홈 / الخيال الغربي / مهندسو الضباب / لفصل الثاني: أصل المعاملة

공유

لفصل الثاني: أصل المعاملة

last update 게시일: 2026-11-03 07:02:44

لفصل الثاني: أصل المعاملة

لم يُسمح لريّان بأن يعود إلى بيته.

قال الرجل الرمادي ذلك في الساحة، بنبرة من يعلن موعد قطار، ثم أضاف أن أغراضه ستُحصى وتُرسل إليه عند الحاجة، وأن الغرفة التي يستأجرها «ستُسلَّم إلى مكتب الأراضي حسب الأصول»، وأن عليه أن يتبعه الآن. لم يُشر إلى أي ورقة، ولم يُخبره بأي سبب. وحين فتح ريّان فمه ليسأل، رفع الرجل يده نصف رفعة، لا ليمنعه بل ليريه أن الجواب موجود في مكان آخر، وأن السؤال لا ينفع.

نظر ريّان خلفه مرة واحدة.

كان المكتب كله ساكنًا. العمّ نصّار ينظر إلى دواته. الكاتب الذي أمامه ينظر إلى دواته. ثلاثة عشر مكتبًا، ثلاثة عشر رأسًا منحنيًا، وفي الهواء فوقها أصابع ما تزال معلّقة في منتصف حركتها، لم يجرؤ أحد على إنزالها. لم يكن في الغرفة عدوّ، ولا شخص يُلام. كان فيها فقط ما يشبه الأدب: أدب من يعرف أنه نجا هذه المرة، ولا يريد أن يلفت النظر إلى ذلك.

"تفضّل." قال الرجل الرمادي.

خرج ريّان.

سارا في الأزقة التي يعرفها، وبدت له غريبة.

مرّا بسوق الخردة وقد بدأ الباعة يطوون بسطاتهم قبل الليل. مرّا بصفّ النساء أمام صنبور الماء، وكنّ يرفعن أيديهن في ساعة الصحيفة، فتوقفن حين رأين البزّة الرمادية، ثم أنزلن أيديهن كلهنّ دفعة واحدة، كأن أحدًا سحب خيطًا. ومرّا بالجدار الأسود حيث أحد عشر اسمًا جديدًا بالطباشير، وهذه المرة نظر ريّان إلى الأسماء كلها، واحدًا واحدًا. لا لشيء. لأنه خطر له أن هذه ربما آخر مرة يراها.

كان الخط المرتجف الذي يشبه خط طفل ما يزال هناك. وتحته اسم صغير كُتب بحروف مقلوبة قليلًا: مريم بنت حسّان. وعمرها، بحسب العمود الصغير الذي يُدوَّن بجانب كل اسم، ثماني سنوات.

أدار وجهه.

"أنت تنظر كثيرًا." قال الرجل الرمادي دون أن يلتفت.

"عفوًا؟"

"هذه عادة سيئة في الدائرة «ج». هناك ما يقلق الناس أكثر من الضباب، وهو أن يُحصي أحدهم الأسماء."

لم يجد ريّان ما يردّ به. فقال، بعد صمت طويل، السؤال الوحيد الذي بقي له:

"إلى أين نذهب؟"

"إلى الديوان."

"لكن الديوان في الدائرة «ب». وأنا لا أملك تصريح عبور."

توقف الرجل والتفت نصف التفاتة. كان وجهه من تلك الوجوه التي تُنسى فور رؤيتها: ملامح متوسطة في كل شيء، لا جمال ولا قبح، كأنها قُصّت من نموذج.

"أنت لا تحتاج إلى أوراق حين تكون أنت الورقة." قال بنبرة من يشرح لطفل.

ولم يفهم ريّان العبارة، لكن معدته انقبضت.

السور الأول.

لم يكن ريّان قد اقترب منه من قبل. كان يراه كل يوم من بعيد، أعلى من الأسطح بثلاث مرات، لكن الاقتراب منه شيء آخر. كان الحجر رماديًّا مصقولًا ببطء على مدى ثلاثة قرون، تحمل جدرانه خدوشًا قديمة كأنها أسماء نُحتت ثم محاها المطر. وعلى ارتفاع لا يُرى إلا بالنظر الطويل إلى الأعلى، نُقشت بحروف ضخمة العبارة التي يحفظها كل طفل في المدينة:

الورقة تحفظ الجدار، والجدار يحفظ المدينة.

وقف أمام البوابة ستة حراس. ليسوا جنودًا بالمعنى المعروف، فلا سيوف ولا دروع. كانوا يحملون دفاتر ضخمة معلّقة إلى أحزمتهم بسلاسل، وعدسات نحاسية صغيرة على صدورهم، وفي أيديهم أقلام. هؤلاء ليسوا حرّاس الحدود. هؤلاء حرّاس الورق.

مدّ الرجل الرمادي ورقة مطوية إلى أقربهم.

قرأ الحارس الورقة ببطء، كلمة كلمة، وشفتاه تتحركان. ثم أخرج عدسته وفحص الختم، ثم تحوّل إلى الدفتر الضخم وبدأ يقلّب صفحاته. استغرق ذلك دقائق طويلة. وكان ريّان يقف قرب الجدار يحبس أنفاسه، لأنه، وهو كاتب، يعرف بالضبط ما يحدث الآن: الحارس يقابل الختم على أصله المحفوظ في الدفتر، ويقابل الحبر على نوع الحبر المسجَّل، ويقابل التوقيع على نموذج التوقيع. لو وُجد فرق في مسافة بين حرفين لأُغلقت البوابة، ولا يعود الأمر مسألة اعتذار بل مسألة إجراءات.

"مطابقة." قال الحارس أخيرًا. ثم ختم الورقة بختم ثانٍ، ومنح الرجل الرمادي نظرة محايدة، وتمتم دون أن يرفع عينيه: "في الصحيفة سطركما."

"وفي الصحيفة سطرك." ردّ الرجل الرمادي.

ولم يردّ ريّان، لأن أحدًا لم يوجّه التحية إليه في الواقع، فقد قيلت للرجل الرمادي وعن طريقه. حتى في تحية الصباح، كان هو الورقة.

صرّت البوابة.

دخل ريّان إلى الدائرة «ب» للمرة الأولى في حياته.

كان الهواء مختلفًا. لا يستطيع أن يصف الفرق بسهولة. أخفّ، وأنظف، وفيه رائحة لم يعرفها من قبل: رائحة خبز حقيقي، بدقيق أبيض لا نخالة فيه. وكانت الأزقة أعرض، والبيوت بنوافذ زجاجية، وفي السماء فوقها خطوط دخان رقيقة من مداخن مرتّبة كأنها رُسمت بالمسطرة.

ورأى أطفالًا يركضون.

لم يكن قد رأى طفلًا يركض بلا خوف منذ سنوات. في الدائرة «ج» يمشي الأطفال بحذر، وعيونهم على الأرض وعلى الأسطح وعلى أيدي الكبار، لأنهم تعلّموا مبكرًا أن الركض يعني الهروب، وأن الهروب يُلفت الانتباه. أما هنا فكانوا يركضون كما يركض الأطفال في الكتب.

ولاحظ، وهذا ما آلمه أكثر من أي شيء، أن أحدًا لم يلتفت إليه ولا إلى الرجل الرمادي. لم يكونا غريبين. كانا أقرب إلى غبار تعوّد عليه الناس: يمرّ أمامهم، فلا يرونه، ولا يزعجهم.

كانت امرأة تبيع الفاكهة عند ناصية، وفي سلّتها ثمار لم يرها ريّان إلا في الرسوم: برتقال، وتفاح أحمر، وعنب. رفع عينيه إليها لحظة واحدة، فانتبهت. ابتسمت له ابتسامة تاجرة، ثم رأت شارته. ليس شارة الملوَّثين، فهو لم يحمل واحدة بعد، بل بزّته الرمادية المتواضعة من الدائرة «ج»، وطريقة وقفته. فتغيّر شيء صغير في وجهها. ثم أدارت رأسها إلى زبون آخر.

لا أحد هنا يقول شيئًا. هذه هي الحقيقة التي بدأ ريّان يفهمها: القسوة في المدينة لا تحتاج إلى كلام.

كان «ديوان الحدود والضباب» مبنًى أسود من حجر صقيل، شُيّد على هيئة كتاب مفتوح. الواجهة الأمامية كلها نوافذ ضيقة طويلة، مئات منها، وفي كل نافذة ضوء أصفر ثابت لا يرتجف. قيل إن الديوان لا ينام، وإن في داخله ست طبقات من الأرشيف تحت الأرض، لا يعرف عدد ممراتها حتى كبار موظفيه. وقيل أيضًا إن من يدخل الطبقة السادسة لا يخرج إلا بعد أن يتعلّم ما لا يُقال.

لم يدخلا من الباب الكبير. دار الرجل الرمادي حول الجدار، ودخل من باب جانبي ضيّق يحرسه رجل واحد نائم، أو ما بدا نائمًا، ثم صعدا درجًا حلزونيًا ضيقًا إلى رواق طويل.

وفي الرواق، رأى ريّان الأرشيف.

لا، لم يكن هو الأرشيف نفسه. كان فقط رفوفًا. لكنها رفوف تمتد إلى ما لا نهاية في الاتجاهين، عالية حتى السقف، مكتظة بالملفات المشدودة بخيوط حمراء وزرقاء وسوداء. بعض الملفات كان الغبار يغطيها منذ عقود. وبعضها جديد، لامع، لم تجفّ أختامه بعد. وكان في الرواق صمت من النوع الذي لا يصنعه غياب الصوت، بل حضور آلاف الأوراق تتنفس معًا.

وكلما تقدّم ريّان أكثر، شعر بأن الرفوف تراقبه.

ليس هذا شعورًا شعريًّا. كان كاتبًا، وعيناه تفحصان كل شيء، وقد لاحظ، في الرف الثالث على يمينه، ملفًّا خُطّ على ظهره اسم، ثم شُطب الاسم بخطّ جافّ بلا حبر، فلا يُرى الخط إلا حين يمرّ الضوء بزاوية معيّنة. تجاوز ذلك الملف، ثم الذي بعده. وكان اسم الملف الثالث مشطوبًا أيضًا. والرابع. والخامس.

لم يعدّ بعد ذلك.

في نهاية الرواق غرفة صغيرة، وعلى بابها لوحة نحاسية: مكتب التعيينات.

كان خلف المكتب رجل ضخم الجسم، بوجه عريض بلا ملامح، وعلى أنفه عدستان سميكتان تكبّران عينيه إلى الضعف. لم يرفع رأسه حين دخلا. كان يقلّب ملفًّا سميكًا، ويكتب على هامشه ملاحظات بخط دقيق كأنه ينسج.

"الكاتب ريّان بن سالم." قال الرجل الرمادي.

"أجلسه."

جلس ريّان على كرسي خشبي بارد.

مضت دقيقة كاملة، ثم دقيقتان. كان يسمع صوت القلم يخدش الورق، ويسمع من خلف الجدار، بعيدًا جدًّا، تنفّسًا طويلًا، لعلّه ريح، لعلّه شيء آخر. وكانت الغرفة تفوح برائحة الشمع والحبر والمعدن البارد.

حين رفع الرجل رأسه أخيرًا، رأى ريّان عينين بلا لون. كعيني سمكة ميتة، تكبّرهما العدستان.

"أنا الأستاذ هاشم، رئيس مكتب التعيينات." قال بصوت رتيب. "أنت كاتب من الدرجة الثالثة، أمضيت ست سنوات في مكتب القيد، سجلّك نظيف. لا مخالفات، لا تأخير، لا شكاوى."

"أجتهد في عملي يا سيدي."

"ممتاز." ابتسم ابتسامة بلا دفء. "إذن أنت تفهم أن الخطأ لا مكان له."

"أفهم."

"جيد. لأننا ارتكبنا خطأً."

سكت ريّان.

وضع الأستاذ هاشم الملف على المكتب وأدار وجهه نحوه. كان عليه عنوان بخط أسود عريض:

أمر مهمة رقم ٤٤٧١-خ: تعيين مهندس قيد (تحت التدريب)، الفصيل الغربي.

لم يشرح الأستاذ هاشم شيئًا بسرعة. هذا ما أدهش ريّان لاحقًا: لم يكن في الأمر استعجال ولا تهديد. كان كل شيء يُشرح بالترتيب، بنبرة موظف يملأ خانات نموذج.

قال إن الديوان فقد في الشهر الماضي مهندسًا من الفصيل الغربي. وقال إن اسمه شُطب «كالمعتاد»، وإن بديلًا طُلب من مخزن الملفات. ثم قال إن الملف الذي وصل كان «الملف الخاطئ».

"ملف يحمل اسمًا يشبه اسمًا آخر." قال بهدوء. "موظف في الأرشيف خلط بين «ريّان بن سالم» و«ريّان بن سليم». الأول كاتب مسالم من الدائرة «ج». والثاني..."

توقف لحظة.

"والثاني مهندس مدرَّب، كان مفترضًا أن يُرسل."

لم يقل ريّان شيئًا. كان يفكر في الورقة الصغيرة التي وضعها قبل ساعات على كومة الأخطاء الواردة. ريّان بن سليم. يُنقل من القيد الجاري إلى قيد الغائبين. تُصحَّح الحالة عند أول مراجعة.

"لكنني لست مهندسًا." قال أخيرًا.

"بالضبط."

"إذن يمكن تصحيح الخطأ. أعيدوني إلى مكتبي."

نظر إليه الأستاذ هاشم نظرة غريبة، شبه إشفاق، ثم قال بهدوء قاتل:

"لا يمكن. الملف مختوم."

وأوضح، بالتفصيل المضجر نفسه، أن أمر المهمة متى ختم بالختم الأحمر لا يُبطَل إلا بختم مضاد من «مكتب المراجعة العليا»، وأن هذا المكتب لا يقبل الطعون إلا في اليوم الأول من كل شهر.

"اليوم هو الثاني من الشهر." قال ريّان بصوت لم يسمعه من نفسه من قبل.

"أعرف."

"وهذا يعني..."

"يعني أن الطعن ممكن بعد تسعة وعشرين يومًا." قال الأستاذ هاشم، وكأنه يقرأ بندًا. "لكن ثمة فترة تدريب، ثلاثة أسابيع في قاعة التدريب بالديوان. ثم الخروج الأول إلى الحدّ الغربي في اليوم الخامس والعشرين."

"أي قبل أربعة أيام من موعد الطعن."

"صحيح."

ساد صمت.

"سيقتلونني." قال ريّان.

"أبدًا." رفع الأستاذ هاشم يده كمن يدفع تهمة. "لا أحد يقتلك. الأوراق قانونية. أنت تؤدي مهمة رسمية. وإن مُتَّ فيها، فهو ظرف مهنيّ مؤسف، وتُسجَّل لعائلتك مكافأة وفاة."

"ليست لي عائلة."

"إذن تُسجَّل المكافأة للديوان." قالها بلا أدنى سخرية.

ثم أخذ ختمًا من درج المكتب، وضغطه على وسادة الحبر، وخطّ اسم ريّان في أسفل الصفحة الأخيرة. وحين رفع الختم، ظهرت دائرة حمراء كجرح طازج.

"أنت الآن مهندس قيد تحت التدريب في الفصيل الغربي." قال. "مبروك."

في تلك الليلة نام ريّان في عنبر ضيّق تحت الديوان، مع ثمانية رجال لم يتحدث أحد منهم إليه.

كانوا ينامون بملابسهم، وأحذيتهم عند رؤوسهم، كالكلاب الحارسة. ولاحظ أن في ثياب كل واحد منهم قطعة قماش سوداء مخيطة عند الكتف.

"ما هذه؟" همس لجاره، شاب نحيل في العشرين.

نظر إليه الشاب باستغراب. "أنت جديد فعلًا." ثم قال بصوت خافت لا يسمعه غيره: "هذه شارة الملوَّثين. من يقترب كثيرًا من الضباب يُصنَّف رسميًّا. وإن بقيتَ حيًّا ستحمل واحدة."

"وإن بقيتُ حيًّا؟"

"يسحبون أوراقك. ولا تعود إلى الدوائر الداخلية أبدًا."

وفي الدقّة التاسعة، ساعة الصحيفة، رفع الرجال أيديهم في الظلام دون أن يتكلّم أحد، وحرّكوا أصابعهم في الهواء. حتى هؤلاء. ربما هؤلاء أكثر من غيرهم. أما ريّان فرفع يده متأخرًا، وكتب الراء الأولى، وتوقفت أصابعه.

انفتح الباب بهدوء، حين انتهى الجميع.

دخل رجل طويل، كتفاه عريضان، يرتدي معطفًا جلديًّا قديمًا مهترئًا. على وجهه ندوب كثيرة، بعضها قديم أبيض، وبعضها حديث. وعلى كتفه حقيبة جلدية متخمة، تكاد أوراقها تتطاير منها. لم ينظر إلى أحد. مشى بين الأسرّة حتى وصل إلى ريّان، ثم وقف يتأمله بصمت.

"أنت الكاتب."

"نعم."

"الملف الخاطئ."

شعر ريّان بالإهانة تلسع صدره رغم خوفه. "لست أنا الذي أخطأ."

"لا." قال الرجل بصوت أجشّ بطيء. "لكنك أنت من سيدفع الثمن."

سكتا. كان في عيني الرجل شيء غريب: ليس قسوة ولا تعاطفًا، بل تعب عميق، كتعب جبل.

"اسمي قاسم. أنا قائد الفصيل الغربي." أخرج من جيبه ورقة صغيرة مطوية ورماها على صدر ريّان. "هذه أوراقك. احفظها كما تحفظ أنفاسك. إن ضاعت في الخارج أغلقوا الأبواب في وجهك."

"وماذا لو أغلقوها؟"

نظر إليه قاسم طويلًا. "ستعرف."

ثم استدار ليخرج. لكنه توقف عند العتبة، ودون أن يلتفت قال:

"قبل أن تنام، افحص الورقة التي أعطيتك. وانظر إلى التوقيع."

انتظر ريّان حتى غادر. ثم فتح الورقة تحت ضوء شحيح يتسلل من شقّ في الجدار.

وثيقة رسمية، بختم أحمر. فيها اسمه، وتاريخ ميلاده، ورقم أمر المهمة، ودرجته الجديدة. وفي أسفلها سطر فيه توقيع الموظف المسؤول عن الإعداد.

كانت الحروف مائلة قليلًا إلى اليمين. وكانت نقطة الياء ثقيلة. وكان الشدّ على آخر الحرف طويلًا كأنه يد تتردد قبل أن ترفع القلم.

لم يحتج ريّان إلى عدسة.

كان توقيعه.

توقيعه بالضبط، بكل تفاصيله، بتلك الشدّة التي تتعثر عند الياء، وبالنقطة الثقيلة التي اعتاد أن يضعها منذ كان في السنة الأولى من مكتب القيد، وبالطريقة التي يشدّ بها الحرف الأخير حين يتعب.

لم يوقّع هذه الورقة قط. لم يرها قبل هذه الليلة.

جلس في الظلام، والورقة في يده، وسمع من بعيد، من وراء الجدران والأسوار والدوائر كلها، الضباب يتنفّس.

نهاية الفصل الثاني

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • مهندسو الضباب    الفصل الثالث: اللوح

    استيقظ ريّان قبل الدقّة، وهذه المرة لم يعرف السبب.لم يكن العنبر مظلمًا تمامًا. كان في أعلى الجدار الشمالي شقّ ضيّق، بعرض إصبعين، يتسلل منه ضوء رمادي لا ينتمي إلى فجر ولا إلى مصباح. وتحت الشقّ، على الأرض، بقعة صغيرة من الضوء بحجم كفّ، تتحرك ببطء على الحجر كلما تقدّم الصباح. ظلّ ريّان ينظر إليها وقتًا طويلًا، ثم أدرك أنه يعدّ حركتها، كما يعدّ كل شيء، وأن ما يعدّه في الحقيقة هو شيء آخر: الوقت الذي بقي له قبل أن يطلب منه أحد أن يفعل شيئًا.دقّت الدقّة الثالثة. وكانت هنا، تحت الديوان، أقرب وأوضح بكثير مما اعتاد. لم تكن خافتة كما في الدائرة «ج». كانت ثقيلة، تهتزّ في الحجر قبل أن تصل إلى الأذن، فيشعر النائم بها في أسنانه.نهض الرجال الثمانية كلهم دفعة واحدة، بلا كلام، كأن خيطًا واحدًا يشدّهم. ارتدوا أحذيتهم أولًا، ثم السترات، ثم تحسّس كل واحد منهم قماشة الكتف السوداء، لا ليتأكد أنها في مكانها، بل كما يتحسّس المرء جيبه قبل الخروج.أما ريّان فلم يكن لديه ما يتحسّسه."أنت." قال الشاب النحيل، وقد وقف قرب سريره. "الجديد. اتبعنا إلى المطعم. لا تسبقنا ولا تتأخر. من يسبق يُسجَّل عليه فضول، ومن يتأخ

  • مهندسو الضباب    لفصل الثاني: أصل المعاملة

    لفصل الثاني: أصل المعاملةلم يُسمح لريّان بأن يعود إلى بيته.قال الرجل الرمادي ذلك في الساحة، بنبرة من يعلن موعد قطار، ثم أضاف أن أغراضه ستُحصى وتُرسل إليه عند الحاجة، وأن الغرفة التي يستأجرها «ستُسلَّم إلى مكتب الأراضي حسب الأصول»، وأن عليه أن يتبعه الآن. لم يُشر إلى أي ورقة، ولم يُخبره بأي سبب. وحين فتح ريّان فمه ليسأل، رفع الرجل يده نصف رفعة، لا ليمنعه بل ليريه أن الجواب موجود في مكان آخر، وأن السؤال لا ينفع.نظر ريّان خلفه مرة واحدة.كان المكتب كله ساكنًا. العمّ نصّار ينظر إلى دواته. الكاتب الذي أمامه ينظر إلى دواته. ثلاثة عشر مكتبًا، ثلاثة عشر رأسًا منحنيًا، وفي الهواء فوقها أصابع ما تزال معلّقة في منتصف حركتها، لم يجرؤ أحد على إنزالها. لم يكن في الغرفة عدوّ، ولا شخص يُلام. كان فيها فقط ما يشبه الأدب: أدب من يعرف أنه نجا هذه المرة، ولا يريد أن يلفت النظر إلى ذلك."تفضّل." قال الرجل الرمادي.خرج ريّان.سارا في الأزقة التي يعرفها، وبدت له غريبة.مرّا بسوق الخردة وقد بدأ الباعة يطوون بسطاتهم قبل الليل. مرّا بصفّ النساء أمام صنبور الماء، وكنّ يرفعن أيديهن في ساعة الصحيفة، فتوقفن حين

  • مهندسو الضباب    الفصل الأول: يوم عادي في الدائرة «ج»

    الفصل الأول: يوم عادي في الدائرة «ج»في السنة الثلاثمئة والثانية عشرة للتثبيت، في اليوم الثاني من شهر الرماد، دقّت ساعة الختم دقّتها الثالثة، فاستيقظ ريّان بن سالم قبل أن تنتهي الدقّة.لم يكن يحتاج إلى الساعة. كان جسده قد تعلّم الموعد كما يتعلّم الكلب وقت الطعام. وكانت الدقّة، حين تبلغ حيّ الصفيح الغربي، قد فقدت نصف رنينها في الطريق: تعبر ثلاثة أسوار وثلاث دوائر من الهواء الرطب، فتصل خافتة بطيئة، كأن أحدًا يدقّ على باب بيت بعيد. أهل الدوائر الداخلية يسمعونها صافية. أما أهل الدائرة «ج» فيسمعونها كما يسمع المريض صوت الدواء وهو يُسكب في الغرفة المجاورة.نهض عن الحصيرة، وأشعل الفتيلة، ونظر إلى الغرفة كما ينظر كل صباح: أربعة أمتار في ثلاثة، سقف من الصفيح عليه آثار الماء، نافذة صغيرة بلا زجاج، ورفّ واحد عليه ثلاثة كتب مستعارة وزجاجة حبر نصف فارغة. لم يكن في الغرفة شيء يستحق السرقة، ومع ذلك كان ريّان يقفل الباب بقفلين. القفل الأول للصوص. والثاني للعادة.صبّ من الجرّة نصف كوب ماء، وشرب نصفه، ثم غسل وجهه بالنصف الباقي. حصّة الماء في الدائرة «ج» تُصرف مساءً، ولا تزيد على جرّة واحدة لكل بيت، وعل

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status