Share

الفصل لتاني الحقيقية تبدا تكشف

last update publish date: 2026-06-15 05:26:01

أغلقت ليليان باب الحمام خلفها، وقفت أمام مرآةالحمام. وفتحت صنبور المياه الباردة، وجمعت الماء بكفيها لتغمر وجهها به مراراً وتكراراً، محاولة طرد بقايا الأنفاس شخص الساخنة والركض المرعب من ذاكرتها، ومسح حبات العرق التي تبلل جبينها.

عندما انتهت، أغلقت الصنبور ورفعت رأسها ببطء لتجفف وجهها، لكنها تجمدت مكانه عندما التقت عيناها بانعكاس صورتها في المرآة. كان شعرها مبعثراً ومنكوشاً بطريقة غريبة، وثوب نومها مجعداً، حتى بدا مظهرها في عتمة الليل أشبه بكائن مرعب. رغم توترها، انطلقت منها ابتسمت ساخرة وحدثت نفسها قائلة: «لو رآني ذلك الوحش بهذا المظهر، لكان هو من يفر رعباً مني، لا أنا!».

لكن الابتسامة تلاشت عن شفتيها فوراً، وتحولت دماء عروقها إلى جليد.

اخترق الصمت المطبق صوت خربشة واضح وحاد.. صوت يصدر من الخارج، وتحديداً من داخل غرفتها خلف باب الحمام المغلق.

تسارعت نبضات قلبها حتى شعرت بقرعها في أذنيها. تذكرت على الفور حقيقة واقعها؛ إنها تعيش بمفردها تماماً في هذا المنزل الكبير، وتدبر شؤون حياتها بوحدة موحشة منذ أن غادر والداها هذا العالم وهي طفلة صغيرة لم تتجاوز العاشرة من عمرها. لا وجود لأي أحد هنا غيرها.

تراجعت خطوة إلى الخلف، والتصق ظهرها بالجدار الحمام الباردة، وهمست بصوت خافت يملؤه رجاء: «أتمنى ألا يكون ذلك الوحش قد سمع سخريتي للتو.. وأتى إلى هنا "

بينما تلك الأفكار المتضاربة التي تعصف بعقلها، انقطع ذلك الصوت فجأة وعاد السكون يخيّم على المكان، وكأن تلك الخربشة لم تكن سوى وهم عابر.

تنحّت ليليان عن الجدار ببطء، وتقدمت نحو الباب لتقف خلفه مباشرة. أدارت مقبض باب الحمام بخفة وفتحته قليلاً، ثم أخرجت رأسها بحذر شديد لتستكشف أرجاء الغرفة المظلمة. عندما لم تلمح أي حركة أو أثر لشيء غريب، تنهدت بارتياح وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة من فرط ذعرها، وقالت وهي تشعر بالخزي من نفسها: «يبدو أن أحلامي بدأت تؤثر عليّ حقاً، وأصبحت أتخيل أشياء لا وجود لها».

خطت خطوتها الأول خارجة من الحمام متجهة نحو غرفة عندم دخلت ساد الصمت في الغرفة للحظات، وقبل أن تلتقط ليليان أنفاسها بالكامل، عاد الصوت مرة أخرى بقوة، ولكن هذه المرة كان مصحوباً بصراخ حاد بدا وكأنه يأتي من خلفها مباشرة!

جفّت الدماء في عروقها، وأطلقت صرخة رعب مدوية وهي تلتف بسرعة البرق لتواجه مصدر الخطر، لكن العجيب في الأمر أنها لم تجد أي شيء خلفها؛ كانت الغرفة خالية تماماً.

انعقد حاجباها بذهول، وحين دققت النظر واستمعت بتركيز أكبر، تحول رعبها إلى شعور بالخزي والسخرية من نفسها. بدأت تقترب بخطوات بطيئة من مصدر الصوت، وكلما تقدمت، كلما وضح الصوت واكتشفت حقيقته؛ لقد كان ذلك الصوت المزعج طول هذا وقت هو مجرد رنين هاتفها المحمول!

تنفست الصعداء وتقدمت نحو مكتبها، وأزاحت كومة الأوراق والكتب المتراكمة من فوق هاتفها لتلتقطه. نظرت إلى الشاشة لتعرف هوية المتصل، وما إن قرأت الاسم حتى تلاشت كل مخاوفها، وارتسمت ابتسامة دافئة ملأت وجهها بالكامل.

ضغطت على زر الرد وقالت بكل سعادة وارتياح: «مرحباً ليلي!».

لكن قبل أن تكمل جملتها يبعدت هاتف عن أذنها وهي تسمع صرخ ليلي

كانت ليلي تصرخ بقوة: «ليليانا! أين أنتِ الآن؟!»

فأجابت ليليانا وهي استيعاب سبب هذا الصراخ في هذا وقت متأخر من ليلل: «أنا في المنزل.. ما بكِ؟»

ردت ليلي بنبرة يملؤها الغيظ والتعجب: «في المنزل؟! أيتها الحمقاء، ماذا تفعلين في المنزل حتى الآن؟ ألم نتفق أننا سنلتقي قبل بدء محاضرتنا الأولى في الجامعة؟!»

عقدت ليليانا حاجبيها وهي ما زالت تظن أن وقت منتصف الليل، وقالت بنبرة واثقة: «ولكن.. الساعة ما زالت الثانية عشرة مساءً! عن أي جامعة تتحدثين؟»

انطلقت ضحكة متهكمة من ليلي عبر الهاتف وهي تقول: «حقاً؟! انظري إلى الساعة جيداً أيتها الغارقة في النوم! إنها التاسعة صباحاً، ومحاضرتكِ تبدأ في تمام العاشرة!»

اتسعت عينا ليليانا بذهول، وأنزلت الهاتف عن أذنها بسرعة لترفع نظراتها نحو الساعة المعلقة على الجدار.. وتسمرت في مكانها؛ العقارب كانت تشير بوضوح إلى التاسعة صباحاً، وضياء الشمس كان يتسلل بالفعل من خلف الستائر!

اجتاحتها موجة عارمة من الصدمة والذهول، وشعرت برأسها يدور؛ كيف حدث هذا؟ إنها متأكدة تماماً أنها لم تغمض عينيها إلا لخمس دقائق فقط، وأن ذلك الكابوس المروع بكل تفاصيله لم يستغرق حتى ربع ساعة! كيف مر الوقت وانسحبت ساعات الليل كاملة بهذه السرعة الخاطفة وكأنها ثوانٍ معدودة؟

بينما كانت ليليانا واقفة تحت تأثير الصدمة لم تلاحظ أن ليلي يغلقت مكلمة.

أغلقت ليلى المكالمة وهي تتنهد بضيق من غباء صديقتها، بينما كانت تقف مع صديقاتها في ممر الجامعة.

التفتت الفتاة الواقفة بالقرب من ليلى وقالت وهي تضحك: «هل ما زالت نائمتة حقاً؟ لقد قلت لك إنها ستتأخر كالعادة، فهذه عادتها منذ أن كنا في المرحلة الثانوية ولم تتغير!».

عقّبت فتاة أخرى كانت تقف على مقربة منهما بابتسامة: «نعم، هذا صحيح.. يبدو أنها لن تتغير أبداً مهما كبرنا».

نظرت ليلى إلى ساعتها ثم وجهت كلامها للفتاتين قائلة بنبرة حازمة ولكن مرحة: «حسناً إذن، نلتقي بعد انتهاء محاضرتنا لاول في جامعة. والآن، هيا تذهب كل واحدة إلى قاعة محاضرتها، يجب ألا نتأخر في أول يوم دراسي لنا!».

تفرقت الفتيات متجهات نحو قاعاتهن، وهما يملؤه الحماس لبداية هذا الفصل الجديد.

وفي هذه الأثناء،

استفاقت ليليان من صدمة عقارب الساعة التي أعلنت التاسعة صباحاً. تلاشت كل التساؤلات من رأسها وحلّ محلها ذعر حقيقي من فكرة التأخر في أول يوم جامعي لها، خاصة وأن المسافة بين منزلها والجامعة تستغرق وقتاً طويلاً.

تحركت كالإعصار في أرجاء الغرفة؛ فتحت خزانة ملابسها بسرعة وعيناها تنتقلان بين الرفوف. لم يكن هناك وقت للتفكير أو التنسيق، فسحبت بنطالاً من الجينز الأزرق المريح، ونسقته مع قميص قطني ناعم باللون الأبيض، وجاكيت خفيف بلون بيج دافئ يناسب أجواء الصباح. ارتدت ملابسها بركض وتسارع، ثم ارتمت أمام تسريحتها، وقبضت على فرشاة شعرها لتمررها بخطوات عشوائية وسريعة لترتيب شعرها المنكوش الذي سخرت منه قبل قليل. ومن فرط سرعتها وتوجيه كامل نظرها نحو المرآة والساعة، لم تلتفت إطلاقاً ولم تنتبه لذلك الكتاب الأسود الغامض القابع في زاوية السرير.

التقطت حقيبتها وهاتفها، وفي ثوانٍ معدودة كانت تقف عند عتبة الغرفة. سحبت الباب خلفها وأغلقته بقوة مفرطة أحدثت صدى في أرجاء المنزل، وانطلقت تجري في الممر وخارج البيت بكامل قوتها متجهة نحو محطة الحافلات، وهي تدعو في سرها أن تلمح حافلة قادمة في الأفق لتنقذ موقفها وتلحق بمحاضرة العاشرة.

وفي تلك اللحظة المحددة التي انغلق فيها باب الغرفة بعنف واختفت خطى ليليان الراحلة... ساد هدوء مريب في المكان. وعلى السرير، بدأ الغلاف الأسود للكتاب يتوهج للحظة خاطفة، وقبل أن تجف الكلمة المكتوبة باللون الأحمر، انكمش الكتاب على نفسه وتلاشى تماماً من فوق الفراش، تاركاً الغرفة خالية وكأنه لم يكن موجوداً من الأساس.

وصلت ليليان إلى محطة الحافلات وهي تلهث بشدة، وأخذت تلتفت حولها بيأس وتبحث بعينيها في كل اتجاه لعلها تجد أي حافلة على وشك الانطلاق. ولكن، لسوء حظها، كانت المحطة خالية تماماً من الحافلات في تلك اللحظة.

تنهدت بضيق، وفتحت حقيبتها لتتفحص محفظة نقودها، ثم قالت بأسى وهي تواسي نفسها: «يبدو أنني سأنفق مصروفي كاملاً اليوم على سيارات الأجرة!».

لم يكن أمامها خيار آخر لتدارك الوقت؛ فتوجهت سريعاً نحو سيارة تاكسي كانت تقف على مقربة من المحطة، وفتحت الباب قائلة للسائق على عجل: «إلى الجامعة من فضلك، وبأسرع ما يمكن!».

انطلقت سيارة التاكسي بسرعة كبيرة شقت بها شوارع المدينة المتجهة نحو الجامعة. جلست ليليان في المقعد الخلفي تراقب الطريق من النافذة، وكانت المناظر تتسابق وتمر من أمام عينيها بسرعة خاطفة نظراً لسرعة السيارة الجنونية.

ورغم كل ما عاشته في ذلك الصباح من كوابيس مروعة، وخوف، وتأخير قَلب خططها رأساً على عقب، إلا أن دقات قلبها هذه المرة كانت مختلفة؛ إذ تسللت إلى صدرها موجة من الحماس والشغف الخالص. ابتسمت في سرها وهي تتطلع إلى مباني الجامعة التي بدأت تلوح في الأفق؛ فهذا هو يومها الأول، وبداية رحلة جديدة تماماً في حياتها.

أخيراً، توقفت سيارة التاكسي أمام البوابة الرئيسية للجامعة. نزلت ليليانا على عجل بعد أن حاسبت السائق، ووقفت لثوانٍ تتأمل الحرم الجامعي بهيبة وسعادة غامرة، والبهجة تملأ عينيها. ولكن، ما إن رفعت هاتفها لتتفقد الوقت حتى تجمدت الابتسامة على شفتيها؛ إنها العاشرة إلا ربع! لم يتبقَ سوى خمس عشرة دقيقة على بدء المحاضرة الأولى.

انطلقت ليليانا تركض بأقصى سرعتها بين ممرات الجامعة، وعيناها معلقتان بشاشة الهاتف تحاول جاهدة معرفة رقم القاعة ومكانها بالضبط. وبسبب ركضها العشوائي وعدم انتباهها للمارة، اصطدمت بقوة بفتاة كانت تسير في الممر، مما أدى إلى سكب المشروب الذي كان في يد الفتاة بالكامل على ملابسها.

صاحت الفتاة بغضب حاد: «أيتها الحمقاء! ألا تنتبهين إلى أين تسيرين؟!»

لكن ليليانا، من فرط توترها وتعجلها، لم تسمع الكلمات كاملة، واكتفت بإلقاء اعتذار سريع وخاطف وهي تتابع ركضها دون توقف.

وأخيراً، وصلت إلى وجهتها. وقفت ليليانا أمام باب القاعة وهي تلهث بشدة وأنفاسها متلاحقة، ويدها مرتجفة على مقبض الباب. أغمضت عينيها وهي تدعو في سرها ألا يكون الأستاذ قد بدأ الشرح بعد، حتى تجنب نفسها توبيخاً وموقفاً محرجاً في أول يوم لها.

دفعت الباب ببطء وحذر شديد، وتسللت نظراتها إلى الداخل... وفي تلك اللحظة، هبطت عليها راحة واطمئنان لا يوصفان! لم يكن الأستاذ قد وصل بعد، والطلاب كانوا يجلسون في مقاعدهم يتبادلون الأحاديث بانتظار دخوله. تنفست الصعداء، وخطت خطوات سريعة ومبتهجة نحو أحد المقاعد الشاغرة لتجلس في مكانها، والابتسامة تعود إلى وجهها لأنها نَجت من العقاب والتأخير.

وما إن استقرت ليليانا في مقعدها والتقطت أنفاسها، حتى انفتح الباب ودخل الأستاذ خلفها مباشرة بهيبته ووقاره. توجه نحو المنصة، ووضع أوراقه، ثم التفت إلى القاعة بوجه بشوش وبدأ يرحب بالطلاب الجدد، مهنئاً إياهم ببداية عامهم الدراسي الأول ومتمنياً لهم رحلة جامعية مليئة بالنجاح.

استمرت المحاضرة في أجواء من التركيز والهدوء، حتى أعلن الأستاذ انتهاءها، لتبدأ ليليانا بجمع أغراضها تمهيداً للخروج والبحث عن صديقاتها.

الآن بعد أن انتهت المحاضرة الأولى بسلام.

خرجت ليليان من قاعة المحاضرة وهي تلتفت حولها في الممرات المزدحمة، باحثة عن وجوه صديقاتها المألوفة. ورغم أن كلاً منهن دخلت كلية مختلفة تناسب شغفها، إلا أن حرم الجامعة الكبير كان يجمعهن معاً.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة وهي تستحضر في ذهنها تفاصيل صفاتهن الفريدة:

* **ليلى:** تلك الفتاة التي عرفتها منذ أيام الثانوية، والتي تميزت دائماً بحس المسؤولية العالي وقوة شخصيتها التي تجعلها سنداً للجميع.

* **نانا:** وهي النقيض تماماً لليلى؛ فتاة مشاكسة، مرحة إلى أبعد الحدود، تعشق السوشيال ميديا وتتابع بشغف عالم المشاهير وأحدث صيحاته.

* **إميليا:** المختلفة عنهن تماماً؛ فتاة هادئة يملؤها الشغف بعلوم الأحياء منذ صغرها، تفوقت في هذا المجال ببراعة حتى قادها طموحها لتدخل كلية العلوم قسم الأحياء لتكمل رحلتها مع شغفها الأول.

أفاقت ليليانا من شريط ذكرياتها الجميل على صوت قرقرة واضحة الصدى من معدتها، لتتذكر فجأة أنها وسط دوامة الاستيقاظ المرعب والركض للوصل الي جامعة لم تتناول كِسرة خبز واحدة منذ الصباح. شعرت بجوع شديد يقرص معدتها، فعدلت مسار خطوتها وتوجهت مباشرة نحو كافتيريا الجامعة لتطلب شيئاً يسد جوعها قبل أن تلتقي بالفتيات.

وصلت ليليان إلى الكافتيريا وأخذت تنظر حولها إلى الطلاب المزدحمين في المكان. وفي هذه الأثناء، على أحد المقاعد القريبة، كانت الفتاة التي صدمتها ليليان في الممر تجلس وتتنفس بضيق شديد، وهي تحاول جاهدة تنظيف قميصها الأبيض من بقع عصير الفراولة.

التفتت إليها صديقتها ساشا وقالت بفضول: «ما بكِ يا إيميلي؟ يبدو أنكِ غاضبة جداً!».

ردت إيميلي بحنق وهي تجفف القميص: «من حظي السيئ اليوم أنني تعثرت بفتاة حمقاء، تسببت في سكب المشروب عليّ بالكامل!».

رفعت ساشا حاجبيها بدهشة وقالت: «أوه! ولمَ تردي لها الصاع صاعين كعادتكِ؟».

نفخت إيميلي بضيق وقالت: «للأسف لم أتمكن من اللحاق بها، فقد كانت تركض بسرعة جنونية كالمجنونة!».

وأثناء كلامهما، وقع نظر إيميلي فجأة على باب الكافتيريا، ورأت ليليانا وهي تقترب وتبحث عن مكان لتجلس فيه. اتسعت عينا إيميلي وابتسمت ابتسامة خبيثة، ثم غمزت لصديقتها وقالت: «ساشا.. انظري هناك، هذه هي الحمقاء نفسها! راقبي الآن ماذا سأفعل بها».

لمعت عينا ساشا بالحماس وشجعتها قائلة: «هيا إذن، فلنستمتع قليلاً!».

اعتدلت إيميلي في جلستها، وثبتت نظراتها الباردة نحو ليليان هو تتجه نحو علامة انتقام ظهرها علي وجهها.

كانت ليليانا تسير ببطء وعيناها تجوبان أرجاء الكافتيريا المزدحمة، باحثة عن مقعد شاغر وسط صخب الطلاب. ومن فرط انشغالها بالبحث، لم تنتبه لتلك النظرات المتربصة بها.

وفجأة، شعرت بشيء صلب يعترض طريق قدمها بقوة، فاختل توازنها في جزء من الثانية، ولم تسعفها يداها لتدارك الموقف، لتسقط بقوة على الأرض وينسكب مشروبها بالكامل فوق ثيابها.

عمّ الصمت بقعة واسعة من الكافتيريا، والتفتت الأنظار نحوها، بينما تصاعدت بعض الضحكات والهمسات الساخرة من الطلاب المحيطين. شعرت ليليان بحرارة الخجل تجتاح وجهها، وألم السقطة يمتد في جسدها.

وعندما رفعت رأسها ببطء لترى ما الذي تعثرت به، تجمدت نظراتها؛ لم يكن عائقاً من عوائق المكان، بل كانت قدماً ممتدة بعمد، تعود لتلك الفتاة نفسها التي اصطدمت بها في الممر!

كانت إيميلي تقف فوقها واضعة يديها في خصرها، وعلى وجهها ابتسامة تشفٍّ عريضة ونظرة انتصار باردة، وبجانبها ساشا تضحك بجرأة. نظرت إيميلي إلى ليليان القابعة على الأرض وقالت بنبرة مليئة بالتحدي: «الآن فقط.. تذوقين من الكأس نفسه أيتها الحمقاء، وأظن أننا أصبحنا متعادلتين!».

وقفت ليليان وقتربت من إيميلي وشرار الغضب يتطاير من عينيها، وقالت بنبرة حادة تسكت بها همسات الجميع: «هل أنتِ حمقاء؟! كيف تتجرئين على فعل هذا عمداً أمام الجميع؟»

احتدت ملامح إيميلي وقالت بسخرية مستفزة: «بل أنتِ الحمقاء يا عزيزتي! مَن بدأ بقلة الانتباه وسكب المشروبات في الممرات أولاً؟»

وقبل أن تجد ليليانا فرصة للرد أو الدفاع عن نفسها، تفاجأت بـ "ساشا" تتقدم بخطوات واثقة وتضع يدها على كتف إيميلي، ثم نظرت إلى ليليانا بابتسامة مستفزة وقالت بنبرة متهكمة: «ماذا هناك يا عزيزتي؟ هل أزعجتكِ إيميلي؟ عذراً.. فإيميلي لا تزعج أحداً إلا إذا كان يستحق ذلك!»

تعالت ضحكات ساشا وإيميلي مجدداً.

قبل أن تنطق ليليانا بكلمة واحدة، اخترق الأجواء صوت قوي وجهوري جاء من خلف إيميلي وساشا مباشرة، مما جعل الجميع يتسمرون في أماكنهم.

التفتت إيميلي وساشا بذعر ليروا صاحب الصوت، التي تقدمت بخطوات حازمه وعيناها تشتعلان غضباً، وقال بنبرة حادة هزت أرجاء المكان: «من يجرؤ على إزعاجكِ يا ليليانا؟ هل هما هاتان الحمقاوات؟!»

نظرت ليليان لصاحب صوت هي تشعر بصدمة ونظرت كل من إيميلي وساشا لصاحب صوت بتعجب شديد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عقد تملك:إمبراطور الشياطين يرفض طلاقي    الفصل9

    أغلق الملك باب الجناح الفخم خلفه، وساد الهدوء أرجاء الغرفة الواسعة ذات الطراز الأثري المهيب. تقدم بخطوات ثابتة نحو السرير الوثير، وأنزل ليليانا برفق، لكنها ما زالت ترفض ما سمعتها وتصرخ بنبرة يملؤها الذهول والخوف: «اتركني! أرجوك اتركني وشأني.. أخبرتك أنك أخطأت في العنوان، لستُ زوجتك ولستُ الفتاة التي تبحث عنها!» تراجعت ليليانا إلى الخلف قليلاً وهي تنظر إلى ملامحه الحادة وعينيه الحمراوين اللامعتين. في تلك اللحظة، اقترب الملك منها بهدوء وجلس على حافة السرير، مرتسماً على وجهه ملامح الجدية والثقة المطلقة، ثم قال بصوت منخفض وعميق يحمل نبرة اليقين: «لا، أنا لم أخطئ أبداً يا ليليانا. أنتِ زوجتي بالفعل، وهناك عقد يربطنا منذ أكثر من عشر سنوات». اتسعت عينا ليليانا بصدمة أكبر وجفت الكلمات في حلقها؛ عشر سنوات؟ هذا يعني أنها كانت مجرد طفلة في ذلك الوقت! كيف يمكن لعقد كهذا أن يكون حقيقياً وهي لا تتذكر من ماضيها شيئاً يشير إلى هذا شخص الغريب؟ نظرت ليليانا إليه بعينين متسعتين من شدة الصدمة، وهزت رأسها بإنكار قاطع وهي تتراجع خطوة أخرى إلى الخلف مستندة إلى وسائد السرير، وقالت بنبرة حادة يملؤها الذهول:

  • عقد تملك:إمبراطور الشياطين يرفض طلاقي    الفصل ٨: هل يذهب

    في صباح اليوم التالي، انسلّت أشعة الشمس ا عبر ستائر الغرفة الخفيفة، لتوقظ ليلى . تمطت ليلي في فراشها وهي تشعر براحة غريبة ونشاط غير معتاد يسري في أطرافها، وكأن جسدها قد نال قسطاً وافراً من السلام الروحي. فجأة، ومضت في ذاكرتها أحداث الليلة الماضية؛ تذكرت تعب المناوبة والجرح المزعج الذي أصاب قدمها جراء ارتطامها بإحدى الطاولات أثناء العمل. دفعت الغطاء جانباً بفضول، ونظرت إلى قدمها لتتفاجأ بأنها سليمة تماماً؛ بشرتها ناعمة ونقية ولا أثر لأي خدش أو كدمة عليها. لم تندهش ليلى ولم تطلق صيحات التعجب، بل كل ما فعلته هو الابتسام بخفة ولامبالاة اعتادت عليها؛ فهذا السر الغامض يرافقها منذ مدة طويلة. كلما أصيبت بجرح، أو حرق طفيف من أدوات المطبخ، أو كدمة زرقاء، تستيقظ في اليوم التالي لتجده قد اختفى تماماً وكأن شيئاً لم يكن، حتى أقنعت نفسها بأن جسدها مجرد آلة ذات مناعة خارقة وسريعة الشفاء بشكل استثنائي. نهضت من فراشها بخفة وتوجهت نحو خزانتها لتستعد ليومها. انتقت ملابسها بعناية تجمع بين الأناقة والعملية؛ ارتدت بنطالاً قماشياً أسود مريحاً، ونسقته مع قميص قطني ناصع البياض ذي أكمام طويلة طوتها بعفوية حتى

  • عقد تملك:إمبراطور الشياطين يرفض طلاقي    الفصل 7

    ​كان الملك يشق الهواء بسرعة خاطفة، يدفعه دافع واحد وكانت ملامحه تتصلب كالصخر هو يفكر في شي واحد: أذا تجرؤ أي من كائنات كائناً ، على مسّ خصلة واحدة من شعر ليليانا، سيزلزل الأرض تحت أقدامهم. وما إن بلغ منعطف الممر الشاهق، حتى تباطأت حركته لثوانٍ وهو يرى المشهد الغريب أمامه. تملكه مزيج من المشاعر المتضاربة؛ فمن جهة، كاد يبتسم بسخرية علي محاولتها الفاشلة للهروب، ومن جهة أخرى، اشتعلت عيناه بالغضب الحارق وهو يراها معلقة في الهواء بقلة حيلة كالدمية بين يدي ذلك العملاق. لم يمنح نفسه فرصة لتردد؛ رفع كفه بوقار مهيب، وانبثق من أعماق يده شعاع من الطاقة الداكنة المرعبة، شق سكون المكان كالسهم النافذ واستقر مباشرة في صدر العملاق. تردد صدى صرخة مكتومة ومتألمة للعملاق وهو يتراجع بضع خطوات إلى الوراء، يفلت قبصته عن ياقة ليليان لتندفع الفتاة نحو الجو، بينما انحنى الجسد الضخم واضعاً بطن كفيه مكان الضربة وهو يئن وجعاً. وفي تلك الأجزاء من الثانية، التفت الحراس المصطفون بذعر وصدمة عارمة نحو مصدر الهجوم، لتتجمد الدماء في عروقهم وهم يرون جلالة الملك يخطو نحوهم بخطوات وئيدة هو مازل في هواء، تحيط به هالة سودا

  • عقد تملك:إمبراطور الشياطين يرفض طلاقي    الفصل 6

    داخل شقة بسيطة ودافئة، كانت تجلس "إيفيليا" الصغيرة ذات التسع سنوات، تشاهد إنمي "ناروتو" بحماس شديد. وفي غمرة اندماجها، استمعت إلى صوت قفل الباب ينفتح، فقفزت من مكانها بفرح لعلمها التام بهوية القادم. ​دخلت "ليلي" والشحوب يرتسم على وجهها من شدة التعب بعد يوم شاق جمع بين محاضرات الجامعة وعملها الجزئي. هتفت بتعب: ​«لقد عدت.. أين أنتِ يا إيفيليا؟» ​ركضت إيفيليا الصغير وارتمت في حضن أختها الكبرى بحب شديد قائلة: ​«أخيراً عدتِ! لماذا تأخرتِ اليوم؟» ابتسمت ليلي برفق وقالت: ​«أنا آسفة جداً يا صغيرتي، كان هناك الكثير من الزبائن اليوم في العمل.. انظري ماذا أحضرت لكِ، لقد اشتريت مقرمشات الشيبسي التي تحبينها.» ​صرخت إيفيليا بحماس وهي تأخذ الكيس بسعادة: ​«شكراً لكِ! هل أحضرتِها بنكهة الجبن كما أحب؟» انحنت ليلي بخفة كفارس يحيي ملكته وقالت بمزاح: ​«بالتأكيد يا سيدتي الصغيرة.» ​سألت ليلي وهي تطمئن عليها: ​«هل انتهيتِ من واجباتكِ المدرسية؟ وهل تناولتِ طعامكِ؟» أجابت إيفيليا بذكاء: ​«نعم، فعلت كل شيء، والآن يستمتع بوقتي. اذهبي أنتِ لترتاحي.» قالت ليلي "معك حقا انا حقا يحتاج الراحة ا

  • عقد تملك:إمبراطور الشياطين يرفض طلاقي    الفصل الخامس

    ​فتحت ليليان عينيها ببطء بعد أن تلاشت أشعة النور الساطع، لتجد نفسها مستلقية على أرضية ممرٍ لم ترَ مثله قط في حياتها. كان الممر شاهق الارتفاع، جدرانه مشيدة من رخام أسود مصقول كالمرايا يعكس ضياء مشاعل فضية غريبة تنبثق منها نيران زرقاء هادئة لا تصدر دخاناً. السقف كان عبارة عن لوحة فلكية متحركة، تتحرك فيها نجوم متلألئة وسدم أرجوانية وكأن السقف مفتوح على مجرة أخرى تماماً. قامت ليليان بتغير موضع جسمه لتكون جلس علي أرضية وتلفتت حولها بذهول، ثم فركت عينيها بغير تصديق، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مستسلمة وقالت بنبرة ساخرة: «يبدو أن كوابيسي قد تحولت هذه المرة إلى أحلام فاخرة! حتى عقلي الباطن أصبح يمتلك ذوقاً ملكياً في تصميم الأحلام!» نهضت ليليان واقفة وهي تنفض الغبار وبقايا بقع العصير عن ملابسها المتسخة جراء مغامرة الكافتيريا، وبدأت تمشي في الممر بخطوات مترددة رغم هذا لم تستطيعان تمنع نفسها من انبهار من هذا مكان . وثناء مشيها كانت تتأمل اللوحات الضخمة المعلقة والتماثيل المنحوتة من كريستال داكن ينبض بضوء خافت، وشعور الغموض والهيبة يلف المكان من حولها. وبينما كانت تدير زاوية الممر، تفاجأت بك

  • عقد تملك:إمبراطور الشياطين يرفض طلاقي    الفصل الرابع : استعدوا للقادم

    ​انطلقت الحافلة بنان نحو حيّها السكني الهادئ، فنزلت بخطوات متباطئة يملؤها الكسل، وهي تعدل حقيبتها على كتفها وتدندن بنغمات عشوائية. وعندما وصلت إلى منزلها، أدارت المفتاح في القفل ودخلت لتجد الدفء المألوف يملأ المكان. كان والدها، الذي يمثل لها العالم بأكمله ويتولى رعايتها بمفرده منذ صغرها بعد موت والدتها، يجلس في الصالة يقرأ بعض الأوراق. ما إن سمع صوت الباب حتى رفع رأسه وارتسمت على وجهه ابتسامة حنونة ومرحة، وقال يمازحها بنبرته الدافئة المعتادة: «أهلاً بملكة الهدوء! كيف كان أول يوم لكِ في هذا الصرح الجامعي الكبير؟ أتمنى ألا تكوني قد أثرتِ المشاكل منذ الساعات الأولى!» أطلقت نانا ضحكة خفيفة، وتقدمت لتقبل رأسه قائلة بتمثيل: «أنا؟ أثارت المشاكل؟ أبداً يا أبي، لقد كنتُ نسمة عابرة اليوم!»، ثم توجهت نحو غرفتها، والقت بحقيبتها إهمالاً على السرير وتمددت بتعب وهي تتصفح هاتفها المحمول بملل، دون أن تدري بحجم الغموض الذي بدأ يلتف حول صديقتها. وفي الجانب الآخر الصاخب من المدينة، وصلت **ليلى** إلى المطعم الصغير الذي تعمل فيه كعاملة جزئية. دخلت من الباب الخلفي المخصص للموظفين بخطوات حازمة، وتوجهت مباش

  • عقد تملك:إمبراطور الشياطين يرفض طلاقي     الفصل الثالث:انا متزوجة؟

    ​كان أدريان يجلس ببرود تام وكبرياء على عرشه الضخم، بينما كانت قاعة القصر تضج بأصوات الوزراء وهم يتناقشون بنبرات حادة وعالية حول هوية الملكة المستقبلية للبلاد. نقل الملك نظراته الباردة نحو أحد الوزراء الذي تقدم بخطوات حذرة، قائلاً بنبرة رجاء: ​«سيدي.. يجب عليك أن تختار ملكة لكي تحكم معك مملكة الشي

  • عقد تملك:إمبراطور الشياطين يرفض طلاقي    الفصل اول: كابوس ام حقيقية

    صارت ليليان تنظر حولها مستغربة المكان الذي وجدت نفسها فيه، فكل ما تتذكره أنها كانت مستلقية في غرفتها فوق سريرها تحاول أن تنام، والآن هي تقف في مكان شديد الظلمة يلفه صمت مطبق ومخيف. رفعت يديها وتحسست الفراغ حولها، لتشعر بنسمات هواء باردة تلفح وجهها، مؤكدة لها أنها في مكان خالٍ تماماً.​همست بخوف وقل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status