FAZER LOGINعدتُ إلى القصر قبل أن تُشرق الشمس بنصف ساعة، وفي صدري قلبٌ يخفق كطبلٍ مجنون.
دخلتُ من الباب الخلفيّ كما خرجتُ، وأعدتُ المفتاح إلى جيب المعطف الأسود، وصعدتُ السلّم على أطراف أصابعي. وحين فتحتُ باب الجناح، توقّفت أنفاسي في صدري.
كان المصباح الصغير مضاءً، وهشام جالسٌ في الكرسيّ الجلديّ قبالة السرير، ساقاه متقاطعتان، وبيده كأسٌ فارغ. لم ينظر إليّ فورًا. بقي يحدّق في الكأس كأنه يقرأ فيه مصيره.
— كم الساعة؟ — سأل بهدوء.
— لا أعرف.
— الخامسة إلا ربعًا. — رفع عينيه. — وقد وصل مقعدي هنا قبل ثلاث ساعات. ثلاث ساعاتٍ كاملة وأنا أحصي أنفاسي وأنتظر إن كانت زوجتي ستعود أو ستكون قد هربت.
— لم أهرب.
— لا، — قال. — ذهبتِ لتري جسدكِ. أليس كذلك؟
تجمّدتُ في مكاني. تقدّم نحوي ببطء، ثم رفع يدي اليمنى وأدارها في الضوء، وأشار إلى طينٍ جافٍّ خفيف على أصابعي: طينُ حديقة المستشفى الخلفيّة.
— أخبريني، — همس، — ماذا قالت لكِ؟
لم أُجب. لقد تعلّمتُ من سيرين درسًا واحدًا في تلك الليلة: أنّ السرّ الوحيد الذي أملكه هو أنني أعرف أنها مستيقظة. وإذا باح لسانٌ به فسيموت أحدنا، وربما كلانا.
— لم يقل لي أحدٌ شيئًا. رأيتُ نفسي فقط، ممدّدةً بلا حراك، وبكيتُ.
نظر إليّ طويلًا، ثم هزّ رأسه ببطءٍ كأنه يقبل الجواب دون أن يصدّقه.
— كان عليكِ أن تخبريني قبل أن تذهبي. في المرة القادمة سأعرف حتى قبل أن تفكّري بالأمر.
وقبل أن أردّ، دوّى جرس البوّابة الرئيسية في الأسفل. ثلاث رنّات متواصلة، ثم صوت أحذيةٍ كثيرة على الحصى.
أسرع هشام إلى النافذة وشدّ الستارة. ورأيتُ في الضوء الرماديّ ثلاث سيارات سوداء، وفي مقدّمتها سيارةُ المفتّش طارق.
— أمر تفتيش، — قال بصوتٍ ثقيل. — ولا شكّ أنهم لن يتركوا ركنًا إلا قلبوه. — أمسك كتفيّ بيديه القويّتين وحدّق في عينيّ. — اسمعي يا ريم: مهما حدث، لا يرون المفتاح. اخبّئيه. في أيّ مكان. أيّ مكان تظنّين أنهم لن يبحثوا فيه. فهمتِ؟
فهمتُ. ولم أفهم لماذا كان وجهه، وهو الرجل الذي لا يخاف شيئًا، قد شحب حتى صار بلون الورق.
ثم تركني ونزل السلّم مسرعًا، وبقيتُ واقفةً في منتصف الغرفة أحدّق في الفراغ الذي خلّفه. للمرة الأولى أشعر أنّ هشام لا يحميني، بل يحمي شيئًا يخشى أن يخسره، وأنني مجرّد وعاءٍ ثمين يحمله بحذر. كان يخشى طارق، ويخشى المفتاح، ويخشى أكثر من ذلك أن أعرف السبب الحقيقيّ لكل هذا.
* * *
دخلوا القصر كالطوفان.
كان الشرطيون ينتشرون في الغرف، يفتحون الأدراج ويقلبون الأسرّة، وسميرة تبكي في الصالون، والطبيب مازن يتظاهر بالامتعاض وهو يراقبني بطرف عينه. أما المفتّش طارق فقد جلس في مكتب هشام وراح يتصفّح الملفّات بصبرٍ يخيف أكثر من الصراخ.
مرّ الطبيب مازن بجانبي في الممرّ وهمس دون أن يحرّك شفتيه تقريبًا: «لا تدعيهم يقتربون من عنقكِ». ثم ابتعد قبل أن أستطيع سؤاله كيف عرف، وبأيّ حقٍّ يعرف. كان هذا القصر مليئًا بأناسٍ يعرفون أكثر مما يقولون، وأنا الوحيدة التي لا تعرف شيئًا.
لم أكن أعرف أين أخبّئ المفتاح. حين يفتّشون الأسرّة والخزائن والمكاتب، ما الذي يبقى؟ ثم خطرت لي فكرةٌ عمرها عشر سنين: حين كنتُ طفلة أخبّئ مفتاح دراجتي في فمي كي لا يسرقه أخي. وها أنا الآن أملك جسدًا لا يجرؤ الشرطة على تفتيشه دون إذنٍ قضائيّ، وهذا وحده يمنحني ساعةً من الأمان.
دخلتُ الحمّام وأغلقتُ الباب، وفكَكتُ السلسلة من عنقي. وللمرّة الأولى منذ استيقظتُ أحدّق في المفتاح طويلًا تحت ضوء المصباح الساطع. كان صغيرًا بحجم إصبع، دافئًا كأنه حيّ، والعين المغلقة على رأسه تبدو كأنها تنام نومًا مضطربًا.
سمعتُ من الخارج وقع خطواتٍ ثقيلةً وأصواتًا تتبادل الأوامر، وانتبهتُ إلى أنّ الصمت داخل الحمّام صار أثقل من الضجيج كله. حبستُ أنفاسي، وأنصتُّ إلى نبضي، ثم عدتُ أحدّق في المفتاح الذي ازداد دفؤه حتى كاد يحرق راحتي.
ثم قلبتُه.
في الجهة الخلفيّة للرأس، حيث لا يصل نظرُ أحدٍ إلا بالمصادفة، كانت هناك كتابةٌ دقيقةٌ جدًّا محفورةٌ بخطٍّ قديم:
«ريم عبد الرحيم. ١٤ آذار ١٩٩٣».
ارتجفت يدي فسقط المفتاح في الحوض وصلصل صلصلةً مرتعشة.
اسمي. وتاريخ ميلادي. محفوران على نحاسٍ قديم ليس عمره أسابيع ولا شهورًا، بل عقودٌ على الأرجح. لا أحد في العالم يعرف هذا التاريخ إلا أنا وأمي الراحلة وأوراقي الرسميّة.
كيف؟ كيف يُحفر اسمي على مفتاحٍ لم أمسسه في حياتي قبل هذا الأسبوع؟
وفجأةً، وأنا أحدّق في ذلك النقش، وصلتُ إلى فكرةٍ تجمّد لها دمي أكثر من كل ما سبق: لم يكن الحادث صدفة. ولا اختارني هشام لأنني كنتُ قريبةً من المكان. لقد كان المفتاح ينتظرني منذ ولدتُ.
طرق أحدهم الباب بقوة.
— مدام سيرين؟ — جاء صوت المفتّش طارق من الجهة الأخرى، هادئًا مثل سكّينٍ لم تُسحَب من غمدها. — افتحي من فضلك. لديّ سؤالٌ أخير... وأعتقد أنّكِ ستحبّين الإجابة عنه.
التقطتُ المفتاح بأصابع مبلّلة وأعدتُه إلى عنقي، ومسحتُ وجهي في المرآة، وفتحتُ الباب.
وقف المفتّش طارق على العتبة، وفي يده ورقةٌ صفراء قديمة، وعلى وجهه ملامح رجلٍ عثر أخيرًا على قطعة الأحجية التي كانت تنقصه. نظر إلى عنقي، ثم إلى عينيّ، وقال بنبرةٍ لم أفهمها:
— أخبريني يا مدام سيرين... ما الذي يجمع بين زوجة ملياردير، ومسعفةٍ فقيرة نائمة في سرير رقم أربعة عشر، ورجلٍ عرفتُه أنا منذ عشرين سنة؟
في الثالثة فجرًا، كنا جميعًا في الحمّام.كان القصر قد احترق نصفه، لكنّ الجناح بقي، والحمّام بجداره الرخاميّ الذي لم تمسّه النار. اصطففنا حول المرآة الكبيرة: أنا وسيرين وسامي وفادي، وهشام الذي أُفرج عنه بإذنٍ مؤقّتٍ بكفالةٍ جديدة بلا شروط من أحدٍ إلّا سميرة، التي وقفت عند الباب تحرس الممرّ. كانت رائحة الحريق ما تزال تعلق بالجدران، وكان الظلام يقطّعه ضوء مصباحٍ واحد يهتزّ في يد منى.لم يتكلّم أحدٌ كثيرًا. كنتُ أنظر إلى وجوههم واحدًا واحدًا كأنني أحفظها: سامي الذي أعادني إلى نفسي، وفادي الذي عاد من الموت، وسيرين التي أخذت جسدي وأعطتني شجاعتي، وهشام الذي لا أعرف إن كنتُ سأراه مرةً أخرى. وسميرة عند الباب تمسح دموعها بطرف وشاحها وتتظاهر أنها تبحث عن شيء.أخرج سامي المفتاحين. وضعهما على الرخام جنبًا إلى جنب، «القفل» و«الأخ»، فانفتحت العينان المنقوشتان على رأسيهما في وقتٍ واحد.— ليكن، — همس.أمسكتُ يد سيرين الشاحبة، وهي في جسدي المنهك. نظرتُ في عينيها، وقلنا معًا:— لا.دوّى الأرض.انفتح الجدار كما انفتحت الأرض في المرة الأولى، لكنّ الرواق الذي ظهر لم يكن مظلمًا. كان مضاءً بألف مصباح، وفي نه
كان لا بدّ أن يسبق الفجرَ يومٌ طويل.قبل أن نخوض الغرفة الأخرى، أصرّ فادي على شيءٍ واحد: «لا يجوز أن نُنهي هذا في الظلام. يجب أن يعرف الناس». وكان معه حقّ. فلو عدنا كما جئنا لظلّت سيرين قاتلةً في عيون القانون، ولظلّ هشام لصًّا، ولما عرف أحدٌ شيئًا عن مئات الأجساد المسروقة. لذلك قضينا ما تبقّى من الليل نرتّب الأوراق ونحضّر الشهود، ونراجع الدفاتر صفحةً صفحة، حتى جفّت أعيننا.وتقرّر أن نؤجّل ما كنا نخطّط له من فتح الباب يومًا كاملًا. تحدّث فادي في الهاتف مع محامٍ صديقٍ له، وأخبره بأنّ لديه من الأدلّة ما يكفي لهدم نصف المدينة، فصمت المحامي طويلًا ثم قال إنه سيحضر قبل الفجر بأوراقه كلّها. أمّا أنا فلم أنم. جلستُ أقرأ في الدفاتر أسماء الناس الذين سُرقت حياتهم، وأتساءل كيف يمكن لقاعةٍ في مدينةٍ مزدحمة أن تتّسع لكل هذا الوجع.وهكذا دخلتُ قاعة المحكمة صباح اليوم التالي بوجه سيرين المنصوري، بفستانٍ أسود وسلسلةٍ ذهبيّة، وقلتُ لنفسي إنّ هذا آخر ما سأرتديه من هذه المرأة.كانت القاعة مزدحمة. الصحافة والمحامون وأقارب الضحايا، وهالة في الصف الأول بوشاحها الأسود، تعصر منديلًا في يدها. وعلى المنصّة جلس
كانت الخطّة بسيطةً حدّ الجنون.اجتمعنا في بيت رأس الحكمة، كلنا: أنا وسامي وسيرين وفادي في جسد عفاف وهشام بذراعيه المضمّدتين وسميرة ومنى. كانت وجوهنا تحت ضوء المصباح الزيتيّ تبدو كوجوه مَن يتناولون عشاءهم الأخير، متعبةً وصادقةً على نحوٍ غريب. جلسنا حول طاولة المطبخ الخشبيّة الكبيرة، والمفتاحان أمامنا، مفتاح «القفل» الذي استعدتُه من خزانتي في القصر، والأخ الذي أخذه هشام ثم أعاده.— الليلة، — قال سامي. — في الثالثة فجرًا، في غرفة الحمّام حيث المدخل. سنفتح الباب، وتقول ريم وسيرين «لا» معًا، وأدير أنا المفتاحين.— وماذا يحدث؟ — سألت منى.— يعود كلٌّ إلى جسده. وكل من سُرق جسده، في أيّ مكان من العالم.— وكيف نعرف أنهم سيعودون جميعًا؟ — سألت سميرة بصوتٍ مرتجف.— لأنّ كل اسمٍ في الدفاتر هو بابٌ في الغرفة الأخرى، — قال فادي. — وحين يُدار المفتاحان مع «لا» الصادقة، تنفتح الأبواب كلها دفعةً واحدة. كنتُ أراها في أحلامي طوال سنواتي في الجسد الغريب: ممرٌّ طويل، وأبوابٌ لا تنتهي، وأنفاسٌ خلفها.— وعدنان؟صمت الجميع. كان هذا السؤال الذي لا يريد أحدٌ أن يجيب عنه. سمعتُ ريحًا تدخل من شقٍّ في النافذة وتح
أغلق سامي الباب وأسند ظهره إليه كأنه حارسٌ على مقبرة.جلس فادي في السرير ببطء، وكان صوت عظام الجسد العجوز يصرّ تحته. حدّق بكفّيه المجعّدتين كمن يراهما لأول مرة منذ زمنٍ بعيد، وحرّك أصابعه ببطء كأنه يتأكّد أنها تطيعه. ثم رفع رأسه، وفي عينيه نبرةُ من اعتاد أن يتكلّم بالأرقام والوثائق، لا بالأرواح.— اسمعي، يا ريم. سأقول لكِ ما لم أقله لأحد، وإن حدث لي شيء فاحفظيه.— كلّي آذان صاغية.— منذ ثلاث سنوات اكتشفتُ ما كان يفعله هشام. ظننتُه رأس الأفعى، لكنني حين تتبّعتُ المال وصلتُ إلى عدنان. هشام لم يكن إلا خادمًا وجد المفتاح، وصار يبيع الأجساد لحسابه. أما عدنان... — ابتلع ريقه. — عدنان ليس رجلًا في السبعين.— ماذا تقصد؟— هو روحٌ عمرها خمسمئة عام. يقفز من جسدٍ إلى جسد كلما ذبل الجسد الذي يحمله. وكلّ مفاتيح الجمعية صُنعت له، ليستمرّ. وحين ضعف جسده الأخير، بدأ يبحث عن قفلٍ جديد: جسدٍ شابّ من دم صنّاع الأقفال، يستطيع أن يحتمل روحه وحدها.— كيف عرفتَ كل هذا؟— كنتُ أراجع حسابات الجمعية، فلاحظتُ أنّ مبالغ ضخمة تخرج إلى حسابٍ لا يملكه أحد، وأنّ المستفيدين يختفون بعد زيارة الدار بأيامٍ ثم يظهرون بأس
أمضينا الأيام التالية في حالةٍ بين اليقظة والنوم، كأنّ العالم صار طبقاتٍ رقيقة من الدخان لا نعرف أيّها حقيقيّ.اختبأنا في شقّةٍ صغيرة يملكها سامي في أطراف المدينة، لا يعرف عنوانها أحدٌ إلا منى التي كانت تزورنا ليلًا بأكياس الخبز والدواء. كنتُ أحاول أن أنام فلا أستطيع، وأقف عند النافذة أراقب الشارع كأنني أتوقّع أن يظهر عدنان من بين السيارات. وفي الصباح كنتُ أنظر إلى المرآة فأرى وجه سيرين المتعب، وأتساءل كم من الوقت بقي لنا قبل أن ينهار كلّ شيء.في إحدى تلك الليالي سألني سامي وهو يعدّ لي الشاي: «ماذا ستفعلين حين ينتهي كلّ هذا؟». ضحكتُ وقلتُ إنني لم أفكّر. ففاجأني بقوله: «أنا أفكّر كل يوم. أريد أن أراكِ تأكلين خبزًا ساخنًا بالسمن وأنتِ تضحكين». دمعت عيناي، فتظاهرتُ بأنّ بخار الشاي هو السبب.أنقذنا سميرة وهشام وسامي من القصر المحترق، وتركنا الإطفائيّين يعالجون ما تبقّى منه. نُقل هشام إلى المستشفى بحروقٍ في ذراعيه، وبقي رجال الشرطة عند بابه. أما أنا فتسلّلتُ مع سامي في الليلة الثالثة، ومعنا الحقيبة الجلديّة التي أنقذتها سميرة. كانت رائحة الدخان ما تزال عالقةً بشعري، وكلما أغمضتُ عينيّ رأيت
حين وصلنا إلى القصر كانت السماء قد ابيضّت قليلًا، وكان الدخان يتصاعد من نوافذ الطابق العلويّ في أعمدةٍ رماديّة تتلوّى كأفاعٍ تبحث عن مخرج.لم يكن هناك حرّاس. ولا كاميرات. فقط البوّابة الحديديّة مفتوحة على اتّساعها، وألسنة لهبٍ صغيرة ترقص خلف الزجاج، ورائحة خشبٍ محترق تلسع الأنف من بعيد.— أحدهم أشعل النار قبلنا، — قال سامي. وأخرج من جيبه منديلًا بلّله بزجاجة الماء، وناولني نصفه.مشينا بين أشجار النخيل التي كانت يومًا ظلّ حديقتي الصغيرة، فبدت لي الآن هياكل سوداء تحرس الخراب. تذكّرتُ أول ليلةٍ دخلتُ فيها هذا القصر بجسدٍ غريب، وكيف ظننتُ أن أسوأ ما فيه هو الفخامة. لم أكن أعرف أنّ الفخامة مجرّد غلافٍ ناعم لقفصٍ حديديّ.دخلنا من الباب الخلفيّ. كان المطبخ فارغًا، وقدورٌ نحاسيّة تتدلّى من الجدران وتعكس وهج النار البعيد، والدخان يتكاثف في الممرّ المؤدّي إلى السلّم الرخاميّ. وسمعتُ من بعيدٍ صوت سميرة تنادي بصوتٍ مبحوح: «سيدتي! السيدة سيرين!».التفتُّ إلى سامي فرأيتُه يحدّق في المطبخ، كأنه يتخيّل أمّه وهي تدير الأقفال في الدكان القديم. لم أقل شيئًا. كنتُ أعرف أنّ الحريق يوقظ في كلّ منّا ناره ال