مشاركة

الفصل 2

مؤلف: عابرة
نظرت شادية إلى تلك الكلمات، ولم يظهر على وجهها أي انفعال.

لم ترد، ولم تنفعل حتى.

فتحت تطبيق الطلبات على هاتفها، وحددت موقع العنوان الذي أرسله جلال.

واشترت علبة واقيات وأرسلتها إليه.

كانت تعلم أنه يتعمد استفزازها، لكنها تعبت حقًا من هذه الصراعات، ولم يعد لديها طاقة للشجار معه.

في صباح اليوم التالي، كانت شادية تجلس بصبر لتصفّف ضفائر جنى التي كانت تغالب النوم، حين دُفع باب الغرفة فجأة. وكان القادم هو جلال.

"بابا!" لمعت عينا جنى، وفتحت ذراعيها الصغيرتين وركضت إليه.

انحنى جلال، والتقط ابنته بخفة ورفعها بين ذراعيه.

"هل اشتقتِ إلى بابا لأنكِ لم تريه ليلة واحدة فقط؟"

ابتسم وهو يدغدغ خد ابنته بذقنه، مما أثار ضحكاتها الرنانة.

وقفت شادية أمام منضدة الزينة، ولا تزال تحمل المشط في يدها، تراقب المشهد بهدوء.

مهما كان ما بينهما من مرارة، أمام جنى، كان جلال أبًا مثاليًا لا غبار عليه.

ربما لم يكن زوجًا جيدًا، لكنهما اتفقا دون كلام على إبقاء طفلتهما بعيدة عن مشاكلهما؛ فعلى الأقل، لم يسمح لعلاقاته الطائشة أن تمس عالم جنى الصغير قط.

بعد أن داعب ابنته قليلًا، رفع جلال عينيه نحو شادية.

كان صوته عاديًا، وكأن رسالته المهينة الليلة الماضية لم تكن موجودة: "اليوم موعد تطعيم جنى، أليس كذلك؟"

أخفضت شادية عينيها وتابعت تمشيط الضفيرة الأخرى لجنى، وقالت بصوت هادئ: "نعم، حجزت عند التاسعة."

"حسنًا، سأوصلكما."

في الطريق إلى المستشفى، نامت جنى سريعًا في مقعد الأطفال لأنها استيقظت مبكرًا.

نقر جلال بأصابعه على المقود، ثم ضحك ضحكة خافتة فجأة.

ألقى نظرة جانبية على شادية، وفي عينيه فضول ولهو: "الليلة الماضية، ظننت أن القادم إما صحفيون بكاميراتهم أو رجال شرطة لمداهمة المكان بتهمة ممارسة الرذيلة."

"لكن تبين أنه عامل توصيل. شادية، هذا ليس من طبعكِ."

نظرت شادية إلى منظر الشارع الذي يتراجع بسرعة خارج النافذة، وصوتها بلا أي انفعال: "ألم تكن تريد زوجة تتقبل الأمور بصدر رحب ولا تفتعل المشاكل؟"

انعقد لسان جلال للحظة، ثم قال: "اطمئني، مهما حصل، أنتِ زوجتي التي تزوجتها رسميًا، أما الأخريات فلسن سوى نزوات عابرة."

كانت هذه الكلمات كإبرة رفيعة تُغرز في القلب بخفة، لا تقتل، لكنها تثير ألمًا مزمنًا.

زمت شادية شفتيها ولم ترد.

حين تزوجها، قال إنها ستكون الوحيدة في حياته للأبد، والآن أصبحت تلك "النزوات العابرة" تتوالى واحدة تلو الأخرى دون توقف.

توقفت السيارة أمام عيادة الحي.

أخرجت شادية ملفًا من حقيبتها أولًا وقدمته إلى جلال.

"وقع. هذه بعض الأوراق والبيانات المطلوبة لتسجيل جنى في الروضة العام المقبل."

كان الملف سميكًا، وفي طياته اتفاقية الطلاق.

لم يُلقِ جلال نظرة حتى، أخرج قلمًا من جيبه الداخلي ووقع اسمه على الأوراق واحدة تلو الأخرى:

"دبري هذه الأمور الصغيرة كما تشائين."

أعاد الملف وفتح الباب ليخرج، ودار إلى الجهة الأخرى ليحمل جنى النائمة.

في تلك اللحظة، حدثت جلبة عند مدخل المستشفى.

كانت امرأة شاحبة الوجه يدفعها موظف قسم التحصيل بفارغ الصبر: "إن لم يكن معكِ مال فابتعدي، هناك طابور طويل ينتظر!"

ترنحت المرأة وكادت تقع.

ألقى جلال نظرة عابرة، وتبعتها نظرة شادية.

عرفتها، كانت إحدى النساء اللواتي قطع جلال علاقته بهن من أجلها.

تكلمت شادية بصوت بارد: "ألن تذهب لمساعدتها؟ إنها صديقة قديمة على كل حال."

ارتفع طرف فم جلال بابتسامة وهو يحمل ابنته: "وما علاقتي بها؟ قلت لكِ، ابنتي هي الأهم اليوم."

وما إن انتهى التطعيم، حتى رفعت شادية رأسها فلم تجد أثرًا لجلال.

حينها اهتز هاتفها، كانت رسالة من جلال.

"طرأ أمر عاجل، خذي جنى إلى البيت أولًا. أعدكِ أن أبقى معها طوال يوم عيد ميلادها بعد بضعة أيام."

أطفأت شادية شاشة الهاتف بملامح جامدة.

لم تكترث بما فعله جلال، واصطحبت ابنتها إلى مطعم الأطفال.

وكما كان متوقعًا، ظهر على الإنترنت وسم يتحدث عن "إنقاذ وريث عائلة العزمي للحسناء عند باب المستشفى"، ومرفق معه صورة التُقطت لهما هناك.

نظرت شادية إلى جنى وهي تأكل المثلجات بلقيمات صغيرة، ولان صوتها: "جنى، إذا... لم يعد بابا وماما يعيشان معًا في المستقبل، هل ترضين بالعيش مع ماما؟"

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • من ليل الخيانة إلى فجر الحب   الفصل 22

    بعد ذلك، لم يظهر جلال مجددًا أبدًا.ومرت الأيام هادئة كصفحات كتاب تُطوى واحدة تلو الأخرى.بدأ استوديو شادية يستقر تدريجيًا ويسير على الطريق الصحيح.وضعت موسيقى تصويرية لفيلم وثائقي غير تجاري، ونالت ألحانها النابضة بالحياة ثناءً كبيرًا وغير متوقع من صناع المجال.بدأت العروض تتوالى عليها، لكنها كانت تختارها بعناية، وتوافق فقط على الأعمال التي تحترم الموسيقى ذاتها.لم تعد بحاجة للاتكاء على أي لقب، أصبحت فقط "الملحنة شادية".تأقلمت جنى مع البيئة الجديدة، وكوّنت أصدقاء في الروضة الجديدة.ملأ عماد الفراغ الذي تركه دور "الأب"، بل وأكثر.كان يرافقها في صنع الأشغال اليدوية البسيطة، ويجيب بصبر على أسئلتها الخيالية العجيبة، ويسهر عند سريرها حين تراودها الكوابيس.كان تعلّق جنى به واعتمادها عليه يزدادان يومًا بعد يوم.اطمأن والدا شادية تمامًا، وبدآ يخططان لرحلة سفر معًا، تاركين المساحة للشباب.كل شيء كان يسير نحو الأفضل.تولى عماد كل الأعمال الشاقة في البيت، فإذا تعطل مصباح أو انسد أنبوب ماء، كان دائمًا أول من يشمر عن ساعديه.كان يتذكر أي نوع من حبوب القهوة تفضله شادية، وأي أنواع الفاكهة تسبب لجنى

  • من ليل الخيانة إلى فجر الحب   الفصل 21

    رفع عماد عينيه ببطء نحو جلال، بنظرات حملت سخريةً وبرودًا لم يحاول إخفاءهما.تحركت زاوية شفتيه، وتحدث بنبرة قوية وحاسمة، وقعت كل كلمة منها كالمطرقة على قلب جلال: "شقيقان؟ جلال، من أخبرك أننا شقيقان بالدم؟""آسف، خاب أملك. لست كذلك."توقف قليلًا، ثم حوّل بصره نحو شادية."أنا في الأصل زوج المستقبل الذي أعدته العائلة لشادية منذ الصغر. نشأتُ وأنا أراقبها، وأحميها، وأنتظرها.""سيرتي نقية، ولم يشب ماضيّ أي العبث، ولم يكن في قلبي وعيني من البداية وحتى النهاية سوى هي وحدها، ولن تكون هناك أخرى.""لذا،" أعاد عماد تثبيت بصره على وجه جلال الشاحب بشدة."في حياتها الآن رجل آخر. وهذا الرجل هو أنا. أفهمت؟"كانت جملة "زوج المستقبل"، كالصاعقة التي دوت في عقل جلال.نظر إلى عماد بعدم تصديق، ثم إلى شادية التي كانت تلتزم الصمت، وكأنها تقرّ كل ما قاله، بل إنها مالت قليلًا نحو عماد.ترنح خطوة، وارتطم بالطاولة خلفه، فاصطدمت الفناجين والصحون محدثة قعقعة.دار العالم من حوله.في الأيام القليلة التالية، بدا جلال وكأنه اختفى من العالم.لا مكالمات، لا رسائل، ولم يظهر أبدًا.لكن بعد أيام قليلة وفي فترة ما بعد الظهر، ظ

  • من ليل الخيانة إلى فجر الحب   الفصل 20

    التهرب والصدّ المستمران ليسا خطة مجدية.كلما هربت، ازداد التصاقه بها، بل سيترك ذلك أثرًا أعمق في قلب ابنتها.كانت بحاجة إلى مواجهة حاسمة ونهائية، ليس لأجل الإصلاح، بل لإنهاء الأمر.بعد أيام قليلة، حين تأكدت شادية من أن جلال أرسل مجددًا مجموعة من الألعاب الباهظة إلى منزل والدتها، اتصلت برقمه بمبادرة منها.رد على المكالمة بسرعة: "شادية؟""غدًا في الثالثة بعد الظهر، مقهى ضفاف."كان صوت شادية خاليًا من أي مشاعر: "سنتحدث. بمفردنا."دون أن تنتظر رد جلال، أغلقت الخط.لم تمنحه أي فرصة للمساومة أو لتجهيز عباراته.على الطرف الآخر من الخط، أمسك جلال بالهاتف، متجمدًا لبضع ثوانٍ، ثم لم يتمالك أن ارتفع طرف فمه بابتسامة.ها هي ذي، لقد كان يعلم تمامًا أنها لن تصمد طويلًا.فكل ذلك الهجر، والحظر، وحتى الانتقال من البيت، لم يكن في نظره سوى ألاعيب نسائية مألوفة، غايتها في النهاية إجباره على الانحناء واسترضائها.ألغى فورًا جدول أعماله المقرر، وبدأ يفكر فيما سيرتديه غدًا، وما سيقوله.حتى إنه راودته فكرة، ربما يمكنه استغلال هذه الفرصة ليعيدهما إلى البيت.أما تلك المرأة، ريم، فقد ملّ اللعب معها وتخلص منها نها

  • من ليل الخيانة إلى فجر الحب   الفصل 19

    "جلال، اسمعني جيدًا. شادية، هي شقيقتي الصغرى التي كبِرت أمام عينيّ، وهي أغلى ما في قلبي!""كيف أقسمت وأكدت حينها بأنك ستعاملهما معاملة حسنة؟ وماذا كانت النتيجة؟ سمحت لامرأة دنيئة أن تهينها مرارًا وتكرارًا، حتى كادت جنى تدفع حياتها ثمنًا لذلك! والآن، بكل وقاحة، تأتي لتحدثني عن حياتك الخاصة؟ وتصفني بالغريب؟"مع كل جملة قالها، كان وجه جلال يزداد سوءًا.تلك التفاصيل التي تعمّد تجاهلها طويلًا، كشفها عماد الآن بلا رحمة، ليعرّي حقيقته ويتركه في موقف مخزٍ.تماسك بابتسامة باردة وقال: "كانت تلك حادثة! ريم هي...""اخرس!" قاطعه عماد بحدة صارمة، وفي عينيه اشمئزاز لم يحاول إخفاءه."لا تعد تذكر اسم تلك المرأة أمامي، لئلا تلوث مكان أختي! هذا إنذاري الأخير لك: اختفِ من أمام عينيّ أختي حالًا. وإياك أن تقترب منها مجددًا، أو تزعج جنى."لم يسبق لجلال أن وُبّخ وأهين بهذا الشكل من قبل، فاجتاح الغضب عقله وأفقده صوابه تمامًا: "عماد! من تظن نفسك لتملي عليّ الأوامر؟ أريد رؤية ابنتي، وهذا حق طبيعي!""حق طبيعي؟" اشتدت حدة نظرة عماد، ودون أي إنذار، هوى بقبضته بقوة على وجه جلال!كانت هذه اللكمة سريعة وقاسية، مشحونة

  • من ليل الخيانة إلى فجر الحب   الفصل 18

    لكنها لم تكن قد خطت تلك الخطوة بعد، حتى تحطمت حياتها الهادئة.كانت شادية منحنيةً على جهاز تعديل الصوت تدقّق مقطعًا من الآلات الوترية انتهت من تسجيله للتو، حين طُرق باب الاستوديو برفق.ظنت أنه مهندس الصوت الذي كانت على موعد معه، فقالت دون أن ترفع رأسها: "تفضل".انفتح الباب، لكن لم يدخل أحد، بل خيّم صمت مطبق على المكان.توقفت حركة شادية لبرهة، ثم اعتدلت في وقفتها ببطء.كان جلال واقفًا عند الباب.كان يرتدي معطفًا رماديًا داكنًا أنيقًا، بقامة فارعة، وفي يده علبة هدية.لم يكن على وجهه أي تعبير، وعيناه المثقلتان استقرتا عليها.بادرها بالكلام، جاء صوته هادئًا لا تُقرأ فيه أي مشاعر: "أهذا هو المكان الذي جئتِ إليه هربًا بحثًا عن الراحة؟"وضعت شادية السماعات من يدها، ولم تظهر على ملامحها أي موجة من الانفعال: "هل من خطب؟"تقدم جلال بضع خطوات، وألقى الهدية بلا مبالاة على الأريكة الجانبية: "أين جنى؟ جئت لأرى ابنتي.""إنها في الروضة."ردت شادية بنبرة فاترة، وهي تدور حول طاولة العمل وتبدأ في ترتيب النوتات الموسيقية المبعثرة، بإشارة واضحة لتوديعه.هذا البرود التام أغضب جلال بشدة.فلم يظهر أيّ مما كان

  • من ليل الخيانة إلى فجر الحب   الفصل 17

    قطب جبينه قليلًا، ثم ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الساخرة مرة أخرى: "ما بكِ؟ أمي، هل تسترجعين ذكريات الماضي مع شادية مجددًا؟ لا تُبكِ أختي، فهي الآن مدللة العائلة."حدقت سمية به، ثم نهضت وقالت: "حسنًا، سأترككما تتحدثان معًا، سأغادر."ربتت على يد شادية بنظرة ذات مغزى، ثم غادرت.لم يبقَ في الاستوديو سوى الاثنين.سار عماد إلى مكتب شادية، وانحنى إلى الأمام قليلًا، ووضع يديه على حافة المكتب.وقف على مقربة شديدة منها، فأحاطت بها هالة حضوره على الفور."هل تعاني ملحنتنا العظيمة من جمود إبداعي؟"ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، بتعبيره المرح المعتاد."لقد عقدتِ حاجبيكِ حتى بات بالإمكان سحق ذبابة بينهما. ما الذي تُفكرين فيه؟ تبدين غارقة في أفكاركِ..."كانا قريبين جدًا؛ استطاعت شادية أن ترى انعكاسها بوضوح في عينيه.وخلف ذلك المظهر العابث اللامبالي، يكمن حنان عميق موجَّه إليها وحدها.بدا الأمر كما لو أن شعلة صغيرة كانت مختبئة في الداخل، تحترق بحذر، حاملة معها قدرًا من الترقب.خفق قلبها بشدة، وانحبست أنفاسها.لو كان ذلك في الماضي، لما شعرت بشيء مختلف.ولكن في هذه اللحظة، كانت ما زالت كلمات والدتها

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status