Share

ملحمة الظلال والياقوت الدامي
ملحمة الظلال والياقوت الدامي
Penulis: زَبْرَقان

.....

last update Tanggal publikasi: 2026-10-19 15:07:39

​كان صمت الليل في مدينة "فالينور" أشبه بوعيد ثقيل. الجدران المصنوعة من الحجر الأبيض المضيء كانت تعكس ضوء الأقمار الثلاثة في السماء كأنها عيون ميتة تراقب كل حركة.

​في قصر الأكاديمية الملكية، حيث تختلط رائحة البخور المعتق بعبق المخطوطات السحرية المحرمة، كانت ميرال تقف وحدها أمام نافذة برجها العالي. أصابعها الدقيقة كانت تداعب قلادة فضية قديمة ترتشي بضوء خافت، بينما كانت تعيد تلاوة تعويذة الحماية البسيطة التي حفظتها ألف مرة لتبقي ومضات السحر النجمي في دمائها خافته وغير مرئية للمراقبين.

​في تلك الليلة، لم تكن تنام. فقد وصلتها رسالة مجهولة على طاولة خشب الصندل الخاصة بها، تتضمن عبارة واحدة فقط: "دمكِ هو مفتاح القفل، واعلمي أن حرس الظل قادمون لأخذكِ حيّة أو ميتة".

​على الجانب الآخر من المدينة، في أزقة الظلال حيث لا يصل نور الأقمار، كان جاسر يمتطي جواده الأسود الفاحم، ورياح العاصفة القادمة تداعب عباءته الجلدية الموشومة برموز الطسماج المحرمة. عيناه اللتان كانتا تختزلان لون الفحم والذهب احتدتا وهو ينظر إلى قمة برج الأكاديمية.

​قال بصوت خفيض لنوفل الذي كان يركض بجانبه فرساً بفَرس:

— "تأكد من إحكام الحصار يا نوفل.. الفتاة تحمل في عروقها ذات السحر الذي قتل أخي وأحرق النصف الشمالي من الإمبراطورية. لن أسمح لها بالهروب.. حتى وإن اضطررت لجرّها من شعرها إلى زنزانات الإعدام."

​أجاب نوفل بنبرة ساخرة خفيفة تخفي خلفها قلقاً حقيقياً:

— "تأني يا قائد.. قلبي يقول لي إن هذه الليلة لن تشبه الليالي السابقة، وربما ما تبحث عنه هناك.. ليس عدواً تقتله، بل قدرا يحرقك."

​لم يجب جاسر، لكن نبضات قلبه المتسارعة والمصحوبة بألم اللعنة التي تنهش صدره كلما اقترب من مركز سحر قوي، كانت تؤكد له أن شيئاً كونياً رهيباً على وشك الحكاية.​كان السكون يلفّ ممرات الأكاديمية الملكية للسحر، لكنه لم يكن سكوناً عادياً؛ بل كان هدوءاً مشحوناً برائحة الأوزون والرماد المخفي. كانت ميرال تقف عند أسفل السلم الحجري الملتوي المؤدي إلى المكتبة السرية للبرج الشمالي. عيناها الفيروزيتان تتنقلان بين الظلال المتراقصة على الجدران العاجية، ويدها اليسرى تحكم القبضة على الخنجر المنقوش بروموز النجوم.

​ارتجفت الشعلة الزرقاء في قنديل الجدار، ولم يكن ذلك بفعل الهواء؛ بل كان نتاجاً لتغير طفيف في الضغط السحري للمكان. انسابت هالة سوداء كالقطران من تحت الباب الحديدي الضخم، لتتشكل منها خطوط ملتوية زحفت على الأرضية الرخامية نحو قدميها.

​صوت حوافر منتظمة وصوت خفقان عباءات جلدية كان يقترب من باحة القصر الخارجية. لم يكن لديها وقت للتردد. عندما استدارت لتهرب نحو السلم المخفي خلف السجادة العتيقة، سقط ظل طيل هائل حجب عنها ضوء الأقمار الثلاثة المتسلل من النافذة.

​— "إلى أين بهذه العجلة، يا صاحبة السحر المحرم؟"

​كان الصوت هادئاً، رخيمًا، ويحمل في نبرته حسّاً بالخطورة الشديدة جعل الدماء تتجمد في عروقها.

​استدارت ميرال ببطء، لتواجه جاسر. كان يقف متكئاً بيده على مقبض سيفه المزين بجمجمة تنين سوداء. عيناه الذهبيتان اللتان تتخللهما خطوط سوداء من تأثير اللعنة كانت تركزان عليها بشدة تجعل أنفاسها تتصاعد. العباءة السوداء التي يرتديها كانت تتحرك حركات طفيفة وكأنها كائن حي يخضع لإرادته.

​قالت ميرال وهي ترفع خنجرها وتتراجع خطوة إلى الخلف، محاولة إخفاء الارتجاف في صوتها:

— "لا تقترب أكثر يا قائد الظلال.. ليس لدي ما أبحث عنه في معارككم السياسية القذرة، ولم أرتكب خطأ يستدعي اقتحام الحرس الملكي لبرجي."

​ابتسم جاسر ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه. خطى خطوة إلى الأمام، وكلما تقدم خطوة، كانت الشموع القريبة تطفأ تلقائياً بسبب السحر الأسود المحيط به.

​— "الخطأ ليس فيما فعلتِه اليوم يا ميرال.. الخطأ يكمن في دماء النجوم التي تسري في عروقكِ. الدماء التي اعتقدنا أنها انقرضت منذ قرن من الزمان. أنتِ لستِ مجرد طالبة في هذه الأكاديمية.. أنتِ قنبلة موقوتة تهدد العرش والإمبراطورية بكاملها."

​في تلك اللحظة، ظهر نوفل عند مدخل الممر المظلم، ممسكاً بلفافة بَرِديّ متوهجة بسحر الكشف، وإلى جانبه ليندا التي كانت ترتدي درع الحرس الذهبي وسيفها العريض يلمع بسحر النار المشتعل على شفرته.

​قال نوفل بصوت متوتر وهو ينظر إلى اللفافة ثم إلى ميرال:

— "جاسر.. طاقة النجوم في المكان تتضاعف! الحراس على الأسوار الخارجية يواجهون تشويشاً كاملاً في تعاويذ الحماية. هناك طرف ثالث تحرك للوصول إليها قبلنا!"

​صرخت ليندا وهي تسحب سيفها بالكامل:

— "لدينا حركة في الساحات السفلى! فرسان طائفة 'المظلمين' اخترقوا البوابة السحرية!"

​قبل أن يستوعب أي منهم ما يحدث، انفجر الجدار الزجاجي الملون للبرج بأكمله. تناثرت آلاف القطع الملونة كالمطر الدامي، ودخلت عبر الفتحة كائنات كابوسية مجنحة مصنوعة من الظلام والحديد الصلب، يندفع خلفها فرسان يرتدون أقنعة نحاسية صامتة.

​صرخ قائد الفرسان المظلمين بصوت مشروخ:

— "اقتلوا قائد حرس الظل.. وخذوا الفتاة حية لتقديمها للعرش المظلم!"

​في تلك اللحظة المشتعلة، التقت عين ميرال بعيني جاسر. لم يكن هناك وقت للخصام أو الخوف. سحب جاسر سيفه الضخم بلمحة عين، لتنطلق منه موجة ظلامية حادة قطعت رأس أول كائن مجنح قبل أن يلمس الأرض، بينما رفعت ميرال كفيها نحو السماء، وانطلقت من بين أصابعها أشعة من الضوء الذهبي النجمي أضاءت الممر المظلم بكامله وأحرقت خطوط الظلال التي حاول العدو استخدامها.

​نظر إليها جاسر وسط الدخان والغبار، وفي عينيه مزيج من الذهول والخطر المحدق:

— "سحركِ قوي جداً يا ميرال.. لكنه سيجلب الموت لكل من يقف بجانبكِ tonight!"

​فاحت رائحة الاحتراق والحديد المذاب في الممر الملكي. كانت المعركة تدور في مساحة ضيقة لا تتجاوز بضعة أمتار، لكن السحر المتبادل جعل جدران الأكاديمية العريقة تئن وتتشقق.

​كانت ليندا تتحرك كالعاصفة الحارقة بين المهاجمين؛ سيفها يترك أثراً من النار المشتعلة في الهواء، تضرب بقوة وسرعة لا ترحم، بينما يتكفل نوفل بإرباك الأعداء؛ حيث أطلق سحر الوهم ليجعل الفرسان المظلمين يضربون بعضهم البعض في ظلام الممر.

​— "ليندا! انتبهي عن يساركِ!" صرخ نوفل وهو يلقي تعويذة درع أثيرية صدت رمحاً سحرياً كان متجهًا إلى ظهرها مباشرة.

​استدارت ليندا بسرعة، وضقّت قدمها بالأرض لتطلق موجة نارية أطاحت بالرامي، ثم التفتت إلى نوفل بنظرة حادة نارية:

— "اهتم بوهمك يا نوفل ولا تقلق بشأن ظهري! أعرف كيف أحمي نفسي!"

​أجابها نوفل وهو يبتسم وسط العرق والمخاطر:

— "لو لم أقلق بشأن ظهركِ لكانت الإمبراطورية قد خسرت أفضل فارسة لديها وأكثرهم إزعاجاً!"

​على الجانب الآخر، كان الصراع أكثر عمقاً وخطورة. اندفع اثنان من قادة الفرسان المظلمين نحو ميرال، ممسكين بسلاسل سحرية مخصصة لتقييد القوى النجمية. لم تكن ميرال مقاتلة سيوف، لكن قدرتها على التلاعب بالضوء جعلتها تتفادى ضرباتهم بسرعة فائقة؛ أرست شعاعاً متوهجاً أعماهم للحظات، ثم استخدمت جداراً ضوئياً لدفعهم إلى الخلف.

​لكن أحد الفرسان استغل تشتتها وهجم عليها بخنجر مسموم من الخلف.

​في الكسر من الثانية الذي سبقت الإصابة، ظهر جاسر أمامها كالجبل الأسود. اعترض السيف المسموم بسيفه العريض، وأمسك بعنق الفارس بيده الأخرى. تصاعدت هالة سوداء كثيفة من يد جاسر، وخلال ثوانٍ معدودة، امتصت اللعنة الحياة من الفارس ليتحول إلى رماد متساقط على الأرض.

​سقط جاسر على ركبته واحدة، مشدداً قبضته على صدره، وانطلق منه أنين مكتوم. بدأت الخطوط السوداء على رقبته تشتعل باللون الأحمر البركاني، ولعنته المحرمة بدأت تثور ضد جسده بسبب الاستخدام المفرط لسحر الظلال.

​صرخت ميرال وركضت نحوه دون تفكير:

— "جاسر!"

​جثت بجانبه وأمسكت بكتفه. بمجرد أن لمست يدها الجلد العاري لرقبته، حدث شيء لم يتوقعه كلاهما.

​انطلقت موجة صادمة من الضوء الياقوتي الفاخر من نقطة التلامس بينهما. السحر النجمي في دماء ميرال بدأ يتغلغل في عروق جاسر تلقائياً، يهدئ اللعنة المشتعلة وينظف الدم الملوث بالظلام. تراجعت الخطوط السوداء المشتعلة على رقبته ببطء، وتوقف ألمه فوراً.

​رفع جاسر رأسه بنفس متقطع، وكانت عيناه الذهبيتان قريبتين جداً من عيني ميرال. كان ينظر إليها بمزيج من الصدمة، الشغف، والحذر الشديد. لم يسبق لأي سحر في العالم أن هدأ لعنته بهذا الشكل من قبل.

​— "ما الذي.. فعلتِه للتو؟" زمجر بصوت خفيض ومرتبك، ويده لا تزال تقبض على يدها التي تلمس رقبة جسده.

​نظرت ميرال إلى كفها الذي كان يسطع بضوء ذهبي دافئ، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بنبرة مليئة بالتحدي والخوف في آن واحد:

— "سحري ليس مجرد خطورة كما تظن يا قائد الظلال.. دمي هو الوحيد الذي يمكنه منع هذه اللعنة من أكل روحك بالكامل."

​وقف نوفل وليندا فوقهما بعد أن قتلا آخر الفرسان المظلمين، وكان المشهد حولهم عبارة عن دمار شامل؛ جدران متهدمة، رماد ينتشر في الهواء، وأصوات أجراس الإنذار الملكية تدوي في كامل أرجاء الأكاديمية.

​قال نوفل وهو ينظر إلى الحارس الملكي الذي بدأ يتجمع في الأسفل:

— "جاسر.. الإمبراطور سيعتبر ما حدث هنا خيانة العظمى. الفرسان المظلمون لم يأتوا وحدهم، كان لديهم إذن بالدخول من الحرس الإمبراطوري! هناك من في القصر يريد ميرال ويريد رأسك أنت أيضاً."

​وقف جاسر بقامته المهيبة، وسحب عباءته ليغطي بها كتفي ميرال المرتجفتين من البرد والمجهود السحري. خيّم عليه جلال القيادة والصرامة، لكن نظرته لم تفارق ميرال لحظة.

​قال جاسر بصوت قاطع لا يقبل النقاش:

— "الأكاديمية لم تعد آمنة، والقصر الملكي أصبح جحراً للأفاعي. سنغادر فالينور الليلة.. ونأخذ ميرال معنا."

​نظرت إليه ميرال بشك وقالت:

— "ولماذا أذهب معك؟ هل أستبدل سجناً بسجن آخر؟"

​اقترب منها جاسر حتى لم يبق بينهما سوى أنفاسهما، وقال بنبرة خفيضة وعميقة جعلت قلبها يخفق بشكل مرعب:

— "لأنكِ إن بقيتِ هنا ستقتلين في الغد، وإن ذهبتِ معي.. ستحصلين على حمايتي وحريتكِ، وسأعرف السر الذي يربط دمي بدمكِ حتى لو كان آخر شيء أفعله في حياتي."

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • ملحمة الظلال والياقوت الدامي   ....

    ​انطلقت صافرات الإنذار العالية في أرجاء "حصن الجرف"، واهتزت جدران الجبل البركاني بصوت دويّ كأنه انفجار في أعماق الأرض. كانت الأضواء الفسفورية في القاعة الدائرية ترتجف وتنطفئ واحدة تلو الأخرى، متأثرة بالموجات السحرية الضخمة التي كانت تضرب الحصن من الخارج.​دخل أحد حراس سيلين وهو ينزف من جبينه، وجثى على ركبته قائلاً بصوت متقطع:— "مولاتي سيلين! 'المشعوذون السبعة' وصلوا البوابة الشرقية! يرافقهم جند من الطائفة المظلمة، وقد أطلقوا تعويذة 'تفتيت الصخر' للوصول إلى القاعة الرئيسية!"​انتصبت سيلين في وقفتها، ومسكت بقاطعها البرونزي بثبات، وقالت بصوت يملأه الحزم القيادي:— "اجمعوا الرماة عند السور العلوي، ولا تسمحوا لأي منهم بالاقتراب من ممر الهروب السفلي!"​التفت جاسر نحو ميرال، وعيناه تشتعلان بغضب مظلم. أمسك بيدها ببطء، وتدفقت موجة من الدفء والضوء النجمي من كفها إلى شرايينه، مما أعطاه قوة مضاعفة لإخماد أي ألم متبقٍ من لعنته.​قال جاسر وهو يسحب سيفه العريض بلمحة عين:— "نوفل.. خذ ميرال وليندا وانزلوا فوراً إلى الممر السري الممتد أسفل الجبل. سأبقى هنا مع سيلين لصد المشعوذين وإغلاق البوابة."​صرخ

  • ملحمة الظلال والياقوت الدامي   .....

    ​توقف الزمان للحظات داخل "غابات الأمل الضائع". كان الحفيف يزداد وضوحاً، مترافقاً مع صوت خطوات خفيفة ومدروسة على الأوراق الجافة والجليد المترسب. تحفزت ليندا وهي تشد وتر قوسها الفولاذي حتى كاد ينقطع، بينما وقف نوفل أمام الموقد المخفي، مستعداً لإطلاق موجة وهم سريعة لو تطلب الأمر.​أما جاسر، فقد خطى خطوة واسعة إلى الأمام ليغطي بظله الضخم جسد ميرال بالكامل. انطلقت من شفرة سيفه الدكناء خيوط سوداء حادة كأنها أشواك نارية تتغذى على الهواء، وعيناه الذهبيتان احتدتا بنور يفترس الظلام.​— "اخرجوا بسلاحكم منخفضاً، وإلا جعلت أجسادكم قوتاً لأشجار هذه الغابة!" زمجر جاسر بصوت هز أركان المكان.​من بين أغصان الصنوبر الملتوية، برزت ثلاثة أشكال يلفها رداء زيتي اللون يعكس ألوان الطحالب. لم يكونوا يرتدون دروع الإمبراطورية الذهبية ولا الأقنعة النحاسية لفرسان الطائفة المظلمة؛ بل كانوا يرتدون أقنعة من ألياف الخيزران المنقوشة بروموز ساحرة للمتمردين.​تقدمت إحداهن—امرأة فارعة الطول تتكأ على قاطع برونزي مزخرف—ورفعت يدها الخالية في الهواء علامة على السلام. سحبت قناعها ببطء ليكشف عن وجه نحاسي تحرسه ندبة حادة على خده

  • ملحمة الظلال والياقوت الدامي   .....

    ​كان جو "ممر الأرواح" كثيفاً، محْملاً برائحة الحجر الرطب والغبار الذي لم يلمسه ضوء الشمس منذ قرون. الجدران الضيقة للنفق كانت تزينها نقوش قديمة باهتة تروي حكايات حروب السحرة الأولى، وكأن الحجارة نفسها تتنفس وتراقب خطواتهم الحذرة.​كان نوفل يتقدم المجموعة ببطء، رافعاً عصاه الأبنوسية التي كانت تبث ضوءاً بنفسجياً خافتاً يضيء لهم الطريق. التفت إلى الخلف ليطمئن على بقية الفريق، وقال بصوت خفيض ترتد أصداؤه بين الجدران:— "علينا الحذر يا أصدقائي... هذا النفق لم يُستعمل منذ أيام الحرب الكبرى. التعاويذ القديمة هنا لا تزال نشطة، وأي خطوة خاطئة خارج الخطوط المنحوتة في الأرض قد توقظ حراساً من سحر الأبدية."​كانت ليندا تسير خلفه مباشرة، عيناها تراقبنا الظلال الممتدة خلفهم بحذر شديد، وسيفها الناري الخافت يبعث دفئاً خفيفاً في المكان البارد. قالت بتذمر خفيف يخفي خلفه توترًا حقيقياً:— "كنت أعتقد أن الهروب من حراس الإمبراطور هو الأصعب يا نوفل، لكن يبدو أنك وفّرت لنا جحيماً تحت الأرض يفوق جحيم السطح بمراتب."​رد نوفل بابتسامة خفيفة وساخرة، محاولاً تخفيف حدة التوتر:— "يا ليندا، أين متعة النجاة إن لم تكن

  • ملحمة الظلال والياقوت الدامي   ....

    ​لم يكن هناك وقت للتفكير أو لتوبيخ صابر على خيانته. فما إن اخترق السهم الناري شراع الخيمة حتى اشتعلت النيران في الأقمشة المحيطة، وتحولت أزقة "سوق قارون" المزدحمة إلى ساحة حرب فوضوية.​صرخ نوفل وهو يرفع عصاه الأبنوسية ليرسم تعويذة درع هوائي صدت موجة من السهام الحارقة التي انطلقت من أسطح الأكواخ:— "لقد حاصرونا من كل المداخل! المرتزقة وحراس الإمبراطور يغلقون المخرج الشمالي والجنوبي بالكامل!"​استل جاسر سيفه بقوة من الطاولة المنشقة، وعيناه الذهبيتان تبرقان بغضب عارم تداخلت معه هالة الظلال السوداء التي التفّت حول ذراعيه كالأفاعي. نظر إلى صابر الذي كان يتراجع بسرعة نحو المخرج الخلفي برفقة حراسه، وقال بصوت قطعي يشبه الرعد:— "ستدفع ثمن هذه الخيانة غالياً يا صابر.. ولكن ليس اليوم."​التفت جاسر بسرعة نحو ميرال التي كانت تقف باثبات رغم دوي الانفجار واشتعال النيران حولهما. أمسك بمعصمها بيده القوية، وقال بنبرة آمرة لا تقبل التراجع:— "ابقِ قريبة مني تماماً.. دعي سحرك خامداً للآن، واتركي لي أمر هؤلاء القتلة."​قالت ميرال وهي تشد على قلادتها وتومئ برأسها بحزم:— "لن أكون عبئاً عليك يا جاسر.. اصنع

  • ملحمة الظلال والياقوت الدامي   ....

    ​كان الخيط الأول للشفوق يرتسم في السماء بعيداً كخط جرح أرجواني فوق القمم البركانية. في الكوخ الحجري المهجور، خبا لهيب الموقد ولم يتبقَّ منه سوى الجمر المتوهج الذي يعكس ظلالاً دافئة على الجدران الخشنة.​كانت ميرال تسند رأسها إلى الحائط الصخري، ومقلتاها المثقلتان بالنوم تتأملان جاسر القابع عند العتبة. كان يمسك بخنجره الصغير ويعيد حفر رموز الحماية على إطار الباب الخشبي، وحركاته متزنة ودقيقة رغم علامات الإرهاق التي تحيط بعينيه.​العباءة السوداء التي أسبغها عليها كانت لا تزال تلف جسدها، والدفء الصادر منها يبعث في نفسها شعوراً متناقضاً بالراحة والخوف في آنٍ واحد. كيف لرجلٍ وُصف في كل الكتب والمخطوطات كقتّالٍ بلا قلب ويده مغطاة بالدماء، أن يحنو على جراحها بتلك الرقة التي أظهرها الليلة الماضية؟​استدار جاسر ببطء وكأنه شعر بنظراتها. التقت عيناهما في عتمة الكوخ الخافته، ولم يتكلم أي منهما لعدة لحظات. كان الصمت بينهما يضج بالأفكار والأسئلة المعلقة.​كسر نوفل الصمت المتوتر وهو يدخل من الباب الخلفي، يحمل بعض الأعشاب البرية وقارورة ماء طبية. كانت عباءته متسخة بالرماد، وعلى ملامحه الوديعة ارتسم جدٌ

  • ملحمة الظلال والياقوت الدامي   .........

    ​كان الضباب الكثيف يلتف حول جذوع الأشجار الملتوية في "غابة الأرواح المحرمة" كأنه كفن متحرك. كانت برودة الليل تنهش العظام، والهدوء المريب للغابة لم يكن يقطعه سوى خفقان أقدام الأحصنة وصوت أنفاس الأبطال المتسارعة. ​كانت ميرال تمتطي جواداً أشهب خلف جاسر، متمسكة بخصره بوجل كلما اهتز الجواد فوق الأرضية الحجرية الزلقة. كانت تشعر بالحرارة المنبعثة من جسده رغم البرد القارس؛ حرارة غير طبيعية، كأن في داخله مرجل يغلي من السحر المكتوم. العباءة السوداء التي ألقاها عليها كانت تشبعت برائحته—مزيج من الرماد المعتق وعطر خشب الصندل الممزوج بنكهة دموية خفيفة. ​— "إلى متى سنستمر في الركض؟" سألت ميرال بصوت خفيض وهي تتطلع إلى الأشجار ذات الأوراق الفضية الميتة التي بدت كأنها أشباح تلوح بأيديها. ​لم يلتفت جاسر، لكن نبرة صوته جاءت قاطعة وهادئة وسط الريح: — "حتى نصل إلى الحدود العتيقة لـ 'ممر الضباب'. حراس الإمبراطور يملكون كلاب طاقة يمكنها تتبع أثر سحركِ النجمي لفرسخ كامل. الضباب السحري لهذه الغابة هو الشيء الوحيد الذي يغطي على الإشعاع الصادر من دمكِ." ​على بُعد خطوات منهما، كان نوفل يسير بجواده ببطء، وعي

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status