كانت المحاضرة الأولى في قاعة اسمها «قاعة اللوائح»، ولم يكن في اسمها مبالغة.
نزلوا إليها بعد الظهر، عبر درج حجري أضيق من الدرج الذي صعد منه ريّان أمس، ثم رواق قصير ينتهي بباب خشبي مزدوج، عليه لوحة نحاسية باهتة. وكانت القاعة نفسها مستطيلة، سقفها منخفض، وفيها أربعة صفوف من المقاعد الخشبية الطويلة، كل مقعد منها يتسع لأربعة، ومنبر واطئ في الأمام، وخلفه جدار كامل مغطّى بلوحة خشبية، خُطّت عليها بالطباشير، في سطور دقيقة ومتراصّة، أرقام لا آخر لها.
جلس ريّان في الصفّ الثاني بين كنان وبرهان. كان على المقعد الذي أمامهم خمسة رجال لا يعرفهم، من فصيل آخر. لاحظ أن كل واحد منهم، مثل رجال فصيله، يتحسّس قماشة الكتف عند الجلوس.
"الأستاذ شاكر." همس كنان. "اقرأ بنفسك. لا تحاول أن تفهم."
دخل رجل نحيل طويل العنق، بنظّارتين مربّعتين على أنفه، يحمل تحت إبطه كومة من الأوراق المربوطة بخيط أحمر. وقف خلف المنبر، ووضع الأوراق عليه، ونظر إلى الصفوف من فوق نظّارتيه. ولم يقل شيئًا إلى أن ساد الصمت تمامًا، ثم دقّ بقلمه ثلاث دقّات خفيفة على الخشب.
"اللائحة الأولى." قال. "في أصول الخروج الأول."
استمرّت المحاضرة ساعتين وخمسًا وأربعين دقيقة، وعدّها ريّان بالضبط، لأنه لم يكن لديه ما يفعله غير العدّ.
قرأ الأستاذ شاكر اللائحة الأولى بنبرة واحدة لم تتغير. ثم الثانية. ثم الثالثة. كان يقرأ دون أن ينظر إلى الورق، فقد كان يحفظها، وبين كل لائحة وأخرى يرفع إصبعًا ويضيف جملة قصيرة تبدأ دائمًا بكلمة: «تنبيه».
تنبيه: لا يُسمح لأي مهندس بحمل أمر مهمته مطويًّا أكثر من طيّتين، لأن الطيّة الثالثة تُعدّ تلفًا.
تنبيه: يُشترط في كل أمر مهمة أن يحمل ثلاثة أختام، واحدًا من الديوان، وواحدًا من مكتب التعيينات، وواحدًا من حارس البوابة. وأي ختم مفقود لا يُعوَّض داخل الحدود.
تنبيه: لا يجوز لأي مهندس أن يتلفّظ باسم زميله داخل الضباب، ولا باسمه هو، إلا بإذن مكتوب.
رفع ريّان رأسه عند هذه الجملة، فرأى كنان قد توقّف عن الكتابة، ورأى برهان يحدّق في الأرض.
"سؤال، يا أستاذ." قال ريّان، ثم أدرك أنه رفع يده دون أن يفكر.
نظر الأستاذ شاكر إليه من فوق النظّارتين.
"المهندس الجديد." قال بلا انفعال. "الأسئلة تُكتب وتُقدَّم إلى مكتب الاستيضاح قبل المحاضرة بيوم. هذا هو الأصل."
"عفوًا. لم أكن أعرف."
"لا بأس. هذه فرصة لتعلّم اللائحة الرابعة." ثم اتّجه إلى اللوحة الكبيرة خلفه، وكتب بالطباشير سطرًا جديدًا، ثم عاد إلى المنبر. "ولكن بما أن الأسئلة الشفهية يُحتفظ بها في قاعة اللوائح، فسأجيب سؤالك دون أن أسجّله. هل هذا مقبول؟"
"مقبول."
"لا يُنطق الاسم داخل الضباب لأن الاسم هناك يُنادى به." قال الأستاذ شاكر. "وما يُنادى به يُجيب. هل فهمت؟"
لم يفهم ريّان.
"سيتّضح." قال الأستاذ شاكر. ثم رفع إصبعه. "تنبيه: لا يُجيب المهندس على أي صوت ينادي باسمه في الضباب، حتى لو كان صوت أمّه."
هنا ضحك أحد الرجال في الصفّ الأخير، ضحكة قصيرة جافة، وتوقّف فجأة.
لم يُكمل الأستاذ شاكر المحاضرة مباشرة. نظر في الصفّ الأخير طويلًا، ثم قال بهدوء:
"من لا أمّ له، فليحتفظ بالتنبيه لغيره."
وعاد إلى اللائحة الخامسة.
عند الدقّة السادسة انتهت المحاضرة، وخرج الرجال بلا كلام، كما دخلوا.
في الرواق، توقّف ريّان عند الباب لحظة، وأدار رأسه نحو اللوحة الكبيرة خلف المنبر. كان الأستاذ شاكر قد مسحها بخرقة مبلّلة، وبقي منها أثر باهت: سطور وأرقام مبعثرة. لكن عين ريّان، التي لا ترتاح، توقّفت عند رقم واحد في الزاوية العليا اليمنى.
٤١٢٧.
نفس الرقم. القطعة التي نسخ ملفها أمس في مكتب القيد، وكانت أولى ملفات «تجديد القيد» التي ألفها. كانت مكتوبة بين رقمين آخرين، ٤١٢٦ و٤١٢٨، وتحتها خطّ صغير، وإلى جانبها ثلاث علامات إكس.
لم يعرف ريّان ماذا تعني علامات الإكس.
لكنه تذكّر أن العمّ نصّار قال: الأراضي الغربية هي الأقدم. وتذكّر، ولا يعرف لماذا، أن ملف ٤١٢٧ كان قد وصل مكتوبًا بخط يد غير خطّ الكاتب المعتاد.
"ريّان." ناداه كنان من آخر الرواق. "لن ينتظرك الشيخ."
كان الشيخ داود ينتظر في غرفة صغيرة في نهاية رواق جانبي، لا لوحة على بابها. وفي داخلها طاولة طويلة، وعلى الطاولة مصباح زيتي وحيد، وفي الزاوية صندوق خشبي مغلق. وكانت الرفوف على الجدران فارغة، إلا رفًّا واحدًا فيه لفافات ورق ملفوفة بخيوط رمادية.
لم يكن في الغرفة أحد غيره.
"اجلس." قال دون أن يلتفت. كان واقفًا قرب الطاولة، يعطيهم ظهره، ويفكّ بعناية خيط إحدى اللفافات. "وكنان، أغلق الباب. لا نحتاج إلى شهود."
جلس ريّان على كرسي صغير. جلس كنان بجانبه، وأغلق الباب. أما برهان فبقي واقفًا قرب الجدار، متكئًا بكتفه عليه، كأنه يحرس الغرفة.
"الأستاذ شاكر يعلّمكم كيف تقرؤون اللائحة." قال الشيخ داود وهو يفرد اللفافة على الطاولة. "وأنا سأعلّمكم كيف تقرؤون الورق."
كانت الورقة خريطة.
لم تكن خريطة كالتي يعرفها ريّان من الكتب. لم تكن فيها بيوت ولا أنهار ولا طرق. كانت مجرد شبكة. شبكة دقيقة من خطوط رقيقة بالحبر الأسود، تتقاطع بعضها مع بعض في مربعات صغيرة، وفي كل مربع رقم. وعلى الحافة اليمنى للخريطة، بدأت الخطوط تتموّج.
"هذه خريطة الحدّ الغربي." قال الشيخ داود. "كل مربع قطعة. وكل قطعة لها رقم، ورقمها مقيَّد في الديوان. إن كان قيدها سليمًا، رأيت الخطوط حولها مستقيمة وثابتة. وإن بدأ القيد يتهرّأ..."
"تتحرك." قال ريّان.
نظر إليه الشيخ نظرة قصيرة حادّة. "من أخبرك؟"
"لا أحد. هكذا خُيّل إليّ." أشار إلى الحافة اليمنى للخريطة، حيث كانت الخطوط تهتز اهتزازًا خفيفًا جدًّا، كما تهتز شعرة في هواء ساكن. "هذه تتحرك. ببطء. لكنها تتحرك."
ساد صمت.
"أنا لا أرى شيئًا." قال كنان بصوت منخفض.
"أنا أيضًا." قال برهان من مكانه.
لم يقل الشيخ داود شيئًا لدقيقة كاملة. ثم عاد إلى اللفافة، وربّت عليها بيده، كما يُربَّت على حيوان.
"الخريطة تتحرك طبعًا." قال أخيرًا بنبرة عادية. "لكن عين المبتدئ لا ترى هذا عادةً. تحتاج إلى أسابيع. بعضهم يحتاج إلى سنوات." ثم رفع عينيه إلى ريّان. "كم سنة في مكتب القيد؟"
"ست."
"هذا يفسّر."
لكن ريّان لاحظ أن الشيخ داود لم يكن يعتقد أن ذلك يفسّر.
"الآن." قال الشيخ. "الإبرة."
أخرج ريّان الإبرة من حقيبته. كانت رفيعة، من نحاس أيضًا، بطول عقلة الإصبع، وفي رأسها ثقب صغير جدًّا. لم يرَ في حياته إبرة بهذا الجمال، ولا بهذا البرود.
"لا تضعها في جيبك." قال الشيخ داود. "ولا تضعها قرب الحديد. وإذا أردت أن تفقد شيئًا، فافقد أي شيء إلا هذه."
"لماذا؟"
"لأنها الوسيلة الوحيدة التي يُصدَّق بها الورق." قال، ثم أخذ الإبرة من يد ريّان، ووقف أمام الخريطة. "ما الذي تعرفه عن الورق؟"
"أنه مصنوع من الألياف." قال ريّان. "وأنه يمتصّ الحبر."
"هذا ما يعرفه الجميع." قال الشيخ. "والآن اسمع ما يعرفه المهندس. الورق في هذه المدينة ليس ورقًا فقط. هو أرض مُسجَّلة. وكل ورقة في الديوان لها أرض في الخارج ترتبط بها، كما ترتبط الظلال بأجسادها. فإن كان القيد سليمًا، كانت الورقة قويّة صلبة. وإن ضعف القيد، ضعفت الورقة، وإن ضعفت الورقة..."
أدخل الإبرة في الخريطة عند أحد المربعات.
لم تحتج إلى ضغط. انزلقت الإبرة عبر الورق كأنها تغوص في ماء. من جهة الخريطة الأخرى، ظهر رأسها، ولم يُسمع أي صوت.
"هذه قطعة متهرّئة." قال الشيخ. "رقمها ٤٠٩٣. قيدها ضعيف. الورقة تحتها لا تقاوم."
ثم نقل الإبرة إلى مربع آخر، في قلب الخريطة، وضغط بإصبعه.
هذه المرة سمع ريّان صوتًا. صوت خفيف، كخدش على قماش مشدود. وكانت الإبرة تقاوم، ولا تعبر إلا بعد جهد.
"قطعة سليمة." قال الشيخ داود. "مقيَّدة بقوة."
"إذن الإبرة تقيس القيد." قال ريّان.
"تقيس ما تقوله الورقة عن نفسها." قال الشيخ. "وهذا وحده ما يُصدَّق. أما الخطوط المتحركة فقد تخدع، وقد يخطئ العين، وقد يتلاعب بها الكاتب. أما الإبرة..." ابتسم ابتسامة صغيرة. "الإبرة لا تعرف كيف تكذب."
أخذ كل منهم قطعة ورق صغيرة من اللفافات، لتمرين أوّلي: يضع الإبرة على مربع، ثم يضغط، ثم يكتب في دفتره: «مقاوم» أو «ضعيف» أو «غائب».
"غائب؟" سأل ريّان.
"مربّع لا تجد الإبرة فيه شيئًا." قال الشيخ. "تغوص حتى النهاية، ثم لا تجد الجهة الأخرى."
"كيف يكون ذلك؟"
"لا أعرف." قال الشيخ داود، وكانت هذه أول مرة يسمع فيها ريّان رجلًا في الديوان يقول هذه الجملة بلا مواربة. "ولا أحد يعرف. إن وجدتَ مربعًا غائبًا، فسجّله، وابتعد عنه، ولا تُخبر أحدًا غيري."
كان كنان قد انحنى فوق ورقته، وعيناه ضيّقتان. وضع الإبرة على أول مربع.
"مقاوم." قال، وكتب.
ثم الثاني. ثم الثالث.
أما ريّان فلم يلمس خريطته فورًا. بقي ينظر إليها. وكانت الخريطة التي أمامه، في الحقيقة، جزءًا صغيرًا من الحدّ الغربي، عشرين مربّعًا فقط. وكان في أحد المربعات رقم يعرفه.
٤١٢٧.
وضع الإبرة على الرقم.
لم تُقاوم.
ولم تغُصْ بسهولة أيضًا. كانت في منطقة غريبة بين الاثنين: يدخل رأسها ببطء، ثم تتوقف، ثم تتحرك قليلًا كأن شيئًا يمسكها. شعر ريّان في أطراف أصابعه برعشة خفيفة، كأن الإبرة حيّة.
"ماذا وجدت؟" سأل الشيخ داود. وكان قد وقف خلفه دون أن يسمعه.
"لا أعرف." قال ريّان. "ليست مقاومة. وليست ضعيفة. إنها..."
"نعم؟"
"كأنها تتردّد."
لم يردّ الشيخ. سحب الإبرة من يد ريّان بلطف، وقلب الورقة، ونظر إلى ظهرها طويلًا.
لم يكن في ظهرها شيء.
"سجّلها." قال الشيخ أخيرًا. "اكتب: «متردِّدة». وإذا سألك أحد، فهذه كلمة لا توجد في اللوائح."
"هل توجد قطعة كهذه؟"
"أنت أول من يستعملها." قال الشيخ. ولم يكن في صوته مديح ولا قلق، فقط انتباه بارد، كمن يضع علامة على صفحة. "كان هناك شخص آخر يستعملها قبلك. لكن ذلك الشخص لم يعد بيننا."
لم يسأل ريّان من هو.
لكنه رأى كنان، بطرف عينه، يرفع عينيه من ورقته ببطء، وينظر إلى المقعد الفارغ في آخر الغرفة، حيث لا مقعد ولا أحد، فقط الجدار، وعليه أثر باهت لمسمار نُزع.
عند الدقّة التاسعة، ساعة الصحيفة، كانوا قد عادوا إلى العنبر.
رفع الرجال أيديهم في الظلام، وحرّكوا أصابعهم. ريّان رفع يده معهم هذه المرة في الوقت المناسب، ولم يتأخر. لكنه لم يكتب شيئًا. ترك أصابعه في الهواء، بلا حركة، ينتظر أن يسمع شيئًا، أي شيء.
لم يسمع شيئًا.
لاحظ أن الشيخ داود، في السرير المقابل، لم يرفع يده أصلًا. كان مستلقيًا على ظهره، يحدّق في السقف، وإحدى يديه على صدره، والأخرى على عنقه، حيث يعلّق لوحه النحاسي.
بعد أن انتهى الجميع، وخمد الصوت، همس ريّان:
"ألا تصلّي يا شيخ؟"
مرّت لحظة طويلة.
"كنت أكتب اسمي كل ليلة ثلاثين سنة." قال الشيخ داود بصوت خافت، لا يسمعه غير ريّان. "ثم اكتشفتُ شيئًا في الأرشيف. وما عدتُ أستطيع أن أكتبه."
"ماذا اكتشفت؟"
"نم يا بنيّ." قال الشيخ. "نحن في اليوم الثالث. لدينا اثنان وعشرون يومًا. وفي كل يوم منها ما يكفي من القلق."
أدار ريّان وجهه نحو الجدار. وفي الظلام أخرج دفتره، وكتب بأصابع لا يراها:
اليوم ٣ من الرماد (ليلًا). ٤١٢٧: متردِّدة. شيخ داود يعرف شيئًا. شخص قبلي استعمل الكلمة نفسها.
ثم أضاف، بعد تردّد:
من هو؟
نهاية الفصل الرابع