مفتاح الجسد الآخر

مفتاح الجسد الآخر

last updateÚltima actualización : 2026-10-20
Por:  ماجده حسن سلامActualizado ahora
Idioma: Arab
goodnovel18goodnovel
No hay suficientes calificaciones
20Capítulos
11vistas
Leer
Agregar a biblioteca

Compartir:  

Reportar
Resumen
Catálogo
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP

تستيقظ ريم عبد الرحيم، المسعفة البسيطة، بعد حادثٍ على الطريق الساحلي لتجد نفسها في جسد سيرين المنصوري، زوجة الملياردير هشام المنصوري، المطلوبة للتحقيق في مقتل شريك زوجها. أما جسدها الأصلي فيرقد في مستشفى السلام بلا وعي. يزورها هشام كل ليلة مدّعيًا أنه زوجها، لكنه يهمس لها باسمها الحقيقي، ويشترط عليها أن تبقى في دور سيرين وألّا تكشف السرّ لأحد، مقابل أن يظلّ جسدها حيًّا. تقودها خيوط القصر إلى مفتاحٍ نحاسيّ غامض يتدلّى من عنقها، محفورٍ عليه اسمها وتاريخ ميلادها منذ عقود، وإلى دفتر سيرين الذي يكشف أنها كانت تخطّط لتبادلٍ مع «غريبةٍ لا يلتفت إليها أحد». وحين تتسلّل ريم إلى المستشفى تكتشف أن سيرين نفسها تسكن جسدها وتتظاهر بالغيبوبة، وتتهمها بسرقة حياتها وتحذّرها من هشام. بين مفتّشٍ ذكيّ يشتبه في الجميع، وطبيبٍ يعرف أكثر مما يقول، وخادمةٍ تحمل ولاءً قديمًا وسرًّا أقدم، تخوض ريم سباقًا مع الزمن لتعرف مَن دبّر التبادل، ولماذا اختيرت هي بالذات، وهل المفتاح وسيلة عودةٍ أم فخٌّ أخير. وتتوالى المفاجآت بإيقاعٍ سريع: جمعيةٌ سرّية تتحكّم بالأجساد، ومفتاحٌ ثانٍ هو «الأخ» التوأم للأول يملك سلطةً على الجسد الآخر، وجريمةٌ ليست كما بدت، وقتيلٌ قد لا يكون ميّتًا. وكلما اقتربت ريم من الحقيقة ازداد الخطر حولها؛ فالمفتّش الذي يطاردها يحمل ماضيًا يربطه بهشام، والحليف قد يكون أخطر الأعداء، والمرأة التي تنام في جسدها لا تقول كل ما تعرف. وفي الوقت نفسه يذوي جسد ريم الأصلي يومًا بعد يوم، ويصبح الزمن خصمًا لا يرحم، فلا مجال للخطأ ولا مكان للثقة. وبين مفتاحٍ يوقظ ما لا ينبغي أن يُوقَظ، وهمسٍ يعرف الأسماء قبل أصحابها، تتشكّل حكايةٌ عن الخوف والحبّ والخيانة، وعن امرأةٍ تقاتل لتسترد حقّها في أن تكون نفسها. وفي النهاية تضطرّ ريم إلى الاختيار بين النجاة بجسدها الأصلي وكشف الحقيقة أمام القضاء بوجه امرأةٍ لا تشبهها، في رحلةٍ تسأل عن معنى الهوية ذاتها: مَن نحن حين يسقط الوجه، وما الذي يبقى منّا حين نفقد أسماءنا؟

Ver más

Capítulo 1

الفصل الأول

استيقظتُ على رائحة الياسمين، ولم يكن في حياتي كلِّها ياسمينٌ يُباع بهذا الثمن.

فتحتُ عينيَّ ببطء، فرأيتُ سقفًا مزخرفًا بالذهب، وثرياتٍ من البلّور تتدلّى فوقي كأنها دموعٌ متجمّدة. لم يكن هذا سقفَ غرفتي الضيّقة في الحيّ القديم، ولا سقفَ سيارة الإسعاف التي أعمل فيها مسعفةً منذ ست سنوات. حاولتُ أن أتذكّر ما جرى، فجاءتني الصورة مقطّعة: مطرٌ غزير، وطريقٌ ساحليّ، وأضواءٌ بيضاء تندفع نحوي بسرعةٍ لا تُصدَّق، ثم صوتُ الحديد وهو يصرخ.

الحادث. تذكّرتُ الحادث.

— حمدًا لله على سلامتكِ يا سيّدتي.

التفتُّ نحو الصوت. كانت امرأةٌ في الخمسين، ترتدي زيًّا رماديًّا أنيقًا، تقف عند طرف السرير وتشبك يديها بقلق. لم أعرفها قطّ، ومع ذلك نظرت إليّ كما تنظر إلى شخصٍ تعرفه منذ سنين.

— مَن أنتِ؟ وأين أنا؟

اتّسعت عيناها، وتراجعت خطوةً إلى الوراء.

— أنا سميرة يا سيّدتي. سميرة التي تخدمكِ منذ عشر سنوات. أنتِ في غرفتكِ، في قصر المنصوري.

قصر المنصوري؟ حاولتُ أن أجلس، فانتبهتُ إلى شيءٍ غريبٍ جدًّا: يداي. رفعتُهما أمام وجهي ببطء. أصابع طويلة ناعمة، وأظافر مطليّة بلون النبيذ، وفي البنصر خاتمٌ ماسيٌّ بحجم حبّة العنب. هاتان يدا امرأةٍ لم تغسل صحنًا في حياتها. أمّا يداي أنا فقصيرتان خشنتان، وعلى إبهامي الأيمن ندبةُ حرقٍ قديمة من يوم انقلب إبريق الإسعاف الساخن في سيارتي الأولى.

لم تكن هناك ندبة. لا أثر لها إطلاقًا.

— مرآة، - قلتُ بصوتٍ لم يكن صوتي. كان أعمق وأنعم، فيه بحّةٌ مخمليّة تشبه أصوات المذيعات. - أعطيني مرآة، الآن.

ترددت سميرة، ثم ناولتني مرآةً صغيرة من فوق الطاولة. أمسكتُها بيدين ترتجفان، ورفعتُها.

كانت هناك امرأةٌ تنظر إليّ من الزجاج.

في السادسة والثلاثين، بشعرٍ أسود يلمع كالحبر، وعينين رماديتين واسعتين، وشفتين مرسومتين بدقّة نحّات. جمالٌ مؤلمٌ لا يمكن تجاهله. وكنتُ أعرف هذا الوجه جيدًا؛ فقد رأيته مئة مرة على صفحات الجرائد، وعلى شاشة التلفاز في غرفة الاستراحة بالمستشفى قبل أسبوعٍ فقط، حين قال المذيع بنبرةٍ حادّة: «سيرين المنصوري، زوجة رجل الأعمال هشام المنصوري، مطلوبةٌ على ذمّة التحقيق في مقتل شريكه فادي العلوان».

أفلتت المرآةُ من يدي وتحطّمت على الأرض.

صرختُ. لا أدري كم دامت صرختي، لكنني أذكر أنّ الباب انفتح بعنف، وأنّ رجالًا دخلوا، وأنّ إبرةً غُرست في ذراعي، وأنّ آخر ما سمعتُه كان صوتَ رجلٍ يقول بهدوءٍ بارد:

— أبلغوا المفتّش طارق أنها استيقظت. ولا يغادر أحدٌ هذا القصر.

* * *

حين عدتُ إلى وعيي كان الليل قد هبط. الغرفة معتمة، تضيئها مصباحٌ صغير بجوار السرير، والنافذة الطويلة تكشف حديقةً غارقةً في الضباب. لم أتحرّك. تعلّمتُ في عملي أن أول ما يفعله المصاب الذكيّ هو أن يتظاهر بالنوم ويُحصي ما حوله.

كان ثمّة رجلٌ شرطيّ يقف خلف الباب، أسمع حذاءه الثقيل يتحرّك ذهابًا وإيابًا. وكانت هناك كاميرا صغيرة في زاوية السقف، تلمع نقطتها الحمراء. أنا إذن سجينةٌ في قصر. سجينةٌ في جسد امرأةٍ متّهمة بالقتل، وجسدي الحقيقي... أين هو؟ هل مات؟ هل دفنوه؟

حاولتُ أن أجمع أنفاسي وأرتّب أفكاري كما أفعل عند وصول مصابٍ حرج: النبض أولًا، ثم التنفس، ثم الوعي. نبضي سريع، وتنفّسي مضطرب، ووعيي، لسوء الحظ، سليمٌ تمامًا. تمنّيتُ لو أنني فقدتُ عقلي، فذلك أهون بكثير من هذه الحقيقة التي لا تقبل التأويل. وعلى بُعد أمتارٍ مني، كان قلبي يخبط في صدرٍ غريب.

سمعتُ مقبض الباب يدور.

أغمضتُ عينيّ وأرخيتُ ملامحي. دخل أحدهم بخطواتٍ خفيفة واثقة، وأغلق الباب خلفه بهدوء. توقّف عند السرير طويلًا، وكأنه يتأمّلني. ثم جلس على الحافّة، فغاص الفراش قليلًا تحت ثقله، وفاحت منه رائحة عطرٍ خشبيّ ثقيل.

التقط يدي. أصابعه دافئة وقويّة، وتحمل شيئًا من الحنان المصطنع الذي لا يخطئه من عمل مع المرضى سنين.

— سيرين، حبيبتي، - قال بصوتٍ مرتفعٍ مسموع، موجّهٍ للكاميرا والحارس على السواء. - الحمد لله أنك بخير. لن أتركك لحظة بعد اليوم.

رفعتُ جفنيّ قليلًا. كان رجلًا في الأربعين، وسيمًا بقسوة، بفكٍّ حادّ وشعرٍ فضّيٍّ عند الصدغين، وعينين سوداوين لا تبتسمان وإن ابتسم فمه. هشام المنصوري. زوج المرأة التي أسكنُ جسدها. وقد كنتُ أعرفه أيضًا من الصحف.

انحنى فوقي وقبّل جبيني قبلةً طويلة، ثم أدار وجهه نحو الكاميرا كأنه يطمئنها، وتحرّك فمه إلى أذني حتى لامست شفتاه شحمتها.

وفي تلك اللحظة همس بصوتٍ لا يسمعه سواي، بصوتٍ خافتٍ كالنَّفَس:

— ريم... لا تخافي. أنا أعرف أنكِ هنا.

تجمّد الدم في عروقي.

لم يكن أحدٌ في الدنيا يعرف أنني هنا. لا الشرطة، ولا الأطباء، ولا حتى أنا نفسي كنتُ أعرف كيف صرتُ هنا. وهذا الرجل الذي يدّعي أنه زوجي، وهو في الحقيقة غريبٌ تمامًا، ناداني باسمي الحقيقي، الاسم الذي لم أسمعه منذ أن دُفن أبي.

ابتعد عني قليلًا وحدّق في عينيّ، فرأيتُ فيهما شيئًا لا أنساه. لم يكن حنانًا ولا خوفًا. كان جوعَ تاجرٍ وجد أخيرًا السلعة التي كان يبحث عنها.

وأدركتُ، وأنا أرتجف تحت اللحاف الحريريّ، أنّ كابوسي لم يبدأ بعد.

Expandir
Siguiente capítulo
Descargar

Último capítulo

Más capítulos
Sin comentarios
20 Capítulos
الفصل الأول
استيقظتُ على رائحة الياسمين، ولم يكن في حياتي كلِّها ياسمينٌ يُباع بهذا الثمن.فتحتُ عينيَّ ببطء، فرأيتُ سقفًا مزخرفًا بالذهب، وثرياتٍ من البلّور تتدلّى فوقي كأنها دموعٌ متجمّدة. لم يكن هذا سقفَ غرفتي الضيّقة في الحيّ القديم، ولا سقفَ سيارة الإسعاف التي أعمل فيها مسعفةً منذ ست سنوات. حاولتُ أن أتذكّر ما جرى، فجاءتني الصورة مقطّعة: مطرٌ غزير، وطريقٌ ساحليّ، وأضواءٌ بيضاء تندفع نحوي بسرعةٍ لا تُصدَّق، ثم صوتُ الحديد وهو يصرخ.الحادث. تذكّرتُ الحادث.— حمدًا لله على سلامتكِ يا سيّدتي.التفتُّ نحو الصوت. كانت امرأةٌ في الخمسين، ترتدي زيًّا رماديًّا أنيقًا، تقف عند طرف السرير وتشبك يديها بقلق. لم أعرفها قطّ، ومع ذلك نظرت إليّ كما تنظر إلى شخصٍ تعرفه منذ سنين.— مَن أنتِ؟ وأين أنا؟اتّسعت عيناها، وتراجعت خطوةً إلى الوراء.— أنا سميرة يا سيّدتي. سميرة التي تخدمكِ منذ عشر سنوات. أنتِ في غرفتكِ، في قصر المنصوري.قصر المنصوري؟ حاولتُ أن أجلس، فانتبهتُ إلى شيءٍ غريبٍ جدًّا: يداي. رفعتُهما أمام وجهي ببطء. أصابع طويلة ناعمة، وأظافر مطليّة بلون النبيذ، وفي البنصر خاتمٌ ماسيٌّ بحجم حبّة العنب. هاتان
last updateÚltima actualización : 2026-10-14
Leer más
الفصل التاني
لم أتحرّك. لم أرمش. بقيتُ أحدّق في عينيه السوداوين وأنا أحاول أن أقنع جسدي الغريب بألّا يرتجف.اعتدل هشام في جلسته، وعاد صوته إلى نبرته المسموعة، نبرة الزوج المفجوع أمام الكاميرا:— سميرة، اتركينا قليلًا. أريد أن أبقى مع زوجتي وحدنا.لم أكن أدري أن سميرة واقفةٌ عند الباب. سمعتُ خطواتها تبتعد، ثم أُغلق الباب. وما إن انقطع الصوت حتى تغيّرت ملامحه تمامًا، كما يُطفأ مصباح. زالت عنه الدموع المصطنعة، وبقي رجلٌ بارد يحسب كل كلمة قبل أن ينطق بها.— لدينا دقائق قبل أن يعود الطبيب، - قال بصوتٍ منخفض. - اسمعيني جيدًا، ولا تصرخي مرة أخرى. الحارس خلف الباب، والكاميرا تسجّل الصورة والصوت.— مَن أنت؟ - همستُ. خرج صوتي الغريب مبحوحًا. - وكيف عرفتَ اسمي؟— ريم عبد الرحيم، ثلاثٌ وثلاثون سنة، مسعفةٌ في مستشفى السلام العام، تسكنين في الطابق الثالث من بناية قديمة في حيّ النخيل، وتقودين سيارةً صفراء متهالكة. - قالها كمن يقرأ بطاقة تعريف. - وفي ليلة الثلاثاء الماضي صدمتْ سيارتكِ سيارةَ زوجتي على الطريق الساحلي.شعرتُ بالغثيان.— أين جسدي؟— على سرير في مستشفى السلام، يتنفّس بمساعدة جهاز، ولا يستيقظ. - ابتسم
last updateÚltima actualización : 2026-10-14
Leer más
الفصل الثالث
مرّ يومان قبل أن أتجرّأ على النهوض من السرير.تعلّمتُ خلالهما كيف أمشي بكعبٍ عالٍ دون أن أتعثّر، وكيف أمسك فنجان القهوة بإصبعين كما تفعل السيّدات، وكيف أرفع حاجبي إذا أرادت سميرة أن تفتح موضوعًا لا أريده. تعلّمتُ أيضًا أنّ الجسد الغريب له ذاكرته الخاصّة؛ فيداي تعرفان طريق مقبض الباب في الظلام، وقدماي تعرفان درجات السلّم الرخامي، وكأنّ سيرين المنصوري لم تغادر هذا الجسد تمامًا، بل تركت فيه أثرها كما تترك المرأة عطرها في وسادةٍ بعد رحيلها.وفي الليلة الثالثة، حين خلا الممرّ وانصرف الحارس إلى استراحته، تسلّلتُ إلى غرفة الملابس الملحقة بجناحها.كانت أكبر من شقّتي كلّها. رفوفٌ بطول الجدار تحمل مئات الأحذية، وفساتين معلّقة بحسب الألوان كأنها قوس قزح مكوّي، وخزائنُ زجاجية للحُليّ تلمع تحت أضواءٍ خفيّة. بحثتُ كما يبحث رجال المباحث في الأفلام، أفتح الأدراج وأرفع الوسائد وأقلّب جيوب المعاطف، ولم أجد غير الأناقة الفارغة.ثم تذكّرتُ شيئًا قالته لي أمي ذات يوم: «الأسرار لا تُخبَّأ في الأماكن التي تُخفي، بل في الأماكن التي لا يفكّر أحدٌ في لمسها».رجعتُ إلى السرير ورفعتُ الوسادة الحريريّة التي لم أق
last updateÚltima actualización : 2026-10-14
Leer más
الفصل الرابع
لم يكن الهرب من القصر صعبًا كما ظننت، فالسجن الذي يحرسه رجلٌ واحد يتعب حارسه قبل أن يتعب سجينه.انتظرتُ حتى منتصف الليلة التالية، ثم طرقتُ باب الغرفة طرقاتٍ متقطّعة كأنني أعاني ألمًا في صدري. دخلت سميرة مذعورة، وخلفها الحارس. وحين انحنت فوقي، همستُ لها بالحقيقة الوحيدة التي أملكها:— سميرة، أنتِ تعرفين أنّ شيئًا غريبًا يحدث لي. أنتِ أول من لاحظ أنني لا أشبه نفسي. أريد منكِ خدمةً واحدة، وبعدها أفعل ما تشائين.نظرت إليّ طويلًا. في عينيها خوفٌ قديم، وربما ولاءٌ لم يمت، وقالت بصوتٍ ضعيف:— السيّدة سيرين كانت تعطيني مفتاح الباب الخلفيّ حين تريد الخروج دون علم السيّد. هو في جيب معطفها الأسود.خرجتُ بعد ساعة، ملفوفةً بوشاحٍ داكن ونظارةٍ سوداء، وفي يدي حقيبةٌ فيها بعض المال. أقلّتني سيارةُ أجرةٍ قديمة، ولم يتعرّف عليّ السائق. أدهشني أن الوجه الذي كان يلاحقه الإعلام لا يستطيع أن يخفيه إلا قماشٌ رخيص وظلامٌ أسود.وصلنا إلى مستشفى السلام قبيل الفجر. هذا المكان الذي أعرف كل ممرّ فيه، وكل زاويةٍ يختبئ فيها الدخان بين ورديّتين. دخلتُ من بوّابة الطوارئ، فمرّ بي زملائي ولم يلتفت إلي أحد. وتعذّبتُ وأن
last updateÚltima actualización : 2026-10-14
Leer más
الفصل الخامس
عدتُ إلى القصر قبل أن تُشرق الشمس بنصف ساعة، وفي صدري قلبٌ يخفق كطبلٍ مجنون.دخلتُ من الباب الخلفيّ كما خرجتُ، وأعدتُ المفتاح إلى جيب المعطف الأسود، وصعدتُ السلّم على أطراف أصابعي. وحين فتحتُ باب الجناح، توقّفت أنفاسي في صدري.كان المصباح الصغير مضاءً، وهشام جالسٌ في الكرسيّ الجلديّ قبالة السرير، ساقاه متقاطعتان، وبيده كأسٌ فارغ. لم ينظر إليّ فورًا. بقي يحدّق في الكأس كأنه يقرأ فيه مصيره.— كم الساعة؟ — سأل بهدوء.— لا أعرف.— الخامسة إلا ربعًا. — رفع عينيه. — وقد وصل مقعدي هنا قبل ثلاث ساعات. ثلاث ساعاتٍ كاملة وأنا أحصي أنفاسي وأنتظر إن كانت زوجتي ستعود أو ستكون قد هربت.— لم أهرب.— لا، — قال. — ذهبتِ لتري جسدكِ. أليس كذلك؟تجمّدتُ في مكاني. تقدّم نحوي ببطء، ثم رفع يدي اليمنى وأدارها في الضوء، وأشار إلى طينٍ جافٍّ خفيف على أصابعي: طينُ حديقة المستشفى الخلفيّة.— أخبريني، — همس، — ماذا قالت لكِ؟لم أُجب. لقد تعلّمتُ من سيرين درسًا واحدًا في تلك الليلة: أنّ السرّ الوحيد الذي أملكه هو أنني أعرف أنها مستيقظة. وإذا باح لسانٌ به فسيموت أحدنا، وربما كلانا.— لم يقل لي أحدٌ شيئًا. رأيتُ نفس
last updateÚltima actualización : 2026-10-14
Leer más
الفصل السادس
— أعتذر، لا أفهم ما تقصده، — قلتُ، وحاولتُ أن أجعل صوتي أنعم وأبرد كصوت سيرين.لم يردّ المفتّش طارق. مدّ إليّ الورقة الصفراء بين إصبعين، فتناولتُها. كانت قصاصة جريدة قديمة، حوافّها متآكلة، وعليها صورةٌ باهتة لمبنى يلتهمه اللهب وسط حيٍّ شعبيّ. قرأتُ العنوان بصعوبة: «حريق ورشة الأقفال في حيّ النخيل يودي بحياة سيدة ويفقد طفلين».توقّف قلبي.تحت العنوان بسطرين، بين أسماء الضحايا، قرأتُ الاسم الذي لم أقرأه مطبوعًا منذ عشرين سنة: أمل عبد الرحيم. أمي. هي التي كانت تفتح الورشة كل صباح قبل أن يستيقظ الحيّ، وتعلّمني أن أفرّق بين الأقفال بالسمع قبل البصر. وكان الطفلان المذكوران هما أنا وأخي، فقد عثروا عليّ أنا بعد ثلاثة أيام عند جارتنا، أما أخي الأكبر فقالوا لي يومها إنه احترق ولم يبقَ منه شيء.أمسكتُ بطرف الجدار كي لا أسقط.عادت إليّ رائحة الليلة القديمة دفعةً واحدة: الدخان الأسود الذي يلسع الحلق، وصراخ الجيران، ويد أمي التي دفعتني نحو النافذة وقالت آخر جملة سمعتُها منها: «لا تفتحي أيّ باب لا تعرفين مفتاحه». ظللتُ سنواتٍ أحسبها نصيحةً من أمٍّ مذعورة، ولم أتخيّل أنها كانت تحذيرًا من شيءٍ سيأتي إ
last updateÚltima actualización : 2026-10-14
Leer más
الفصل السابع
لم أستخدم هاتف طارق في تلك الليلة، ولا في التي بعدها. كنتُ أخاف أن أكون أنا الحلقة التي ستُكسَر حين تُشَدّ السلسلة.لكنني استخدمتُ أمرًا آخر: صفةً تعلّمتُها في الإسعاف، وهي أنّ أقدر الناس على قول الحقيقة هم من فقدوا كلّ شيء. ولم يفقد أحدٌ في هذه القضية أكثر من أرملة فادي العلوان.سألتُ سميرة عنها في الصباح كأنني أتذكّر اسمًا عابرًا، فأجابتني وهي تُرتّب الفناجين:— السيدة هالة؟ إنها تذهب كل يوم جمعة إلى المقبرة، يا سيدتي، ولا تُكلّم أحدًا. أنتِ تعرفين أنها لا تطيق سماع اسمكِ منذ اليوم الذي...صمتت وأخفضت عينيها. ولم أحتج إلى أن تكمل.كان اليوم جمعة.خرجتُ من الباب الخلفيّ مرةً ثانية، وفي يدي مفتاحٌ آخر من معطف سيرين، ومعي سميرة كغطاءٍ وحجّة: «سنذهب لنقرأ الفاتحة على روح الأستاذ فادي». لم يعارض هشام. بدا أنه يريد أن يرى الناس تصدّق دور الأرملة المفجوعة التي تزور قبر شريك زوجها. في هذا القصر كل شيءٍ كان عرضًا مسرحيًّا، حتى الحزن.وجدتُها هناك، تحت شجرة سدرٍ عجوز، في آخر صفٍّ من القبور الحديثة. امرأةٌ في الأربعين، تلفّ رأسها بوشاحٍ أسود، وتجلس على الأرض كمن لا يملك قوّةً للوقوف. حين سمعت
last updateÚltima actualización : 2026-10-14
Leer más
الفصل الثامن
— سنحضر الحفل غدًا، — قال هشام وهو يربط ساعته الذهبية أمام المرآة، كأنه يعلن خبرًا عن الطقس.— أي حفل؟— حفل جمعية «أطفال الأمل» الخيريّ في فندق الواحة. تحضره الصحافة والسياسيون ونصف رجال الأعمال في المدينة. وأنتِ، يا عزيزتي، ستقفين إلى جواري مبتسمة، لتري الجميع أنّ زوجة المنصوري ليست امرأةً هاربة ولا قاتلة، بل سيّدةٌ فقدت ذاكرتها بعد حادثٍ مأساويّ.— والمفتّش طارق؟— لا يستطيع أن يمنعكِ ما دمتِ لستِ موقوفة. — ابتسم من طرف فمه. — والمجتمع يا ريم لا يحاكم من يضحك له على الشاشات.لم أجد ما أردّ به. كان يُحسن استخدام الناس كما يُحسن مهندسٌ استخدام الحجارة، وكنتُ آخر حجرٍ في مبناه.* * *ألبستني سميرة فستانًا أخضر داكنًا كلون الزجاج القديم، ورفعت شعري بدبابيس من اللؤلؤ، ثم وقفت خلفي أمام المرآة وقالت بحزن:— كانت السيدة سيرين تحب هذا الفستان. لكنها لم تلبسه إلا مرة واحدة.— لماذا؟— لأنّه فستان ليلةٍ لا تُنسى. وقالت لي يومها: «إن لبستُه مرةً أخرى فسأكون قد قرّرتُ شيئًا».لم أفهم، وتركتُ الجملة تغوص في رأسي مع الجمل الأخرى التي لا أفهمها.كان الفندق يلمع كقطعة جليدٍ مضاءة. وما إن دخلتُ بذر
last updateÚltima actualización : 2026-10-17
Leer más
الفصل التاسع
لم أنم تلك الليلة. بقيتُ مستلقية في الظلام أستعيد وجه عدنان الفخراني وصوته الهادئ المخيف: «القفل لا يُفتَح من الخارج أبدًا».وحين جاء الطبيب مازن في الصباح ليفحصني، كنتُ أنتظره كما ينتظر المريض حقنةً يعرف أنها قادمة.كان رجلًا في الخمسين، ممتلئ الجسم، بنظارةٍ ذهبية ولحيةٍ رماديّة مرتّبة، وابتسامةٍ ثابتة لا تتغيّر مهما قال. وضع السمّاعة على صدري، وأصغى، ثم قال بصوتٍ مهنيّ بارد:— نبضكِ سريع يا سيدتي. هل تشعرين بقلق؟— قليلًا.— سأطلب من الخادمة أن تنتظر في الخارج حتى أنتهي.خرجت سميرة. وما إن أُغلق الباب حتى مدّ يده إلى جهاز التكييف فرفع صوته، وسحب الستائر، وأشار لي بإصبعه أن أقترب. ثم همس، وقد زالت من وجهه الابتسامة للمرة الأولى:— لا تخافي مني. أنا لم أُبلغ أحدًا بما رأيتُه على عنقكِ يوم التفتيش، وكان يمكنني أن أفعل.— ما الذي تعرفه؟— أكثر مما ينبغي، وأقلّ مما أريد. — جلس على حافّة السرير ببطءٍ كمن يحمل وزنًا ثقيلًا. — أنا عضوٌ في جمعية المفاتيح منذ ثلاثين سنة، ولم أخن قسمها حتى الأسبوع الماضي.انكمشتُ على نفسي، فرفع كفّيه مطمئنًا.— الأستاذ عدنان هو كبيرنا. وهو الذي كلّمكِ ليلة الح
last updateÚltima actualización : 2026-10-17
Leer más
الفصل العاشر
في الثالثة إلا خمس دقائق كنتُ جالسةً على أرضية الحمّام الباردة، ظهري إلى الجدار، وركبتاي إلى صدري.كان الظلام كاملًا. أطفأتُ كل الأضواء، وسددتُ الفتحة تحت الباب بمنشفةٍ كي لا يلمحها الحارس. لم يكن يُسمع غير صوت قطراتٍ تتساقط من الصنبور، ودقّات قلبي التي صارت تشبه نبضات الجهاز في مستشفى السلام: بيب. بيب. بيب.أمسكتُ المفتاح بيدين مبلّلتين بالعرق. كان دافئًا كجمرةٍ حيّة، ينبض كأنّ في داخله قلبًا صغيرًا.قلتُ لنفسي إنني مسعفة، وإنني رأيتُ الموت بعيني مئات المرات، وإنني لن أخاف من مفتاح. لكنّ الخوف لا يسأل أصحابه عن مهنتهم.تذكّرتُ أول مصابٍ أنقذتُه، شابًّا في العشرين انقلبت دراجته النارية على الطريق الزراعي. كان يمسك يدي ويقول: «لا تتركيني». وكنتُ أردّ عليه بجملة أحفظها عن ظهر قلب: «أنا هنا، أنفاسكَ أنفاسي». كم كنتُ بحاجةٍ الآن إلى أن يقولها لي أحدٌ دون أن يكذب.أغمضتُ عينيّ.— ريم عبد الرحيم، — قلتُ في الظلام، بصوتٍ لم يكن صوتي.لم يحدث شيء.— ريم عبد الرحيم.ارتجفت الأرض تحتي قليلًا، وخبا صوت الصنبور كأنّ أحدًا أدار له زرًّا.— ريم عبد الرحيم.انفتحت الأرض.لم أسقط، بل انسحبتُ إلى الأس
last updateÚltima actualización : 2026-10-17
Leer más
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status