره. "ما رأيكِ أن تشرفينا بالزيارة في منزلي على العشاء، يمكنكما اللقاء والدردشة."
"أجل بالتأكيد." هزت رأسها بتهذيب. "فقط أريد الاستقرار وأرتاح قليلًا وبالتأكيد سوف أحب أن أتناول العشاء في منزلك آبتي."
شكرته واستأذنت مغادرة، حملت حقيبتها وتركت الكنسية. دومًا ما تشعر بشيء غريب حول الأب ماتيس وعائلته، ولكنها كانت أصغر من أن تكترث، وفي النهاية هي لا تعيش داخل دراما غموض وجريمة التي يقوم فيها طلاب المدرسة العليا بكشف أسرار المدينة الصغيرة التي يعيشون فيها. والآن هي لا تملك الطاقة أو الرغبة للتفكير في أي شيء آخر، كذلك الغرابة لا تجعل من أحد مجرم، وأن تخبئ شيئا لا يعني أنك ترتكب أي شيء خاطئ.
طارت أفكارها للبلدة وما يحدث فيها، للحظات خاطفة تناست ما عايشتاه، ميزة عظيمة للمدن الصغيرة، مليئة بالحكايات والثرثرة التي تسرقك فيها. مرت جانب السوق الصغيرة مرة أخرى، الساعة تجاوزت السادسة والنصف، مرت بجانب رُجلين يحملان بعض الصناديق الممتلئة ببرطمانات زجاجية. "هل تعرف كيف يمكنني مقابلة المهندس هاري إدوارد؟ لقد تولى عمل والده بالكامل وربما يوافق على العمل معي ليساعدني في إنقاذ مصنعي الصغير عكس السيدة." تصلبت هنية والأخرى يحثه على ذلك. "هو شاب جيد وبالتأكيد سوف يساعدك في إنقاذ مصنعك، يمكنك العثور عليه في مقر الشركة الرئيسي." لاحظها ومنحها نظرة جانبية متسائلة فعادت تسير باضطراب.
هي عادت للبلدة، وتسمع اسمه بشكل طبيعي، ترى الوجوه المألوف، وتتذكر المشاعر الطبيعية التي دفنتها في طقس طويل من التمثيل، كانت تريد بشدةَّ أن تعود وتسألهما عنه فقط كي يتحدثان أكثر عنه، سوف تستمع كما لو أنها غير موجودة لكنها لم تجرؤ. لم تجرؤ أبدًا على فعل ذلك وهذا أكثر شيء صعب في عودتها إلى هنا.
زفرت وتابعت السير قليلًا لتفرغ عقلها من زحمة أفكارها، ثم طلبت سيارة من خلال هاتفها واستقلتها إلى بيت عمتها. البيت التي عاشت فيه طفولتها ومراهقتها وشبابها. البيت
الذي هو أقرب شيء عن مفهوم البيت قد حصلت عليه منذُ أن كانت في السابعة.
غادت الغرفة ودون أن تلقى نظرة فوق الآخر الذي يقف ممتلئ بجحيمه الخاص أمام غرفة زوجته التي أجهضت طفل لا يخص لأنه لا يمكن أن يكون أب، وتركت كفها لهاري يقودها إلى خارج هذه المدينة كلها. قطعت الأوصال رحلة نجاة طويلة من طبقات جحيم دانتي السبعة. قصص هذه المدينة قبيحة، متشابكة بين ماضي وحاضر وأكاذيب وأسرار في المنتصف، حين تعلق فيها لن تتركك حتى تحتبرك في طبقات الجحيم، والفوز هو النجاة منها. سوف يتركان كل شيء في هذه المدينة، سوف يرحلان معًا كما تمني كلاهما حينما رأي بعضهما لأول مرة. لقد رأي كلاهما وجه الحياة القبيح، والآن ينتظران بحماس طفولي وجهها المشرق. -- "ألن تسأليني إلى أين نحن نذهب؟" داعبها هاري بمزاح وهو يقود سيارته بثبات على الطريق العام، حيث تمتد جانبهما الصحاري الصفراء اللا متناهية تحت أشعة الشمس الدافئة. كانت هي تتضجع فوق نافذة السيارة، تسند رأسها الثقيل فوق ذراعيها وتنظر نحو الفراغ الممتد في الأفق. كان يعلم جيدًا أن الأحداث الأخيرة والأمسية الثقيلة في تلك المدينة كانت حملاً كئيبًا على قلبها، لكنه أخذ على نفسه عهدًا ألا يسمح لأي شخص، أو ذكريات، أو حوادث من هذه الم
لم يجيب أسئلتها عن سبب قدومهما، فقد قادها نحو الطابق التاسع منها، أخرج مفتاح ودخل الشقة، أفسح لها فعبرت ممتلئة بالحيرة، نظرت حولها ثم استدارت نحوه حينما أغلق الباب. "هل استعرت مفتاح الشقة من أحد أصدقائك لتنفرد بي؟" ضحك عاليًا وقفز خطوة تجاهها. "ماذا؟ ماذا تفكرين بي؟ ثم استطيع شراء شقة بدلًا من استعارتها." ضحكت وهي تهز كتفيها تسأله. "أجل أنت ثري، إذا ما هذه الشقة؟" تنهد واقترب منها خطوة بخطوة. "لقد اشتريتها قبل رحيلكِ بيوم واحد، كنت أريد أن تكون هذه شقتنا، لكن بعد رحيلك كنت آتي هنا كثيرًا وحدي، كان هذا المكان الوحيد الذي يمكنني احتمال الحياة فيه لأنني أتخيلك هنا ومئات المواقف التي كانت من الممكن أن تجمعنا." “إذا أعتقدت أننا يمكننا التسلل والعيش هنا ساعتين كل يوم في خيال ما ثم نعود للحجيم." “كنت ممزق وقتها لكنني أعلم أنني أريدك." كانت أنفاسها مٌعلقة مع كلماته، حينما انتهى أفرغتها ببطء، كانت غبية وما فعلت لم يقدم لهما سوى الألم. "أنا أسفة, إذا استمعنا لبعضنا حقًا." وضع أنامله فوق شفتيها المرتعشة. "لا، لقد أتيت بكِ هنا كي أخبركِ أن هذا سيكون بيتنا حينما نعود للزيارة هنا،
انتظرها أمام سيارته ذات الدفع الرُباعي، لقد ترك السيارة الأخرى في جراج البيت وأخذ السيارة التي يفضلها والتي لم تنُاسب المدينة الصغيرة، ولم تناسب رئيس مجلس إدارة شركة ترافقه آن سيجال، وحتى وإن كان ما بينهم ليس علاقة حقيقية، أمَا هذه السيارة تمثل شخصيته التي لم يسمح لها بالظهور، تلك السيارة من المال الذي يملكه هو نتاج عمله لسنوات وليس مال أبيه الذي هو يخص أمه في الأساس. وصندوقه القادم من مكتب والده الذي جلس فيه بعده، ينتظرها أمام بيت عمتها تمامًا كأيام المدرسة والتي كانا فيها سعيدان بالفعل، يعتقد السبب أن في النضوج تتكالب المسئوليات فتمنعك عن استشعار لذة الأشياء لكن الآن يستعد ذلك الشعور من جديد. انتبه من وقفته المُرتخية على مقدمة السيارة لإغلاق الباب العنيف، أبصره بعد أن دفعت الباب لأنها تحمل حقيبة ثقيلة وتحاول أن تخطو بها، كانت ترتدي جينز فاتح وكنزه شبه فضفضة مُخططة بين الأبيض والبرتقالي، خصلاتها السوداء التي يحبها مُجدلة في اثنتين واحدة على كل جانب، ابتسمت حينما رأته رغم أنها لا تستطيع جر الحقيبة، فسار نحوها عابرًا البوابة وسحب منها الحقيبة، تنهَدت بدلال يعجبه، ونظرت للأعلى نحوه
تهز بعنف وملامحه هادئة، مرتاحة لأول مرة في حضورها من سنين طويلة. "لأنه لن يعود، أنتِ تتمسكين بصورة في رأسك عن حياة لم يعد هناك أي أثر لها، حين أدركتِ أنه لن يعود ولن نصبح العائلة المثالية التي تتمسكين بصورتها من الماضي، قررتِ محوه من عقلك، وحاصرتني كي أحقق أنا هذه الصورة المثالية المزيفة، لقد رفضتِ أي لمحة تغير لأنكِ حبستني في إطار، وفي كل مرة أحاول تمزيقه تبكلين بالذنب، نوبات الهياج العنيفة والتهديد بأنكِ سوف تتنحرين." أغمض عيناه على دمعة صغيرة، يتنفض هاري الأصغر حين انتاب أمه نوبة الهياج الأولى عقب حديث المحقق، أطباء ومنومات ومهدئات، انسحاب أبوه جزئيًا شيئا فشيء، وانفرادها به. “أنت فقط مثل والدك." فحيح صوتها جعل القشعريرة تسري في جسده، كأنها فقدت السيطرة على أدائها وما يظهر إلا الحقيقة. "تريد أن تتخطى، تتصرف كما لو أن شيء لم يحدث، تتحدث عنه في كل عشاء شكر بكلمات أقل كل عام حتى يصبح ظل، وتتركني وحدي وتعيشي حياتك بعيد عن هنا." هز رأسه وشبح راحة غريب يطل من وجه. "أليس هذا ما تفعلوه العائلات الطبيعية عندما يقفدون فردًا منها." تتمسك بقميصه بهياج، تصرخ برفض عنيف. "أي جزء مما حدث كا
هز رأسه بنفي وهو ينهض ليستدير حول المكتب، جلس على عاقبيه يمسك بيده ليهدئها، يمنحها الواقع الذي ترفضه. "لا أحد يستطيع أخذي بعيدًا عنكِ أو إبعادي عنك، أنتِ أمي وسوف أظل أحبك وأعود إليكِ، لكنه حان الوقت لي كي أكتشف نفسي، كي أعيش بعيدًا عن هذه المدينة مع الفتاة التي أحبها، أن أخرج من هذه الدائرة وأختبر الحياة بعيدًا وحدي، وسوف أظل دائمًا أعود إليكِ." حاولت سحب يديها منه لكنه قبض عليها كي لا تفلتها، ترفض منطقه وحديثه وقراره. "لماذا لا تستطيع فعل كل هذا هنا بجانبي؟" يبتسم في وجهها ويحاول أن يجعلها تسمعه وتفهمه، محاولة بائسة. "لأنني أحتاج لفعله في مكان آخر، وأحتاج أن أكون معها وحدي؛ هذا ما أريده، ومن المفترض أنكِ ترغبين بسعادتي فقط." تهز رأسها برفض، تتجمع طبقة دموع في عينيها، تستعطفه ليبقي. "لا، أحتاجك هنا لأجل شركة والدك ولأجلي، أنا سوف أكون وحدي إذا غادرت، هل سوف تجعلك تترك والدتك العجوز؟ هل ستكون سعيد بعيدًا عني؟" نفس الطريقة، البكاء وإشعاره بالذنب، التقصير، بأنه أناني لا يفكر سوى بنفسه، هز رأسه وهو يترك يديها، يتوسلها كما كان يجب أن يفعل حين كان طفلًا. "لا تفعلي هذا ماما، لا تستخدم
وقفت تلتقط أنفاسها بعد أن أنهت الاتصال، المحصلة صفر، طاقة مستهلكة في الفراغ، صداع يهدد بتفتيت عظام ججمتها وذكريات تعود لصندوق خلفي مغلق ولكن ليس بإحكام، ذكريات بائتة شكلتها ولكنها لم تعد مفتاح قرارتها، تشعر بنفسها كجزيرة تتعرض لتصدع في صفائحها التكتونية لتعيد خلق جزيرة أخرى، وهي لا تمانع أبدًا، لأنها تريد خلق جزيرة جديدة لهما تاركين كل شيء مؤذي وقاسي في قاع الجزيرة القديمة. بعد أن رطبت وجهها بالماء خرجت من المطبخ، كان لا يزال جالس مكانه ينظر نحو اللا شيء، اقتربت ومدت يدها تمنحه هاتفه ثم استدارت تتجه نحو حقيبتها بجانب الباب. “لقد كان أسوأ مما تخيلت." سمعت تعليقه الهادئ النصف متسلي ونصف الغرابة متعاطف، استدارت ترمقه بنظرة نصف فاحصة نصف غير مهتمة. "هل سمعت كل شيء؟" “الحوائط رقيقة للغاية." إجابة كسولة سخيفة قررت مجاراتها. "أجل، أنا متأكدة أنك سمعت الحديث كله بسبب الحوائط الرقيقة." رفع يده باستسلام مصطنع مازح. "أنا لستُ عدوكِ." “أنا لستُ لدي أعداء لكنك تملك على الأقل واحد." ردود تلقائية ذكية وحادة. استرخ يترك الهاتف جانبه فوق الدرج، يستفهم بنبرة متسلية للغاية. "حقًا؟ مَنْ؟
جوان كانت الفكرة تدور في رأسها كالعاصفة منذ اللحظة التي سمعت فيها ثرثرة عودة مارال إلى "كايد فيلج". لسنوات، حاولت جوان إقناع نفسها بأنها طوت تلك الصفحة، لكن سماع اسم مارال مجددًا هزّ أركان عالمها المهتز أصلاً، ولكنها الصديقة الوحيدة، الشخص الحقيقي الوحيد في عالمها. شعرت بخوف غريب، خوف من أن
قررَتْ في عقلها المجهد أن تطهو شرائح لحم البقر مع صلصة الفطر والبطاطس المهروسة بكريمة ثقيلة؛ إنها الوجبة المفضلة لبيتر، والوجبة التي تبدو فرنسية وأنيقة بما يكفي لتبهر ضيوفه من رجال الأعمال، والتي يتوقع من زوجته المثالية. دستْ زجاجات النبيذ الفاخر، وعلب الكريمة، وقطع اللحم المغلفة في العربة، وهي ت
عند مدخل المبنى، كانت تجلس السيدة "ميرتل"، وهي امرأة عجوز غريبة الأطوار، تعمل عرافةً في مدينة الملاهي الضخمة عند أطراف البلدة، كانت هناك منذُ زمن، ولا تريد تركها رغم التطوير، رغم أنها أصبحت خارج الهيئة العامة. كانت ترتدي وشاحًا قذرًا من الصوف الملون، وتضع في رقبتها تمائم نحاسية تصدر رنينًا مزعج
الصباح التالي للحفل استيقظت جوان على صوت طنين حاد يمزق جدران جمجمتها، كأن عقارب الساعة الضخمة في ساحة "كايد فيلج" تدق داخل رأسها مباشرة. فتحت عينيها السوداوين ببطء، لتستقبلها الأسقف العالية للشقة. كانت الشقة التي انتقلت إليها مع بيتر بعد الزواج تقع في المجمع السكني الحديث عند أطراف الحي الرا







