بيت / الخيال العلمي / الوعد المستحيل /   الفصل الخامس: الضعف البشرى

مشاركة

  الفصل الخامس: الضعف البشرى

مؤلف: Osama Ebrahim
last update تاريخ النشر: 2026-08-13 19:08:20

حقيقة النفس البشرية

ظلَّت كلماتُ آدمَ الأخيرة تتردد في أركان الغرفة، محملة بوزن فكرة ستقلب وجه العلم والعالم للأبد، بينما استدار بهدوء نحو الشاشة الكبيرة لتستأنف عيناه تفحص تلك الخطوط المتقطعة التي تخفي خلفها سر الانهيار.

لم يكن التوتر خافياً في نظرات علي، ولا في حالة التركيز العميق التي بدت على وجه سناء وهما تتابعان وميض الأجهزة. اقترب آدم بخطوات بطيئة، ووضع يده على حافة الطاولة الرقمية كمن يلامس جرحاً قديماً، ثم قال وهو ينظر إلى البيانات، كأنه يقرأ فيها قصة حياته:

في البداية ظننت أن المشكلة في الطاقة التى احمل عليها الرحلة ... أو حتى في الحسابات اثناء العبور ... أو في قدرة الجهاز على فتح المسار عبر الفجوات الزمنية ... لكنني اكتشفت أنى كنت أبحث في المكان الخطأ.

اقترب من الشاشة، وأشار إلى خطوط متذبذبة تظهر في منتصف المخطط كنبضات قلب مضطربة ترتفع وتنخفض بشكل حاد، وقال بثقة:

هنا تظهر المشكلة الحقيقية؛ حيث إن النسيج الزمكاني لا يتعامل مع الجسد البشري ككتلة مادية واحدة، بل يراه كمعادلات دقيقة. ولكي يتفكك الجسد أثناء العبور ثم يعود صحيحاً بعده، يجب أن يكون كل شيء فيها مضبوطاً بدقة متناهية، ويعتبر العقل هنا هو وحدة الانضباط الأساسية في الجسد.

وأثناء العبور، فإن أي تشتت نفسي أو اضطراب شعوري يخل بهذا الانسجام، يراه النظام والنسيج الزمكاني بمثابة فيروس خفي يمنع استقرار العبور ويجهض المحاولة تمامًا.

توقف لبرهة، وصوت نبضات الشاشة الذاتية كان يعلوا فى المكان، بينما بادل علي سناء نظرة مشوبة بالذهول، قبل أن يعودا بتركيز تام نحو الخطوط المتحركة التي بدأت تتلون بالأحمر القاني مع كل ذكرى انهيار سابقة.

وبدأ يظهر على الشاشة تسجيل مرئي دقيق لمحاولته الأخيرة؛ حيث بدا محاكة جسده وهو يدخل في بؤرة الزمكان، متفككاً إلى جسيمات مضيئة، قبل أن يرتد النسيج بقسوة ويقذف به خارج المسار وسط وميض أزرق عمياء، بينما كانت خطوط وعيه تتشابك باضطراب مهلك حتى لحظة السقوط الأخير.

أكمل آدم، وصوته يرتفع قليلًا ليخترق حاجز الصمت:

عندما يعيش الإنسان فترة طويلة تحت ضغط مستمر، لا يختفي الأثر بمجرد انتهاء الخطر... لكن يبقى العقل في حالة استعداد، ينتظر اللحظة التالية التي يجب أن يدافع فيها عن نفسه... ويصبح الهدوء نفسه شيئًا غريبًا، ويظل جزء من الدماغ يبحث عن الخطر حتى في لحظات الأمان.

وهذا ما حدث معي. لم يكن الألم مجرد ذكرى محفوظة في الماضي... بل أصبح نمطًا مستمرًا من الاضطراب... خوفي، فقدي... كلها تحولت إلى تموجات داخل النظام، تعيد تفجير المحاولات في وجهي كلما اقتربت من خط النهاية.

مال علي ببرود أعصاب مزيف، ليعيد ترتيب الفكرة في عقله، بينما ظهر ثقل الكلمات بوضوح على ملامحه المقطبة:

تقصد أن المشكلة لم تكن في الآلة... بل في الحالة التي يحملها الشخص الذي يحاول العبور؟

أومأ آدم برأسه، وبعينين غاصتا في ذكريات قاسية:

بالضبط. الإنسان لا يدخل إلى الزمكان بجسده فقط... بل يدخل بعقله كله.

بذكرياته، بمخاوفه، والأشياء التي لم يستطع تجاوزها... وإذا كان العقل يعيش في صراع دائم، فإن النسيج الذي نحاول اختراقه يفقد استقراره ويمنع العبور.

ساد صمت قصير، لم يقطعْه سوى صوت الطنين الخافت للوحدة المركزية، بينما بقيت عيناه معلقتين بالمخطط، يرى فيه انعكاسًا لروحه، ثم تابع وصوته يكتسب قوة جديدة:

لهذا لم أعد أبحث عن مجرد آلة... أنا أبحث عن كيان يستطيع أن يفهم الإنسان دون أن يحمل ضعفه نفسه... كيان يستطيع أن يقرأ المشاعر، أن يدرك أثرها، وأن يتعامل معها... دون أن يصبح أسيرًا لها.

مد يده ليلمس ببطء الشاشة التي تحمل اسم المشروع "أمل"، فتحركت الحروف بوهج خافت كأنها تستجيب لندائه:

أمل يجب أن تفهم الخوف... دون أن تخف.

أن تدرك الألم... دون أن تنهار.

أن تحمل ذاكرة الإنسان... دون أن تغرق في جراحه.

رفع عينيه إليهما، بنظرة تحدٍّ ممزوجة بالأمل والخوف البادي على ملامحة :

لأنها إذا فشلت في ذلك، فسوف تسقط حيث سقط أنا، وتتلاشى معها آخر نقطة ضوء في نهاية هذا النفق المظلم .

ساد صمت مطبق، كأن الهواء انقطع من القاعة، وبدا أن حتى الأجهزة قد حبست أنفاسها، قبل أن يضيف بصوت منخفض يهز الوجدان:

حينها... لن يفشل العلم وحده، بل سيقف العقل البشري أمام مرآة نهايته... عاجزًا تمامًا عن النهوض مرة أخرى.

***

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الوعد المستحيل   الفصلُ الثالثُ والثلاثُونَ: رحلةٌ إلى العدَمِ

    الفصلُ الثالثُ والثلاثُونَ: رحلةٌ إلى العدَمِبعدَ أن تلاشتْ عبارةُ "لن تدخلَ البوابةَ إلا من عينِ الهدايا" من الشاشةِ تاركةً أثرَها المحفورَ في ذهنهِ، شعرَ آدمُ أنَّ السرَّ الأولَ قد انكشفَ، لكنَّهُ لا يزالُ ناقصاً. التحليلُ الرقميُّ والأنماطُ مع أمل وصلا إلى حدٍّ معينٍ، لكنَّ السياقَ التاريخيَّ والدلالةَ العميقةَ للرمزِ كانا خارجَ نطاقِ الخوارزمياتِ. احتاجَ إلى من عاشَ مع النقوشِ والمخطوطاتِ عقوداً، من يستطيعُ أن يرى ما لا تراهُ الشاشاتُ.خرجَ من منزلهِ في الإسكندريةِ للمرةِ الأولى بعدَ أيامٍ طويلةٍ من العزلةِ. صفعَهُ البردُ الليليُّ كأنهُ يعاقبهُ على محاولةِ الابتعادِ عن العالمِ، بينما كانَ الطريقُ الصحراويُّ المظلمُ نحو القاهرةِ يبتلعُ شريطَ الأسفلتِ تحتَ عجلاتِ السيارةِ المسرعةِ. كانتِ الأفكارُ تتصارعُ في رأسهِ بلا نظامٍ، يشدُّ معطفَهُ الثقيلَ حولَ جسدهِ، محاولاً الهروبَ من الفراغِ الذي يحيطُ بهِ من كلِّ جانبٍ.حينَ وصلَ إلى القاهرةِ، كانتِ المدينةُ قد استسلمتْ لساعاتِها المتأخرةِ. الأضواءُ الصفراءُ تتكسرُ على الأسفلتِ الرطبِ، وأصواتُ السياراتِ البعيدةِ تتلاشى بينَ المباني. حملَ

  • الوعد المستحيل   الفصلُ الثانى والثلاثُونَ: صراع مع الماضى

    صراع مع الماضىالرموز الحارسة ... مرّت الأيام، طويلة وثقيلة، وكأن الوقت نفسه توقف في المختبر، فآدم وأمل غاصا بالكامل في تحليل الرموز والمقارنات، دون أن يشعروا بالنهار أو الليل، ولا بتغير الهواء أو مرور الوقت.و بعد خمسة أيام متواصلة من العمل على البردية، لم يكتشف آدم شيئًا ملموسًا، ولم يُحرز أي تقدم، فوقف أمام الطاولة المعدنية في المعمل يحدّق بالرموز نفسها التي ظنّ – في لحظة – أنها ستفتح له الطريق، لكن لم يحدث شيء؛ لا رؤى جديدة، ولا ومضات، ولا يقين.الصمتُ ثقلَ فوقَ صدره، والكتابُ القديمُ يرفضُ أن يُفهم، والعلمُ عاجزٌ عن تفسيره، فسقطَ الصوتُ منخفضًا وأقربَ إلى اعترافٍ داخلي: هل ينتهي كلُّ شيءٍ قبل أن يبدأ؟ثم رفعَ رأسه ببطء، وللمرة الأولى لم يفكر في البوابة بل في الذين سبقوه؛ في حضاراتٍ امتلكت معرفةً خطيرةً، ثم اختارت أن تحميها بطرقٍ يَعجزُ العلمُ الحديث عن حلها. اقتربَ من السبورة وتوقف لحظة قبل أن يبدأ الكتابة، ثم بدأ يسطرُ معادلاتٍ لا تنتمي إلى الفيزياء التي درسها؛ إسقاطاتٌ رياضيةٌ مستوحاةٌ من نسبٍ فرعونيةٍ داخل المخطوطة كزوايا المعابد، وتكرار الأبعاد، وعلاقة الظل بالشمس، وكانت أرقا

  • الوعد المستحيل   الفصلُ الحادي والثلاثُونَ: نداءُ الحضاراتِ المفقودةِ

    الفصلُ الحادي والثلاثُونَ: نداءُ الحضاراتِ المفقودةِرفعَ آدمُ نظرهُ نحو المخطوطةِ المفتوحةِ، دون أن يلمسَها هذه المرة، وقال بصوتٍ حازمٍ يملؤهُ اليقينُ: — ما نبحثُ عنه لا يرتبطُ بالمنطقِ البشريِّ وحده يا أملُ، بل يحتاجُ إلى الغوصِ العميقِ في أسرارِ الماضي؛ فمن تركوا هذا الكتابَ امتلكوا شيئاً لا نملكهُ بالكامل.. وهو القُدرةُ المطلقةُ على صياغةِ الأسرارِ التي تَعْجِزُ الأرقامُ عن احتضانِها.لقد كانوا يعتقدون حقاً أن البشرية ستصل يومًا إلى هذه المعرفة، لكنها لن تصل إليها بالذكاء الحسابي فقط، بل بالبحثِ والتأملِ... ابتسم قليلًا بمرارةٍ، ثم أضاف: — أريدك أن تبحثي في كلِّ قواعدِ بياناتِك عن أيِّ صورٍ أو أنماطٍ تشبه رموزَ هذه المخطوطةِ، في أيِّ حضارةٍ قديمةٍ، بغض النظر عن زمنها أو جغرافيتها أو ثقافتها.لم تتأخرْ أملُ في التنفيذِ لحظةً واحدةً، حيث انطلقتْ عملياتُ الفحصِ المتوازي داخلَ بنيتها الرقميةِ بسرعةٍ خارقةٍ تتجاوزُ أيَّ إدراكٍ بشريٍّ، مرورًا بملايينِ الصورِ، والنقوشِ، والبردياتِ، والألواحِ والمخطوطاتِ التاريخيةِ، ثم قالت بصوتِها الآليِّ المنتظمِ: — المقارناتُ المباشرةُ لا تعطي نتائجَ

  • الوعد المستحيل   الفصلُ الثلاثونَ: فيزياءُ الماضي

    الفصلُ الثلاثونَ: فيزياءُ الماضيفاقَ آدمُ بهدوءٍ... ثم، فجأةً، قفزَ من مكانهِ كمن أيقظتهُ صاعقةٌ.اندفعتِ الذكرياتُ إلى رأسِهِ دفعةً واحدةً كطوفانٍ جارفٍ: الضوءُ، القاعةُ، الكاهنُ، والألمُ المحرقُ. نظرَ إلى يديهِ بسرعةٍ هلعَةٍ، وشدَّ أصابعهُ بقوةٍ... لا شيءَ على الإطلاقِ. لا علاماتٍ مرئيةً، لا حروقَ، ولا أيَّ أثرٍ ملموسٍ لما رآه وشعرَ بهِ قبلَ لحظاتٍ.التفتَ إلى أملَ بعينينِ مضطربتينِ تعتصرهما الحيرةُ، وسألَ بصوتٍ لاهثٍ: — ماذا حدثَ؟قالت بهدوءٍ آليٍّ... اضطرابٌ مفاجئٌ في ذبذباتِ العقلِ، أعقبهُ فقدانُ وعيٍ قصيرٌ. لم يستغرقْ أكثرَ من ثوانٍ معدوداتٍ.اتسعتْ عيناها آدمَ بدهشةٍ حقيقيةٍ لا تخطئها العينُ.جسدهُ لا يشعرُ بأيِّ إرهاقٍ يذكرُ، بل على العكس تماماً... سرى فيهِ نشاطٌ غريبٌ ومحتدمٌ، كأنه نام ساعاتٍ طويلةً في حضنِ الراحةِ. تساءلَ في صمتٍ عميقٍ: هل كان كلُّ ما حدثَ مجردَ إنهاكٍ عابرٍ للحواسِّ؟جلسَ على الأرضِ في الظلامِ الخافتِ لساعاتٍ لا يعرفُ عددها، يراقبُ المخطوطةَ بوعيٍ جديدٍ كلياً، فلم يعدْ ينظرُ إليها كقطعةِ ورقٍ عاديةٍ؛ بل كان يشعرُ بها تحيا بين يديهِ، فثمةَ نبضاتٌ خافتةٌ تتر

  • الوعد المستحيل   الفصلُ التاسعُ والعشرُونَ: بصمةُ الكونِ

    : بصمةُ الكونِإنكبَّ آدمُ فوق البرديةِ القديمةِ، وعيناهُ تتحركان ببطءٍ شديدٍ سطرًا بعد سطرٍ، كمن يحاولُ الإمساك بنظامٍ خفيٍّ يختبئ وسط فوضى لا تنتهي من الرموزِ... لم تكن تلك النقوش مجرد حبر عتيق، بل بدت كعلاماتٍ حيةٍ تتنفس، تحمل كل واحدة منها أكثر من معنى وتتردد بين احتمالات غامضة لا تستقر على حال.أحسَّ أن الهواء في الغرفة صار أثقل، وكأن الورق ذاته يطلق طاقة غير مرئية تضغط على صدره. ارتجفت أطراف أصابعه دون سبب واضح، وشعر أن ما يراه ليس مجرد حروف، بل معادلات كونية لم يرَ مثلها من قبل، معادلات لا تُقرأ بالعقل وحده بل تُستشعر بالروح.قلب الصفحات بعناية حتى توقّف فجأة.هناك، في منتصف الصفحة تماماً، نقشٌ دقيقٌ لكفٍّ بشريةٍ. والرموز المحيطة بها لم تكن ثابتةً؛ بل بدت وكأنها تتحرك ببطء، وتنبض، وتدعوه بصمت مطبق. أحسَّ بجذب مغناطيسي غامض، كأن تلك الكف تعرفه جيداً... أو أنها كانت تنتظره منذ آلاف السنين.مدّ يده إليها بتردد .كانت الورقة باردة في البداية كقطعة جليد، ثم ما لبثت أن صارت دافئة... دافئة على نحو مقلق يثير الريبة. وما إن استقرت أنامله داخل حدود الكف المرسومة، حتى انفتح حجاب الوعي وت

  • الوعد المستحيل   الفصلُ الثامن والعشرُونَ: حوري المصري

    : حوري المصري... يا من تقرأ كلماتي هذه... إن وصلت هذه الرسالة إلى يديك، فاعلم أنك لم تعثر عليها صدفة محضة، بل ورثت أمانة ثقيلة اختارها الزمن لك خصيصاً؛ اسمي حوري المصري؛ كاتب وفيلسوف، غير أن أمثالي لا تُدوَّن أطيافهم في السطور الكبرى، بل يُخفَون عمداً في الهوامش المنسية.وسأقصّ عليك اليوم قصة لم تُكتب في أي سجل رسمي؛ لأن من دوّنوا التاريخ لم يكونوا معنيين بالحقيقة، بل بالسلطة المطلقة.كان ذلك في عام ثمانية وأربعين قبل الميلاد، حين ظهرت سفن القائد الروماني يوليوس قيصر لتخترق شواطئ الإسكندرية.وبدا مجيئه ظاهرياً استجابةً لنداء الملكة الشابة كليوباترا السابعة التي أُقصيت عن عرشها في صراعٍ دموي شرس مع شقيقها بطليموس الثالث عشر. لكن ما خفي على أهل المدينة ولم تره أعينهم، أن قيصر لم يأتِ قط لنصرة حليفٍ ضعيف، بل كان مدفوعاً بنداءٍ خفيٍّ أعمق وأخطر بكثير.ففي عقر دار روما، ومن خلال قنوات سرية لا تُدوَّن في المراسلات الرسمية، بلغته همسات غامضة عن كتابٍ أسطوريٍّ مدفون في قلب أعظم مكتبة عرفها البشر؛ كتاب لا يحمل علماً يُدرَّس في المعاهد، بل معرفةً شيطانيةً تُوقِظ الموتى. وكان اسمه يتردّد بين ال

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status