Masukانطلقت صافرات الإنذار العالية في أرجاء "حصن الجرف"، واهتزت جدران الجبل البركاني بصوت دويّ كأنه انفجار في أعماق الأرض. كانت الأضواء الفسفورية في القاعة الدائرية ترتجف وتنطفئ واحدة تلو الأخرى، متأثرة بالموجات السحرية الضخمة التي كانت تضرب الحصن من الخارج.دخل أحد حراس سيلين وهو ينزف من جبينه، وجثى على ركبته قائلاً بصوت متقطع:— "مولاتي سيلين! 'المشعوذون السبعة' وصلوا البوابة الشرقية! يرافقهم جند من الطائفة المظلمة، وقد أطلقوا تعويذة 'تفتيت الصخر' للوصول إلى القاعة الرئيسية!"انتصبت سيلين في وقفتها، ومسكت بقاطعها البرونزي بثبات، وقالت بصوت يملأه الحزم القيادي:— "اجمعوا الرماة عند السور العلوي، ولا تسمحوا لأي منهم بالاقتراب من ممر الهروب السفلي!"التفت جاسر نحو ميرال، وعيناه تشتعلان بغضب مظلم. أمسك بيدها ببطء، وتدفقت موجة من الدفء والضوء النجمي من كفها إلى شرايينه، مما أعطاه قوة مضاعفة لإخماد أي ألم متبقٍ من لعنته.قال جاسر وهو يسحب سيفه العريض بلمحة عين:— "نوفل.. خذ ميرال وليندا وانزلوا فوراً إلى الممر السري الممتد أسفل الجبل. سأبقى هنا مع سيلين لصد المشعوذين وإغلاق البوابة."صرخ
توقف الزمان للحظات داخل "غابات الأمل الضائع". كان الحفيف يزداد وضوحاً، مترافقاً مع صوت خطوات خفيفة ومدروسة على الأوراق الجافة والجليد المترسب. تحفزت ليندا وهي تشد وتر قوسها الفولاذي حتى كاد ينقطع، بينما وقف نوفل أمام الموقد المخفي، مستعداً لإطلاق موجة وهم سريعة لو تطلب الأمر.أما جاسر، فقد خطى خطوة واسعة إلى الأمام ليغطي بظله الضخم جسد ميرال بالكامل. انطلقت من شفرة سيفه الدكناء خيوط سوداء حادة كأنها أشواك نارية تتغذى على الهواء، وعيناه الذهبيتان احتدتا بنور يفترس الظلام.— "اخرجوا بسلاحكم منخفضاً، وإلا جعلت أجسادكم قوتاً لأشجار هذه الغابة!" زمجر جاسر بصوت هز أركان المكان.من بين أغصان الصنوبر الملتوية، برزت ثلاثة أشكال يلفها رداء زيتي اللون يعكس ألوان الطحالب. لم يكونوا يرتدون دروع الإمبراطورية الذهبية ولا الأقنعة النحاسية لفرسان الطائفة المظلمة؛ بل كانوا يرتدون أقنعة من ألياف الخيزران المنقوشة بروموز ساحرة للمتمردين.تقدمت إحداهن—امرأة فارعة الطول تتكأ على قاطع برونزي مزخرف—ورفعت يدها الخالية في الهواء علامة على السلام. سحبت قناعها ببطء ليكشف عن وجه نحاسي تحرسه ندبة حادة على خده
كان جو "ممر الأرواح" كثيفاً، محْملاً برائحة الحجر الرطب والغبار الذي لم يلمسه ضوء الشمس منذ قرون. الجدران الضيقة للنفق كانت تزينها نقوش قديمة باهتة تروي حكايات حروب السحرة الأولى، وكأن الحجارة نفسها تتنفس وتراقب خطواتهم الحذرة.كان نوفل يتقدم المجموعة ببطء، رافعاً عصاه الأبنوسية التي كانت تبث ضوءاً بنفسجياً خافتاً يضيء لهم الطريق. التفت إلى الخلف ليطمئن على بقية الفريق، وقال بصوت خفيض ترتد أصداؤه بين الجدران:— "علينا الحذر يا أصدقائي... هذا النفق لم يُستعمل منذ أيام الحرب الكبرى. التعاويذ القديمة هنا لا تزال نشطة، وأي خطوة خاطئة خارج الخطوط المنحوتة في الأرض قد توقظ حراساً من سحر الأبدية."كانت ليندا تسير خلفه مباشرة، عيناها تراقبنا الظلال الممتدة خلفهم بحذر شديد، وسيفها الناري الخافت يبعث دفئاً خفيفاً في المكان البارد. قالت بتذمر خفيف يخفي خلفه توترًا حقيقياً:— "كنت أعتقد أن الهروب من حراس الإمبراطور هو الأصعب يا نوفل، لكن يبدو أنك وفّرت لنا جحيماً تحت الأرض يفوق جحيم السطح بمراتب."رد نوفل بابتسامة خفيفة وساخرة، محاولاً تخفيف حدة التوتر:— "يا ليندا، أين متعة النجاة إن لم تكن
لم يكن هناك وقت للتفكير أو لتوبيخ صابر على خيانته. فما إن اخترق السهم الناري شراع الخيمة حتى اشتعلت النيران في الأقمشة المحيطة، وتحولت أزقة "سوق قارون" المزدحمة إلى ساحة حرب فوضوية.صرخ نوفل وهو يرفع عصاه الأبنوسية ليرسم تعويذة درع هوائي صدت موجة من السهام الحارقة التي انطلقت من أسطح الأكواخ:— "لقد حاصرونا من كل المداخل! المرتزقة وحراس الإمبراطور يغلقون المخرج الشمالي والجنوبي بالكامل!"استل جاسر سيفه بقوة من الطاولة المنشقة، وعيناه الذهبيتان تبرقان بغضب عارم تداخلت معه هالة الظلال السوداء التي التفّت حول ذراعيه كالأفاعي. نظر إلى صابر الذي كان يتراجع بسرعة نحو المخرج الخلفي برفقة حراسه، وقال بصوت قطعي يشبه الرعد:— "ستدفع ثمن هذه الخيانة غالياً يا صابر.. ولكن ليس اليوم."التفت جاسر بسرعة نحو ميرال التي كانت تقف باثبات رغم دوي الانفجار واشتعال النيران حولهما. أمسك بمعصمها بيده القوية، وقال بنبرة آمرة لا تقبل التراجع:— "ابقِ قريبة مني تماماً.. دعي سحرك خامداً للآن، واتركي لي أمر هؤلاء القتلة."قالت ميرال وهي تشد على قلادتها وتومئ برأسها بحزم:— "لن أكون عبئاً عليك يا جاسر.. اصنع
كان الخيط الأول للشفوق يرتسم في السماء بعيداً كخط جرح أرجواني فوق القمم البركانية. في الكوخ الحجري المهجور، خبا لهيب الموقد ولم يتبقَّ منه سوى الجمر المتوهج الذي يعكس ظلالاً دافئة على الجدران الخشنة.كانت ميرال تسند رأسها إلى الحائط الصخري، ومقلتاها المثقلتان بالنوم تتأملان جاسر القابع عند العتبة. كان يمسك بخنجره الصغير ويعيد حفر رموز الحماية على إطار الباب الخشبي، وحركاته متزنة ودقيقة رغم علامات الإرهاق التي تحيط بعينيه.العباءة السوداء التي أسبغها عليها كانت لا تزال تلف جسدها، والدفء الصادر منها يبعث في نفسها شعوراً متناقضاً بالراحة والخوف في آنٍ واحد. كيف لرجلٍ وُصف في كل الكتب والمخطوطات كقتّالٍ بلا قلب ويده مغطاة بالدماء، أن يحنو على جراحها بتلك الرقة التي أظهرها الليلة الماضية؟استدار جاسر ببطء وكأنه شعر بنظراتها. التقت عيناهما في عتمة الكوخ الخافته، ولم يتكلم أي منهما لعدة لحظات. كان الصمت بينهما يضج بالأفكار والأسئلة المعلقة.كسر نوفل الصمت المتوتر وهو يدخل من الباب الخلفي، يحمل بعض الأعشاب البرية وقارورة ماء طبية. كانت عباءته متسخة بالرماد، وعلى ملامحه الوديعة ارتسم جدٌ
كان الضباب الكثيف يلتف حول جذوع الأشجار الملتوية في "غابة الأرواح المحرمة" كأنه كفن متحرك. كانت برودة الليل تنهش العظام، والهدوء المريب للغابة لم يكن يقطعه سوى خفقان أقدام الأحصنة وصوت أنفاس الأبطال المتسارعة. كانت ميرال تمتطي جواداً أشهب خلف جاسر، متمسكة بخصره بوجل كلما اهتز الجواد فوق الأرضية الحجرية الزلقة. كانت تشعر بالحرارة المنبعثة من جسده رغم البرد القارس؛ حرارة غير طبيعية، كأن في داخله مرجل يغلي من السحر المكتوم. العباءة السوداء التي ألقاها عليها كانت تشبعت برائحته—مزيج من الرماد المعتق وعطر خشب الصندل الممزوج بنكهة دموية خفيفة. — "إلى متى سنستمر في الركض؟" سألت ميرال بصوت خفيض وهي تتطلع إلى الأشجار ذات الأوراق الفضية الميتة التي بدت كأنها أشباح تلوح بأيديها. لم يلتفت جاسر، لكن نبرة صوته جاءت قاطعة وهادئة وسط الريح: — "حتى نصل إلى الحدود العتيقة لـ 'ممر الضباب'. حراس الإمبراطور يملكون كلاب طاقة يمكنها تتبع أثر سحركِ النجمي لفرسخ كامل. الضباب السحري لهذه الغابة هو الشيء الوحيد الذي يغطي على الإشعاع الصادر من دمكِ." على بُعد خطوات منهما، كان نوفل يسير بجواده ببطء، وعي







