Share

الفصل 9

Penulis: عابرة
وقع نظر جلال على قلم التسجيل.

وقبل أن يبادر بأي حركة، تبدّلت معالم وجه ريم التي كانت تقف خلفه.

كان صوتها باكيًا، ودموعها تنهمر كحبات اللؤلؤ المنفرطة: "لا، هذا ليس صوتي... إنه مزيف، كله مزيف..."

"هل تكرهينني إلى هذا الحد يا سيدة شادية؟ ألم يكفكِ تشويه سمعتي، حتى تلجئي الآن إلى هذه الأساليب... وتتهمينني زورًا بأنني أريد إيذاء جنى؟"

وضعت يدها الأخرى على بطنها متظاهرة بالعجز، وانحنى جسدها قليلًا: "أنت تعشق جنى يا جلال، وأنا أعتبرها كابنتي تمامًا، فكيف لي أن أؤذيها؟ هذه التهمة تكاد تقتلني... إنها تريد التخلص مني ومن جنيني، والموت أهون علينا من هذا الظلم!"

في تلك اللحظة، تبددت شكوك جلال وتحول وجهه إلى التجهم التام.

نظر إلى ريم التي تبكي بين ذراعيه حتى أشرفت على الإغماء، ثم رفع عينيه إلى شادية الواقفة بملامح هادئة.

"شادية، هل وصل بكِ الأمر إلى استخدام حياة ابنتنا كأداة في لعبة قذرة لتشويه سمعة ريم؟"

نظرت إليه شادية بهدوء، وكأنها تحاول من خلال هذا الوجه الذي أحبته يومًا حتى النخاع، أن تبصر حقيقته العارية.

بعد لحظات، ضحكت ضحكة خفيفة جدًا، ضحكة بدا صداها فارغًا من أي روح.

"جلال، أنت حقًا أعمى البصر والبصيرة."

ولم تنتظر منه جوابًا؛ بل استدارت، وفتحت باب غرفة المستشفى، ودخلت.

كانت الغرفة غارقة في سكون تام، وكانت جنى غافية بوجه شاحب، لكن أنفاسها كانت منتظمة وهادئة.

تقدمت شادية نحو السرير، وجلست برقة بجانب ابنتها، ومررت أطراف أصابعها على خصلات شعرها الناعمة المنسدلة على جبينها.

وعلى نحو غريب، هدأ قلبها تمامًا؛ إذ بدت تلك المسرحية الهزلية التي حدثت بالخارج وكأنها امتصت آخر قطرة من مشاعرها.

جلست في الغرفة لوقت طويل، حتى تسللت خيوط الشفق الأحمر عبر النافذة.

وفجأة، أضاءت شاشة هاتفها معلنة عن وصول رسالتين جديدتين.

كانت الرسالة الأولى من جلال: "حالة ريم النفسية مضطربة للغاية، وهناك خطر على الجنين. يقول الأطباء إنها لا تتحمل أي ضغوط أخرى."

"أيًا كان الأمر، فذلك الطفل يحمل دماء عائلة العزمي في النهاية."

"ولأجل تهدئتها، قد أضطر للإعلان عن علاقتنا ومنحها مكانة معترفًا بها، كوني هادئة، لن يؤثر على منصبك."

كان انحيازه فجًّا بين السطور.

لم يكلف نفسه حتى عناء السؤال عن حقيقة التسجيل، أو ربما، في أعماقه، كانت ريم والجنين الذي في بطنها أهم بكثير من شيء يُدعى الحقيقة.

نظرت شادية إلى هذه الكلمات بلا تعبير.

حركت أصابعها، وكتبت ردًا من كلمتين.

"كما تشاء."

الرسالة الأخرى كانت من والدة جلال.

"شادية، لقد أتممتُ كافة الإجراءات، وأُرسلت الأوراق إلى المطار. أوراق حضانة جنى داخلها أيضًا. رافقتكِ السلامة."

أخذت شادية نفسًا عميقًا، لكن صدرها لم يعد يشعر بالاختناق. واكتفت بالرد: "شكرًا يا أمي."

أنهت شادية إجراءات خروج جنى من المستشفى.

تعلقت الصغيرة بها بوداعة، وسألتها بصوت خافت: "ماما، هل سنعود إلى البيت؟"

"نعم، سنعود إلى البيت." قبلت شادية جبين ابنتها، وحملتها إلى السيارة.

بالعودة إلى تلك الفيلا التي حملت ذكريات كثيرة، لم تتوقف شادية.

صعدت مباشرة إلى غرفة الملابس، وأخرجت حقيبة السفر وبدأت في حزم أمتعتها.

حركاتها كانت سريعة، دون تردد.

جمعت حاجياتها وحاجيات جنى الأساسية، وبعض المقتنيات القديمة ذات القيمة المعنوية.

أما المجوهرات الفاخرة والثياب الباهظة، فلم تأخذ منها شيئًا.

هذه الأشياء التي حصلت عليها بلقب زوجة جلال العزمي، لم تعد بحاجة إليها.

أخيرًا، جالت بنظرها في هذا المكان الذي كان يدعى بيتًا، وعيناها خاليتان من أي تعبير.

لم يعد في هذا المكان أي دفء، ولم يتبقَّ منه سوى جدران باردة مزينة بالزيف.

حملت جنى، وجرت حقيبتها، وخرجت من الباب دون التفات، ركبت السيارة، وتوجهت مباشرة إلى المطار.

عندما ارتفعت الطائرة عاليًا، كان خارج النافذة بحر من الغيوم.

استندت جنى إلى صدرها وغرقت في نوم عميق، وأنفاسها تتردد باعتدال.

تطلعت شادية عبر النافذة؛ كانت معالم المدينة تبتعد رويدًا رويدًا، حتى غابت تمامًا عن ناظريها.

ستهبط الطائرة في مدينة جديدة، لا وجود لجلال فيها، ولا لريم، وتخلو من كل تلك الصراعات الخانقة التي تستهلك الروح.

حياتها الجديدة مع جنى، قد بدأت للتو.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • من ليل الخيانة إلى فجر الحب   الفصل 22

    بعد ذلك، لم يظهر جلال مجددًا أبدًا.ومرت الأيام هادئة كصفحات كتاب تُطوى واحدة تلو الأخرى.بدأ استوديو شادية يستقر تدريجيًا ويسير على الطريق الصحيح.وضعت موسيقى تصويرية لفيلم وثائقي غير تجاري، ونالت ألحانها النابضة بالحياة ثناءً كبيرًا وغير متوقع من صناع المجال.بدأت العروض تتوالى عليها، لكنها كانت تختارها بعناية، وتوافق فقط على الأعمال التي تحترم الموسيقى ذاتها.لم تعد بحاجة للاتكاء على أي لقب، أصبحت فقط "الملحنة شادية".تأقلمت جنى مع البيئة الجديدة، وكوّنت أصدقاء في الروضة الجديدة.ملأ عماد الفراغ الذي تركه دور "الأب"، بل وأكثر.كان يرافقها في صنع الأشغال اليدوية البسيطة، ويجيب بصبر على أسئلتها الخيالية العجيبة، ويسهر عند سريرها حين تراودها الكوابيس.كان تعلّق جنى به واعتمادها عليه يزدادان يومًا بعد يوم.اطمأن والدا شادية تمامًا، وبدآ يخططان لرحلة سفر معًا، تاركين المساحة للشباب.كل شيء كان يسير نحو الأفضل.تولى عماد كل الأعمال الشاقة في البيت، فإذا تعطل مصباح أو انسد أنبوب ماء، كان دائمًا أول من يشمر عن ساعديه.كان يتذكر أي نوع من حبوب القهوة تفضله شادية، وأي أنواع الفاكهة تسبب لجنى

  • من ليل الخيانة إلى فجر الحب   الفصل 21

    رفع عماد عينيه ببطء نحو جلال، بنظرات حملت سخريةً وبرودًا لم يحاول إخفاءهما.تحركت زاوية شفتيه، وتحدث بنبرة قوية وحاسمة، وقعت كل كلمة منها كالمطرقة على قلب جلال: "شقيقان؟ جلال، من أخبرك أننا شقيقان بالدم؟""آسف، خاب أملك. لست كذلك."توقف قليلًا، ثم حوّل بصره نحو شادية."أنا في الأصل زوج المستقبل الذي أعدته العائلة لشادية منذ الصغر. نشأتُ وأنا أراقبها، وأحميها، وأنتظرها.""سيرتي نقية، ولم يشب ماضيّ أي العبث، ولم يكن في قلبي وعيني من البداية وحتى النهاية سوى هي وحدها، ولن تكون هناك أخرى.""لذا،" أعاد عماد تثبيت بصره على وجه جلال الشاحب بشدة."في حياتها الآن رجل آخر. وهذا الرجل هو أنا. أفهمت؟"كانت جملة "زوج المستقبل"، كالصاعقة التي دوت في عقل جلال.نظر إلى عماد بعدم تصديق، ثم إلى شادية التي كانت تلتزم الصمت، وكأنها تقرّ كل ما قاله، بل إنها مالت قليلًا نحو عماد.ترنح خطوة، وارتطم بالطاولة خلفه، فاصطدمت الفناجين والصحون محدثة قعقعة.دار العالم من حوله.في الأيام القليلة التالية، بدا جلال وكأنه اختفى من العالم.لا مكالمات، لا رسائل، ولم يظهر أبدًا.لكن بعد أيام قليلة وفي فترة ما بعد الظهر، ظ

  • من ليل الخيانة إلى فجر الحب   الفصل 20

    التهرب والصدّ المستمران ليسا خطة مجدية.كلما هربت، ازداد التصاقه بها، بل سيترك ذلك أثرًا أعمق في قلب ابنتها.كانت بحاجة إلى مواجهة حاسمة ونهائية، ليس لأجل الإصلاح، بل لإنهاء الأمر.بعد أيام قليلة، حين تأكدت شادية من أن جلال أرسل مجددًا مجموعة من الألعاب الباهظة إلى منزل والدتها، اتصلت برقمه بمبادرة منها.رد على المكالمة بسرعة: "شادية؟""غدًا في الثالثة بعد الظهر، مقهى ضفاف."كان صوت شادية خاليًا من أي مشاعر: "سنتحدث. بمفردنا."دون أن تنتظر رد جلال، أغلقت الخط.لم تمنحه أي فرصة للمساومة أو لتجهيز عباراته.على الطرف الآخر من الخط، أمسك جلال بالهاتف، متجمدًا لبضع ثوانٍ، ثم لم يتمالك أن ارتفع طرف فمه بابتسامة.ها هي ذي، لقد كان يعلم تمامًا أنها لن تصمد طويلًا.فكل ذلك الهجر، والحظر، وحتى الانتقال من البيت، لم يكن في نظره سوى ألاعيب نسائية مألوفة، غايتها في النهاية إجباره على الانحناء واسترضائها.ألغى فورًا جدول أعماله المقرر، وبدأ يفكر فيما سيرتديه غدًا، وما سيقوله.حتى إنه راودته فكرة، ربما يمكنه استغلال هذه الفرصة ليعيدهما إلى البيت.أما تلك المرأة، ريم، فقد ملّ اللعب معها وتخلص منها نها

  • من ليل الخيانة إلى فجر الحب   الفصل 19

    "جلال، اسمعني جيدًا. شادية، هي شقيقتي الصغرى التي كبِرت أمام عينيّ، وهي أغلى ما في قلبي!""كيف أقسمت وأكدت حينها بأنك ستعاملهما معاملة حسنة؟ وماذا كانت النتيجة؟ سمحت لامرأة دنيئة أن تهينها مرارًا وتكرارًا، حتى كادت جنى تدفع حياتها ثمنًا لذلك! والآن، بكل وقاحة، تأتي لتحدثني عن حياتك الخاصة؟ وتصفني بالغريب؟"مع كل جملة قالها، كان وجه جلال يزداد سوءًا.تلك التفاصيل التي تعمّد تجاهلها طويلًا، كشفها عماد الآن بلا رحمة، ليعرّي حقيقته ويتركه في موقف مخزٍ.تماسك بابتسامة باردة وقال: "كانت تلك حادثة! ريم هي...""اخرس!" قاطعه عماد بحدة صارمة، وفي عينيه اشمئزاز لم يحاول إخفاءه."لا تعد تذكر اسم تلك المرأة أمامي، لئلا تلوث مكان أختي! هذا إنذاري الأخير لك: اختفِ من أمام عينيّ أختي حالًا. وإياك أن تقترب منها مجددًا، أو تزعج جنى."لم يسبق لجلال أن وُبّخ وأهين بهذا الشكل من قبل، فاجتاح الغضب عقله وأفقده صوابه تمامًا: "عماد! من تظن نفسك لتملي عليّ الأوامر؟ أريد رؤية ابنتي، وهذا حق طبيعي!""حق طبيعي؟" اشتدت حدة نظرة عماد، ودون أي إنذار، هوى بقبضته بقوة على وجه جلال!كانت هذه اللكمة سريعة وقاسية، مشحونة

  • من ليل الخيانة إلى فجر الحب   الفصل 18

    لكنها لم تكن قد خطت تلك الخطوة بعد، حتى تحطمت حياتها الهادئة.كانت شادية منحنيةً على جهاز تعديل الصوت تدقّق مقطعًا من الآلات الوترية انتهت من تسجيله للتو، حين طُرق باب الاستوديو برفق.ظنت أنه مهندس الصوت الذي كانت على موعد معه، فقالت دون أن ترفع رأسها: "تفضل".انفتح الباب، لكن لم يدخل أحد، بل خيّم صمت مطبق على المكان.توقفت حركة شادية لبرهة، ثم اعتدلت في وقفتها ببطء.كان جلال واقفًا عند الباب.كان يرتدي معطفًا رماديًا داكنًا أنيقًا، بقامة فارعة، وفي يده علبة هدية.لم يكن على وجهه أي تعبير، وعيناه المثقلتان استقرتا عليها.بادرها بالكلام، جاء صوته هادئًا لا تُقرأ فيه أي مشاعر: "أهذا هو المكان الذي جئتِ إليه هربًا بحثًا عن الراحة؟"وضعت شادية السماعات من يدها، ولم تظهر على ملامحها أي موجة من الانفعال: "هل من خطب؟"تقدم جلال بضع خطوات، وألقى الهدية بلا مبالاة على الأريكة الجانبية: "أين جنى؟ جئت لأرى ابنتي.""إنها في الروضة."ردت شادية بنبرة فاترة، وهي تدور حول طاولة العمل وتبدأ في ترتيب النوتات الموسيقية المبعثرة، بإشارة واضحة لتوديعه.هذا البرود التام أغضب جلال بشدة.فلم يظهر أيّ مما كان

  • من ليل الخيانة إلى فجر الحب   الفصل 17

    قطب جبينه قليلًا، ثم ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الساخرة مرة أخرى: "ما بكِ؟ أمي، هل تسترجعين ذكريات الماضي مع شادية مجددًا؟ لا تُبكِ أختي، فهي الآن مدللة العائلة."حدقت سمية به، ثم نهضت وقالت: "حسنًا، سأترككما تتحدثان معًا، سأغادر."ربتت على يد شادية بنظرة ذات مغزى، ثم غادرت.لم يبقَ في الاستوديو سوى الاثنين.سار عماد إلى مكتب شادية، وانحنى إلى الأمام قليلًا، ووضع يديه على حافة المكتب.وقف على مقربة شديدة منها، فأحاطت بها هالة حضوره على الفور."هل تعاني ملحنتنا العظيمة من جمود إبداعي؟"ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، بتعبيره المرح المعتاد."لقد عقدتِ حاجبيكِ حتى بات بالإمكان سحق ذبابة بينهما. ما الذي تُفكرين فيه؟ تبدين غارقة في أفكاركِ..."كانا قريبين جدًا؛ استطاعت شادية أن ترى انعكاسها بوضوح في عينيه.وخلف ذلك المظهر العابث اللامبالي، يكمن حنان عميق موجَّه إليها وحدها.بدا الأمر كما لو أن شعلة صغيرة كانت مختبئة في الداخل، تحترق بحذر، حاملة معها قدرًا من الترقب.خفق قلبها بشدة، وانحبست أنفاسها.لو كان ذلك في الماضي، لما شعرت بشيء مختلف.ولكن في هذه اللحظة، كانت ما زالت كلمات والدتها

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status