Se connecterوجدت نبيل يجلس بهدوء بجوار فراش هاني الصغير.
وقف من مقعده مذهولاً وعيناه متسعتان من شدة المفاجأة. نظر نبيل وجد أمامه فتاة فاتنة الجمال بحق. فتاة ناصعة البياض تسر الناظرين برقتها الشديدة وعفويتها. يتدلى شعرها الذهبي الحريري اللامع على أكتافها بوضوح. أكتافها المكشوفة الناعمة التي ظهرت بفعل الفوطة الكبيرة. ولها عينان زرقاوان صافيتان كأنهما لون السماء تماماً. تسمرت تاليا في مكانها لا تقوى على الحراك. وهي تسند الفوطة الكبيرة بإحكام بيدها المرتجفة جداً. الفوطة التي كانت تكاد تغطي جزءاً من صدرها. وتمتد لتغطي جسدها حتى أعلى فخذيها فقط بنعومة. ساد صمت رهيب وامتزجت الأنفاس بالذهول التام بينهما. وبعد أن فاقت تاليا من صدمتها الرهيبة والقوية. رجعت بسرعة فائقة إلى داخل الحمام وأغلقت الباب. أغلقت الباب وراءها وقلبها يدق بعنف شديد للغاية. والتفتت تبحث عن مخرج من هذه الورطة الصعبة. ارتدت ملابس مريم هانم القديمة الواسعة هناك بالداخل. تلك الملابس التي كانت تهاني قد أحضرتها لها. ولكنها لم تضع مساحيق التجميل الداكنة أبداً الآن. لأن حقيبة مساحيق التجميل كانت بالخارج في الغرفة. خرجت تاليا من الحمام ببطء ووجهها الحقيقي مكشوف. نظر إليها نبيل فوراً وأشار بيده لتصمت تماماً. أشار إلى فراش هاني حتى لا يستيقظ الصغير. وسحبها من ذراعها بقوة وحزم وعيناه تشتعلان غضباً. وراقب الممر والطريق جيدا حتى لا يراهم أحد. وذهب بها مباشرة إلى غرفته الخاصة بالدور العلوي. وأدخلها الغرفة بسرعة البرق وأغلق الباب وراءهما. أغلق الباب بالمفتاح بصرامة تامة تثير الرعب في النفوس. نظرت إليه تاليا بخوف شديد وجسدها ينتفض بكامله. وقالت بصوت مرتعش وخافت جداً: نبيل بيه، أنا.. قاطعها نبيل بنبرة حادة وصارمة للغاية وقال لها: . أنتِ تاليا الحقيقية حدقت فيه تاليا بعينيها الزرقاوين الواسعتين من الرعب. ثم قالت له وهو يقترب منها بخطوات بطيئة: ماذا تفعل يا نبيل بيه؟ ابتعد عني فوراً. ضيق نبيل عينيه الثاقبتين وقال بنبرة تملؤها السخرية: أبتعد عنكِ؟ بعد كل هذه الألاعيب والمظاهر المزيفة؟ كنتِ خادمة سمراء ببشرة داكنة وشعر أسود قصير. والآن أجد أمامي فتاة أوروبية الملامح والجمال الباهر. طبيبة تكتب فحوصات قلب دقيقة يستحيل على خادمة فهمها. فتاة تتنكر بزي فتاة ليل في الملاهي الصاخبة. وتتنكر بزي سيدة بسيطة تزور مزارع المواشي البعيدة. من أنتِ بحق السماء؟ وماذا تريدين من بيتي؟ تراجعت تاليا للخلف حتى اصطدم ظهرها بالباب الخشبي. كانت أنفاسها متلاحقة ودقات قلبها تصم آذانها خوفاً. قالت وهي تحاول استجماع شجاعتها المفقودة أمام سطوته: أنا لا أريد إيذاء عائلتك، أقسم لك بذلك. نبيل بيه، أرجوك افهمني، أنا لست محتالة أبداً. قال نبيل وهو يضع يده على الباب مجاوراً لرأسها: أثبتي لي ذلك الآن، فالأدلة كلها ضدك تماماً. أنتِ تختبئين في بيتي تحت اسم مستعار وشكل مزيف. تزورين هويات وتخدعين والدتي وابني الذي تعلق بكِ. من الذي أرسلكِ إلينا؟ نظر نبيل إلى دموعها الحقيقية التي بدأت تنهمر. صدقنى عندى اسبابى التى لا استطيع ان اخبر احدا به ، سأخبرك فى الوقت المناسب ولكن امهلنى بعض الوقت ارجوك شعر بصدق كلماتها ولكن الغموض كان يقتله داخلياً. قال بصوت منخفض ولكن يحمل تهديداً مبطناً وقوياً: إذن تكلمي، قولي الحقيقة كاملة الان بلا أي كذب. من أنتِ؟ وما قصة الأكياس الثلاثة وشعر الرجال؟ صدمت تاليا لأنها عرفت أنه كان يتتبعها دائماً. عرفت أن كل خطواتها السابقة كانت تحت ناظريه تماماً. بلعت ريقها بصعوبة وقالت: أنا أبحث عن الحقيقة. أبحث عن حقي وحق أمي منار ثم قاطعتهم صوت طرقات الباب فنظرت تاليا الى نبيل بخوف ثم سمعت ......عادت مريم إلى القصر متسللة في الصباح الباكر دون أن يشعر بها أحد من أفراد العائلة، ودلفت إلى جناحها وهي تنفس الصعداء، ظانة أن سرها مع تاليا قد دُفن خلف أسوار بناية صديقتها نوال، وأنها تخلصت أخيرًا من وجود تلك الفتاة التي باتت تثير ريبتها. في المقابل، كان نبيل يمر بحالة من الجنون المكتوم؛ فقد حاول الاتصال بهاتف تاليا عشرات المرات، وفي كل مرة كان يأتيه الصوت الآلي البارد ليعلن أن الهاتف "مغلق أو خارج نطاق الخدمة". توجه إلى الملحق مرة أخرى، فتش الزوايا،بحث عن أي خيط، لكنها مسحت كل أثر وراءها وكأنها لم تكن يوماً هنا.في هذه الأثناء، كانت تاليا قد حسمت أمرها بالبدء في أولى خطوات البحث الفعلي. تركت والدتها منار في الشقة الجديدة لتستريح، واستقلت حافلة متجهة نحو المستشفى الحكومي الذي نُقلت إليه والدتها قبل واحد وعشرين عاماً، والذي يبعد مسيرة ساعة كاملة عن مكان إقامتها الحالي. كانت دقات قلبها تتسارع كلما اقتربت من المبنى القديم ذي الجدران الباهتة. دلفت إلى الداخل، واستفسرت عن قسم الأرشيف، فأرشدوها إلى طابق سفلي تحت الأرض، حيث تفوح رائحة الأوراق القديمة والرطوبة، ويتم الاحتف
قالت تاليا لمريم بنبرة رجاء: "أريد أن أطلب منكِ شيئاً يا مريم هانم.. رجاءً خاصاً".ردت عليها مريم بلطف: "تفضلي يا تاليا، قولي ما تشائين".تابعت تاليا وهي تنظر حولها بحذر: "لا أريدكِ أن تخبري أحداً في القصر بأمر رحيلي أو بمكان الشقة الجديدة، حتى نبيل بيه.. لا تخبريه بأي شيء أرجوكِ، أريد أن أنسحب في هدوء دون إثارة أي مشاكل مع أحمد بيه وسعاد هانم".أومأت مريم برأسها تفهماً لظروفها وقالت: "لكِ ما تريدين، لن يعلم أحد. سأقابلكِ غداً في الصباح الباكر جداً، قبل الفجر، سأنتظركِ بسيارتي خلف البوابة الخلفية لتقلّكِ أنتِ ووالدتكِ إلى هناك". ابتسمت لها تاليا بامتنان شديد وشكرتها من أعماق قلبها على هذه الفرصة التي جاءت كطوق نجاة.وفي وقت متأخر من ذلك اليوم، وبعد انتهاء ساعات العمل الشاقة، كانت تاليا عائدة إلى الملحق بخطوات مثقلة، وفجأة ظهر نبيل من بين ظلال الأشجار الكثيفة. استوقفها وأمسك ذراعها بخفة مقتاداً إياها إلى زاوية معتمة بعيداً عن مرأى وعيون الحراس. نظر في عينيها بعتب وشغف وقال بصوت خافت حاد: "لماذا تفعلين هذا يا تاليا؟ منذ آخر مرة كنا بها معاً في الصحراء وتلك الليلة الحا
سرحت تاليا بخيالها مع مسار سيارة الإسعاف في تلك الليلة المظلمة قبل واحد وعشرين عاماً، وتجسد أمامها سيناريو مرعب جعل الدماء تتجمد في عروقها؛ تخيلت الممرض وهو يلتفت للسائق بنظرة خبيثة ويقول له: "يا حسين.. ما رأيك أن تركن السيارة بعيداً عن الطريق لربع ساعة فقط؟". سأله السائق بحيرة: "ولماذا يا محمود؟"، فأجابه محمود بنبرة لزجة: "لكي نمتع أنفسنا أنا وأنت بهذه الجميلة الغائبة عن الوعي". قال له حسين وهو يستسلم لغوايته: "أنت شيطان حقاً!".تخيلت تاليا كيف انحرفت سيارة الإسعاف لتختفي وسط الأراضي الزراعية المعتمة، وكيف نزل حسين من مقعد القيادة والتفت لمحمود قائلاً بقلب ميت: "معك خمس دقائق فقط لا غير". ثم تمثلت تاليا الممرض محمود وهو ينظر إلى جسد والدتها المنهك ووجهها المغطى بالدماء، ولم يشفع لها مرضها ولا غيبوبتها عنده، فارتكب جرمه البشع داخل سيارة الإسعاف ، ثم نزل بكل برود والتقط السيجارة من يد زميله قائلاً: "أسرع أنت الآن حتى لا نتأخر ونكشف".في تلك اللحظة، انتفض جسد تاليا بالكامل وفتحت عينيها برعب وهي تنفض هذه التخيلات البشعة عن عقلها، وقالت بصوت مرتجف ونبرة حاسمة تحاول طمأنة
وجد نبيل مريم تقف أمامه مباشرة وعيناها تفحصان أرجاء المكان، ثم تقدمت وخطت خطوات نحو السيارة لتنظر إلى داخلها بفضول وشك، لكنها تنفست الصعداء واحست براحة بالغة عندما لم تجد أحداً في المقاعد، فقد كانت تاليا منكمشة بذكاء في الأسفل. التفتت مريم إليه وسألته بنبرة عاتبة: "لقد تأخرت جداً اليوم يا نبيل.. هل كانت تاليا معك طوال هذا الوقت؟".نظر نبيل إليها بثبات وبرود يداري به دقات قلبه المتسارعة، وقال ب نبرة حاسمة: "ماذا ستفعل معي حتى الآن؟ هل ستلاحقينني بالأسئلة؟ لقد ذهبنا بالفعل ووجدنا أن صاحب الشقة قد أجرها لشخص آخر وضاع مشوارنا، فتركتها تذهب لحال سبيلها، وخرجت أنا لقضاء بعض الوقت مع أصدقائي". اقتنعت مريم بكلماته، فصعدت إلى غرفتها.انتظر نبيل في الأسفل وراقب الممر بحذر حتى تأكد أن الجميع قد صعدوا وخلت الردهة تماماً، وكان الليل قد أصبح حالكاً والسكون يلف القصر. في تلك اللحظة، أشار لتاليا فخرجت من مخبئها بخفة، وتسللت عبر الحديقة ودخلت إلى ملحق والدتها وأغلقت الباب خلفها بأنفاس متهدجة.ما إن دخلت، حتى استقبلتها والدتها بقلق عارم وسألتها بلهفة: "لماذا كل هذا التأخير يا تاليا؟
هذه المرة، اقتربت تاليا من نبيل بخطوات بطيئة حالمة، ونظرت مباشرة إلى عمق عينيه، فأحست فيهما بشغف جارف لا يقل أبداً عن شغفها الكامن نحوه. بدأت نبضات قلبها تتصارع في صدرها كطبول متلاحقة، وتردد في خيالها صدى كلماته المشجعة منذ قليل: "افعلي اليوم كل ما يخطر ببالكِ، واتركي مشاعركِ تقودكِ".بلا وعي أو تفكير، وبدافع من مشاعرها الجياشة التي انطلقت من أسرها بعد ظهور النتيجة، أحس نبيل برغبتها وعاطفتها المشتعلة، فاقترب منها أكثر حتى تلاقت أنفاسهما الحارة وسط برودة الصحراء. وفجأة، فاجأته تاليا بجرأة غير معتادة منها؛ اقتربت من شفتيه، وتركت نفسها تماماً لللحظة، وأغمضت عينيها وبدأت هي بتقبيله بنعومة وشغف، وكأنها بتلك اللمسة الدافئة قد أعطته إشارة البدء التي انتظرها طويلاً.تلقى نبيل الإشارة بلهفة، فأكمل هو القبلة بكل ما يحمله قلبه من حب وحنان دفينين. كانت هذه أول قبلة حقيقية بينهما، قبلة نابعة من العاطفة والاشتياق، وبها مشاعر دافئة تكفي لتملأ العالم كله بالسكينة. احتضنها هذه المرة برفق ورقة بالغة، وليس بقوة أو عنف كالمرات السابقة؛ ففي هذه اللحظة، لم تكن تاليا تريد الهروب منه، بل
قالت تاليا بنبرة يملؤها الخوف والتردد: "لا أريد فتحه الآن.. ليس هنا"، وفرّت من المشفى مرعوبة من تلك الحقيقة القابعة داخل المغلف.ركبا معاً السيارة، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت المحرك، حتى التفت إليها نبيل وسألها بنبرة حانية: "ألستِ متحمسة لمعرفة النتيجة؟ لقد انتظرنا هذا الأسبوع على جمر".أجابته بمرارة وإحباط: "إطلاقاً.. أريد أن أؤجل معرفتها طوال العمر إن استطعت. أشعر ببركان داخلي، أريد أن أصرخ صرخة عالية تزلزل الأرض كلها لتخرج هذه الطاقة السامة من صدري.. أنا لا أريد هذا الرجل أباً لي، لا أريد أن يجمعني به جسد أو دم".نظر نبيل إلى ملامحها المنكسرة، وتفهم حجم الضغط الذي تعيشه، فتوقف بسيارته على جانب الطريق، وقال بصوت هادئ ومريح: "هل تحبين أن تبتعدي قليلاً عن كل شيء؟ عن القصر، وعن العمل، وعن هذه المدينة بأكملها؟".أومأت برأسها وقالت بلهفة: "أتمنى ذلك من كل قلبي".فاستدار نبيل بسيارته وانحرف بها عن الطريق الرئيسي. سألته بتعجب: "إلى أين تذهب بنا؟"، فالتفت إليها وابتسم بثقة قائلاً: "سأجعل الكون لكِ وحدكِ الليلة".ضحكت تاليا رغماً عنها، واعتقدت في البداية أنه يمازحها أو يل







