LOGINفي مكانٍ آخر، بعيداً تماماً عن حدود عالم البشر ، حيث تتداخل ألوان السماء بتموجات أرجوانية مذهلة وتغرب الشمس خلف جبالٍ شاهقة سوداء كالفحم، كان يرتفع قصرٌ منيع يجسد العظمة والغموض معاً. كانت جدرانه مشيدة من حجر السج الأسود المصقول الذي يعكس ضوء النجوم الخافت، وتتخلله نقوش بارزة غامضة تشبه ألسنة اللهب الفضية. نوافذه الشاهقة المقوسة ترتفع نحو الأعلى لتلامس السقف المخروطي للقصر، وتحيط به شرفات واسعة تطل على وادٍ سحيق يملؤه الضباب المخملي.
على إحدى تلك الشرفات الراقية، كان يقف شخصٌ ذو هيبة طاغية، يرتدي زياً ملكياً مهيباً ينبض بالفخامة والوقار؛ سترة سوداء داكنة من المخمل الفاخر مطرزة عند الياقة والأكمام بخيوط ذهبية دقيقة تشبه عروق البرق، يلتف حول خصره حزام عريض من الجلد الأسود المشدود بإبزيم ذهبي يحمل رمزاً غامضاً، وينساب من على كتفيه عباءة مخملية ثقيلة بلون الليل تمتد لتلامس الأرض بخيلاء تليق بملك. كانت يداه تمسكان ببلورة سحرية نقية، تشع بضوء أزرق باهت، تعرض في عمقها تفاصيل لما يحدث لليليانا في تلك الكافتيريا المزدحمة على الجانب الآخر من العوالم. تأمل المشهد بتركيز، ورأى كيف تكالبت عليها الفتيات، فارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة، هادئة ولكنها تحمل في طياتها الكثير من المعاني، وحدث نفسه بصوت منخفض وعميق يتردد له صدى خفيف في أرجاء الشرفة: «يبدو أن صغيرتي واقعة في المشاكل منذ يومها الأول..» وفي تلك اللحظة، انقطع السكون بصوت دات منتظمة وقوية على باب الجناح الخشبي الضخم المرصع بالبرونز. تحرك المقبض ببطء، ودخل كائن عجيب يثير الدهشة والرهبة في آن واحد؛ لم يكن بشرياً ولم يشبه أي كائن مألوف، بل كان ذو قوام طويل وممشوق، وبشرة فريدة تبدو وكأنها مصبوبة من زجاج بركاني داكن ومصقول، تتدفق تحت سطحها خطوط مضيئة ورفيعة تشبه الحمم الخامدة التي تنبض بنور ذهبي خافت مع كل نفس يأخذه. كانت له عيون واسعة غائرة تشع ببريق كريستالي، وتحيط برأسه خصلات من خيوط معدنية مرنة وناعمة كالحرير تتلألأ باللون الفضي، ملامحه حادة وصارمة تعكس ولاءً مطلقاً وهيبة تنتمي لعالم الفانتازيا الراقية. انحنى الكائن العجيب بجسده في تحية وقورة تليق بمقام سيده، وقال بنبرة يملؤها الاحترام والتبجيل: «لقد جهزنا للاجتماع يا سيدي.. وجميع الوزراء متواجدون الآن في القاعة الكبرى بانتظار تشريفكم». أبعد شخص الغامض نظره عن البلورة ببطء، والتفت نحو الكائن برأس مرفوع وعينين تحملان نظرة آمرة لا تُرد، ثم قال باقتضاب وهدوء ساحر: «حسناً.. فلتذهب، أنا قادم خلفك». انحنى الكائن مرة أخرى وانسحب بخطوات هادئة ليغلق الباب وراءه، تاركاً السيد الغامض يعود بنظره لوهلة أخيرة نحو البلورة قبل أن يتحرك. وفي عالم البشر، التفتت ليليان بصدمة شديدة نحو مصدر الصوت، بينما تراجعت إيميلي وساشا خطوة إلى الوراء وعلامات التعجب والارتباك تعلو وجوههما. كانت الواقفة هناك هي ليلى بكامل هيبتها وقوة شخصيتها؛ تقدمت وعيناها تشتعلان غضباً، وبدأت تشمّر عن أكمام جاكيتها بحزم شديد، وكأنها تستعد لخوض معركة حقيقية للدفاع عن صديقتها وليس مجرد مشادة كلامية. اندفعت ليلى بجرأة وقفت كالسد المنيع في المسافة الفاصلة بين إيميلي وساشا من جهة، وبين ليليان وقف من جهة أخرى. وفي تلك الأثناء، اقتربت نان بخطوات مسرحية وهي توجّه كاميرا هاتفها المحمول نحوهما، وقالت بصوت مسموع ومتهكم: «انظروا يا رفاق.. بث مباشر حصري لهاتين المتنمرتين وهما تتناوبان على مضايقة فتاة مسكينة في أول يوم لها في الجامعة! دعونا نرى كيف سيكون رأي إدارة الجامعة في هذا السلوك الراقِ». بينما كانت نان تشن هجومها نحو فتاتين، اقتربت إميليا بهدوء من ليليان وقف مصدومة من رد فعل أصدقاء، ومدت يدها لترفعها بقاء طعام المتبقيه على الملابس صديقتها برفق. بدأت إميليا تساعدها في نفض الغبار وتنظيف بقايا المشروب المنسكب على ملابسها، ثم نظرت إليها وقالت ضاحكة بخفة لتخفيف التوتر: «يا لكِ من مسكينة! لقد اتسخت ملابسكِ بالكامل في أول يوم لكِ في الجامعة.. يبدو أن المشاكل تلاحقكِ أينما ذهبتِ!». تلاشت علامات النصر تماماً عن وجه إيميلي وساشا بعد أن وجدتا أنفسهما محاصرتين مع فتاة قوة ليلى، وتهديد نانا، وترابط الصديقات. ولكن إيميلي لم تستسلم بل نظرت إليهما بعدم اهتمام وقالت بتهكم وهي توزع نظراتها المستخفة عليهن: «من أنتم اصلاً؟ وكيف تتجرؤون على اعتراض طريقي أثناء مناقشتي مع هذه الحمقاء؟!» في تلك اللحظة، بلغت ليلي ذروتها؛ انطلقت شرارة الغضب من عينه، وبسرعة خاطفة لم يتوقعها أحد في الكافتيريا، تقدمت خطوة هجومية نحو إيميلي وقبضت بقوة على ياقة ملابسها، ثم جذبتها نحوها بعنف جعل رأس إيميلي يقترب منها بقوة ، وقالت بنبرة منخفضة وفحيح يملؤه التهديد: «ماذا قلتِ للتو؟! أعيدي ما نطقتِ به إن كنتِ تجرئين!» تجمدت الدماء في عروق إيميلي، واختفت نبرة التعالي من وجهها فوراً ليحل محلها توتر حقيقي ورعب من هيئة ليلى مخيف وقبضتها القوية التي جعلتها عاجزة عن الحركة وسط ذهول الطلاب المحيطين. رأت ساشا صديقتها في هذا المأزق الشديد، وهمّت بالتقدم سريعاً لتتدخل وتنقذها، لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، تفاجأت بـ "نان" التي كانت تصور بهاتفها منذ قليل، تقبض على ذراعها بقوة مباغتة وتثبتها في مكانها. التفتت ساشا بذعر نحو نان، لتجدها تنظر إليها بابتسامة باردة ومكر شديد وهي تقول: «إلى أين يا عزيزتي؟ دعينا لا نتدخل.. أرى أن الفتاتين تستمتعان بوقتهما الآن، أليس كذلك؟» بينما كان الموقف مشدوداً للغاية وسط الكافتيريا، دخل عميد الجامعة فجأة بعد أن انتباهه تجمهر الطلاب الكثيف نحو شي ما وصخبهم حولها . تقدم بخطوات وقورة وتطلع إلى الجميع متسائلاً بنبرة حازمة: «ماذا يحدث هنا؟ ما هذا التجمع؟» في تلك اللحظة، تجمدت الحركة وتوقفت الفتيات والطلاب عن الكلام. وبسرعة فائقة، غيّرت ليلى قبضتها على ياقة إيميلي؛ فبدلاً من تركها، جذبتها نحوها برفق مصطنع ووضعت يدها على كتفها كأنها تصادقها، ثم التفتت إلى العميد بابتسامة هادئة وقالت: «لا شيء أيها العميد.. لقد كنا فقط نؤدي مشهداً مسرحياً صغيراً للتوعية عن أضرار التنمر في اليوم الأول». وأثناء كلامها، رمقت إيميلي بنظرة حادة وواضحة ترسل لها تهديداً مبطناً: *«إن تجرأتِ على نطق كلمة واحدة، فسيكون مصيركِ بين يدي!»* وفي نفس الجزء من الثانية، وبحركة سريعة ومباغتة، تقدمت نانا نحو ساشا وضمتها إلى جانبها بقوة وكأنهما صديقتان مقربتان، لتكتم أنفاسها وتمنعها تماماً من إطلاق أي نداء استغاثة أو قول أي كلمة قد تكشف الحقيقة للعميد. نظر العميد إلى الفتيات بشك لثوانٍ، ثم تفحص الهدوء الذي حلّ بالمكان، وطالب الجميع بلهجة آمرة: «حسناً، تفرقوا إذن. فليذهب كل منكم إلى محاضراته، أو ليدرس في مكانه بهدوء». تفرق الطلاب وعادت الحركة الطبيعية إلى الكافتيريا. وما إن ابتعد العميد بخطوات، حتى أفلتت ليلى إيميلي، فالتفتت إليها إيميلي وعيناها تتطاير منهما الشرر وقالت بنبرة توعد: «لم ننتهِ بعد!» ابتسمت ليلى بتهكم وبرود شديد، ثم اقتربت منها خطوة وهمست بثقة: «أريني ما عندكِ، أنا بالانتظار». استشاطت إيميلي غضباً، ورمقت الفتيات بنظرة حقد أخيرة قبل أن تدير ظهرها وتغادر الكافتيريا بخطوات عاصفة، وتبعتها ساشا على الفور وهي تلمم شتات نفسها. تنفس الصديقات الأربعة بهدوء آخرا. اقتربت إميليا بخوف وهي تقول: «ليليان، ماذا حدث؟ وكيف بدأت هذه المشاجرة من الأساس؟» وقبل أن تنطق ليليان بكلمة واحدة، تفاجأت بضربة خفيفة ولكن قوة على رأسها من الخلف، فأطلقت صرخة من الألم والتفاجؤ. وعندما التفتت خلفها، وجدت ليلى تقف وعلامات العتاب صريحة على وجهها وهي تقول: «لقد بدأتِ المشاكل مبكراً جداً! ألم تجدي وقتاً للمشاغبين إلا في أول ساعة لكِ في الجامعة؟» وقبل أن تنطق ليليان بأي كلمة تدافع بها عن نفسها، سُمع صوت ضحكة خافتة ومتهكمة من خلفها. وعندما نظرت، تفاجأت بـ "نان" وهي تمسك بهاتفها وتضحك قائلة: «يا فتاة، لقد أوقعتِ نفسكِ في مشكلة مع إيميلي وساشا من عصابة "فيليا".. إنها الشلة الأكثر شهرة وإثارة للمشاكل في الجامعة بأكملها!» نفخت ليليان خديها بضجر وإحباط شديد وقالت متذمرة: «وما ذنبي أنا؟ يبدو أن المشاكل لا ترى في هذا الكون غيري، كأنني مغناطيس يجذبها!» وقبل أن تنطق بأي كلمة أخرى، قطع دراميتها صوت قرقرة واضحة وعالية صدرت من معدتها الجائعة لأنها لم تأكل أي شيء منذ استيقاظها المرعب. انفجرت الفتيات جميعاً بالضحك، واشتعلت وجنتا ليليانا خجلاً واحمراراً. هنا، ابتسمت إيميليا وقالت وهي تحاول كتم ضحكتها: «هيا، هيا بنا لنأكل.. فنحن أيضاً لم نتناول شيئاً منذ الصباح بسبب القلق والبحث عنكِ». توجهت الصديقات الأربع معاً نحو شباك طلبات الطعام في الكافتيريا، والبهجة عادت لتملأ قلوبهن بعد أن نسين التوتر وبدأن في اختيار وجبتهم . طلبت الفتيات الطعام الذي يحببنه من الكافتيريا، وجلسن معاً حول الطاولة والمسرة تملأ الأجواء، حيث أخذن يضحكن بتسلية على تفاصيل المشاجرة وعلى مظهر ليليان وثيابها المتسخة جراء السقوط. تذمرت ليليان بضيق طفولي وهي تحاول مسح بقع العصير المتبقية، وقالت بحنق: «ألا يوجد أي موضوع آخر تتحدثن عنه غير مظهري الآن؟» ضحكت ليلى بخفة، وربتت على كتفها موافقة: «حسناً، حسناً.. يكفي هذا يا فتيات، لنغير المجرى ونتحدث عن شيء آخر». وبالفعل، بدأت كل واحدة منهن تحكي بشغف كبير عن كليتها الجديدة، وعن انطباعها الأول بعد المحاضرة الأولى وكيف كانت الأجواء والدكاترة. تبادلن الحكايا والضحكات حتى انتهين تماماً من تناول الطعام. وضعت ليلى يدها على الطاولة وسألتهن بفضول: «والآن، ما الخطوة التالية؟ ماذا سنفعل؟» قالت ليليان بحماسة شديدة وعيناها تلمعان: «لقد سمعت أن الجامعة تحتوي على مكتبة ضخمة وقديمة جداً، وأنا أريد بشدة أن أذهب لأراها وأستكشف كتبها!» بينما تابعتها إميليا بحماسة أكبر قائلة: «أما أنا، فسأتوجه مباشرة نحو مختبر الأحياء في كلية العلوم، أريد أن ألقي نظرة على الأدوات والتجارب هناك قبل الجميع!» مطّت نان شفتيها بملل وكسل وهي تمسك هاتفها: «أما أنا، فسأعود للمنزل فوراً.. أريد الاستلقاء والراحة قليلاً بعد كل هذا الركض الصباحي». وافقتها ليلى الرأي وقالت وهي تجمع حقيبتها: «وأنا أيضاً يجب أن أغادر الآن، سأذهب مباشرة إلى عملي الجزئي في المطعم حتى لا أتأخر». تفرقت الفتيات بعد أن اتفقت كل واحدة منهن على وجهتها، وتوجهت ليليانا بخطوات متحمسة نحو ممرات كلية الآداب تبحث عن لافتة "المكتبة المركزية". وفي العوالم البعيدة، انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة لقاعة الاجتماعات الكبرى بصوت مهيب، وتراجع الحراس إلى الجانبين إجلالاً. خطى شخص الغامض إلى الداخل بهيبة طاغية، تسبقه خطاه الواثقة وعباءته المخملية السوداء التي كانت تتحرك خلفه كأمواج الليل. ساد صمت مطبق في القاعة الواسعة التي كانت جدرانها مغطاة بالبلورات الداكنة. تقدم نحو منصة الحكم، وجلس على عرشه المرتفع بقوة وقار، مسنداً ذراعيه على المساند المنحوتة من الأحجار الكريمة. نظر إلى وزرائه المصطفين أمامه بنظرات حادة ونفّاذة، ثم قال بصوت عميق تردد صداه في أرجاء القاعة: «ماذا حدث في غيابي؟» بدأ الوزراء بالتقدم واحداً تلو الآخر لعرض التقارير والمشاكل التي واجهت البلاد. كان الوزراء يمثلون كائنات غريبة ومتنوعة تنتمي لهذا العالم الفانتازي؛ بعضهم يمتلك بشرة رمادية باهتة كالصخر ونقوشاً مضيئة على جباههم، والبعض الآخر تميز بقامات ممشوقة للغاية وعيون كريستالية لا ترمش، تعكس الحكمة والذكاء. كان شخص يستمع إلى كل منهم بتركيز شديد، ويضع الحلول الحاسمة والذكية لكل مشكلة ومعضلة بكل بساطة وسلاسة، مما أظهر حنكته وقوته كحاكم مطلق. ولكن، تبدلت الأجواء تماماً عندما تقدم أحد أقدم الوزراء خطوة إلى الأمام. كان كائناً وقوراً ذو شعر فضي مسترسل وعينين تشعان بنور أزرق خافت، انحنى باحترام ثم قال: «سيدي.. ألم يحن الوقت بعد لتعلن ملكة لهذه البلاد؟» في تلك اللحظة، خيّم هدوء خانق على القاعة، واشتعلت عينا شخص بغضب مكتوم. نظر إلى الوزير بطريقة غريبة حابسة للأنفاس، وقال له بنبرة منخفضة ومخيفة: «ماذا تقصد بكلامك؟» ابتلع الوزير ريقه بتوتر، وشعر بالتردد من نظرات سيده المرعبة التي تكاد تخترقه، لكنه استجمع شجاعته وتابع قائلاً بصوت مرتعش: «سيدي.. إنك كنت مختفياً عن الأنظار منذ أكثر من عشر سنوات كاملة، ولم تعد إلى العرش سوى منذ شهرين فقط. الشعب قلق ويريد ملكة تحكم البلاد بجانبك لضمان استقرار العرش، ونحن نريد أن نقوي أركان مملكتنا ونحمي حدودها.. فما رأيك أن تتزوج أميرة أو ملكة من الدول والممالك المجاورة؟» تصلبت ملامح شخص الغامض عند سماع هذا الاقتراح، ولكن تغير ملامحه فجأة وارتسمت على شفتي شخص ابتسامة غامضة غير مفهومة، امتزج فيها البرود بالثقة الطاغية، ونظر إلى الوزير قائلًا بنبرة هادئة هزت أركان القاعة: «ومن قال لك إنني لستُ متزوجاً؟» وقعت الكلمات كالصاعقة على رؤوس الحاضرين، وخيّم ذهول مطلق على قاعة الاجتماعات الكبرى. تبادل الوزراء والكائنات المقربة نظرات مصدومة ومندهشة، وتهامس الحراس في أماكنهم؛ فهذا السر لم يكن يعلم به أحد قط طوال السنين الماضية. تقدم وزير آخر بخطوات متهيبة، والتردد يظهر في نبرة صوته وعينيه الكريستاليتين اللتين اتسعتا ذهولاً، وقال: «سيدي... ماذا تقصد بكلامك؟ كيف حدث هذا ومتى؟» اتسعت ابتسامة الملك لتصبح أكثر غموضاً وعمقاً، وأسند ظهره إلى عرشه الفخم بخيلاء ملكي، ثم قال بصوت عميق وواثق: «الأمر تماماً كما سمعتم.. لقد كنتُ مختفياً عن هذه البلاد لأكثر من عشر سنوات كاملة، وفي ذلك الوقت الذي ظننتم فيه أنني غائب، كنتُ هناك... أقضي كل تلك السنين بجانب زوجتي وملكتي». تضاعفت الصدمة في نفوس الوزراء، وأصبح الصمت في القاعة ثقيلاً ومطبقاً؛ فالجميع يحاول استيعاب حقيقة أن ملكهم المهيب غاب عن العرش لعقد كامل من الزمان ليؤسس حياة سرية مع ملكة لم يروها من قبل، ولم يخطر ببالهم أبداً أنها قد تكون فتاة من عالم آخر تماماً. في هذا وقت وصلت ليليانا إلى المكتبة المركزية للجامعة، وما إن دفعت أبوابها الخشبية الثقيلة حتى شعرت وكأنها خطت داخل زمن آخر. كانت المكتبة ضخمة بطريقة مهيبة، ترتفع جدرانها لتصل إلى سقف شاهق تتشابك فيه الأعمدة الخشبية الداكنة، وتصطف فيها الرفوف العملاقة التي تمتد كالمتاهة صعوداً نحو الأعلى، محملة بآلاف المجلدات التي تنبعث منها رائحة الورق العتيق المميزة. اجتاحت ليليانا موجة عارمة من الحماسة الخالصة، سرت كالقشعريرة في جسدها وتسببت في تسارع نبضات قلبها شغفاً. أخذت تتنقل بخطوات خفيفة ومبتهجة بين الممرات الضيقة، وعيناها تتسعان بذهول وهي تتأمل عناوين الكتب المصطفة بدقة. كانت تمرر أصابعها برفق فوق الأعقاب المذهبة للمجلدات؛ رأت مؤلفات لكتّاب وفلاسفة مشهورين طالما قرأت عنهم وتمنت تصفح أعمالهم، وبجانبها كتب أخرى ضخمة لأسماء غريبة وعناوين غامضة لم تسمع بها من قبل، مما زاد من فضولها ورغبتها في البقاء هنا لساعات. وبينما كانت تسير في ممر هادئ ومنعزل في زاوية المكتبة، انقطع السكون فجأة بصوت ارتطام جاف. سقط كتاب ضخم من الرف الأعلى ليستقر عند قدميها مباشرة. تراجعت خطوة إلى الوراء وعقدت حاجبيها باستغراب؛ فالمكان كان ساكناً تماماً، ولا وجود لأي تيار هوائي أو حركة قد تفسر سقوط الكتاب بمفرده في تلك اللحظة. لكن فضولها تملكها بسرعة، فلم تعر الأمر اهتماماً كبيراً، وانحنت لتلتقط الكتاب من على الأرض. كان غلاف الكتاب مخملياً داكناً، وشديد الشبه من حيث الملمس واللون بذلك الكتاب الذي اختفى من غرفتها صباحاً، ومكتوباً عليه بخط بارز ولامع عنوان أثار دهشتها: **«ملك الشياطين»**. ارتسمت على وجهها ابتسامة حماسية، وتملكتها الغبطة وهي تحدث نفسها: «رواية خيالية؟ غريب جداً وجود روايات كهذه في قسم الكتب الأكاديمية بالجامعة، ولكنها تبدو مشوقة للغاية!». أمسكت حافة الغلاف بيد مرتجفة من الحماس وفتحت الكتاب بلهفة لتقرأ الصفحة الأولى. لكن في جزء من الثانية، لم تجد كلمات أو أسطراً لتقرأها.. بل اندلع من بين صفحات الكتاب المفتوح نور الاحمر ساطع وشديد القوة، انبثق كالإعصار ليعمي بصرها ويغمر الممر المظلم بالكامل. انخلع قلب ليليانا من الصدمة والرعب المباغت، وأطلقت صرخة مدوية هوت بها في أعماق المفاجأة، بينما شعرت بقوة غامضة تجذبها نحو الداخل والتفت الدنيا من حولها في ثوانٍ معدودة قبل أن يطبق السكون مجدداً. وبعد أن انطفأ ذلك النور الساطع، تلاشت ليليانا تماماً وكأن الأرض انشقت وابتلعتها، ليتنحى الصخب ويحلّ سكون مريب في ممر المكتبة. سقط الكتاب على الأرض بجفاء، وفي غضون ثوانٍ، بدأ غلافه المخملي ينكمش على نفسه ويتضاءل حجمه تدريجياً حتى تلاشى كلياً من الوجود، ولم يتبقَ لليليانا أي أثر أو دليل يثبت أنها كانت تقف هنا قبل لحظات. وعلى الجانب الآخر من الحرم الجامعي، كانت إميليا تسير في الممرات بخطوات واسعة ومتسارعة، يملؤها الشغف العارم للوصول إلى مختبر الأحياء في كلية العلوم. وعندما وصلت أخيراً ووقفت أمام الباب الخشبي العريض، تجمدت حماستها فجأة؛ إذ وجدت لافتة معلقة بوضوح كُتب عليها: «المختبر مغلق للصيانة المؤقتة». شعرت إميليا باحباط كبير وتنهدت بضيق، لكن هذا العائق لم يوقف طموحها أو يثنِ عزمها؛ فقد تملكتها رغبة عارمة في استكشاف المكان اليوم تزامناً مع انطلاقتها الجامعية. فكرت سريعاً وعقدت العزم على التسلل بطريقتها الخاصة. التفتت وعادت أدراجها لتخرج من مبنى الكلية نحو الحديقة الخلفية المحيطة به، حيث كانت تعلم أن نوافذ المختبر الكبيرة تطل مباشرة عليها. اقتربت بحذر، وتفقدت الأجواء من حولها، ثم فتحت أحد الشبابيك بخلسة وهدوء، وتسلقت برشاقتها لتجد نفسها في الداخل. انبهرت عينا إميليا واشتعلت حماستها من جديد وهي تتأمل تفاصيل المختبر بدقة شديدة؛ كان المكان واسعاً وتصطف فيه طاولات رخامية طويلة بيضاء ناصعة، وتتوزع فوقها مجاهر إلكترونية حديثة، ومجموعات ضخمة من الأنابيب الزجاجية المدرجة، والقوارير المخروطية الملونة المصطفة على الرفوف. وفي الزوايا، كانت هناك مجسمات تشريحية دقيقة، ولوحات جدارية تفصيلية لتركيب الخلايا والكائنات الدقيقة، بالإضافة إلى ثلاجات حفظ العينات المغلقة. ساد المكان تلك الرائحة المميزة للمطهرات والمعقمات العلمية، وشعرت إميليا برعشة من الفرح تسري في جسدها وهي ترى هذا العالم الذي طالما حلمت به. وبينما كانت تتنقل بين الطاولات وتنظر بدهشة وانبهار لكل أداة، انقطع تأملها فجأة بسماع وقع خطوات حازمة تقترب من الباب الخارجي للمختبر، وترافقها أصوات خافتة لأشخاص يتحدثون بجدية. تلاشت حماستها فوراً وحلّ محلها خوف شديد من أن يتم اكتشاف أمرها وتتعرض للعقوبة في أول يوم لها. التفتت حولها بذعر تبحث عن مخبأ سريع، فلمحت في الزاوية خزانة خشبية كبيرة مخصصة لحفظ المعاطف والأدوات وكانت فتحتها مواربة قليلاً. انطلقت نحوها بسرعة البرق، ودلفت إلى داخلها ثم أغلقت الباب بخفة مستعينة بالظلام، وصارت تحبس أنفاسها وتراقب عبر الفتحة الضيقة للباب لترى مَن الذين دخلوا إلى المختبر وماذا سيفعلون.أغلق الملك باب الجناح الفخم خلفه، وساد الهدوء أرجاء الغرفة الواسعة ذات الطراز الأثري المهيب. تقدم بخطوات ثابتة نحو السرير الوثير، وأنزل ليليانا برفق، لكنها ما زالت ترفض ما سمعتها وتصرخ بنبرة يملؤها الذهول والخوف: «اتركني! أرجوك اتركني وشأني.. أخبرتك أنك أخطأت في العنوان، لستُ زوجتك ولستُ الفتاة التي تبحث عنها!» تراجعت ليليانا إلى الخلف قليلاً وهي تنظر إلى ملامحه الحادة وعينيه الحمراوين اللامعتين. في تلك اللحظة، اقترب الملك منها بهدوء وجلس على حافة السرير، مرتسماً على وجهه ملامح الجدية والثقة المطلقة، ثم قال بصوت منخفض وعميق يحمل نبرة اليقين: «لا، أنا لم أخطئ أبداً يا ليليانا. أنتِ زوجتي بالفعل، وهناك عقد يربطنا منذ أكثر من عشر سنوات». اتسعت عينا ليليانا بصدمة أكبر وجفت الكلمات في حلقها؛ عشر سنوات؟ هذا يعني أنها كانت مجرد طفلة في ذلك الوقت! كيف يمكن لعقد كهذا أن يكون حقيقياً وهي لا تتذكر من ماضيها شيئاً يشير إلى هذا شخص الغريب؟ نظرت ليليانا إليه بعينين متسعتين من شدة الصدمة، وهزت رأسها بإنكار قاطع وهي تتراجع خطوة أخرى إلى الخلف مستندة إلى وسائد السرير، وقالت بنبرة حادة يملؤها الذهول:
في صباح اليوم التالي، انسلّت أشعة الشمس ا عبر ستائر الغرفة الخفيفة، لتوقظ ليلى . تمطت ليلي في فراشها وهي تشعر براحة غريبة ونشاط غير معتاد يسري في أطرافها، وكأن جسدها قد نال قسطاً وافراً من السلام الروحي. فجأة، ومضت في ذاكرتها أحداث الليلة الماضية؛ تذكرت تعب المناوبة والجرح المزعج الذي أصاب قدمها جراء ارتطامها بإحدى الطاولات أثناء العمل. دفعت الغطاء جانباً بفضول، ونظرت إلى قدمها لتتفاجأ بأنها سليمة تماماً؛ بشرتها ناعمة ونقية ولا أثر لأي خدش أو كدمة عليها. لم تندهش ليلى ولم تطلق صيحات التعجب، بل كل ما فعلته هو الابتسام بخفة ولامبالاة اعتادت عليها؛ فهذا السر الغامض يرافقها منذ مدة طويلة. كلما أصيبت بجرح، أو حرق طفيف من أدوات المطبخ، أو كدمة زرقاء، تستيقظ في اليوم التالي لتجده قد اختفى تماماً وكأن شيئاً لم يكن، حتى أقنعت نفسها بأن جسدها مجرد آلة ذات مناعة خارقة وسريعة الشفاء بشكل استثنائي. نهضت من فراشها بخفة وتوجهت نحو خزانتها لتستعد ليومها. انتقت ملابسها بعناية تجمع بين الأناقة والعملية؛ ارتدت بنطالاً قماشياً أسود مريحاً، ونسقته مع قميص قطني ناصع البياض ذي أكمام طويلة طوتها بعفوية حتى
كان الملك يشق الهواء بسرعة خاطفة، يدفعه دافع واحد وكانت ملامحه تتصلب كالصخر هو يفكر في شي واحد: أذا تجرؤ أي من كائنات كائناً ، على مسّ خصلة واحدة من شعر ليليانا، سيزلزل الأرض تحت أقدامهم. وما إن بلغ منعطف الممر الشاهق، حتى تباطأت حركته لثوانٍ وهو يرى المشهد الغريب أمامه. تملكه مزيج من المشاعر المتضاربة؛ فمن جهة، كاد يبتسم بسخرية علي محاولتها الفاشلة للهروب، ومن جهة أخرى، اشتعلت عيناه بالغضب الحارق وهو يراها معلقة في الهواء بقلة حيلة كالدمية بين يدي ذلك العملاق. لم يمنح نفسه فرصة لتردد؛ رفع كفه بوقار مهيب، وانبثق من أعماق يده شعاع من الطاقة الداكنة المرعبة، شق سكون المكان كالسهم النافذ واستقر مباشرة في صدر العملاق. تردد صدى صرخة مكتومة ومتألمة للعملاق وهو يتراجع بضع خطوات إلى الوراء، يفلت قبصته عن ياقة ليليان لتندفع الفتاة نحو الجو، بينما انحنى الجسد الضخم واضعاً بطن كفيه مكان الضربة وهو يئن وجعاً. وفي تلك الأجزاء من الثانية، التفت الحراس المصطفون بذعر وصدمة عارمة نحو مصدر الهجوم، لتتجمد الدماء في عروقهم وهم يرون جلالة الملك يخطو نحوهم بخطوات وئيدة هو مازل في هواء، تحيط به هالة سودا
داخل شقة بسيطة ودافئة، كانت تجلس "إيفيليا" الصغيرة ذات التسع سنوات، تشاهد إنمي "ناروتو" بحماس شديد. وفي غمرة اندماجها، استمعت إلى صوت قفل الباب ينفتح، فقفزت من مكانها بفرح لعلمها التام بهوية القادم. دخلت "ليلي" والشحوب يرتسم على وجهها من شدة التعب بعد يوم شاق جمع بين محاضرات الجامعة وعملها الجزئي. هتفت بتعب: «لقد عدت.. أين أنتِ يا إيفيليا؟» ركضت إيفيليا الصغير وارتمت في حضن أختها الكبرى بحب شديد قائلة: «أخيراً عدتِ! لماذا تأخرتِ اليوم؟» ابتسمت ليلي برفق وقالت: «أنا آسفة جداً يا صغيرتي، كان هناك الكثير من الزبائن اليوم في العمل.. انظري ماذا أحضرت لكِ، لقد اشتريت مقرمشات الشيبسي التي تحبينها.» صرخت إيفيليا بحماس وهي تأخذ الكيس بسعادة: «شكراً لكِ! هل أحضرتِها بنكهة الجبن كما أحب؟» انحنت ليلي بخفة كفارس يحيي ملكته وقالت بمزاح: «بالتأكيد يا سيدتي الصغيرة.» سألت ليلي وهي تطمئن عليها: «هل انتهيتِ من واجباتكِ المدرسية؟ وهل تناولتِ طعامكِ؟» أجابت إيفيليا بذكاء: «نعم، فعلت كل شيء، والآن يستمتع بوقتي. اذهبي أنتِ لترتاحي.» قالت ليلي "معك حقا انا حقا يحتاج الراحة ا
فتحت ليليان عينيها ببطء بعد أن تلاشت أشعة النور الساطع، لتجد نفسها مستلقية على أرضية ممرٍ لم ترَ مثله قط في حياتها. كان الممر شاهق الارتفاع، جدرانه مشيدة من رخام أسود مصقول كالمرايا يعكس ضياء مشاعل فضية غريبة تنبثق منها نيران زرقاء هادئة لا تصدر دخاناً. السقف كان عبارة عن لوحة فلكية متحركة، تتحرك فيها نجوم متلألئة وسدم أرجوانية وكأن السقف مفتوح على مجرة أخرى تماماً. قامت ليليان بتغير موضع جسمه لتكون جلس علي أرضية وتلفتت حولها بذهول، ثم فركت عينيها بغير تصديق، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مستسلمة وقالت بنبرة ساخرة: «يبدو أن كوابيسي قد تحولت هذه المرة إلى أحلام فاخرة! حتى عقلي الباطن أصبح يمتلك ذوقاً ملكياً في تصميم الأحلام!» نهضت ليليان واقفة وهي تنفض الغبار وبقايا بقع العصير عن ملابسها المتسخة جراء مغامرة الكافتيريا، وبدأت تمشي في الممر بخطوات مترددة رغم هذا لم تستطيعان تمنع نفسها من انبهار من هذا مكان . وثناء مشيها كانت تتأمل اللوحات الضخمة المعلقة والتماثيل المنحوتة من كريستال داكن ينبض بضوء خافت، وشعور الغموض والهيبة يلف المكان من حولها. وبينما كانت تدير زاوية الممر، تفاجأت بك
انطلقت الحافلة بنان نحو حيّها السكني الهادئ، فنزلت بخطوات متباطئة يملؤها الكسل، وهي تعدل حقيبتها على كتفها وتدندن بنغمات عشوائية. وعندما وصلت إلى منزلها، أدارت المفتاح في القفل ودخلت لتجد الدفء المألوف يملأ المكان. كان والدها، الذي يمثل لها العالم بأكمله ويتولى رعايتها بمفرده منذ صغرها بعد موت والدتها، يجلس في الصالة يقرأ بعض الأوراق. ما إن سمع صوت الباب حتى رفع رأسه وارتسمت على وجهه ابتسامة حنونة ومرحة، وقال يمازحها بنبرته الدافئة المعتادة: «أهلاً بملكة الهدوء! كيف كان أول يوم لكِ في هذا الصرح الجامعي الكبير؟ أتمنى ألا تكوني قد أثرتِ المشاكل منذ الساعات الأولى!» أطلقت نانا ضحكة خفيفة، وتقدمت لتقبل رأسه قائلة بتمثيل: «أنا؟ أثارت المشاكل؟ أبداً يا أبي، لقد كنتُ نسمة عابرة اليوم!»، ثم توجهت نحو غرفتها، والقت بحقيبتها إهمالاً على السرير وتمددت بتعب وهي تتصفح هاتفها المحمول بملل، دون أن تدري بحجم الغموض الذي بدأ يلتف حول صديقتها. وفي الجانب الآخر الصاخب من المدينة، وصلت **ليلى** إلى المطعم الصغير الذي تعمل فيه كعاملة جزئية. دخلت من الباب الخلفي المخصص للموظفين بخطوات حازمة، وتوجهت مباش
التفتت الفتاة بغضب عارم لترى من تجرأ على الإمساك بيدها، ولكن غضبها تراجع فجأة وحل محله الخوف عندما تأملت ملامح الفتاة التي تقف أمامها.كانت الفتاة التي تمسك يدها تنظر إليها بغضب شديد وشراسة، ورغم ذلك، كانت تمتلك ملامح جميلة للغاية، يزينها شعر بني منساب وعينان خضراوان تشعان حدة، وبدت في تلك اللحظة
صارت ليليان تنظر حولها مستغربة المكان الذي وجدت نفسها فيه، فكل ما تتذكره أنها كانت مستلقية في غرفتها فوق سريرها تحاول أن تنام، والآن هي تقف في مكان شديد الظلمة يلفه صمت مطبق ومخيف. رفعت يديها وتحسست الفراغ حولها، لتشعر بنسمات هواء باردة تلفح وجهها، مؤكدة لها أنها في مكان خالٍ تماماً.همست بخوف وقل







