INICIAR SESIÓNتستيقظ ريم عبد الرحيم، المسعفة البسيطة، بعد حادثٍ على الطريق الساحلي لتجد نفسها في جسد سيرين المنصوري، زوجة الملياردير هشام المنصوري، المطلوبة للتحقيق في مقتل شريك زوجها. أما جسدها الأصلي فيرقد في مستشفى السلام بلا وعي. يزورها هشام كل ليلة مدّعيًا أنه زوجها، لكنه يهمس لها باسمها الحقيقي، ويشترط عليها أن تبقى في دور سيرين وألّا تكشف السرّ لأحد، مقابل أن يظلّ جسدها حيًّا. تقودها خيوط القصر إلى مفتاحٍ نحاسيّ غامض يتدلّى من عنقها، محفورٍ عليه اسمها وتاريخ ميلادها منذ عقود، وإلى دفتر سيرين الذي يكشف أنها كانت تخطّط لتبادلٍ مع «غريبةٍ لا يلتفت إليها أحد». وحين تتسلّل ريم إلى المستشفى تكتشف أن سيرين نفسها تسكن جسدها وتتظاهر بالغيبوبة، وتتهمها بسرقة حياتها وتحذّرها من هشام. بين مفتّشٍ ذكيّ يشتبه في الجميع، وطبيبٍ يعرف أكثر مما يقول، وخادمةٍ تحمل ولاءً قديمًا وسرًّا أقدم، تخوض ريم سباقًا مع الزمن لتعرف مَن دبّر التبادل، ولماذا اختيرت هي بالذات، وهل المفتاح وسيلة عودةٍ أم فخٌّ أخير. وتتوالى المفاجآت بإيقاعٍ سريع: جمعيةٌ سرّية تتحكّم بالأجساد، ومفتاحٌ ثانٍ هو «الأخ» التوأم للأول يملك سلطةً على الجسد الآخر، وجريمةٌ ليست كما بدت، وقتيلٌ قد لا يكون ميّتًا. وكلما اقتربت ريم من الحقيقة ازداد الخطر حولها؛ فالمفتّش الذي يطاردها يحمل ماضيًا يربطه بهشام، والحليف قد يكون أخطر الأعداء، والمرأة التي تنام في جسدها لا تقول كل ما تعرف. وفي الوقت نفسه يذوي جسد ريم الأصلي يومًا بعد يوم، ويصبح الزمن خصمًا لا يرحم، فلا مجال للخطأ ولا مكان للثقة. وبين مفتاحٍ يوقظ ما لا ينبغي أن يُوقَظ، وهمسٍ يعرف الأسماء قبل أصحابها، تتشكّل حكايةٌ عن الخوف والحبّ والخيانة، وعن امرأةٍ تقاتل لتسترد حقّها في أن تكون نفسها. وفي النهاية تضطرّ ريم إلى الاختيار بين النجاة بجسدها الأصلي وكشف الحقيقة أمام القضاء بوجه امرأةٍ لا تشبهها، في رحلةٍ تسأل عن معنى الهوية ذاتها: مَن نحن حين يسقط الوجه، وما الذي يبقى منّا حين نفقد أسماءنا؟
Ver másاستيقظتُ على رائحة الياسمين، ولم يكن في حياتي كلِّها ياسمينٌ يُباع بهذا الثمن.
فتحتُ عينيَّ ببطء، فرأيتُ سقفًا مزخرفًا بالذهب، وثرياتٍ من البلّور تتدلّى فوقي كأنها دموعٌ متجمّدة. لم يكن هذا سقفَ غرفتي الضيّقة في الحيّ القديم، ولا سقفَ سيارة الإسعاف التي أعمل فيها مسعفةً منذ ست سنوات. حاولتُ أن أتذكّر ما جرى، فجاءتني الصورة مقطّعة: مطرٌ غزير، وطريقٌ ساحليّ، وأضواءٌ بيضاء تندفع نحوي بسرعةٍ لا تُصدَّق، ثم صوتُ الحديد وهو يصرخ.
الحادث. تذكّرتُ الحادث.
— حمدًا لله على سلامتكِ يا سيّدتي.
التفتُّ نحو الصوت. كانت امرأةٌ في الخمسين، ترتدي زيًّا رماديًّا أنيقًا، تقف عند طرف السرير وتشبك يديها بقلق. لم أعرفها قطّ، ومع ذلك نظرت إليّ كما تنظر إلى شخصٍ تعرفه منذ سنين.
— مَن أنتِ؟ وأين أنا؟
اتّسعت عيناها، وتراجعت خطوةً إلى الوراء.
— أنا سميرة يا سيّدتي. سميرة التي تخدمكِ منذ عشر سنوات. أنتِ في غرفتكِ، في قصر المنصوري.
قصر المنصوري؟ حاولتُ أن أجلس، فانتبهتُ إلى شيءٍ غريبٍ جدًّا: يداي. رفعتُهما أمام وجهي ببطء. أصابع طويلة ناعمة، وأظافر مطليّة بلون النبيذ، وفي البنصر خاتمٌ ماسيٌّ بحجم حبّة العنب. هاتان يدا امرأةٍ لم تغسل صحنًا في حياتها. أمّا يداي أنا فقصيرتان خشنتان، وعلى إبهامي الأيمن ندبةُ حرقٍ قديمة من يوم انقلب إبريق الإسعاف الساخن في سيارتي الأولى.
لم تكن هناك ندبة. لا أثر لها إطلاقًا.
— مرآة، - قلتُ بصوتٍ لم يكن صوتي. كان أعمق وأنعم، فيه بحّةٌ مخمليّة تشبه أصوات المذيعات. - أعطيني مرآة، الآن.
ترددت سميرة، ثم ناولتني مرآةً صغيرة من فوق الطاولة. أمسكتُها بيدين ترتجفان، ورفعتُها.
كانت هناك امرأةٌ تنظر إليّ من الزجاج.
في السادسة والثلاثين، بشعرٍ أسود يلمع كالحبر، وعينين رماديتين واسعتين، وشفتين مرسومتين بدقّة نحّات. جمالٌ مؤلمٌ لا يمكن تجاهله. وكنتُ أعرف هذا الوجه جيدًا؛ فقد رأيته مئة مرة على صفحات الجرائد، وعلى شاشة التلفاز في غرفة الاستراحة بالمستشفى قبل أسبوعٍ فقط، حين قال المذيع بنبرةٍ حادّة: «سيرين المنصوري، زوجة رجل الأعمال هشام المنصوري، مطلوبةٌ على ذمّة التحقيق في مقتل شريكه فادي العلوان».
أفلتت المرآةُ من يدي وتحطّمت على الأرض.
صرختُ. لا أدري كم دامت صرختي، لكنني أذكر أنّ الباب انفتح بعنف، وأنّ رجالًا دخلوا، وأنّ إبرةً غُرست في ذراعي، وأنّ آخر ما سمعتُه كان صوتَ رجلٍ يقول بهدوءٍ بارد:
— أبلغوا المفتّش طارق أنها استيقظت. ولا يغادر أحدٌ هذا القصر.
* * *
حين عدتُ إلى وعيي كان الليل قد هبط. الغرفة معتمة، تضيئها مصباحٌ صغير بجوار السرير، والنافذة الطويلة تكشف حديقةً غارقةً في الضباب. لم أتحرّك. تعلّمتُ في عملي أن أول ما يفعله المصاب الذكيّ هو أن يتظاهر بالنوم ويُحصي ما حوله.
كان ثمّة رجلٌ شرطيّ يقف خلف الباب، أسمع حذاءه الثقيل يتحرّك ذهابًا وإيابًا. وكانت هناك كاميرا صغيرة في زاوية السقف، تلمع نقطتها الحمراء. أنا إذن سجينةٌ في قصر. سجينةٌ في جسد امرأةٍ متّهمة بالقتل، وجسدي الحقيقي... أين هو؟ هل مات؟ هل دفنوه؟
حاولتُ أن أجمع أنفاسي وأرتّب أفكاري كما أفعل عند وصول مصابٍ حرج: النبض أولًا، ثم التنفس، ثم الوعي. نبضي سريع، وتنفّسي مضطرب، ووعيي، لسوء الحظ، سليمٌ تمامًا. تمنّيتُ لو أنني فقدتُ عقلي، فذلك أهون بكثير من هذه الحقيقة التي لا تقبل التأويل. وعلى بُعد أمتارٍ مني، كان قلبي يخبط في صدرٍ غريب.
سمعتُ مقبض الباب يدور.
أغمضتُ عينيّ وأرخيتُ ملامحي. دخل أحدهم بخطواتٍ خفيفة واثقة، وأغلق الباب خلفه بهدوء. توقّف عند السرير طويلًا، وكأنه يتأمّلني. ثم جلس على الحافّة، فغاص الفراش قليلًا تحت ثقله، وفاحت منه رائحة عطرٍ خشبيّ ثقيل.
التقط يدي. أصابعه دافئة وقويّة، وتحمل شيئًا من الحنان المصطنع الذي لا يخطئه من عمل مع المرضى سنين.
— سيرين، حبيبتي، - قال بصوتٍ مرتفعٍ مسموع، موجّهٍ للكاميرا والحارس على السواء. - الحمد لله أنك بخير. لن أتركك لحظة بعد اليوم.
رفعتُ جفنيّ قليلًا. كان رجلًا في الأربعين، وسيمًا بقسوة، بفكٍّ حادّ وشعرٍ فضّيٍّ عند الصدغين، وعينين سوداوين لا تبتسمان وإن ابتسم فمه. هشام المنصوري. زوج المرأة التي أسكنُ جسدها. وقد كنتُ أعرفه أيضًا من الصحف.
انحنى فوقي وقبّل جبيني قبلةً طويلة، ثم أدار وجهه نحو الكاميرا كأنه يطمئنها، وتحرّك فمه إلى أذني حتى لامست شفتاه شحمتها.
وفي تلك اللحظة همس بصوتٍ لا يسمعه سواي، بصوتٍ خافتٍ كالنَّفَس:
— ريم... لا تخافي. أنا أعرف أنكِ هنا.
تجمّد الدم في عروقي.
لم يكن أحدٌ في الدنيا يعرف أنني هنا. لا الشرطة، ولا الأطباء، ولا حتى أنا نفسي كنتُ أعرف كيف صرتُ هنا. وهذا الرجل الذي يدّعي أنه زوجي، وهو في الحقيقة غريبٌ تمامًا، ناداني باسمي الحقيقي، الاسم الذي لم أسمعه منذ أن دُفن أبي.
ابتعد عني قليلًا وحدّق في عينيّ، فرأيتُ فيهما شيئًا لا أنساه. لم يكن حنانًا ولا خوفًا. كان جوعَ تاجرٍ وجد أخيرًا السلعة التي كان يبحث عنها.
وأدركتُ، وأنا أرتجف تحت اللحاف الحريريّ، أنّ كابوسي لم يبدأ بعد.
كانت «المكتبة القديمة» مبنًى من حجرٍ داكن في زقاقٍ ضيّق قرب الجامع الأزهر، لا تحمل لافتةً ولا رقمًا.دخلتُ خلف سائق عدنان من بابٍ خشبيّ منخفض، ونزلنا درجاتٍ حلزونيّة تتعاقب إلى الأسفل حتى فقدتُ العدّ. كانت الجدران رطبة، تتدلّى منها مصابيح نحاسيّة صغيرة تلقي ضوءًا أصفر مرتجفًا على الطحالب. وفي الأسفل، حيث ينتهي الدرج، انفتح بابٌ حديديّ على قاعةٍ لم أرَ مثلها في حياتي.رفوفٌ لا نهاية لها، من الأرض إلى سقفٍ لا يُرى، محمّلةٌ بمجلّداتٍ جلديّة سميكة، ودفاتر، ولفائف رقٍّ ملفوفةٍ بخيوط حمراء. وعلى كل رفّ لوحةٌ نحاسيّة صغيرة: أسماء، تواريخ، أسماء عائلات. ورائحة الورق القديم والبخور تملأ الهواء كأنّ الزمن نفسه قد ذاب فيها.— أهلًا بكِ في الأرشيف، — قال عدنان. كان جالسًا إلى طاولةٍ مستديرة من خشب الجوز، وأمامه كوب شاي وفي يده الأخرى المفتاح الثاني. — اجلسي. لقد آن لكِ أن تعرفي من أنتِ.— أعرف من أنا.— لا. أنتِ تعرفين اسمكِ. وهذا غير ذلك.لم أُجب. كنتُ أنظر إلى الرفوف الممتدّة، وأسمع من بعيدٍ نقرات معدنٍ خفيفة تتردّد في الجدران، كأنّ آلاف الأقفال تتنفّس. وخطر لي أنّ أمي كان يمكن أن تقف في هذا ال
لم يرفع الرجال الثلاثة أيديهم عليّ.وقفوا عند الباب كالأعمدة، بينما تقدّم عدنان الفخراني بخطواتٍ بطيئة منتظمة، يضرب عصاه الرفيعة على الأرض ضربةً خفيفة مع كل خطوة. حين وصل إلى السرير نظر إلى الجسد الراقد، إلى سيرين التي أغمضت عينيها فجأةً وعادت إلى جمودها، ثم إليّ.— لا تخافي. — مدّ كفّه المعروقة. — الأخ.— لن أعطيك إيّاه.— طبعًا. — ابتسم كمن يستمع لطفلةٍ تتحدّث عن مشروعها المدرسيّ. — لكنّكِ لا تملكين ما يكفي من الخيارات. هؤلاء الثلاثة لا يؤذون النساء، إلا إذا اضطرّوا. وأنا لا أحبّ الاضطرار.نظرتُ إلى منى. كانت واقفةً بجانب الباب، ترتجف، ويدها على فمها. لم أكن أملك أن أعرّضها لشيء.مددتُ المفتاح إليه.أخذه بين إصبعين وقلّبه تحت الضوء، وأومأ بإعجابٍ هادئ.— عمل متقن. خمسمئة سنة، ولم يتغيّر إلّا الخطّ. — ثم رفع عينيه. — لقد أحسنتِ يا ريم. وهذا الجسد الراقد لن يُمسّ بسوء. تعالي غدًا إلى مكتبتي القديمة، وسأريكِ أين تنتهي هذه الحكاية.— وإن رفضتُ؟— لن ترفضين. — ابتسم أوسع. — فأنتِ لا تعرفين بعدُ ما اكتشفتُه عن أخيكِ.خرجوا كما دخلوا. سقطت منى على الكرسيّ وهي تلهث. «من هؤلاء؟» همست. لم أست
في الواحدة تمامًا، كانت منى تقف عند باب الطابق الرابع بمعطفها الأبيض وكوبَي شاي.حين رأتني، لم تقل شيئًا. كانت تعرف أنني لا أشبه سيرين المنصوري إلا في الوجه. أمسكتْ يدي بقوّةٍ وسحبتني إلى ممرّ التمريض الخالي، وهمست والدموع تنهمر:— مازن قال لي إنّكِ هي. ريم. أنا لم أصدّق. لكنني حين رأيتُ كيف تمشين...— أنا هي يا منى. — ضممتُها حتى كاد الشاي ينسكب. — وأنا آسفة.— لا تعتذري. — مسحت وجهها. — جسدكِ... ليس بخير. تعالي.أدخلتني الغرفة ١٤ ببطء، وأغلقت الباب خلفنا ثم أطفأت الضوء الرئيسيّ وأبقت مصباح السرير الخافت.لم أكن مستعدّةً لما رأيتُه.كان جسدي، الذي رأيتُه قبل أسبوعين شاحبًا لكنه ممتلئ، قد ضمر. وجنتان غائرتان، وشفتان متشقّقتان، وجلدٌ يكاد يلتصق بالعظام. ذراعاي الرفيعتان خضراوان من آثار الحُقَن، والمحلول يقطر في وريدٍ لم يعد يحتمل الإبرة. أنفاسه تتقطّع بين شهيقٍ قصير وزفيرٍ خشن كأنها تخرج من آلةٍ صدئة.— كلاهما يتراجع، — همست منى. — الكلى والكبد. الأطباء يقولون ثلاثة أسابيع. أنا لا أصدّق.وضعتُ كفّي على جبهتي الباردة، وقلتُ لنفسي إنّ أغرب مشاعر الدنيا أن ترى جسدك الحقيقيّ كما يراه الآخر
جاءني مازن في الثانية من فجر اليوم التالي، من الباب الخلفيّ للمطبخ.كانت سميرة قد فتحت له، وأشارت إليّ أن أتبعها دون أن تنطق. وجدتُه واقفًا بين أكياس الطحين وأواني النحاس، بمعطفٍ مطريّ مبتلّ وحقيبة طبيب بيده، يمسح نظّارته بمنديلٍ وقد شحب وجهه تحت ضوء المصباح الوحيد.— أيّتها الغاضبة الشجاعة، — قال بنبرةٍ حاول أن يجعلها مازحة وفشل. — سمعتُ ما جرى في الحبس.— قل لي شيئًا لا أعرفه.— حسنًا. — جلس على كرسيّ خشبيّ وأشار لي أن أجلس. — أخبريني أولًا: ماذا قالت سيرين؟رويتُ له كل شيء: الغرفة الأخرى، ورواية سيرين، والخزانة، والشريط، ثم وثيقة القبول التي رمى بها هشام في حضني. وأخرجتُ الشريط من الحذاء لأول مرة، فنظر إليه مازن كمن يرى جمرةً.— لا تُشغّلي هذا هنا. هشام يضع في هذا البيت من الأجهزة ما لا تتصوّرين.— ولماذا ساعدتَ سيرين على هذا كله؟أطرق طويلًا. ولما رفع رأسه رأيتُ فيه رجلًا لا يضحك.— كنتُ طبيبَ عائلة المنصوري ثلاثين سنة. كنتُ أحبّ سيرين كابنتي. وحين جاءتني تبكي وقالت إنها تريد الهرب من زوجٍ يقتل، قلتُ لنفسي: هذه فرصةٌ لأكفّر عن شيءٍ قديم. وأعطيتُها عنوان السرير ١٤ لأنها قالت إنها س